الإسلام بين محن ثلاث

    تمر دردشة الساحة الخاصة بالمتصفح والموبايل بفترة صيانة دورية هذا ونعتذر للجميع على الإنقطاع المؤقت بإمكانكم المشاركة في المنتدى لحين عودتها :)

    • الإسلام بين محن ثلاث

      الحمد لله ، أحمده واستعينه واستهديه ، وأعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله ،أرسله بدعوة الحق إلى الخلق فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وكشف الغمة ، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته وسار على نهجه ودعا بدعوته إلى يوم الدين .. اما بعد .

      فإن الذي يتدبر التاريخ الإسلامي المجيد يجده منذ تنفس صبحه وارتفاع صوته ، بدأ يواجه سلسلة من المحن والتحديات ، واستمرت هذه السلسلة إلى وقتنا هذا ، وسوف تستمر إلى أن تقوم الساعة لأن تلك هي سنة الله في خلقه { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب)..

      ولقد أخبرنا الله سبحانه وتعالى أن حلقات الأمر إذا استحكمت صعوبتها جاء الفرج من الله سبحانه وتعالى وانفرج الضيق وزالت الصعوبة { وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى ، أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ، ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون ، حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين ، لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ، ما كان حديثاً يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون) .

      إن في المرسلين عبرة لأولي الألباب ، ولكن بجانب ذلك كله لا اعرف محنة رزئ بها الإسلام كمحن ثلاث ، وهي تآمر أعدائه ، وجهل أبنائه ، وعجز علمائه ، ولقد اجتمعت هذه المحن الثلاث في هذا القرن المنصرم ، وبسبب اجتماعها زلزلت العقيدة في نفوس المسلمين وارتاب المسلمون في أمر دينهم وصدقوا ما يجب تكذيبه وكذبوا ما يجب تصديقه ، وإذا نظرنا إلى تآمر أعداء الإسلام على الإسلام نجده أمراً ملازماً لسير الدعوة الإسلامية منذ بدايتها ، فمنذ أن رفع النبي صلى الله عليه وسلم صوت الدعوة إلى الإسلام بمكة المكرمة داعياً إلى الله ، معلناً توحيد الله ، بادره قبل كل شيء من هو أقرب الناس إليه وقال له : تباً لك ألهذا جمعتنا. ولا يزال الإسلام منذ ذلك الوقت يلقى مزيداً من التآمر من أعدائه ، ولكن التآمر الخفي أصعب بكثير من التآمر الظاهر ، والغزو الخفي أخطر بكثير من الغزو الجلي ، وإذا كان بجانب هذا التآمر عجز من قبل أبناء الإسلام وعدم إدراك لهذا التآمر من قبل علمائه ، كان الأمر أصعب بكثير ، ولقد رزئ المسلمون في عقيدتهم وارتج اليقين في صدورهم عندما واجهوا الغزو وهم عزل عن السلاح ، فاستسلموا له وتقبلوا كل ما جاء به.

      إننا لنجد أن من أخطر ما اصيب به المسلمون هو قلب المفاهيم وتغيير المقاييس عندهم . وإذا كانت الكلمات تقاس بقدر معطياتها ، فإن كلمة قالها فيلسوف من فلاسفة الشرق في العصور السحيقة لجديرة بالتقدير والإكبار ، فقد قال : ( لو كنت أملك من أمر الناس شيئاً لبدأت قبل كل شيء بوضع الأسماء الصحيحة في مقابل المسميات ، لأن التسمية تصور المسمى على حقيقته ولكن التسمية إذا كانت مقلوبة كان المسمى خفياً بحيث لا تدركه القلوب ولا تستطيع أن تحكم عليه العقول).

