ما هوحكم الاحتفال بالمولد النبوي

    تمر دردشة الساحة الخاصة بالمتصفح والموبايل بفترة صيانة دورية هذا ونعتذر للجميع على الإنقطاع المؤقت بإمكانكم المشاركة في المنتدى لحين عودتها :)

    • أخي السالم
      إن كنت تقصد ما يعقد من مجالس الطرب وما يسمى بالبرزنجي وما يصاحب ذلك من أهازيج ومأكولات وتمايل وغيرها فلا اظن أن ذلك مما يقره الإسلام وهو من البدع التي ابتلي بها المسلمون

      أما إن كان الإحتفال عبارة عن أمسية دينية تتخللها الأناشيد الإسلامية أو محاضرة ، تذكر المسلمين بوجوب اقتدائهم بنبيهم أو تبين شيئا من أمور دينهم فذلك أمر محمود .
      وما الإحتفال بالمولد النبوي إلا محطة إيمانية يراجع فيها المسلم نفسه ، ومدى اتباعه لنبيه ، وتطبيقه لسنته ، وانقياده لتعاليم الإسلام ،

      وعلى كل حال ساقوم بتوجيه سؤالك إلى أحد المشايخ ليفتنا في الأمر ، ويبين لنا الصواب ، فانتظر الجواب بإذن الله تعالى .
      وشكرا لك
    • أخي السالم

      الأمر كما ذكرته لك
      وفي مثل هذه المنلسبات الدينية ـ بشرط خلوها مما يخالف تعاليم الإسلام ـ ذكرى للناس وعظة وعبرة .

      ولربما التبس عليك أخي السالم الأمر عندما سمعت بعض الشخاص ممن يذكرون أن الإحتفال بالمولد النبوي ( بدعة )
      وقد جاء في الحديث : ( شر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة )
      وردا على من التبس عليه تأويل الحديث ، يقول الشيخ ( سعيد بن مبروك القنوبي حفظه الله ) في كتابه ( السيف الحاد في الرد على من أخذ بحديث الآحاد في مسائل افعتقاد ) ص 3، 4 في الحاشية : ( هذا الحديث عام أريد به الخصوص ، أو أنه عام مخصوص بحديث : ( من سن في الإسلام سنة حسنه فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ) وهو حديث صحيح ثابت رواه مسلم والنسائي والترمي وابن ماجه والطيالسي واحمد ... الخ ( وقدذكر الشيخ سعيد أرقام الأجزاء والصفحات في كتابه ، واكتفيت أنا بذكر الرواه لأجل الإختصار ) ، يقول الشيخ سعيد : فإنه ـ أعني حديث ( من سن في الإسلام سنة حسنة ) إلخ ـ يدل دلالة واضحة جلية على أن ما ياتيه الناس من أقوال وأفعال بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ليس كله من البدع السيئة كما يزعم بعض المبتدعة ، بل منه ما هو حسن يؤجر قائله وفاعله عليه وإن اختلف في إطلاق اسم البدعة عليه ، ومنه ما هو سيئ يأثم قائله وفاعله ، وللعلماء كلام طويل في ذلك لا تتحمله هذه العجالة وخلاصاته أن المحدثات من الأمور ضربان :
      أحدهما : ما أحدث مما خالف كتابا أو سنة أو اجماعا صحيحا فهذه البدعة هي الضلالة التي يحكم بإثم قائلها أو فاعلها وعليها يحمل حديث " وكل بدعة ضلالة " .
      والثاني : ما أحدث من الخير وهذه غير مذمومة بل محمودة يؤجر قائلها أو فاعلها وعليها يحمل قوله : " من سن في الإسلام سنة حسنة " .
      وقد ذهب إلى ذلك الإمام الشافعي كما رواه أبو نعيم في " حلية الأولياء " والبيهقي وغيرهما ، وعز الدين بن عبد السلام في " القواعد " ، والنووي في " شرح صحيح مسلم " )...الخ ما ذكره الشيخ سعيد حفظه الله ، فليراجع الأمر في كتاب " السيف الحاد " ص 4ـ 6 .

      وإذا جئنا للنظر إلى الإحتفال بمولد الرسول عليه الصلاة والسلام ، وإن كان لم يفعله الرسول ولا أحد من صحابته ، ولكنه استحدث فيما بعد ، لوجدنا أن فيه تذكير للناس برسولهم الكريم وبسيرته الطاهره ، وذلك يدعوهم إلى الإقتداء به والسير على منهجه ، والعمل بكتاب الله وتطبيق سنة رسوله مما يقوي الإيمان ، ويزيد اليقين ، على شرط أن تخلو تلك الإحتفالات مما يخالف تعاليم ومبادئ الإسلام .
      على أن ذكرى الرسول عيه الصلاة والسلام يجب أن تكون حية في قلب كل مسلم دائما وأبدا ولا يقتصر ذلك على يوم دون آخر ، وليس أدل على تذكير الناس برسولهم صلى الله عليه وسلم من الآذان الذي يرفع في اليوم خمس مرات إلى أن تقوم الساعة .
    • يغفر الله لك أخي الطوفان :

      ولكن أخي كنت أتمنى من الله سبحانه وتعالى أن لايجعلك في مثل هذا الأمر ، أي (( الفتوى )) ، لأنه من الأمور المسلم بها ومما توافقت عليه العقول أن لايقبل قول طائفة في أمر الا اذا كانوا من ذوي الاختصاص والعلم به .
      ومنك العذر أخي أولا ، ولم أقصد الا الخير في ذلك .

      أخي الطوفان : لقد قلت بأن البرزنجي بدعة ، وأعتقد والله تعالى أعلم بأنك لاتعلم أن البرزنجي يحتوي على سيرة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم . وأن بعض من أساتذة العلم الذين تعتمد عليهم في فتاواك يقرأون البرزنجي في احتفال المولد النبوي ، وان كنت جاهلا بهذا الأمر اسأل عنه.


      ثم أجدك تؤكد بفتوى لشيخك القنوبي ، بجواز الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ، فمن أين لكم بمثل ذلك ؟؟؟؟؟؟؟؟
      تقول لكي يتذكر الناس سيرة نبيهم ، وهل ينسى أحد من الناس سيرة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ، الا بالاحتفال بمولده .
      عليه يمكن القول أنه من الجائز اذا أن نحتفل بعيد ميلاد ابننا أو بنتنا أو أنفسنا ؟؟ أم لشيخك فتوى أخرى في ذلك .
      ولكن أخي أرجو أن تكون صبورا معي وتقرأ هذه الفتوى ، والله يهدي من يشاء :

      السؤال : ماحكم الاحتفال بالمولد النبوي ؟

      الجواب :
      أولا : ليلة مولد الرسول صلى الله عليه وسلم ليست معلومة على الوجه القطعي ، بل ان بعض العصريين حقق أنها ليلة التاسع من ربيع الأول وليست ليلة الثاني عشر منه ، وحينئذ فجعل الاحتفال ليلة الثاني عشر منه لاأصل له من الناحية التاريخية .
      ثانيا : ومن الناحية الشرعية فالاحتفال لاأصل له أيضا ، لأنه لو كان من شرع الله لفعله النبي صلى الله عليه وسلم أو بلغه لأمته ، ولو فعله أو بلغه لوجب أن يكون محفوظا لأن الله تعالى يقول : ( انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون ) 9 : الحجر . فلما لم يكن شيء من ذلك علم أنه ليس من دين الله ، واذا لم يكن من دين الله فانه لايجوز لنا أن نتعبد به لله عزوجل ونتقرب به اليه ... ( 1 )

      ==============================
      (1 ) من فتاوى علماء البلد الحرام . فتوى لسماحة الشيخ محمد بن عثيمين ــ رحمه الله ــ
    • الأخت بازية الدهر في الحقيقة إني لأعجب من جرأة مشايخك ( ولا يغرنك أنهم علماء البلد الحرام ) على الفتوى بأن كل أمر استحدثه الناس في الدين فهو بدعة سيئة على الرغم من ثبوت الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال : ( من سن في الإسلام سنة حسنه فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ) حتى زعموا أنه لا يجوز أن يقال بعد الإنتهاء من تلاوة القرآن : ( صدق الله العظيم ) ، وزعموا أنه لا يصح أن يقال : ( سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ) وغيرها من الأمور .
      أما بخصوص الإحتفال بالمولد النبوي فاقرئي ما كتبته بالأعلى جيدا
      ثم أنه ولو لم يكن يوم مولده صلى الله عليه وسلم معلوما بالضبط ، فلا يمنع أن يكون الإحتفال في أي يوم آخر ، فهو ليس فرض ولازم أو واجب ، حيث أن كثيرا من الناس في غفلة عن أمر دينهم فمثل الإحتفال بهذه الذكريات يذكرهم بما لهم وما عليهم ، ثم فوق هذا وذاك فهو تذكير للمسلمين بتاريخهم الهجري الذي كادوا ينسونه ، ناهيكِ عن التحذير من الخوض أثناء الإحتفال فيما يخالف تعاليم الإسلام .

