فصل من رواية "حز القيد"
لـ: محمد عيد العريمي
لئن تعذر عليّ التحقق من المكان الذي اقتادني إليه عسكري، ووجَّه خطواتي للصعود إليه عبر عدة درجات ضيقة، بعد أن زُجَّ نصف جسدي العلوي داخل كيس من الخيش حُزمتْ فوهته حول خاصرتي، فقد تأكد لي بعد أن استعدت توازني أثر ارتطامي بعمود صلب وسقوطي فوق جسد آخر مثلي، أني داخل صندوق واحدة من تلك الشاحنات السوداء التي اصطفت أمام المبنى بانتظام يناسب المهمة المعدة لها!
ولم يمضِ وقت طويل حتى تحركت الشاحنة على طريق معبد، ثم شقت طريقها في درب ترابي متعرج مليء بالصخور وأكوام التراب.. لا أعرف المكان المتوجهة إليه ولا من كان معي داخلها! وأطبق على الصندوق رعب مخيف وموحش كوحشة العوالم المظلمة داخل أكياس تبعثرت على أرضيته.
بيني والعالم المحيط بي فتحة صغيرة أمام فمي.. استنشق من خلالها الغبار وهواء لوثته روائح السخط في قلوب من كانوا معي.. فتحة اكتظت بهواء الشهيق والزفير، وأصوات مكتومة امتزج فيها الرعب بالذل والخوف بالمهانة، وبكاء واحد أخافته الظلمة بدأ خافتا ومتقطعا يراوح بين حدود العزلة داخل كيس هو قيد وعصابة في آن، وأنة ألم كانت تزداد كلما ارتفع صندوق الشاحنة أو سـقط وهي تشق طريقها على درب ترابي وعر.. كثير المطبَّات والمنعطفات.
وارتفع صوت الجالس إلى يميني وهو يهدًّئ من روع ذاك الذي كان يبكي:
ـ وحِّد الله يا رجل وحِّد الله.
وارتفعت الأصوات مرة واحدة:
ـ لا إله إلا الله.. لا إله إلا الله.
وإذ عرفت صاحب الصوت بدا لي أن عددنا أكثر وأصواتنا أقوى وغبار الصحراء أخف، وأن العتمة داخل الكيس أقل حلكة.
وصاح أحدهم:
ـ ظافر؟
ـ نعم ظافر بشحمه ولحمه.
...
كنا ثمانية: ظافر، مدير التموين ورئيسي في العمل، والدكتور معاذ، طبيب عيادة الشركة، وبدران، وأنا، والعم عزان الصباغ، من مشاريع الطرق، وحامد، من قسم الإنشاءات، وعادل، موظف الفندق، ثم ذاك الذي فشلت محاولات ظافر المستمرة للتعرف إليه، وظل صامتا أو يبكي بكاء خافتا إلى أن وصلنا "مراغة البعير الأجرب".
لم يتوقف ظافر، بعد أن عرف جميع الموجودين داخل الصندوق غير ذاك الذي فضل الصمت، عن الحديث وتوجيه الأسئلة المبطنة بنية غير الظاهر منها، رغم محاولة الدكتور معاذ شغل المجموعة بأحاديث مختلفة تخفف مشقة السفر في صندوق حديد مغلق إلا من فتحات هواء صغيرة يتعذر تحديد أماكنها لمن حُشر نصف جسده العلوي في كيس خيش معتم!
وبدا واضحا، بعد فترة من الحديث، أن شكوك ظافر تحوم حول موظف الفندق، رغم أن ذلك الذي ركن إلى الصمت بعد البكاء كان أولى بالشبهة من غيره، في حين اشتبهتُ، ومنذ بداية الرحلة، بواحد غير الاثنين.. واحد من بيننا نحن الستة: موظفي الشركة!