      ومن مخاطر الغزو الجديد الذي رزئ به الإسلام من قبل أعدائه ، هو قلب الأسماء بحيث لا تصور المسميات على حقيقتها ، ونجد أمثلة لهذا القيد متقبلة عند جميع الناس يلوكونها بألسنتهم بدون تفنيد بين ما هو صحيح أو ليس بصحيح ) ، فمن ذلك أن أعداء الإسلام أرادوا أن يحببوا إلى المسلمين الخمر فسموه ( المشروب الروحي ) وإن الذي يسمع الألسنة تردد هذا الإسم للخمور ليتصور ذلك الموقف الذي وقفه الرسول صلى الله عليه وسلم ليعلن عن هذا التحريف قبل أربعة عشر قرناً ، فالإمام الربيع رحمه الله قد روى عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( ليستحلن آخر أمتي الخمر بأسماء يسمونها بها )). وروي هذا الحديث من طريق عبادة رضي الله عنه أيضاً الإمام أحمد وابن ماجه بلفظ (( لتستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه )). وفي رواية ابن ماجه (( ليشربن طائفة من أمتي الخمر )). وروى الإمام أحمد وأبو داود من طريق أبي مالك الأشعري رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( ليشربن أُناس من أمتي الخمر ويسمونها بغير اسمها )). وفي حديث أخرجه ابن ماجه عن أبي أمامة رضي الله عنه أن الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام قال : (( لا تنتهي الليالي والأيام حتى تشرب طائفة من أمتي الخمر ويسمونها بغير اسمها )). وجاء في رواية عن أبي محيرث عن أحد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أخرجها النسائي أنه قال : (( يشرب أُناس من أمتي الخمر ويسمونها بغير اسمها )). فالذي يسمع تردد كلمة المشروب الروحي أو المشروبات الروحية إطلاقاً على الخمر ، ليتصور ذلك التحذير الذي حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم أمته ، ويدلنا هذا التحذير منه عليه أفضل الصلاة والسلام أن هذا الإطلاق نفسه حرام ، فإطلاق اسم المشروب الروحي على الخمر من ضمن المحرمات كما أن شربها وبيعها وسقيها وعصرها واعتصارها وحملها وإهدائها وتقبلها ممن اهداها كل ذلك حرام .

      ومن ضمن قلب الأسماء تسمية الربا بالفوائد ، والله تعالى يقول : { يمحق الله الربا ويربي الصدقات } فالربا الذي يتصوره الناس سبباً للزيادة والنمو هو من أسباب محق البركة وزوال فائدة المال ، ولقد حذر الله تعالى من الربا أيما تحذير فقد قال عز من قائل : { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تُظلمون } . وبين قبل ذلك سبحانه وتعالى خطورة الربا حيث قال : { الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأُولئك أصحاب النار هم فيها خالدون }.والذين يماحكون في تحريم الربا ويجادلون إنما يتوجه إليهم هذا الوعيد الشديد الذي آذن به الله سبحانه وتعالى به أُولئك الذين يأكلون الربا أو أُولئك الذين يستحلونه حيث يقولون إنما البيع مثل الربا . ولقد ظن بعض الناس أن الربا سبب للنمو والزيادة حتى قال كثير منهم أن البنوك التي تتعامل بالربا سبب لازدهار الاقتصاد وتعلموا أنها سبب لمحق البركة وسبب للقضاء على نمو المال وسبب لاستشراء الفساد في الثمار والزروع لأن الله تعالى يقول : { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله }.

      ومن قلب الأسماء تسمية الزنا ومقدماته بالحب ، مع أن الله سبحانه حرم الزنا وحذر من إتيان مقدماته ، فقد قال عز من قائل : { ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا } . وفرض الله تعالى العقوبات الرادعة على الزنا ، فرض الجلد عليه في كتابه العزيز ، وفرض الرجم إن كان الزاني محصناً بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم القولية والتطبيقية ، يقول الله تبارك وتعالى : { الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله }. يحذرنا الله تعالى من أن تأخذنا رأفة بالزناة لأنهم يهدمون الأسر ويفسدون البيوت ويطمسون النسل ومغبة الزنا مغبة خطيرة ، ولكن بدلاً من أن يسمى الزنا باسمه الصحيح وضع له هذا الاسم البراق ، فسمي حباً عند كثير من الناس.