      وثقي أن مشايخنا لا تقودهم الأهواء والمصالح وإنما يعتمدون على الدليل الصحيح ، ويسلكون نهج محمد صلى الله عليه وسلم ولله الحمد والمنة .

      وعلى كل حال فاعلمي أنه لم يقل بأن الإحتفال بمولد الرسول الكريم بدعة سيئة أحد من علماء المذاهب الإسلامية قاطبة ، إلا الوهابية .
      فاحذري أن تكيلي بمكيالين وتتعسفي في الكلام ، وإياك أن تأخذك العزة بالإثم .
      أما بخصوص الفتوى فأعلمي أن الإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي رحمه الله روى في مسنده حديثا مفاده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من أفتى مسألة أوفسر رؤيا بغير علم كان كمن وقع من السماء إلى الأرض فصادف بئرا لا قعر له ولو أنه أصاب الحق ) ، وكما قلت فقد من الله علينا بمشايخ جهابذة في العلم والدين ولله الحمد والمنة .

      ولكن أقول ليس العجب ممن يجيزون الإحتفال بمولد النبي الكريم ، ولكن العجب ممن يحرمون ذلك ويجيزون الإحتفال بمولد ملوكهم وأمرائهم ، ويجوزن لبس الصليب لأمرائهم ان اقتضت المصلحة ذلك ...الخ

      فإنا لله وإنا إليه راجعون !!!
    • أخي الطوفان :

      هل أفهم من كلامك أنك ان كان لديك أولاد ، بأنك تجيز أن تقيم لهم عيد ميلاد كل عام ؟؟؟؟؟؟

      أخي الطوفان :

      اعلم بأن علماء البلد الحرم أعلم من غيرهم في مثل هذا الموضوع ، لم يأتي الامام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله ليمنع الاحتفال بالمولد النبوي ، بل مع بساطة أعراب نجد والحجاز فانهم لم يكونوا يحتفلون بمولد النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم .
      قل لي بربك هل نحن أعلم من صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم .

      (( ان هذه الاحتفالات التي ذكرت في السؤال لم يفعلها الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهو أنصح الناس وأعلمهم بشرع الله ، وأحرصهم على هداية الأمة وارشادها الى ماينفعها ويرضي مولاها سبحانه ، ولم يفعلها أصحابه رضي الله عنهم ، وهم خير الناس وأعلمهم بعد الأنبياء ، وأحرصهم على كل خير ، ولم يفعلها أئمة الهدى في القرون المفضلة ، وانما أحدثها بعض المتأخرين بعضهم عن اجتهاد واستحسان من غير حجة ، وأغلبهم عن تقليد لمن سبقهم في هذه الاحتفالات ، والواجب على جميع المسلمين هو السير على مادرج عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم ، والحذر مما أحدثه الناس في دين الله بعدهم ، فذلك هو الصراط المستقيم والمنهج القويم ، كما قال الله عزوجل : (( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولاتتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون )) الأنعام 153 (1)


      هذا ياأخي ماأردت توضيحه لك ، ولايغرنك قول بعضهم بأنها بدعة حسنة ، فلوكانت حسنة لفعلها صحابة رسول الله صلىالله عليه وآله وصحبه وسلم . ويغفر الله لناجميعا.

      ==============================
      (1) : من فتوى لسماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز .
    • ميزة الرد السريع

      السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
      إسمحا لي ، ان ادخل في موضوعكما، موضوع شائك وهام ، وارجو ان لا ينطفي نوره ، بإذن المشرفين وغيرهم ، ولو ان امور الدين تدخل بعضهم في نزعات كبيره ، وهي سائده منذ امد بعيد..والاهم من ذلك ان نعرف تصنيف الامر اولاً ، قبل الدخول ونتعرف على فهم الاخرين وقدرتهم على التعبير اللفظي الذي يُحسن التواد ، ولعي ابسط نقاطا مهمه ، ان استطعت/ منها ان الاخت الفاضله بازية الدهر/ علينا اولا ان نعود الاسم المشتق من بزي/ بمعنى اخرج او خرج صدرهودخل بطنه والبازي هو جنس من الطيور الصغيرة ومنها الباشق والبيدق ، ذلك لان اجنحتها تميل الى القصر واذنابها الى الطول كذلك الامر ان ارجلها طويلهللصقور المتوسطة الجم وكذا القصيره... ومهما يكن من ذلك فنحن نرحب ببازية الدهر ، فالزمن هو الذي يحكم/ وما اعلمه ومن خلال دراستي المتواضعه،اعلم انالمختلف عليه الان بين الطوفان / مشرف ساحه وبين بازية الدهر / ضيف ..
      فأهلا وسهلا بكما:
      وسوف ادخل في الموضوع/ فالقرآن ذكر الكثير من الايات / وكذا الاجحاديث المرويه ، ومستعد ان نأتي بالاحاديث الاسبق التي حُكيت عن الصحابة بأسانيدها الصحيحه، اما كون أأئمة الحرم هم الاعلم عن بقية العلماء فهذا الكلام مردودٌ فيه ، فلا صحة له، وهناك من العلماء منهم اعلم من اأئمة الحرم الشريف ، والاسماء لا تزيد من العلم / ولو زادت ، فلكان لائمة الحوزهالعلمية بكرباء همالاسبق، لانهم ينتمون لال الرسول ويدافعون بإسمهم فمن الاوجب !!!
      اما الموضوع / وهو موضوع الاحتفال بمولد النبي الاكرم صلى الله عليه وعلى آل بيته الطاهرين، فهي بدعة ، اختلقها الفاطميون في مصر ابان الحكم الفاطمي / القاهري/ولو عدتم الى التاريخ الحقيقي لوجدتم الحقيقه / وقد تكلم عنها ايضا الشيخ احمد الخليلي / مفتي عام السلطنه ، والتي اجمعت الامه على علمه ، وعلى فطنته وغزارة علمه،ودفاعه المستميت عن الاسلام ..واننا نعرف الوهابيه وما اندفعت اليه بتعاليمها الظاهريه،ولعلها ، ازدات سوءا مع العالم الاسلامي ، ايام حياة عبدالله ابن باز ، مفتي السعوديه، وحدثت مشاده كبيره بين العالمين ابن باز ، والخليلي ، وقد نجح الخليلي في رده على ابن باز ، عندما طلب منالشيخ ابن باز بان يكونوا في الحرم ويطلب من جميع الفضائيات مع طلب التحكيم من ذوي النزاهة مسلمين ومستشرقين ، فإذا غلب ابن باز بحجته، ان الخليلي على ضلاله ، فإن الشيخ احمد سوف يعتقد بالمذهب الوهابي ـ، وان اسحق الشيخ احمد بحجته فعلى ابن باز بأن يعتقد على مِرأى الناس ان المذهب الاباضي هو الصحيح ، ولكن ابن باز تأخر بدعوى عدم التفرقه بين المذاهب ، وهنا ذهبت حجة الاسلام وحجة الحرم الذي يطلب منه ان يجاهد في سبيل الله من اجل الكلمة فلو دعى الشيخ الخليلي من رب البيت وهما في البيت الحرام وعلى ملأ من العالم ان الذي عغير صحيح يموت فورا، ومن يمت هو المذهب الغير الحقيقي ، فأن تضحي بنفس واحدة ، خير من ان تضحي بأمم قادمة والله اعلم / هذا امر والامرالثاني ان في التسعينات وقبل وفاة ابن باز طلب من الحكومه الوهابية / السعودية بهدم مسجد السيده فاطمة ابنت رسول الله ومسجد حمزة عم الرسول / ومسجد علي كرم الله وجهه، هذا الامام الاغر ، الذي كان له من العلم ما لم يُتى مثله ، وخير شهادة له تلك الشهادة المحمدية الابقى، انا مدينة العلم وعلي بابها / فتصور نفسك في غرفة ولايوجد بها باب ، وان هذا الباب هو علي ، فمن اين لك الدخول إلا عبر علي، وغيرها من الاحاديث التي لا تقرها الوهابية الى يومنا هذا / ثم ما هي الوهابيه ، هي انتماء ، وتبعية لمحمد بن عبد الوهاب ، وهل تعرفوا محمد بن عبد الوهاب من اين جاء وكيف؟؟؟!! وفي اي سنه ومن هو المذهب الاقدم ، وهل محمد بن عبدالوهاب خير من الامام جابر بن زيد ، فجابر من الصحابة الذين نهلو العلم من عائشه في الايام الاُولْ من ذهاب النبي الى الرفيق الاعلى، ومحمد بن عبد الوهاب، منذ مائة سنه ، من بداية تأسيس مذهبه الذي تسمى باسمه ، الذي قام على تكفير كل من يخالفه بالسيف فقط، فهل هذا من سماحة الاسلام..!! اكتفي هنا بأن المولد ليس بدعة ، إلا ما ادخل عليه من بدع ، وانا استحسن / كما قال الخليلي ،عدم اتيانه او هكذا قال والله اعلم /
      كذلك فإن اخي الطوفان تكلم وسرد آيات عظيمة، وانا افضل عدم الدخول في هذا الباب لانه كثير الحساسيه ، ويثير عداوات وبغضاء ، خاصة نحن الذين لا نفقه في الدين إلا اشياء بسيطه او قل سطحية ،ولندع امور الدين جانباً ، ولتفتح لنا الاخت بازيه ، شتى المعارف ، لنستمتع بقراءة حصيلة ما تعلمته واستفادته، ولعلنا نسبح في خضم رفاهة معارفها ونستقي من مكنوناتها ما قُدر لنا.... والقرآن الكريم ، يقول { وما أُتيتم من العلم إلا قليلا}
      انا اشكركما ، وارجو لكما اوقاتا سعيده ................... باااي
    • أخي سند :
      يغفر الله لنا ولكم .
      وبعد : شكرا على مداخلتك اللذيذة ، والتي لاتخلو من التقية .ولكن ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