ومضى ظافر يتحدث على صوت هدير محرك الشاحنة وهي تنهش الصحراء. وبدا لي، في لحظات القهر تلك، أن ثمة علاقات عكسية تربط بين الاثنين: ظافر والشاحنة، فكلما ضعف صوته ازدادت كلماته قوة، في حين كان هدير المحرك يزداد ضجيجا كلما أوغلت الشاحنة أكثر في الرمال: "عسكر السجون ليسوا أعداءً وليس بيننا وبينهم ثأر أو أحقاد.. هم فقط مكلفون بمهام معينة يتقنون تنفيذها. لا تخشوهم، ولكن أيضا لا تقللوا من قدرتهم على استخدام أساليب تعذيب بشعة لانتزاع اعترافات أو اختلاقها". وبعد لحظات حاول خلالها استعادة صوته بسبب جفاف حلقه أضاف: "لا تعترفوا بشيء كذب تحت لسع سياطهم، فذلك لن يكف الأذى وإنما سيفتح شهيتهم للضغط أكثر واستخدام أساليب أخرى أشد قسوة للحصول على مزيد من الاعترافات الكاذبة. وهكذا ستجر الكذبة الأولى كذبات أخرى بعدها!".
ومع الغبار والحرارة جفت الحلوق، وغدا السكوت قسرا، والكلام ضرباً من العقاب الذاتي لمن أراد، غير أن الذي اشتبهتُ فيه سرا تابع الكلام دون أن يطرأ على صوته تغيير. صدقت ظنوني، وثَبُتَ أيضا أن شكوك ظافر حول موظف الفندق كانت في غير محلها، إذ يبدو أن زميل العمل المدسوس بيننا كان يحمل معه داخل كيسه بعض الماء، فقد واصل الحديث وطرح الأسئلة دون أن يطرأ تبدل على صوته. لكزت ظافر بكوعي فاقترب وهمست أسأله إذا لاحظ شيئا على من أثار شكوكي. وعرفنا نحن الاثنان أن بدران هو المُخبر المدسوس بيننا.
* * *
كنت وحيدا في الظلمة إلا من صورة أمي.. كانت الأوْضَحَ، بين كل الصور التي احتشدت داخل رأسي في ذلك الوقت، فسالت دمعتي وأنا أكرر السؤال وألوم نفسي: كيف ستستقبل خبر اعتقالي؟ وهي التي فقدت بصرها أو بالكاد من كثرة البكاء حزنا على زوج لم تتوقف عن ذكره واستحضار صوره كلما ألمت بنا المصاعب، وحديثها عنه لم يخب ولا انقطع.
كانت أمي، خلال حملة الاعتقالات، أكثرنا تأزما بما كان يدور من إشاعات ويُنقل من أخبار حول المعتقلين وطبيعة حركتهم والاتهامات التي كانت تشاع عنهم.. وهي بذاك تبحث عن ما يطمئنها بأنْ لا علاقة لي بما يجري. كانت تتابع أخبار الاعتقالات وعينها عليَّ أنا: ولدها الوحيد. وتخيلتها في تلك اللحظات المُتْرَعة حتى الثمالة بالحزن والخوف تجلس صامتة في حجرتها.. تصلي وتقرأ القرآن، وترفع عينيها الدامعتين إلى السماء تارة، وتلتفت إلى مكان صورتي على الحائط تارة أخرى، وتدعو الله أن يفك كرب ابنها ويعيده إليها سالما!
ومما زاد من مخاوفها أن تكون علاقتي بسعد سببا كافيا لاعتقالي حتى وإن لم تكن لي صلة بتنظيمه. ورغم أني أجبت مرات كثيرة على نفس السؤال حول ما إذا كنت متورطا معهم، وسواه من أسئلة ذات صلة بمن اعتقلوا ودواعي اعتقالهم، إلا أنها لم تطمئن ولم تكف عن متابعتي في ذهابي وإيابي، والشك في تصرفاتي. فإذا خَرَجْتُ تسأل زوجتي "أين ذهب؟"، وإذا عدت تسألها إن كنت عُدت بشيء في يدي. وتسأل هل أنام جيدا؟ وما إذا كنت أعاني من كوابيس أو أرق؟
وذات يوم دخلت علينا غرفتنا دون أن تطرق الباب وبين يديها القرآن الكريم، وطلبت مني أن أحلف اليمين أن لا علاقة لي بما يجري لكي يهدأ بالها. وأقسمتُ اليمين بعد أن قبلت المصحف الكريم أن لا علاقة لي بسعد في هذا الشأن ولا أعرف شيئا عن تنظيمه، لكن لا نفسها أطمأنت، ولا هدأ لها بال!