      ومن ذلك أيضاً تسمية الغناء والرقص وضروب المجون بالفن ، فإن ذلك كله من ضمن الغزو الخطير الذي يترتب على قلب الأسماء عن حقيقتها وإعطاء المسميات أسماء غير أسمائها ولا شك أن هؤلاء يقصدون بمثل ذلك إضفاء ثوب المحاسن على المقابح وتصوير الرذائل في صورة الفضائل وتحبيب الشهوات إلى النفوس ويحاولون من وراء ذلك كله أن تجهل هذه الأمة عقيدتها وأن تجهل واجباتها لأنها سكعت في شهواتها واستسلمت لعدوها إذ لا يعود لها هم في هذه الدنيا غير الشهوات وذلك الذي تلتقي عليها مؤسسات أعداء الإسلام كلها ، فالصهيونية والتبشير الصليبي والشيوعية ، كلها تتضافر جهودها على ذلك ، ومما يدل على ذلك ما قاله أحد القسيسين المبشرين وهو زويمر حيث قال في مؤتمر القدس: ( إن مهمة التبشير التي لأجلها ندبتكم الدول المسيحية للقيام بها في البلاد المحمدية ليست في تنصير المسلمين ، فإن ذلك هداية لهم وتكريماً ، وإنما هي في إخراج المسلم من الإسلام وجعله مخلوقاً لا صلة له بالله وبالتالي لا صلة له بالأخلاق التي تعتمد عليه الأمم في حياتها وبهذا تكونون بعملكم هذا طليعة الفتح الاستعماري في الممالك الإسلامية ). ثم بعد ذلك وجه خطابه إلى إخوانه القسيسين فقال: ( إنكم قد ظفرتم ونجحتم أيما نجاح في مهمتكم ذلك لأنكم أعددتم جيلاً لا همة له إلا بالشهوات ، فإن سما إلى أعلى المناصب ففي سبيل الشهوات ، وإن جمع المال فلأجل الشهوات ).

      وهذا هو الذي وقعت فيه هذه الأمة ، عندما كان اللورد كرومر بمصر يقف في وجه المنصرين الذين يريدون أن يختطفوا أبناء المسلمين ، عندما كان يفعل ذلك قدم المنصرون شكاية عنه إلى بلاده فنوقش فقال : إن هؤلاء يريدون أن يستفزوا مشاعر المسلمين بينما طريقتي هي أنجح طريق ، طريقتي أني دسست السم في العسل وذلك لأنني دسست المباديء الخطيرة على الإسلام والمسلمين في المناهج التعليمية ، لقد أمرت بإعداد المناهج التعليمية أكبر قس في الشرق وهو زويمر وإنني لواثق أن أبناء المسلمين سوف يتلقون الأفكار الغربية بكل ما فيها من فساد إذا تقبلوا هذه المناهج . وذلك الذي وقعت فيه هذه الأمة ، فقد أضفى ثوب المحاسن على القبائح وسميت معاصي الله سبحانه وتعالى بأسماء براقة وأخذ الناس يحببون إلى أبنائهم الأعمال المنكرة والأحوال الدنيئة بسبب جهلهم بالإسلام وبسبب انطفاء جذوة الغيرة على هذا الدين الحنيف في قلوبهم ، لقد أخذ المسلمون أنفسهم يترجمون المناهج التعليمية التي أعدها لهم أعداؤهم ، إلى لغاتهم ومنها اللغة العربية لغة القرآن ومع ذلك فإنهم لم يحاولوا أبداً أن يفندوا بين الصحيح والسقيم وبين الحق والباطل ، بل تقبلوا تلك المناهج بما فيها من فساد وبكل ما فيها من تحريف.

      ومن ذلك أن كتاباً من كتب الحساب وجدته منذ سنوات يشتمل على أسئلة توجه إلى الطلبة ومن ضمن هذه الأسئلة التي توجه إليهم ( رجل أودع في البنك ثمانين ألفاً ، وتدر عليه هذه الثمانون ألفاً أرباحاً بنسبة خمسة في المائة كل عام ، فكم يجتمع له الربح كل عام ؟ ) إن هذه محاولة لتخفيف الكراهية من الربا ، بل هي محاولة لتحبيب الربا إلى القلوب بحيث يسمى الربا ربحاً ، ومحاولة لجعل التعامل الربوي من ضمن التعامل المألوف بين المسلمين ، وقد قلت غير مرة أن البديل عن ذلك أن يوضع سؤال آخر مقابل هذا السؤال فيحل محله ، مثل أن يقال ( رجل يملك من النقود ثمانين ألفاً وتلزمه فيه زكاة بنسبة 2,5 % فكم يلزمه من الزكاة في العام عن هذه الثمانين ألفاً ).