      أخي سند :
      أولا : أنت لم تأتي بجديد يخص الموضوع ، فمادخل موضوع الشيخ ابن باز والشيخ الخليلي في موضوعنا ، ان الموضوع الذي تتحدث عنه ، قيل فيه ماقيل ، والله أعلم بالصواب فيما جرى بين الشيخين ابن باز والخليلي من كلام وحوار ، أما أنت وأنا فلم نكن معهما حتى ننقل مادار بينهما وحتى الصحف لم تنقل مادار بينهما ، الا ماحدث من كلام الناس ، ومما قيل أيضا من كلام الناس أن الشيخ الصوافي كان حاضرا معهما وأنظر لما حدث له بعد أن كان مساعدا للمفتي أصبح بعيدا عن هذا المنصب فلماذا حدث ذلك للشيخ الصوافي ؟؟؟؟؟؟؟؟ اسأل وأنا انتظر اجابتك .

      ثانيا : عن اللقب الذي اخترته لنفسي وهو ( بازية الدهر ) فهذا لايعني ماتقصده أنت ، ولم أطلب منك تفسير معنى اللقب ، ولكن على العموم شكرا ويدل ذلك على سعة اطلاعك في بعض الأمور لاكلها.

      ثالثا : أنت تتهجم في مقولتك على الامام محمد بن عبد الوهاب ، وهذا ليس لي ولالك ، فأنت لن ترضى بأن أتهجم على مشائخك أمثال الامام الخميني أو علي خامنئي أو غيرهم . فأنصحك نصيحة محب في الله أن تترك هجومك على العلماء .

      وأما الامام جابر بن زيد فلم يكن صحابيا ، نعم لقي الصحابة رضي الله عنهم ولكنه يعتبر تابعيا وليس صحابيا .

      وأما عن الاحتفال بالمولد النبوي ، وهو صلب الموضوع ، فأقول والله المستعان ، بانك اذا احتفلت به فلن يمنعك أحد واذا لم تحتفل به فأنت ان شاء الله غير مأثوم على تركك الاحتفال بالمولد النبوي ، وعليه لن تستطيع اقناعي بسنية الاحتفال ولن أستطيع اقناعك والمشرف الطوفان ببدعية الاحتفال ، والله يهدينا الى سواء السبيل .

      أرجو أن لاتعتقد أنني تهربت من الموضوع ولكن هذا الذي لاحظته في كثير من المنتديات ، السني لايقتنع بكلام الاباضي أوالشيعي ، وكذلك العكس . فأرى بأن الكلام فيما ليس فيه فائدة مضيعة للوقت والمال .

      أرجو أن نلتقي في موضوع آخر لأنني أجد نفسي قد بينت ماوجب علي تجاه ربي من عدم كتمان العلم الذي تعلمته في هذا الموضوع والله يرعانا ويرعاكم .
    • الرسالة الأصلية كتبت بواسطة:بازية الدهر
      ومما قيل أيضا من كلام الناس أن الشيخ الصوافي كان حاضرا معهما وأنظر لما حدث له بعد أن كان مساعدا للمفتي أصبح بعيدا عن هذا المنصب فلماذا حدث ذلك للشيخ الصوافي ؟؟؟؟؟؟؟؟ اسأل وأنا انتظر اجابتك .

      .[B]( هذه أول مرة أسمع فيها أن الشيخ الصوافي كان حاضرا اللقاء بين الشيخ الخليلي والشيخ ابن باز ، ولعله الدكتور صالح الصوافي ! وهذا مجرد ظن فلست متأكدا من ذلك

      ولم يكن الشيخ حمود الصوافي أو الدكتور صالح الصوافي في يوم من الأيام أيا منهما في منصب مساعد للمفتي فأبعد عن المنصب ، فلا أدري من اين جاءت الأخت بازية الدهر بهذا الخبر ؟!! ).


      وأما الامام جابر بن زيد فلم يكن صحابيا ، نعم لقي الصحابة رضي الله عنهم ولكنه يعتبر تابعيا وليس صحابيا .

      ( نعم هذا صحيح )!.

      وأما عن الاحتفال بالمولد النبوي ، وهو صلب الموضوع ، فأقول والله المستعان ، بانك اذا احتفلت به فلن يمنعك أحد واذا لم تحتفل به فأنت ان شاء الله غير مأثوم على تركك الاحتفال بالمولد النبوي ، وعليه لن تستطيع اقناعي بسنية الاحتفال ولن أستطيع اقناعك والمشرف الطوفان ببدعية الاحتفال ، والله يهدينا الى سواء السبيل .

      ( هذا هو عين الصواب ) !.

      أرجو أن لاتعتقد أنني تهربت من الموضوع ولكن هذا الذي لاحظته في كثير من المنتديات ، السني لايقتنع بكلام الاباضي أوالشيعي ، وكذلك العكس . فأرى بأن الكلام فيما ليس فيه فائدة مضيعة للوقت والمال .
      ( وهذا أيضا صحيح ) !.


      أرجو أن نلتقي في موضوع آخر لأنني أجد نفسي قد بينت ماوجب علي تجاه ربي من عدم كتمان العلم الذي تعلمته في هذا الموضوع والله يرعانا ويرعاكم .آمين وجزيتِ خيرا
      ولكن لي تعليق على ردك السابق قبل أن يرد الأخ سند فأقول : لا يلزم كون الرسول عليه الصلاة والسلام والصحابة رضوان الله عليهم لم يفعلوا تلك الأشياء إذا نعتبر ذلك من البدع السيئة ،
      ناهيك أن الإحتفال بمولد الرسول عليه الصلاة والسلام لا يضر شيئا ، ونفعه كبير ـ إن لم يبتدع فيه الناس أشياء منكرة ـ ، وفي نفس الوقت فنحن لا نعتبره فرضا لازما ، وليس هو من الأمور العقدية ، أو أمور الشرع الواجبة ، وقواعده الضرورية ، فعلما هذه الضجة والأخذ والرد في أمر لا ضرر منه ، فأولى أن يدخر أولئك الذين ينهون عن مثل هذه الأشياء من البدع الحسنة ، أولى لهم أن يهتموا بالبدع السيئة ، وما يضر الناس ، وما انتشر من المناكر والمعاصي والمفاسد التي يرتكبها الناس نهارا جهارا ، والأولى أن نبتعد عما يؤدي إلى تشتت الشمل وتفرق الصف وتصدع الجماعة ، لآ أن نخوضص في مثل هذه الأمور ونشهر الحرب على بعضنا لأتفه الأسباب .
      واطمئني فإن الإباضية لا يجيزون التشبه باليهود والنصارى أو تقليدهم ، قدوتهم في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وهم ليسوا كغيرهم ممن اغتر باليهود والنصارى واختلط عليه الأمر ـ ، فأمر الإحتفال بأعياد ميلاد الأطفال لا يقرونه ، ولربما قلتِ لما تحتفلون بميلاد الرسول ، فقد ذكرت لك الحكمة من قبل ، وبان لك حقيقة الأمر .

      وأما زعمك بأن علماء البلد الحرام هم خير العلماء فهذا زعم باطل ، ولا داعي للخوض في هذا المجال ، إذ أن كل عاقل يفقه هذا الأمر جيدا ، ناهيك أننا نحترم العلماء ونقدرهم أيا كانت بلادهم أو مذاهبهم .
      !.




      [/B]
    • بسم الله الرحمن الرحيم

      إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

      {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}

      {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}

      {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً}

      أما بعد؛ فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

      يا عبدَ الله الطوفان،

      السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

      أوصيك ونفسي بتقوى الله وخشيته في السر والعلن فقد قال الله تعالى في كتابه العزيز: {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ}، واعلم رعاك الله أن يوم القيامة يكب الناس على مناخرهم في نار جهنم لحصائد ألسنتهم، فقد جاء في الحديث أن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - سأل رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: "وهل نُحاسب على أقوالنا؟ فقال - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: ثَكِلَتْك أُمُّك يا معاذ! وهل يكبُّ النَّاس في النَّار إلا حصائد ألسنتهم" [رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه].