* * *
وسط خليط الوجوه والأسماء والأفكار والأسئلة، التي كانت تضج في رأسي الواهن، وخوفي على أمي حين يتعاظم حزنها وهي تَذْكَُرُ أو تتذكر الزوج الحبيب والأب الحنون، أطل وجه أبي من جديد فداس على أول فتق في الجسد وآخر جرح فيه!
فمنذ بدء حملة الاعتقالات وخياله يتعقب خطواتي وصورته تطاردني: ملامحه واضحة أحيانا إلى درجة أسمع نبض قلبه، وفي أحيان أخرى تبدو صورته باهتهَ تظهر في مكان قصي من ذاكرتي. كان يظهر فجأة ويغيب.. يسأل ولا يجيب! وكان صوته دائما هو ذات الصوت: حادا وقويا، وكان حضوره، حتى في غيابه، لا يضاهى!
...
كنت في السابعة عشرة من العمر حين توفي أبي، فذات صباح استيقظت منقبض الصدر على نعيق غراب أسود يحوم حول دائرة أحسست وأنا أرفع عينيَّ إلى السماء أنها تضيق بعد كل دورة له.. تمنيت لو أنها أطبقت على رقبته وكتمت صوته الذي كان يخترق أذني كميسم حام، ومن الجوار جاء صوت نقيق ضفدعة، وسمعت أمي تقول:"اللهم اجعله خيراً"، وقلت بعدها:"آمين"، وعرفت أن أبي لم يرجع!
كعادته كل مرة قال لأمي إنه لن يتأخر، وعلى غير عادته لم يرجع تلك الليلة! فذهبت أسأل عنه في الوكالة. قال لي البواب إنه خرج بعد صلاة المغرب ولم يعد، وقال أيضا:
ـ أبلغه أن المدير اتصل يسأل عنه مرات عدة ويبدو أنهم لن يتساهلوا معه هذه المرة!
فقلت أدافع عن أبي:
ـ الغائب عذره معه!
وفي سرِّي قلت: "اللعنة على المدير وعلى الوكالة"، وفي سرِّي لعنت الفقر أيضا!
...
عدت إلى بيتنا ظهرا، وحالما دخلت من الباب بحثتْ عيناي عن أمي، ولكن لم أرها، وإنما رأيت جارتنا العجوز أم خالد وسمعت بكاءها! وإذ رأتني أخطو نحوها رفعتْ جسدها الهرم إلى الأعلى ووقفتْ، وكانت على وشك احتضاني عندما تهاوت وسقطت على الأرض. رفعتها وأجلستها على الكرسي الذي كانت تجلس عليه.
رفعتُ نظري إلى السماء.. كانت ملبدة بغيوم سوداء حزينة، فلا رأيت غرابا، ولا سمعت في الجوار نقيق ضفدعة، وعرفت أن أبي مات!
دخلت على أمي في غرفتها. كان صوت بكائها خافتا. وقفت طويلا فوق رأسها ولم تلتفت.. لعلها لم تتبين دخولي! سالت دمعة على صفحة خدي.. مسحتها بكفي، وجلست بجوارها. وكالحلم رأيت طيف أبي، وكأنه لم يكن بين ظهرينا بالأمس، ولا كان حضوره يملأ المكان ورائحته مازالت تعبق في الهواء.
يُقال إن كل شيء يبدأ صغيرا ثم يكبر إلا الموت. كان موت أبي فاجعةً، وكان غيابه المفاجئ قاسيا، وما خطر لي يوما أني سأجد نفسي فجأة يتيما ووحيد أمي ومسؤولاً عنها. أبي كان يتيما ووحيد أمه أيضا، وها أنا ذا أرث يتم أبي وأرث فقره!
...
دخلت على أبي. كان ممدَّداً على ظهره ويديه مضمومتان إلى صدره، ولم يكن للموت أثر على وجهه، بل كان أكثر استرخاء: عيناه مغمضتان وشفتاه مفتوحتان، وعلى وجنتيه ابتسامة رضية. كان ميتا ولكن كل شيء في وجهه كان حيا.. يقول كلاما لعل الموت لم يمهله وقتا لقوله.
وإذا كان الموت يفرق بين الناس ولا يجمع، إلا أني شعرت في حضرة أبي الميت أني أكثر قربا منه وأكثر حبا له من أي وقت مضى!