      وسؤال آخر وجدته أيضاً في نفس الكتاب ( وهو أن رجلاً وامرأته وابنهما وابنتهما دخلوا السينما وكان على كل من الابن والابنة نصف تذكرة ودفعوا أربعة وعشرين دينارا أو جنيهاً عن كل التذاكر ، فكم تكون قيمة التذكرة الواحدة). مع أن هناك سؤالاً بديلاً عن هذا السؤال يحل محله وينمي روح الفضيلة في الطالب ، وهو أن يقال بدلاً من هذا السؤال : ( رجل وامرأته وعندهما كذا من الأولاد مروا على عدد من الفقراء وتصدقوا عليهم بعدد كذا من الدنانير أو الدراهم ، إذاً كم ينوب كل واحد من هؤلاء وكم يكون لكل واحد من الفقراء ).

      وهذا إن دلنا على شيء فإنما يدلنا على جهلنا بحقيقة الإسلام والعلم والتربية. إن التربية هي تنمية روح الفضيلة ، فالتربية بمعنى الإصلاح والتنمية وكلمة الرب مشتقة أيضاً من كلمة التربية أو هي قريبة منها تؤدي معناها وذلك لأن الله سبحانه وتعالى يصلح عباده وينميهم بفضله وإذا كانت هي التربية فيجب أن ترتكز التربية على الإصلاح وعلى تنمية الفضائل وعلى غرس الأخلاق وعلى بعث الهمم إلى الخير وعلى بعث العزائم إلى ما فيه عز المسلمين وخيرهم.

      ونحن إذا ما عدنا إلى ما يقوله انفسهم عن التربية وجدنا أن فلسفة التربية عند الغربيين لم ندركها نحن حيث أخذنا القشور من مناهجهم التربوية ولم ندرك فلسفة التربية التي تقوم عليها التربية عند الغربيين ، فأحد خبراء التربية عند الأمريكان يقول : ( إن عملية التربية ليست عملية تعاط أو عملية بيع وشراء أو استيراد إلى الداخل وتصدير إلى الخارج ).ثم يقول ( وفي فترات من التاريخ خسرنا أكثر مما ربحنا باستيراد نظرية التربية الإنجليزية والأوروبية إلى البلاد الأميركية ).

      وإذا كان هذا الرجل تبلغ به الحساسية هذا المبلغ فيتأسف لفترات من التأريخ يرى أن شعبه خسر فيها أكثر مما ربح باستيراد نظرية التربية الإنكليزية والأوروبية إلى البلاد الأميركية مع أن القاسم المشترك بين الأميركان والأوروبيين عامة والإنكليز بصفة خاصة أشياء متعددة ، منها الدين ، فالجميع ينتمون إلى النصرانية ، ومنها اللغة فلغة الأميركان هي لغة الإنكليز ، ومنها الاتجاه السياسي ومنها العادات والأخلاق ومنها العنصر النسبي وذلك أن الأميركان من الأوروبيين.

      ويقول البروفيسور كلاري : ( مهما قال الناس في شرح التربية أو في تفسير التربية فإن كل ذلك يعود إلى أن التربية هي إثبات نظرية سبق الأيمان بها ) ويعني ذلك أن تكون التربية متقبلة عند الشعب المربي وذلك لأن التربية تنمي عقيدة سبق الإيمان بها وترسخ مبادئ قد سبق أن وافق ذلك الشعب الذي ترسخ فيه تلك المباديء عيها وآمن بها وصدق بها. وعندما كان الإنكليز يؤلفون دائرة المعارف طلبوا من أحد خبراء التربية في بريطانيا وهو السير بيرسي ناين طلبوا منه أن يكتب في بند التعليم عن التربية فقال : ( لقد سلك الناس مسالك متعددة في التعريف بالتربية ولكن الفكرة الأساسية التي تسيطر عليها جميعاً أن التربية هي الجهد الذي يقوم به أباء شعب ومدربوه لإنشاء الأجيال القادمة على أساس نظرية الحياة التي يؤمنون بها ، إن وظيفة المدرسة أن تمنح القوى الروحية فرصة التأثير في التلميذ ، تلك القوى الروحية التي تتصل بنظرية الحياة وتحفظ مقومات الشعب وتمد يدها إلى الأمام ). وإذا كان هذا الرجل يتحدث عن قيمه التي ترتبط بالوحل والتراب والتي لا تتجاوز المادة ، فكيف بالأمة الإسلامية التي نزلت قيمها من السماء، فقد جاء بها كتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