      إن قول سعيد بن مبروك القنوبي في حديث رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: "كل بدعة ضلالة" [رواه مسلم] بأن "هذا الحديث عام أريد به الخصوص ، أو أنه عام مخصوص" قول فيه الخطأ البين، إذ إن في الحديث كليه عامة في تحريم البدع لا يستثنى منها شيء أبداً. وما حمله إلى هذا الفهم المغلوط هو فهمه الخاطئ لحديث رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة." [رواه مسلم] فقد أخرج الحديث الإمام مسلم من حديث جرير بن عبد الله الجلي - رضي الله عنه - قال: كنا في صدر النهار عند رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فجاءه قوم عراة مجتابي النمار أو العباء متقلدي السيوف، عامتهم من مضر بل كلهم من مضر، فتمعر وجه رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم لما رأى بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج فأمر بلالاً فأذن وأقام فصلى ثم خطب فقال: {يا يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} إلى آخر الآية {إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} والآية التي في آخر الحشر {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره حتى قال: ولو بشق تمرة. فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها بل قد عجزت، ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب حتى رأيت وجه رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم يتهلل كأنه مذهبة. فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء."

      فالحديث لا يدل على كل بدعة! بل قال: "من سن في الإسلام". وما خرج عن شريعة الرسول ليس من الإسلام، بل قد قال: "من سن في الإسلام سنة حسنة". وبهذا نعرف أنه لا بد أن تكون هذه السنة مما أثبته الإسلام، وإلا ليست سنة في الإسلام، ومن علم سبب الحديث المذكور علم أن المراد بالسنة: المبادرة بالعمل، أو السبق إلى تنفيذ سنة كان أسبق الناس بها؛ لأن سبب الحديث معلوم وهو أن جماعة جاؤوا إلى النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، وكانوا فقراء؛ فحث المسلمين على التصدق عليهم، فأتى رجل من الأنصار بصرة قد أثقلت يده فوضعها بين يديه - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها". وبهذا عرفنا المراد أن من سنها ليس من شرعها، لكن من عمل بها أولاً؛ لأنه بعمله أولاً يكون هو إماماً للناس فيها، فيكون قدوة خير وحسنة، فيكون له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة.

      فهنا يكون معنى "السن": سن العمل تنفيذياً، وليس سنه تشريعياً، فار معنى "من سن في الإسلام سنة حسنة" أي: من عمل بها تنفيذياً لا تشريعياً، لأن التشريع ممنوع؛ لقول رسول الله - صلى الله عليهوعلى آله وسلم -: "كل بدعة ضلالة" وقد اجاب فضيلة الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله - عن الحديث بجوابين آخرين كما في [مجموع الفتاوى 5/252]، لا بأس من ذكرهما لإتمام الفائدة قال - رحمه الله تعالى -:

      "إن من قال: "من سن في الإسلام سنة حسنة" هو القائل: "كل بدعة ضلالة" ولا يمكن أن يصدر عن الصادق المصدوق قول يكذب له قولاً آخر، ولا يمكن أن يتناقض كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبداً، ولا يمكن أن يرد على معنى واحد مع التناقض أبداًن ومن ظن أن كلام الله تعالى أولا كلام رسوله - صلى الله عليه وسلم - متناقض فليعد النظر، فإن هذا الظن صادر إما عن قصور منه، وإما عن تقصير منه. ولا يمكن أن يوجد في كلام الله تعالى أو كلام رسوله - صلى الله عليه وسلم - تناقض أبداً.

      وإذا كان كذلك فبيان عدم مناقضة حديث "كل بدعة ضلالة" لحديث "من سن في الإسلام سنة حسنة" أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من سن في الإسلام" والبدع ليست من الإسلام، ويقول "حسنة" والبدعة ليست بحسنة، وفرق بين السن والتبديع.

      وهناك جواب لا بأس به: أن معنى "من سن": من أحيا سنة كانت موجودة فعدمت فأحياها، وعلى هذا فيكون "السن" إضافياً نسبياً كما تكون البدعة إضافية نسبية لمن أحيا سنة بعد أن تركت."

      يقول الشيخ ابن باز - رحمه الله - في [برنامج 'نور على الدرب' رقم الشريط 26] في أمر هذا الحديث:"وهو يدل على شرعية إحياء السنن والدعوة إليها والتحذير من البدع والشرور لأنه صلى الله عليه وسلم يقول: من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها من بعده لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا خرجه مسلم في صححيه.

      ومثل هذا الحديث ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا" وهكذا حديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من دل على خير فله مثل أجر فاعله" خرجهما مسلم في صحيحه.

      ومعنى "سن في الإسلام" يعني: أحيا سنة وأظهرها وأبرزها مما قد يخفى على الناس، فيدعو إليها ويظهرها ويبينها، فيكون له من الأجر مثل أجور أتباعه فيها وليس معناها الابتداع في الدين. لأن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن البدع وقال صلى الله عليه وسلم: "كل بدعة ضلالة" وكلامه صلى الله عليه وسلم يصدق بعضه بعضا، ولا يناقض بعضه بعضا بإجماع أهل العلم، فعلم بذلك أن المقصود من الحديث إحياء السنة وإظهارها، مثال ذلك: أن يكون العالم في بلاد ما يكون عندهم تعليم للقرآن الكريم أو ما عندهم تعليم للسنة النبوية فيحيي هذه السنة بأن يجلس للناس يعلمهم القرآن ويعلمهم السنة أو يأتي بمعلمين، أو في بلاد يحلقون لحاهم أو يقصونها فيأمر هو بإعفاء اللحى وإرخائها، فيكون بذلك قد أحيا هذه السنة العظيمة في هذا البلد التي لم تعرفها ويكون له من الأجر مثل أجر من هداه الله بأسبابه، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "قصوا الشوارب وأعفوا اللحى خالفوا المشركين" متفق على صحته من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، والناس لما رأوا هذا العالم قد وفر لحيته ودعا إلى ذلك تابعوه ، فأحيا بهم السنة، وهي سنة واجبة لا يجوز تركها، عملا بالحديث المذكور وما جاء في معناه، فيكون له مثل أجورهم.

      وقد يكون في بلاد يجهلون صلاة الجمعة ولا يصلونها فيعلمهم ويصلي بهم الجمعة فيكون له مثل أجورهم، وهكذا لو كان في بلاد يجهلون الوتر فيعلمهم إياه ويتابعونه على ذلك، أو ما أشبه ذلك من العبادات والأحكام المعلومة من الدين، فيطرأ على بعض البلاد أو بعض القبائل جهلها، فالذي يحييها بينهم وينشرها ويبينها يقال: سن في الإسلام سنة حسنة بمعنى أنه أظهر حكم الإسلام، فيكون بذلك ممن سن في الإسلام سنة حسنة.

      وليس المراد أن يبتدع في الدين ما لم يأذن به الله، فالبدع كلها ضلالة لقول النبي في الحديث الصحيح: "وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" ويقول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أيضا: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" وفي اللفظ الآخر: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" متفق عليه.

      ويقول في خطبة الجمعة عليه الصلاة والسلام: "أما بعد: فإن خير كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة" خرجه مسلم في صحيحه.