كنت على وشك الصراخ: "أبي لم يمت.. أبي يبتسم.. أبي مازال حيا"، عندما دخلت أمي تحمل في يدها »المصحف الشريف«: قرأت كثيرا، وبكيت، وصليت ركعتين ثم قَبَّلَتُ جبينه، وجلست على الأرض إلى جواره. وسألت نفسي: "أين يذهب المرء حين لا يكون له أحد يلجأ إليه في الأوقات الصعبة كهذه؟". لا أهل لنا هنا ولا أقارب. "مقطوعين من شجرة" كما كانت تقول أمي دائما! لكن أم خالد قالت لي فيما بعد إن الجيران في العزاء يصبحون أهلا وأقارب.
كان الانتظار بطيئاً، والحزن كبيرا، والدمع غزيرا. جاء الرجال بعد صلاة العصر: غسلوه بالصابون ونثروا على جسده الكافور، وكفنوه بالبياض وعطروه بالياسمين. كان أبي في ليلة عرسه لا في ليلة موته: زفوه محمولا فوق الأكتاف: مكان للأبطال ومكان للأموات. وارتفعت حناجر الرجال مرة واحدة: "لا إله إلا الله محمد رسول الله.. لا إله إلا الله محمد رسول الله". وفي مدينة الموتى صلوا عليه، ومددوا جسده في القبر وأهالوا التراب عليه. ورشوا الماء على القبر ونصبوا الشاهد عليه. وقرؤوا على روحه الفاتحة، وشدوا على يدي وقالوا: "البقاء والدوام لله"، وعادوا من حيث أتوا، وبقيت أنا وحدي إلى جانب قبر أبي!
...
بعد ثلاثة أيام انفض العزاء، وعاد أولئك الذين وقفوا معي لتلقي واجب العزاء كل إلى شأنه وحاله. وفي البيت كانت أمي تمضي النهار والليل باكية: كانت تبكي وهي وحدها، وكانت تبكي أكثر كلما دخلت عليها النساء.. بكت، وبكت حتى أعياها البكاء.
عاد الهدوء إلى بيتنا.. يمزقه بين حين وآخر صوت بكاء أمي. وجثم الحزن وأطبق الخوف على نفسينا، وغدا الصمت لا يطاق. كانت أمي لا تتكلم إلا نادرا.. لا تتحرك إلا قليلا، وهي التي كانت لا تكف عن الحديث والابتسامة لا تفارق وجهها ودائمة الحركة كفراشة في واحة زهور أو كما كان يقول والدي لها: "حبيبتي بستان من الياسمين".
أخذت تكثر من الصلاة وقراءة القرآن نهارا وليلا. أستيقظ صباحا وأراها في المكان نفسه الذي كانت عليه عندما أويت إلى فراشي. وأسمعها تدعو بعد صلاة الفجر: "ربي وسعت رحمتك كل شيء فارحم هذا الصبي اليتيم وأعنه على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم أبعد عنه الأذى ووفقه لخير ما تحب وترضى". وفي أحيان أخرى كنت أسمع بكاءها الخافت وهي تحاول كتمه. ومن بكائها كنت أبكي في داخلي.
أصابها الضعف.. ازدادت شحوبا وترك الحزن والبكاء هالاتٍ وخطوطا سوداء حول عينيها وعلى وجهها. كانت لا تذوق للنوم طعما، وعافت الأكل إلا القليل منه، وأصبحت هيكلاً عظمياً كستْهُ ثياب بالية. وأفلت ابتسامتها الصافية وحلَّت مكانها دموع ساخنة. كانت تبكي الزوج، وكانت تبكي نفسها، وكانت تبكي خوفا عليَّ أيضا.
* * *
بعد رحلة استغرقت النصف الثاني كله من ذلك النهار توقفت الشاحنة. وعبر فتحات التهوية الصغيرة انسابت إلى مسامعنا أصوات حركة أحذية ثقيلة وأحاديث، وتهادى إلى أسماعنا أيضا صراخ تحمله الريح وتراب الصحراء. فتح أحد العسكر الباب وطلب منا الوقوف في طابور واحد. كيف وقفنا؟ وهل وقفنا في طابور كما أراد؟.. لا أدري!
سرت حركة استعداد لأداء التحية بين الأفراد المتواجدين أمام باب الصندوق، وارتفعت أصوات أحذية العسكر وهي تضرب الأرض بغير انتظام، وصرخ أحدهم: "الطابور جاهز للنزول سيدي".