      إن هذا ليدلنا على أن الواجب على هذه الأمة أن تدرك خطورة التربية ، وأن تدرك واجباتها في محو كل صورة علقت بأذهان أبنائها لا تتفق مع مبادئها وقيمها وأخلاقها.

      لقد جاء القرآن الكريم كتاباً يشمل كل نواحي الحياة فلا يغادر شيئاً مما تتطلبه حياة الإنسان. فيجب أن يكون هو الأصل الأول للتربية ويجب أن تكون السنة النبوية هي الأصل الثاني ذلك لأن السنة هي التي تشرح القرآن وتبين ما أنبهم منه وتوضح ما خفي منه وتفصل ما أجمل من أحكامه ، وبناء على ذلك فإن واجب الأمة أن تجعل تربيتها تدور حول القرآن وحول سنة الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام ، وهذه مسئولية كبرى يتحملها كل فرد من أفراد هذه الأمة ، فكل فرد من أفرادها مسئول عنها ولكن تتضاعف المسئولية على العلماء ، علماء الشريعة الإسلامية ، فيجب على العلماء أن يكونوا ذوي خبرة وإدراك لحقائق العالم الذي يعيشون فيه ومتطلباته وأن يتصوروا كل ظروفه وملابساته حتى يضعوا حلولاً في مواجهة جميع المشكلات والمعضلات التي ترزح هذه الأمة تحت نيرها وتتلمس حلولها من قبل أعدائها ، إن علماء الفقه الإسلامي بإمكانهم لو تعمقوا في دراسة أحكام الله سبحانه وتعالى في كتابه الخالد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وتعمقوا في دراسة سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وتعمقوا في فهم القواعد الأساسية التي نطق بها القرآن وجاءت بها السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام وفهموا مع ذلك واقع هذه الأمة ، وواقعها الأدبي وواقعها الاقتصادي وواقعها الثقافي وواقعها الاجتماعي وواقعها السياسي ، استطاعوا أن يضعوا الحلول لهذه الأمة حتى لا تحتاج هذه الأمة إلى حل من قبل أعدائها. وهذا ينبني قبل كل شيء على الفهم الدقيق والإدراك العميق وذلك لايتأتى أبداً إلا بعد بذل الجهد في عدم ما بين المواد الثقافية التي تدرس وما بين التربية الدينية النابعة من كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ويترتب ذلك على تضافر الجهود وتناسقها بين أصحاب التخصصات المختلفة ، فالذي يدرس الثقافة الدينية يجب أن يكون عنده من الثقافة الأخرى بقدر ما يتصور واقع هذه الأمة ، والذي يدرس الإقتصاد مثلاً يجب أن يكون عنده من الوعي الإسلامي والفهم الديني بقدر ما يدفعه لوضع الحلول الإقتصادية النابعة من كتاب الله ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم مع التعاون مع الذين درسوا الشريعة الإسلامية وتخصصوا فيها .. وهكذا في كل مجال من المجالات.

      ومن ضمن الأمور التي حاول بها أعداء الإسلام صرفنا عن الدين الحنيف أنهم رسخوا في نفوس أبنائنا التفرقة بين الدين والعلم ولأجل ذلك سموا الجاهلية الحديثة التي هي نبذ الدين ورفضه والتخلص منه ، سموا هذه الجاهلية بالعلمانية إشتقاقاً من العلم وذلك لأنهم يبنون نظرياتهم على التفرقة بين العلم والدين ، وإذا كانت هناك تفرقة بين العلم والدين عند غير المسلمين ، ويدل على ذلك ما دار من حروب بين العلماء المكتشفين وبين الذين يسمون عندهم برجال الدين ، فإن الإسلام على خلاف ذلك ، الدين الإسلامي يقوم على العلم والفهم والإدراك والعقل والتفكير ، فالله سبحانه وتعالى يقول : { وكذلك نصرف الآيات لقوم يتفكرون } ويقول : { إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون }.. ونحو ذلك.