      فالعبادة التي لم يشرعها الله لا تجوز الدعوة إليها، ولا يؤجر صاحبها، بل يكون فعله لها ودعوته إليها من البدع، وبذلك يكون الداعي إليها من الدعاة إلى الضلالة، وقد ذم الله من فعل ذلك بقوله سبحانه: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ}"

      ولعل سعيد يشير إلى قول الإمام الشافعي - رضي الله عنه -: "المحدثات من الأمور ضربان: أحداهما ما أحدث مما يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعاً فهذه البدعة الضلالة، والثانية ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا وهذه محدثة غير مذمومة" معناه: إن هناك أموراً أحدثت توافق الكتاب أو السنة أو الأثر أو الإجماع فهي سنة قد أحييت كما قال سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بعد إن جمع الناس على صلاة التراويح على إمام واحد: "نعمة البدعة هذه". فإن جمع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - الناس في صلاة التراويح سنة، وليست بدعة، الحق هو إن ما أدعاه بعض الناس أنها من سنن عمر، واستدل لذلك بأن عمر بن الخطاب "أمر أبيّ بن كعب وتميماً الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة" وخرج ذات ليلة والناس يُصلُّون فقال: نعمت البدعة هذه" دعوة لا تستقيم صحتها، يقول الشيخ ابن العثيمين: "فهذا قول ضعيف غفل قائله عما ثبت في الصحيحين وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم: "قام بأصحابه ثلاث ليال وفي الثالثة أو في الرابعة لم يُصلّ، وقال: إني خشيت أن تُفرض عليكم" [رواه البخاري] وفي لفظ مسلم "ولكني خشيت أن تُفرض عليكم صلاة الليل فتعجزوا عنها" [ صحيح مسلم] فثبتت التراويح بسنة النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، وذكر النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - المانع من الاستمرار فيها، لا من مشروعيتها، وهو خوف أن تُفرض، وهذا الخوف قد زال بوفاة الرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - لأنه لما مات - صلى الله عليه وسلم - انقطع الوحي فأمن من فرضيتها، فلما زالت العلة وهو خوف الفريضة بانقطاع الوحي ثبت زوال المعلول وحينئذ تعود السنية لها". [الشرح الممتع، لابن عثيمين 4/78]

      أما تقسيم سعيد - هداه الله - الأمور المحدثى إلى قسمان، تقسيم لا دليل عليه، فهذا القول بدعة. والصحيح لا تقسيم في البدعة، لقول رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: "كل بدعة ضلالة" وهذه كليه عامة لا يستثنى منها شيء أبداً. فإن شرطا البدعة هي:
      1) تعبد لله بشيء لم يشرعه الله.
      2) التعبد بشيء لم يكن عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وخلفاؤه الراشدون.
      فمن كان في عبادته أحد تلك الشروط سواءٌ كان ذلك التعبد فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته أو فيما يتعلق بأحكامه وشرعه فهو مبتدع. وهذه الشروط مأخوذة من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ" رواه أبو داود والترمذي وصححه، وابن ماجه من حديث العرباض بن سارية.

      إن هذا القول ليس بحجة جديدة، وقد استدلت بها الصوفية والقبورية والرافضة وأهل الكلام وغيرهم من الفرق الهالكة، وليس لهؤلاء حجة على أن هناك بدعة حسنة إلا قول عمر - رضي الله عنه - في صلاة التراويح: "نعمت البدعة هذه" [صحيح البخاري] معلقاً، [الفتح 4/294] وهو يقصد البدعة من مفهومها اللغوي.

      فلهذا سماها بدعة وهى على الحقيقة سنة بقوله صلى الله عليه وسلم " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى " وقوله " اقتدوا باللذين من بعدى أبى بكر وعمر وعلى هذا التأويل يحمل الحديث الآخر " كل محدثة بدعة " إنما يريد ما خالف أصول الشريعة ولم يوافق السنة.‏ وأكثر ما يستعمل المبتدع عرفا في الذم، انتهى ما قاله ابن الأثير.‏"


      البدعة في اللغة:

      قال الخليل بن أحمد الفراهيدي: "البَدع: إحداثُ شيء لم يكن له من قبل خلق ولا ذكر ولا معرفة" [العين، للفراهيدي 2 /54]

      ويقول الراغب: "الإبداع: هو إنشاء صفةٍ بلا احتذاء وإقتداء، والإبداع أصلٌ ثانٍ للبدعة ، وهو مأخوذ من أبدع" [مفردات ألفاظ القرآن الكريم، للراغب الاصفهاني ص36]

      وينصّ الاَزهري على أنّ "الإبداع" أكثر استعمالاً من "البَدع" وهذا لا يعني أنّ استعمال "البدع" خطأ، فيقول في ذلك: "و أبدع أكثر في الكلام من بَدَعَ ولو استعمل بَدَعَ لم يكن خطأ". [تهذيب اللغة، للازهري 2 /241]

      وقال ابن فارس : "البدع له أصلان: ابتداء الشيء وصنعه لا عن مثال، والآخر الانقطاع والكلال" [المقاييس، لابن فارس 1/209 مادة (بَدَع)]

      وقال الفيروزآبادي: "البِدعة: الحدث في الدين بعد الإكمال، أو ما استحدث بعد النبي من الأهواء والأعمال" [القاموس، للفيروزآبادي 3/6 مادة (بَدَعَ)]

      وعلى هذا الأساس نقول من "البَدع" بدعتُ الشيء إذا أنشأته.

      كما تقول من "الإبداع": ابتدع الشيء: أي "أنشأه وبدأه" ونقول أيضاً: "أبدعتُ الشيء أي اخترعته لا على مثال"

      و"أبدعَ" الله تعالى الخلق إبداعاً" أي خلقهم لاعلى مثال سابق، و"أبدعتُ" الشيء و"ابتدعته" استخرجته وأحدثته، ومن ذلك قيل للحالة المخالفة "بدعة"، وهي اسم من "الابتداع"، كالرفعة من الارتفاع.

      ومن أسماء الله تعالى "البديع" وهو الذي فطر الخلق مُبدِعاً لا على مثال سابق. يقول سبحانه وتعالى {بَدِيعُ السَمَوَاتِ والاَرضِ} أي مبتدعها ومبتدئها لا على مثال سابق.

      إنّ الإمعان في التعريفات المارة لكلمة "البدعة" يوضح بجلاء أنّ معناها في اللغة: هو الشيء الذي يبتكر ويخترع من دون مثال سابق ويبتدأ به بعد أن لم يكن موجوداً في السابق.

      البدعة في الاصطلاح:

      فمعنى البدعة اصطلاحاً هو "إيراد قولٍ أو فعلٍ لم يُستَنَّ فيه بصاحب الشريعة وأُصولها المتقنة" أو بعبارة أخرى هو "الحدث في الدين بعد الإكمال"

      وقال ابن رجب الحنبلي في تعريف البدعة بأنّها: "ما أُحدث مما لا أصل له في الشريعة يدّل عليه، أما ما كان له أصل من الشرع يدّل عليه فليس ببدعة شرعاً وإنْ كان بدعة لغةً". [جامع العلوم والحكم، لابن رجب الحنبلي ص160 طبع الهند]

      وقال ابن حجر العسقلاني: "أصلها ما أُحدِثَ على غير مثال سابق، وتطلق في الشرع في مقابل السُنّة فتكون مذمومة..." وقال: "المحدثات جمع محدثة، والمراد بها ما أُحدث وليس له أصل في الشرع، ويسمّى في عرف الشرع بدعة، وما كان له أصل يدلُّ عليه الشرع فليس ببدعة." [فتح الباري، لابن حجر العسقلاني 5/156]

      إذاً، فالبدعة هي طريقة مخترعة في الدّين يُقصد بها التعبّد والتقرب إلى الله تعالى، إعتقاداً، أو قولاً، أو عملاً. وهذا يعني أنّه لم يرد بها الشّرع ولا دليل عليه من الكتاب أو السنة ولا كانت على عهد النبي - صلى الله عليه وعلى آله سلم - وأصحابه ، وواضح من التعريف أيضا أنّ المخترعات الدنيوية لا تدخل في مفهوم البدعة المذمومة شرعاً.

      وأخيراً، يجب علينا أن نتبع رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - الذي كان يكرر مرارا وتكرارا أنّ: "كلّ محدثة بدعة وكلّ بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار". وكان - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - إذا خطب: أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدى محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة. [رواه مسلم] فإذا كانت كلّ بدعة ضلالة فكيف بقال بعد ذلك أنّ هناك في الإسلام بدعة حسنة، وكيف يتجرأ احدنا أن يقول قولاً يخالف فيه رسول الله؟ هذا لعمر الله صريح المناقضة لما قرّره النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وحذّر منه، ويجب عدم موالاة المبتدع أياً كان. فأن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - قد أخبر أنّ من ابتدع في الدّين بدعة محدثة فإنّ عمله حابط مردود عليه لا يقبله الله كما جاء ذلك في حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: "قال رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد" [رواه البخاري] فكيف يجوز بعد ذلك أن يقول شخص بجواز البدعة والعمل بها. فأنّ المبتدع الذي يضيف إلى الدّين ما ليس منه يلزم من فعله هذا عدة مساوئ كلّ واحد منها أسوأ من الآخر ومنها:

      1) اتهام الدّين بالنقص وأنّ الله لم يكمله وأن فيه مجالا للزيادة وهذا مصادم لقوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً}.

      2) أنّ الدّين بقي ناقصا من أيام النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - حتى جاء هذا المبتدع ليكمله من عنده.

      3) أنّه يلزم من إقرار البدعة اتهام النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - بأحد أمرين: إما أن يكون جاهلا بهذه البدعة الحسنة !! أو أنه قد علمها وكتمها وغشّ الأمة فلم يبلّغها.

      4) أنّ أجر هذه البدعة الحسنة قد فات النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وأصحابه والسلف الصالح حتى جاء هذا المبتدع ليكسبه، مع أنّه كان ينبغي عليه أن يقول في نفسه "لو كان خيرا لسبقونا إليه".