داهمنا صوت ارتطام الجسد الأول بالأرض وتلته صرخة ألم، ثم الجسد الثاني، والثالث.. اختلفت شدة كل صرخة وصوتها حسب ارتطام جسد صاحبها بالأرض. كنت الرابع عندما سقط جسدي فوق كومة الأجساد التي سبقتني، وخيل إليَّ ا أجسادنا بعد سقوط آخر جسد يشبه كومة صخور.. لا تختلف عن أطلال جدران كانت يوما هنا!
نحن أجساد بلا أرواح...
وانتظرنا صوتا يأمرنا بالوقوف، لكن جاءنا الأمر صارما كحد السيف بالزحف على بطوننا. وعندما علق ظافر بنبرة امتزج فيها الألم بالسخرية: "لم يذكر أحد في المدينة أننا هنا لتأدية الخدمة العسكرية الإلزامية"، تهاوت عليه ركلات حذاء ثقيل أو أكثر في أماكن مختلفة من جسمه مصحوبة بصرخة: "اخرس يا كلب".
تحركت أجسادنا تنثني وتتمدد كشرانق الديدان. فالزحف على البطون من دون أذرع كالسباحة من دون أقدام. وكانت السياط تلسع أكتافنا إذا حادت أجسادنا يمينا أو شمالا حتى وصلنا إلى ساحة المعتقل. هناك طلبوا منا الوقوف، ورفعوا من لم يقوَ عليه، ثم أمرهم قائدهم بفك وثاق الأكياس. تحررت الأجساد وارتفعت الأذرع تحمي العيون من أشعة أضواء كاشفة قوية سُلطت على الساحة وأجزاء أخرى من المعتقل.
وحده ظافر واجه الأشعة الكاشفة بعينين مفتوحتين ونظر إلى العسكر بصلابة أرادها أن تكون قوية وواضحة! والدم يسيل من زاوية فمه، بصق يمينا والتفت يسارا وبصق، وما بين المكانين وزع نظرات إلى الواقفين أمامه فيها من التحدي ما ينذر بمقاومة ولو في أضعف حالاتها.. وحده ظافر وقف ورأسه مرفوع وجسده منتصب!
* * *
كانوا مثل عددنا أو أكثر قليلا.. صوبوا فوهات بنادقهم إلينا وأصابعهم على الزناد، ثم تقدم رئيسهم: ضابط برتبة كبيرة.. كثرتْ النياشين والنجوم على صدره وكتفيه.. اقترب من ظافر وقال:
ـ لم أتشرف بمعرفتكم بعد، فملفاتكم ما زالت داخل الحافلة، ولا أعرف عنكم شيئا غير أن بعضكم أصدقاء »بن مرة« وبعضكم زملاؤه في العمل.
ثم التفت إلى ظافر، وسأل:
ـ من أنت؟
ـ ظافر، ويدعوني أصدقائي »أبو نصر«.
ـ أنعم وأكرم. ولكن أنا لست من أصدقائك، ولعلك تظن أني من ألد أعدائك!
أجاب ظافر بنظرة في عيني الضابط حملت ردا أبلغ من أي حديث! ويبدو أن الرسالة وصلت، فقد سأله الضابط بأكثر الأساليب تهكما وهو يهز رأسه يمينا وشمالا:
ـ قل لي يا ظافر: هل تعرف أين أنت؟
وإذ طال صمت ظافر استدار الضابط نحونا، وبصوت رخيم لا ينم عن عنف أو شدة قال وهو يضرب طرف عصاه بخفة ووتيرة ثابتة على راحة يده: "أنتم يا خنازير في مراغة البعير الأجرب، المعروفة رسميا باسم "سجن التأهيل والإصلاح". وأنا سيد هذا المكان".
وهو يضرب بأصابعه إشارات الرتب على كتفه، قال: "اسمي سليمان، ورتبتي العسكرية كما ترون عقيد"، وأضاف، بعد أن مسح بنظره وجوهنا واحدا واحدا وتوقف أمام ظافر: "ويلقبني أعدائي قبل أصدقائي باسم »الخازوق«.. لقب لم يُطلق عليَّ عبثا، وإنما بشهادة واعتراف كل من أوقعه حظه العاثر في قبضة يدي هذه.. أفهمتم؟".
