القرصان

    • القرصان

      عمره في حدود العشرين .. دميم الوجه .. قذر الملابس .. يحمل عصاه دائما .. يهزها ويخيفنا بها .. اذا حضر سميناه " السيد " واذا غاب عنا سميناه " القرصان "
      اسمع نداء امي رحمها الله .. اضع قلم الرصاص على الدفتر .. اضطجع على ظهري .. توجه بوجهي للسقف .. تمضغ امي الملح .. تضع اصابعها على جفني .. تبصق في عيني .. بصقة في اليمنى .. بصقة في اليسرى ..
      اغمضهما .. اسرح قليلا .. فجاة ارى القرصان ..
      يحمل عصاه .. يهزها في وجهي .. تبيض عيناه .. يصرخ : طلع مئتك .. طلع مئتك .. اضع يدي في جيبي .. لا اجد شيئا .. اصاب بالخوف الشديد .. يرفع عصاه .. اهرب بسرعة .. يركض خلفي .. اصل باب بيتنا .. اطرق الباب .. يتوقف القرصان .. يقسم بأغلظ الايمان انه سيسلخ جلدي عصرا في ملعب الكرة ان لم احضر المئة بيسة .. ادخل البيت اطلب المئة من اهلي .. يمتنعون .. اصاب بالذعر .. الح في الطلب .. يسألون لماذا .. اقول لشراء الحلوى .. يرفضون .. الح اكثر .. يرفضون .. أيأس .. اتذكر " القرصان " .. " اقوى اهل الارض " .. " بطل الظلام " ..
      " هازم الجن " .. " قائد حروب الشوارع " .. " صاحب خاتم الزيران " .. ارفض اليأس الح في طلب المئة .. آخذها من كف امي .. اضعها في جيبي وارتاح ..
      في غرب الحي .. بعد العصر .. العب كرة القدم مع الاطفال .. يهبط علينا القرصان .. يضرب الارض بعصاه ويصرخ .. جاكم السيد .. جاكم السيد .. يولد الفلاني .. طلع مئتك .. ياولد الفلاني .. طلع مئتك .. يجمع المئات .. يضحك .. يقول هي اشتراككم بالفريق .. يقول انه يحمينا من شباب الحارات الاخرى .. يحمي ملعبنا من الاحتلال ..
      في احد الايام زارنا في البيت احد الاقارب قادما من قريتنا .. كان معه ابنه البالغ خمسة عشر عاما تقريبا .. عرضت على الابن ان يصحبني للملعب عصرا .. وافق .. ذهبنا معا .. سها علي تحذيره من " القرصان " ابتدأ اللعب .. كان يلعب حارسا .. فجأة هبط القرصان .. زمجر .. هز عصاه .. رأى الغنيمة الجديدة .. ذهب اليه .. صرخ .. وقال : طلع مئتك ..زجره بغليظ القول .. شتمه .. قال : يا ابن الكلب
      لم اعد ارى شيئا ..كثر الطنين .. كل شيء ازرق .. احسست بالدوار من شدة خوفي على صاحبي .. انه يشتم القرصان !! .. احسست بالذنب الشديد لاني لم اخبره عن حقيقة القرصان .. عظمة القرصان .. قوة القرصان .. حاولت استدراك ما فات .. ركضت لصاحبي .. فتحت فمي .. تلعثمت .. قلت هذا هو الريس .. استنكر صاحبي تصرفي .. وخوفي .. زاد في غيه .. وقال : " ريس ما ويش ...؟! " قلت : ريسنا .. رفع " الريس " عصاه استعدادا لضرب صاحبي .. اغمضت عيني .. خفضت رأسي حتى لا ارى القرصان وهو يسلخ جلد صاحبي .. ويخسف به الارض ..
      كنت مغمض العينين .. سمعت حركة عراك شديد .. " لا حول ولا قوة الا بالله " .. ماذا اقول لابيه حينما اعود ...؟
      او ماذا اقول لأهلي ؟ ثم فتحت عيني .. ورأيت .. ويالهول ما رأيت !!
      كان زميلي يمسك وسط " القرصان " بكلتا يديه .. عصره عصرا شديدا .. رفعه الى اعلى .. هوى به على الارض بقوة
      .. امسك قميصه بيده اليسرى .. سدد بيده اليمنى صفعة شديدة لوجهه .. يا كلب .. يا ابن الكلب ..
      لست وحدي المذهول .. كل زملائي اطفال الحي مثلي .. نفرك عيوننا ونفتحها .. في غاية الدهشة .. والاستغراب ..
      هل هذا معقول ..؟ طفل مثلنا يضرب القرصان ..؟
      قام القرصان ذليلا يخبئ وجهه عنا .. انسحب تاركا عصاه وحذاءه ولقبه ايضا ..
      لم نصدق .. ولكن حين حضرنا في اليوم التالي .. ووجدنا حذاء القرصان وعصاه في مكانهما صدقنا ..وعرفنا الحقيقة