      5) أنّ فتح باب البدعة الحسنة سيؤدي إلى تغيير الدّين وفتح الباب للهوى والرأي، لأنّ كلّ مبتدع يقول بلسان حاله إنّ ما جئتكم به أمر حسن، فبرأي من نأخذ وبأيهم نقتدي؟

      6) إن العمل بالبدع يؤدي إلى إلغاء السنن وقول السّلف الذي يشهد به الواقع: ما أحييت بدعة إلا وأميتت سنّة. والعكس صحيح.

      نسأل الله أن يجنبنا مضلات الهوى والفتن ما ظهر منها وما بطن والله تعالى أعلم.

      أبو إبراهيم الرئيسي

    • وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

      أخي الكريم الرئيسي شكرا لك على إجهاد نفسك في البحث

      وعلى أية حال فالأمر أوضح من ان يوضح ، وهو كالشمس في رابعة النهار ، فلا داعي للخوض في ما لا طائل من ورائه

      وليت شعري من لا يعرف فضيلة الشيخ المحدث إمام السنة والأصول سعيد بن مبروك القنوبي ـ حفظه الله ورعاه ـ
      من شمر عن ساعد الجد لإحياء السنة ... يكفي أخي الكريم أن تطلع على بعض مؤلفاته ومنها ( الطوفان الجارف لكتائب البغي والعدوان ) ...
      عموما ليس هذا موضوعنا ...

      هذه فتوى لسماحة الشيخ الخليلي ـ حفظه الله ـ في حكم الإحتفال بالمولد النبوي :

      السؤال :
      ما حكم الاحتفال بذكرى مولد النبي - صلى الله عليه وسلم - ، هناك من يقول بدعة ، وهناك من يقول بدعة لكنها حسنة ، ما الحكم في رأيك ؟

      الجواب :
      الاحتفال بمولد النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر لم يعهد عند السلف ، ولم يعهد في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - نفسه ، ولم يعهد في عهد الصحابة رضوان الله تعالى عليهم ، ولم يعهد في عهد التابعين ، وإنما حدث بعد مضي ثلاثة قرون ، وأول ما حدث عند الفاطميين ، والناس يقدحون في معتقدات الفاطميين ويرون أنهم يريدون أن يطووا حقيقة معتقداتهم ، وأن يظهروا خلاف ما يضمرون فلذلك أظهروا الاحتفال بمولد الرسول - صلى الله عليه وسلم - سترا على معتقداتهم ؛ لأن معنقداتهم غير إيمانية .

      وقول الذين حجروا على الناس أن يحتفلوا بهذه المناسبة الكريمة ، منهم من قال بأن هذه وإن كانت بدعة إلا أنها بدعة حسنة ، فالبدعة الحسنة ما كان لها أصل في شرع الله ، والبدعة السيئة ما لم يكن لها أصل في شرع الله وإنما كانت مخالفة لشرع الله . والله سبحانه وتعالى شرع لعباده ما يأتون وما يذرون ، وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك ، فالنبي عليه أفضل الصلاة والسلام بين كثيرا مما سكت عنه القرآن الكريم ، وبين مجملات القرآن الكريم ، ولكن مع ذلك قد تكون بياناته - صلى الله عليه وسلم - مجملات ، وعندما يكون عمل الإنسان يوافق شيئا من هذه المجملات التي أشار إليها النبي - صلى الله عليه وسلم - أو عمل بمقتضاها فإن هذه البدعة تكون بدعة حسنة عندئذ .

      ونحن عندما ننظر إلى الاحتفال بمولد النبي - صلى الله عليه وسلم - نجد أنه يجسد حبّ الإنسان المسلم للنبي - صلى الله عليه وسلم - وإن كان هذا الحب يجب أن لا ينحصر في هذا الجانب وحده فإن محبته - صلى الله عليه وسلم - ليست محبة عاطفية فحسب حتى تكون كمحبة غيره لا تكاد تثور حتى تغور ، وإنما محبته محبة عقيدة وهي يجب أن تكون متجسدة في الاقتداء به عليه أفضل الصلاة والسلام ، وترسّم خطواته ، ومن شأن الإنسان أن يحب الاقتداء بالعظماء وأي عظيم أعظم من النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن شأن الإنسان أن يسارع في هوى من يحبه وأي أحد أولى بحب من حب النبي - صلى الله عليه - فلذلك كان حريًّا هذا الذي يحب النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يحرص على تجسيد هذا الحب في إحياء سنته ، وفي اتباع أوامره ، وفي الازدجار عن نواهيه ، على أن اتباعه - صلى الله عليه وسلم - ليس تجسيدا لحبه وحده وإنما هو تجسيد لحب الله تعالى أيضًا . فإن الله تعالى يقول : ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم ) ولكن مع هذا الإنسان ليس خاليا من العاطفة ، ولما كان ليس خاليا من العاطفة فقد يريد أن يظهر هذا الحب في مظهر ، إلا أن هذا ينبغي أن يؤطر في الإطار الشرعي وذلك بأن تكون هذه المناسبة يحتفي بها المسلم احتفاء بعيدا عن البدع ، فلا يكون في ذلك اختلاط بين النساء والرجال ، ولا يكون في ذلك أيضا شيئ من مظاهر الإسراف والبذخ ذلك لأن الإسلام يحرم هذه الأمور .


      مع هذا أيضا لا بد من أن يكون هذا الاحتفاء بناء بحيث يُترجم إلى عمل واقعي ، أي عمل دعوي يحرص المسلمون على استغلال هذه المناسبة بحيث يستثيرون في إخوانهم المسملين هذه العاطفة لأجل اتباع سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - وإحياء ما اندرس منها ، وإبلاغ دعوته إلى الناس ، وهذا لا يتم إلا عندما تكون هذه الاحتفالات متجددة ومعنى كونها متجددة ألا يقتصر الإنسان على تلاوة مولد النبي - صلى الله عليه وسلم - قصة قد تكون كتبت قبل مئات السنين أكل عليها الدهر وشرب حتى أصبحت تملّ من كثرة ما تردد على الأسماع ، على أنه لا يمكن أن يردد حديث على ألأسماع باستمرار إلا ويملّ ما عدا قول الله تعالى ، ومع هذا علينا أن نفرق بين كلام الله وكلام غيره ، فكلام الله تلاوتنا له تلاوة تعبدية فإن الأعجمي الذي لا يعرف من العربية شيئا يتلو من القرآن الكريم فيكتب الله تعالى له أجرا على تلاوته للقرآن ، بخلاف ما يتلى من كلام الناس فإن الذي يتلى من كلام الناس إنما يتلى لأجل الاستفادة من فائدته ، حتى كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يتلى من أجل التعبد . نحن نقرأ حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا من أجل أننا نتقرب إلى الله بقراءته كما نتقرب إلى الله بقراءة القرآن الكريم ، وإنما نتلوه ونتقرب إلى الله بتلاوته من أجل تفهمنا معناه ، ومن أجل محاولتنا لتطبيق مضمونه .

      ولئن كان هذا في كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فكيف بكلام غيره من الناس ؟! ولئن كان الأمر كذلك فإن من المفروض أن تربط هذ المناسبة بالواقع وذلك بأن يكشف للناس كيف كان عظم هذا الحدث التاريخي ؟ وماذا ترتب عليه من خير عظيم للإنسانية ؟ وماذا يجب على الأمة المسلمة أن تصنع الآن وهي بعدت كثيرا عن هذا المصدر؟

      بحيث أصبحت الآن تقلد الآخرين بدلا من أن تتبع خطوات النبي عليه أفضل الصلاة والسلام وأصبحت تعتز بحذوها حذو غيره من الناس ولربما كان أولئك كفرة أكثر مما تعتز بارتباطها بالتأسي بالنبي - صلى الله عليه وسلم - مع معالجة قضايا العصر على ضوء هذه المناسبة ، في هذه الحالة تكون هذه المناسبة مناسبة بناءة ويكون الاحتفاء بذكراها سببا لإزالة كثير من غبش التصور عن كثير من الناس ويكون ذلك سببا لاتباط كثير من الناس بعقيدتهم وارتباطهم بأخلاقهم ، وارتباطهم بأوامر ربهم ، وارتباطهم بسنة نبيهم عليه أفضل الصلاة ولاسلام .
    • مقال نادر لسماحة الشيخ الخليلي في ذكرى المولد النبوي الشريف (1974م)
      في ذكرى المولد النبوي الشريف:

      الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الصادق الأمين وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين :

      أما بعد :

      فإنه مما يغمر قلوبنا فرحاً ويمتلك مشاعرنا سروراً مشاركتنا لإخواننا مسلمي العالم في الاحتفال بهذه المناسبة العظيمة التي لها أكبر الخطر في التاريخ وأعظم الأثر في النفوس تلك مناسبة ذكرى بزوغ شمس الحق وإشراق نور الحقيقة بمولد من أرسله الله رحمة للعالمين وبعثه إلى خلقه متمماً لمكارم الأخلاق مشيداً لصرح العدالة ناصباً معالم الهداية حالاً ألغاز الكون كاشفاً عن أسرار الحياة ذلك عبد الله ورسوله وحبيبه وصفيه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي لم يعرف التاريخ ولن يعرف له مثيلا من البشر في كمال خلقه وخلقه وفي الاتصاف بأرقى ما يتصوره العقل من صفات المخلوقين .