      ذلك كله يدل على أن الدين الإسلامي ليس بينه وبين العقل تصادم وليس بينه وبين التفكير تصادم ، هذه الأشياء كلها يجب أن يتصورها الشباب وأن يدركوا حقيقتها وأن يدركوا أبعادها وأن يدركوا أن الدين الإسلامي أمانة في عنق كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر فليس في الدين الإسلامي طبقة تسمى رجال الدين ، إن كل من يشهد أن لا إله إلا الله ويشهد أن محمداً رسول الله ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويصوم رمضان ويحج البيت ويلتزم واجبات الإسلام ، هو من رجال الدين ، ومسئولية هذه الواجبات ليست على فرد دون فرد فالله سبحانه وتعالى قد شرع العبادة لكل واحد ولم يشرع العبادة لطبقة من الطبقات ، والدين الإسلامي يفرض مراقبة الله سبحانه وتعالى في كل الأحوال ، يفرض على العبد أن يراقب الله في أخذه وعطائه ، في رضاه وغضبه ، في بيعه وشرائه ، في سلمه وحربه.

      فكما أن الدين الإسلامي يوجه العبد المسلم وهو يتجه إلى القبلة ساجداً راكعاً لله سبحانه وتعالى منيباً إليه يلتمس مرضاته ، كذلك يوجهه وهو في متجره ، ويوجهه وهو في مزرعته ، ويوجهه وهو في مصنعه ، ويوجهه وهو في مكتبه ، ويوجهه وهو في ميدانه يدافع عن حمى الدين الحنيف ويدافع عن حظيرة الأمة الإسلامية ، وبذلك يدعو جميع المسلمين إلى الفهم الدقيق لهذا الدين وإدراك أبعاده وإدراك طواياه وغسل الصور من كل تلك الصور الشائنة التي تعلقت بأذهان كثير من الطلاب والتي ما فتىء أعداء الإسلام يحاولون أن يلطخوا بها التاريخ الإسلامي وأن يغرسوها في قلب كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر للحيلولة بينه وبين إسلامه.

      ولأجل ذلك فإنني أُهيب بالطلبة كلهم ، على اختلاف الدروس التي يدرسونها ، أن يخصصوا وقتاً من أوقاتهم لدراسة أحكام الله سبحانه ، لدراسة كتاب الله إذ هو المصدر الأول من مصادر التشريع في الإسلام ، ودراسة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ودراسة ما دونه علماء السلف الصالح من أقوال فسروا بها كتاب الله وشرحوا بها سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ودراسة القواعد الأساسية التي استخرجت من كتاب الله ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ودراسة الفكر الإسلامي السليم المستخرج من كتاب الله ومن سنة رسوله محمد عليه أفضل الصلاة والسلام ليواجهوا الفكر بالفكر والعلم بالعلم ويواجهوا القوة بالقوة ويواجهوا النظام بالنظام.

      كما إنني أيضاً أدعو جميع المدرسين لبذل جهدهم في هذا الأمر وإدراكهم العبء الذي يقع على عاتقهم حول تخليص هذه الشبيبة من هذه الأفكار التي أصبح كثير منهم أسرى فيها يرزحون تحت نيرها ولا يستطيعون الخلاص منها إلا بمعونة أساتذتهم ، وبذل الجهود لذلك.

      والله سبحانه وتعالى أسأل أن يوفق الجميع لما فيه الخير وأن يعز الإسلام والمسلمين وأن يذل الشرك والمشركين وان يرزقنا فهم هذا الدين وأن يرزقنا تطبيقه في كل ما نأتيه وما نذره وهو تعالى ولي التوفيق وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
      سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليليfrom article of alwatan by