اه ..ماذا بعدها نقول؟؟

    تمر دردشة الساحة الخاصة بالمتصفح والموبايل بفترة صيانة دورية هذا ونعتذر للجميع على الإنقطاع المؤقت بإمكانكم المشاركة في المنتدى لحين عودتها :)

    • اه ..ماذا بعدها نقول؟؟

      حدث ذلك قبل عام واحد تقريباً وكان في أيام الدراسة ، ذلك الهدوء ، تلك العينين الصافيتين ، تلك النظرات المليئة بالأحزان ، تلك الابتسامة الخفيفة .. آه كلما رأيتها ، أحدث نفسي ، لماذا هي هكذا ؟ لماذا هذا الإنطواء والإنعزال ؟ لماذا كل هذا الحزن ؟
      إنها مغرورة .. ترى نفسها فوق الناس .. غير اجتماعية ..لم أحاول يوما أن أحدثها .. إنها ذكرى تلك الطالبة الهادئة ، وتلك الطفولة التي تحملها مع أنها في عمري تماما ، لم أحاول الاقتراب منها أبداً ، تجلس في الركن البعيد من الصف لوحدها ..

      ذات يوم قررت إدارة المدرسة أن تأخذنا في رحلة إلى شاطئ البحر ، خرجنا جميعاً إلى الرحلة وكنت مع صديقاتي نضحك ونلعب ونمرح ، فإذا بي ألتفت فوقعت عيناي عليها تتمشى لوحدها ، قررت ساعتها معرفة سر هذه الفتاة الغريبة الأطوار ، لحقت بها .. حدثتها .. ولأول مرة .. سألتها ما بالك يا ذكرى ؟ ..التفتت إلى فرأيت تلك العينان تحملان لوناً لامعاً ورائعاً ولافتاً للنظر ، كانت هناك دمعة تكاد تسقط من عينيها كلما نظرت إلى البحر .. كانت غصة في حلقها ، ألححت عليها بالسؤال فأجابتني أخيرا بجملة لازلت أذكرها .. قالت : يا صديقتي هناك دائما أقضي يوميات قلبي أفرغ فيه دموعي وأحزاني على صوت أمواج البحر وغروب الشمس ساعة الأصيل .. كنت كلما زرت صديقي البحر في ذلك المكان أشعر وكأنني أمتطي السحاب ، وهل من شعور يضاهي شعور الإنسان الذي يمتطي السحاب فيرى نفسه فوق الناس يناديهم تعالوا شاركوني فرحتي ؟!

      وتتابع حديثها : هناك ولدت في تلك القرية الريفية البسيطة ، على ذلك الشاطئ وعلى تلك الرمال لعبت ونثرت حباته هنا وهناك ، حينما كنت أراقب عن كثب خيوط الشمس الذهبية وهي تخترق مياه البحر كل صباح .. وتلك القوارب التي كانت تتأرجح .. وطيور النورس التي كانت تحلق فوق البحر بحثا عن طعامها ، وفي يوم لا يمكن نسيانه أفقت على صرخة أمي .. لماذا رحلت ؟ لماذا تركتنا ؟ لقد توفي والدي حينما كنت أبلغ السابعة من عمري .. لقد رحل ذلك الأب الحنون الذي علمني كيف أكسب قلوب الناس .. لقد رحل وتركني .. وبعد سنتين توفيت أمي إثر إصابتها بالعمى حيث لم تتحمل الصدمة ، وبقيت وحدي أجمع الذكرى خيوطا واهية ، ورأيت أيامي الرائعة تضيع ، جاء عمي بعدها المقيم بالمدينة ليتكفل بتربيتي ، فطلبت منه يوما واحدا لأجهز ما يلزمني ، لكنني ذهبت لأزور صديقي البحر في ذلك المكان ولآخر مرة ، لقد تركت صديقي البحر بعد أن مسح عني دموعي وخفف عني أحزاني ، ودعته وقد وعدته بلقاء آخر بيننا إن كان في العمر بقية .. فهل ترانا نلتقي ؟! أم أنها ..