      إن البشرية ظلت قبل إشراق نور مبعثه صلى الله عليه وسلم تهيم في ظلمات متراكمة وتتيه في ضلالات عمياء لا تميز في شؤون حياتها بين الخير والشر ولا بين المصلحة والمفسدة ولا بين الرقي والانحطاط ولا بين الحقيقة والوهم ولا بين العلم والجهل فقد كانت المفخرة الكبرى عند الناس استغلال القوى الطبيعية وإشباع النهم والغرائز وإراقة الدماء وابتزاز الأموال لا فرق في ذلك بني مجتمع ومجتمع ولا بين دولة وأخرى ومهما كانت هنالك من حضارة كحضارة الهند ومصر وفارس وحضارة الرومان - القائمة على أنقاض حضارة الإغريق البائدة – فإن جميع تلك الحضارات ما هي إلا مادية بحتة لم تقوم اعوجاجاً ولم تصلح فساداً بل نستطيع أن نقول إنها منبثقة من النزعات الشريرة والنزوات البهيمية المتمثلة في أعمال تلك الأمم الضارية التي لا رقة في قلوب كبرائها ولا انسجام بين أفرادها ، وهكذا بقيت البشرية تتقلب على جمر المآسي وتتجرع مرارة الظلم والهوان حتى أراد الله سبحانه وتعالى للأرض الميتة الهامدة أن ينفخ في هيكلها البالي روح الحياة حياة العلم والإيمان حياة الحق والعدالة حياة الرشد والهداية حياة ارتباط أبنائها برباط العقيدة الصحيحة حياة الاتصال بهذا الكون الواسع الذي تسبح كل ذرة منه بحمد الله تعالى حين أذن سبحانه لقطب دائرة الكون وتاج مفرق الوجود سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أن يتجلى نور محياه على عالم الشهادة في يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول لخمسين يوماً من حدوث واقعة الفيل فاستقبلت الأرض أكرم ضيف نزل عليها ليكتسح منها التصورات الباطلة والمفاهيم الخاطئة والأوهام والخرافات التي راجت سوقها بين البشر فأصبحت عالقة بكل ذهن مالئة لكل قلب وقد كان صلى الله عليه وسلم أول ما نادى به ودعا إليه بكلمة ( لا إله إلا الله ) تلك الكلمة التي زلزلت عروش الظلم ودكت صروح البغي وأرست دعائم العدالة ورسمت خط المساواة وكشفت عن عيون الضعفاء المحتقرين ما نسجته أيدي الظلم من ستار كثيف وارى عنهم الحقائق لئلا يهتدوا إلى أن لهم في المجتمع حقوقا .

      لقد أوحت هذه الكلمة العادلة الشاملة إلى كل قلب واع أنه لا فرق أمام الحق بين قوي وضعيف ولا بين غني و فقير ولا بين رفيع ووضيع ولا بين حاكم ومحكوم ولا بين إنسان وإنسان آخر فالكل عباد الله ليس الحكم إلا له ، وكل الكبرياء والعظمة والجلال والقهر والخلق والأمر مما استأثر به الله فلم يبق مجال لاستعلاء أحد على أحد أو استغلال إنسان لإنسان وإنما يحق للناس أن يتنافسوا في الاقتراب من الله بالعمل الصالح وبذلك يتباينون في المنازل والدرجات ، وهكذا ظل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو إلى هذه المثل العليا والمبادئ الرفيعة غير مبال بما يلقاه من تحديات الدهر ومعاكسات الزمن ضارباً أروع الأمثال لقادة الإصلاح وأرباب النهضات في الصبر على الشدائد وتجرع المآسي ، إذ كان صلوات الله وسلامه عليه يلقى جميع المصائب والمصاعب بقلب كله إيمان بالله وثقة بجلاله فلم يكن اليأس ليجد سبيلاً إليه ، ولا التردد يحوم حوله ، وبهذه الروح الفعالة تأثر الناس بدعوته ، فتقبلوا الإسلام موقنين أنه دين الحق والصواب ، ودين الهداية والرشد ، دين الأمن والسلام ، وعابوا ما كانوا عليه من عقائد متناقضة ، وأحوال متباينة ، وأخذ الإسلام يملأ العالم صيته مكتسحاً بتياره الهادر ما علق بالذهان من ترهات وأوهام ، جاعلاً من البشر كلهم أمة واحدة تجمعهم كلمة الله ، ويربط بين أقصاهم وأدناهم الإيمان بالله ، فلا قبلية ولا عنصرية ولا إقليمية ، إنما الفارق الإسلام أو الكفر ، هذه هي رسالة محمد صلى الله عليه وسلم إلى البشر ، فما أسعد ذكرى مولده الشريف التي تعيد إلى نفوس المؤمنين مواقفه المباركة كأنما يشاهدونها عن كثب .

      إن من أهم ما يجب أن نحرص عليه هو أخذ العظات النافعة والدروس البالغة من أبعاد هذه الذكرى فما أحوج الأرض اليوم إلى دورة تاريخية تكون امتداداً لتلك الدورة الكبرى لتتلافى هذه البشرية التي عادت إلى جاهليتها الأولى فأصبحت تتسكع في أحلك الظلمات ، وتهيم في اخطر المتاهات ، وأصبح من أبرز خصائصها وأوضح سماتها الحسد والجشع والتنافر والتدابر ، والقسوة والاستبداد ، تفتح لها من علوم الطبيعة ما يمكنها به الترفيه على العالم وتوحيد الشمل وتعميم روح الطمأنينة والسلام ولكنها استغلتها في الإبادة والتدمير وإثارة البغضاء والفصام وإشاعة الأكاذيب وترويج الرذائل فأصبحت الحياة يساورها القلق ويهددها الاضطراب ولذلك تبرم منها كثير من الشباب الحائر فأصبح الانتحار عندهم الحل الوحيد لمشاكلها والراحة الفريدة من متاعبها ، كل ذلك نتيجة تقلص الإيمان من القلوب واستيلاء الحيرة والشك عليها .

      إن هذه الحالة البارزة الشاهرة لدليل قاطع على صدق من يقول من علماء المسلمين ومفكريهم في هذا العصر (( إن الزمان قد استدار كهيئته حين بعث الله محمد صلى الله عليه وسلم فما أحوجه اليوم إلى مثل تلك الدورة الكبرى يقوم بها قوم من أمة محمد صلى الله عليه وسلم يحكمون لأمر الله منجزون لوعده حريصون على مرضاته لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة يرجون تجارة لن تبور ) إن بأمثال هؤلاء البررة المخلصين يعيد الزمان تاريخه الذهبي ويتحقق وعد الله لعباده المؤمنين بالنصر والتمكين كما تحقق في العصور الغابرة ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناًُ يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ) اللهم أعنا على طاعتك وجنبنا معصيتك واهدنا لمرضاتك وحقق لنا وعدك وانصرنا على عدوك ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .


      omania.net/avb/showthread.php?s=&threadid=70783
    • بسم الله الرحمن الرحيم

      أنت لم ترد على صلب موضوعي، بل أكتفيت بالقص واللصق. ما هكذا يكون النقاش.

      أليس هذا سعيد القنوبي هو من رد عليه الشيخ عبد العزيز بن فيصل الرّاجحي في كتابه: "قدوم كتائب الجهاد لغزو أهل الزندقة والإلحاد . القائلين بعدم الأخذ بحديث الآحاد في مسائل الاعتقاد"؟!

      إن كان كذلك، كيف يكون هذا الرجل صاحب سنة وهو لا يعتقد بالشق الأعظم من أحاديث النبي؟!

      كيف يكون هذا الرجل صاحب سنة وهو يقول بأن في الإسلام "بدعة حسنة"؟!

      سبحان الله،

      ألا تستطيع أن تفرق بين السنة والبدعة؟!

      ثم، كيف يكون رجلاً محدثاً وهو يستدل بحديث: "من سن في الإسلام" في إثبات بأن هناك "بدعة حسنة" من دون حتى أن يعلم سبب الحديث المذكور ليعلم المراد بالسنة؟!!!

      فكلام الخليلي: "الاحتفال بمولد النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر لم يعهد عند السلف ، ولم يعهد في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - نفسه ، ولم يعهد في عهد الصحابة رضوان الله تعالى عليهم ، ولم يعهد في عهد التابعين ، وإنما حدث بعد مضي ثلاثة قرون..." حجة عليكم يا معشر "البدعة الحسنة"، فأنتم تقروا بأن هذه البدعة لم تكن معهودة في الثلاث القرون الأولى المشهود لها بالخير. فمن نحن حتى نشرع الإحتفال بالمولد النبوي؟!