واستطرد بحركات تمثيلية، وهو يضم قبضة يده اليمنى ويرفعها في وجه ظافر: "والمراغة إذا كنت لا تعرفها يا ظافر معناها مكان حَجْر الإبل المصابة بالجرب بعيدا عن مضارب البدو ومراعي الماشية؛ حيث تترك هناك تتمرغ في التراب حتى تشفى أو تموت!". وتابع بعد أن أعطى ظافر ظهره: "تربية من لم يربه أهله، يا كلاب، مهمتي وأنا أجيدها، فإما التعاون معي لتهذيب أخلاقكم وإصلاح شأنكم وإما البقاء هنا حتى يأتيكم عزرائيل وينتزع أرواحكم ويريحنا من قذارة وجوهكم!".
وبحركة خفيفة رفع كوعه وسدد ضربة قوية إلى بطن ظافر، وأردف بصوت عال: "تعلَّم كيف تتحدث وتتصرف في حضور أسيادك يا كلب"، والْتفت إلى حيث انحنى ظافر يتلوى ألما وسدد إليه بيده لكمة قوية على وجهه طرحته على ظهره مغشيا عليه.
وقال وهو يتفقد وجوهنا بحثا عن تأثير ما فعله بظافر: "اسمعوا يا سفلة: إذا كنتم تعتقدون أنكم في نزهة وتغيير جو فأنتم مخطئون.. مخطئون تماما. أنتم في جهنم وأنا سيدها، وانتزاع الاعترافات من الرؤوس المتحجرة لعبتي وأنا محترف فيها"
وبعد أن جالت عيناه في الوجوه الشاحبة أمامه، قال: " وأمامكم خياران لا ثالث لهما: وإما الاعتراف طوعا ودون توسيخ يدي بدمائكم القذرة، وإمَّا سلخ جلودكم وانتزاع الاعترافات من رؤوسكم ببطء وعلى أقل من مهلي!"
وأشـاح بعصاه إلى اليمين وإلى اليسار، وتطلع إلى حيث رقد ظافر، وقال: لن أزيد على كلامي هذا كلاما، لكن فكروا جيدا فيما قلته، وتذكروا أنكم الليلة ضيوفي، لكن احذروا إساءة فهم حسن الضيافة ولا تطمعوا كثيرا في كرمي. وصرخ على الأفراد: "أبعدوهم عن وجهي"، وأضاف وهو يركل قدم ظافر برأس حذائه: "وليحملوا هذا الكلب معهم".
اندفع الدكتور معاذ إلى حيث يرقد ظافر وتبعناه.. أسنده إلى ركبته ثم حاول إنعاشه بتدليك صدره ورش الماء على وجهه من قارورة ماء قدمها أحد العسكر. وبعد محاولات عدة استعاد ظافر وعيه، ومع وعيه استعاد أيضا قوة عناده عندما التفت يبحث عن "الخازوق".
كان الدم يغطي نصف وجهه الأيمن، فتعذر على الدكتور معاذ تحديد مكان النزف، وعندما سأل أقرب عسكري إليه عن أدوات إسعاف أولية تمنَّع ولم يجبه! ثم واصل النظر في وجوه الآخرين، الذين كانت عيونهم تتابع محاولات الدكتور معاذ لإسعاف ظافر.. لعل أحدهم يستجيب له. وبدا الأمر وكأنهم لا يفهمون لغتنا رغم أن سمات وجوههم لا تختلف عن سمات وجوهنا. وقال وهو ينظف مكان الدم بكم قميصه بعد أن بلله بالماء: "الحمد لله، جرح سطحي وبعيد عن العين".
كان العسكر يتابعون المشهد دون اكتراث وهم في وضع الاستعداد لأي حركة قد يرتكبها أحدنا. وعندما أراد أكبرهم رتبة حثنا على الوقوف وحمل ظافر لم يجد شيئا أفضل من فوهة بندقيته، وسيلةً للإسراع بتنفيذ أمره، حين وضعها على صدر الدكتور معاذ ورفعها إلى الأعلى. أسرعت نحو ظافر وأسندته إلى كتفي، وعندما جاء بدران لمساعدته من الجانب الثاني تمنَّع، بل ودفعه بيده بعيدا عنه. وكانت تلك أول إشارة إلى بدران أن وجوده بيننا غير مَّرحَب به!