      أدهشني وصفها للمكان وكأنه حدث بالأمس الماضي .. وتتابه ذكرى كلامها ..

      وها أنا ذا عندكم في هذه المدينة التي أشعر فيها بأنني ضائعة لا أعرف أحداً فيها ..

      بعد أن انتهت من رواية قصتها ، شعرت بحزن شديد من أجلها ، ذهبت إلى البيت و كنت في حيرة من أمري ، وفي اليوم التالي ، ذهبت إلى الفصل فإذا بي أرى رسالة على طاولتي ، فتحتها ، كانت رسالة لا تتعدى سطرا أو سطرين ، ولكنها كانت عميقة ، تكررت تلك الحادثة عدة مرات ، وأخذت تصلني الرسائل من دون معرفة من صاحبة تلك الرسائل وكانت دائما تبدأ بعبارة ( يا صديقتي ) وتنهيها بتوقيع ( شعاع الأمل ) وما كان يثير اهتمامي هي تلك الكلمات العميقة التي تدعو إلى التفاؤل وأن أتمسك بالطفولة والمرح ، انشغلت كثيرا حينها بأمور أخرى ، ونسيت أمر ذكرى ، وفجأة انقطعت الرسائل مع غياب ذكرى ، ظننت الأمر طبيعيا في البداية ولكن حينما ربطت بين الأمرين ، خالجني شعور بأنها هي صاحبة تلك الكلمات ، ذهبت مسرعة للإتصال بها ، وكان ذلك الخبر الذي وقع علي كالصاعقة ، أجاب علي عمها ، لقد رحلت ذكرى ..رحلت إلى الحياة الأخرى ، لم أتمالك نفسي فوقعت من شدة الصدمة ، لقد كانت هي من يدعوني إلى التفاؤل وفي نفس الوقت كان شبح الموت يطاردها ، لقد كانت هي صاحبة تلك الكلمات العميقة الشفافة ..
      لم أدرِ بنفسي إلا وأنا على فراشي في المستشفى ، أفقت فإذا بي أرى رسالة على الطاولة ، أخبرتني الممرضة أن رجلا أحضرها ، فتحتها وكان عم ذكرى هو من أحضرها وقد كتبتها صديقتي ذكرى قبل الرحيل ، لعمري وكأنها كانت تعرف باقتراب الأجل .. كانت تلك كلماتها الأخيرة ..

      " يا صديقتي ..إن الحياة لا تستحق منا أن نعيشها بحزن بعيداً عن الناس ، والحياة لن تنتهي بوفاة شخص عزيز على النفس أحببناه بشكل مطلق و بلا حدود ، بل على العكس قد يكون الفراق أحيانا وسيلة لمعرفة مدى الحب بين الأشخاص المتفارقين ، أدركت هذا بعد فوات الأوان .. صديقتي ..إياك والحزن .. كوني سعيدة وتعلمي كيف تلعبين لعبة السعادة ، فابحثي عنها فنحن من نخلق السعادة ، وإياك والبكاء فما أجمل أن تضحكي حينما ينتظر الآخرون منك أن تبكي ..

      ملاحظة : لقد ارتحت كثيرا حينما صارحتك ولقد كنت الوحيدة التي حدثتني من طالبات الفصل وحدثتها وأتمنى أن يكون لكلماتي صدى في واقعك .. ذكرى " شعاع الأمل "


      ساعتها شهقت شهقة كبيرة وأصبحت دموعي لا تتوقف ، كنت دائما أقرأ جميع رسائلها التي لا تتعدى السطر والسطرين ،أدركت حينها أن ذكرى حاولت أن تعلمني بان الحزن شيء مؤذ وحاولت إبعادي عن الأحزان قدر الإمكان ، حاولت أن تعلمني الطريق إلى السعادة والتفاؤل وقد أدركت هذا بعد فوات الأوان .. بعد أن رحلت ذكرى .. رحلت ولكنها لازالت وستظل ذكرى في الذاكرة ، ودرسا لن أنساها ما حييت .. إلى اللقاء يا صديقتي ذكرى ..