      وعلى العموم، فأقوال الرجال لا أقبلها دليلاً أبداً ما لم يتحجج بالقرآن والسنة وما عليه السلف الصالح؛ لأن أقوال العلماء يستدل لها، ولا يستدل بها. أليس كذلك؟

      وأخيراً، اتمنى أن تجبني على هذا السؤال:

      هل تعتقد بأنك - وكل من يحتفل بالمولد - بأن أجر هذه البدعة الحسنة قد فات النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وأصحابه والسلف الصالح وكسبته أنت؟
    • السلام عليكم اخوتي بالله
      الظاهر ان الاخوة الرئيسي والاخت بازية الدهر يسعون للفتنة والتفرقة
      الساحة الدينية تسمح لكم ولغيركم بوضع مواضيعهم فاكتبوا في بدعة الاحتفال في موضوع اخر تتناقشوه بينكم
      واستندوا الى الباز وغيره
      ولاحظوا ان الاخت هي التي بدات بقولها من اين اتيتم بهذا وكلمة والثانية شيخك وشيخك كانها لايعجبها شيوخنا
      فارجو منكم عدم زرع الفتنة بيننا وترك شيوخنا بدون ان تمسوهم بلسانكم فشيوخنا هم احبائنا في الله
    • بسم الله الرحمن الرحيم

      سبحان الله،

      يا أبا أنور،

      إن من حق أياً كان أن يعترف بأن هذا شيخ أو لا، فهذه آراء شخصية، لا دخل لك فيها، ولا يعاقب أياً كان برأيه في الرجال. فإننا لا نعترف بأصحاب البدع - سواء أصحاب البدع السيئة أو الحسنة - لا نعترف فيهم من أهل العلم، وليس من حق أي أحد أن يقرض علينا ذلك. والعكس صحيح.

      ثم، من الذين يسعوا إلى الفتنة والتفرقة؟
      أهل السنة؟
      أم،
      أهل البدعة الحسنة؟

      ثم، من الذين يسعوا إلى الفتنة والتفرقة؟
      من قال إن الإسلام قد كمل بكل جوانبه - من الشهادتين إلى إماطة الأذى عن الطريق إلى الشهادتين ومنها لأعياد والإحتفالات والمناسبات - يوم أنزل قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً}؟
      أم،
      من زعم بأن الإسلام يوم قبض رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - ناقصاً من "البدع الحسنة"؟

      ثم، من الذين يسعوا إلى الفتنة والتفرقة؟
      من قال بقول رسول الله: "كل بدعة ضلالة"؟
      أم،
      من زعم بأن ليس كل بدعة ضلاله، بل هناك بدعة حسنة؟

      لكن، أنتم هكذا يا أصحاب "البدعة الحسنة" حين تدمغون بالحجة، من كلام الله وكلام رسول الله، تتذرعوا بأننا أهل فتنة وتفرقة.

      ولكن، حسبنا الله ونعم الوكيل.
    • السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة
      أعتقد أن هذه ليست ساحة للمنازعات المذهبية ونحن وبعزة الإسلام لا نرضى لكم لقول هذا عن مشائخنا سوى أكان الشيخ سعيدالقنوبي أو غيرة فأتمنى أن لا تدخلوا مشائخنا على ما أنتم قائمون علية
      كـــــــــــــــــــــــــــــــن مــ الله ــع ولا تبــــــــالي
      :):)
    • لاحول ولا قوه الا بالله العلي العظيم اهم شيء ان نصلي ونسلم على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم اشرف الخلق بمولده العظيم
      وبالفعل لقد قمنا بعمل حلقات وجلسات ذكر في يوم مولد النبوي الشريف ذكرنا فيها قصص الانبياء وذكرنا فيها العديد من المدائح والسيره النبويه عن اشرف الخلق وبطولاته في ظل الاسلام وهذا شيء عظيم ان نقوم بذكره والصلاه عليه في هذه المجالس الاسلاميه .

      المهم هناك اراء مختلفه والله اعلم ولكن القيام بمجالس الذكر التي تخلو من اي شكل من اشكال البدع والمديح والثناء على اشرف الخلق وذكر القصص النبويه الشريفه عن الرسول الكريم والصحابه له من اشرف وافضل الطرق من اجل احياء ذكرى مولد الرسول صلى الله عليه وسلم اللهم صلي وسلم عليه

      تحياتي والله الموفق
    • بسم الله الرحمن الرحيم

      ( الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وصحبه ومن والاه ، وبعد :
      فاعلم أيها الرئيسي بأنه مر من هنا من أمثالك من الحشوية المجسمة الكثيرون فانكفأوا خاسئين ورد الله كيدهم في نحورهم ، ويعلم الله أنا كنا نحترمك ونقدرك لما تاتي بهم من مواضيع وردود ، ولكني اراك الآن حدت عن الصراط ، وبدأت تنفث سمك وتظهر حقيقتك ، حينما فقأ عينيك رؤية اسم الشيخ العلامة سعيد بن مبروك القنوبي ـ حفظه الله ورعاه ـ محي السنة ووميت البدعة والذي نصر الله به الدين وأفزع به شيوخك من أهل البدع المضلة والدعوات الفاسدة ، لذلك أجدني مجبرا أن ارد عليك بما يدمل جرحك ويأتيك بالغصص ، وما كان عهدي كذلك ، ولكنكم قوم خصمون ، عن كل باطل لا ترعوون ، وعن محاربة الحق لا تكفون
      . )

      أنت لم ترد على صلب موضوعي، بل أكتفيت بالقص واللصق. ما هكذا يكون النقاش.
      ( القص واللصق ... عبارة قرأتها كثيرا في ردود الحشوية في أكثر من موقع ومنتدى كنا نحاربهم فيها ... على اية حال إن صلب الموضوع هو حكم الإحتفال بمولد النبي الكريم ، وأتيتك باجابات شافية كافية فيه ، سواء اعترفت أنت ومن تتبعهم بوجود البدعة الحسنة أم لا ... وقلت لك أن الأمر أوضح من أي يوضح ... ولجلجتك لا تنفع شيئا فانتبه . )

      أليس هذا سعيد القنوبي هو من رد عليه الشيخ عبد العزيز بن فيصل الرّاجحي في كتابه: "قدوم كتائب الجهاد لغزو أهل الزندقة والإلحاد . القائلين بعدم الأخذ بحديث الآحاد في مسائل الاعتقاد"؟!
      ( بل هو من أبان عواركم وأظهر خبثكم ، وكشف زيفكم وباطلكم في كتابيه السيف الحاد ، والطوفان الجارف ، وغيرها من المواضع )

      إن كان كذلك، كيف يكون هذا الرجل صاحب سنة وهو لا يعتقد بالشق الأعظم من أحاديث النبي؟!
      ليت شعري إن لم يكن هو صاجب السنة أفتكون أنت وقومك ؟!!

      ( اقرأ اقوال جميع علماء المذاهب في الأخذ بأحاديث الآحاد في مسائل الإعتقاد ليبين لك الحق من الباطل والصواب من الخطأ ، ودع عنك التقليد الأعمى لسدنتك ممن لا يفرقون بين غث وسمين )

      كيف يكون هذا الرجل صاحب سنة وهو يقول بأن في الإسلام "بدعة حسنة"؟!
      ( عاتب ابن الخطاب على ذلك قبله يا ذاك ، وارجع إلى ما أوردته في ردك عن المعنى اللغوي للبدعة )

      سبحان الله،

      ألا تستطيع أن تفرق بين السنة والبدعة؟!

      ثم، كيف يكون رجلاً محدثاً وهو يستدل بحديث: "من سن في الإسلام" في إثبات بأن هناك "بدعة حسنة" من دون حتى أن يعلم سبب الحديث المذكور ليعلم المراد بالسنة؟!!!
      ( أوَ قرأت ما كتبه الشيخ يا ذاك ، وكأنك علمت ما لم يعلمه غيرك ، وأنت أجهل الجاهلين بما تكتب وتقول .... وما ذكرته أنا إنما هو جزء بسيط من قوله ، فارجع إليه كاملا في كتابه السيف الحاد يتبين لك الأمر ، إن كنت مريد حق فعلا لا مثير فتنة ومتبع ضلالة .)

      فكلام الخليلي: "الاحتفال بمولد النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر لم يعهد عند السلف ، ولم يعهد في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - نفسه ، ولم يعهد في عهد الصحابة رضوان الله تعالى عليهم ، ولم يعهد في عهد التابعين ، وإنما حدث بعد مضي ثلاثة قرون..." حجة عليكم يا معشر "البدعة الحسنة"، فأنتم تقروا بأن هذه البدعة لم تكن معهودة في الثلاث القرون الأولى المشهود لها بالخير. فمن نحن حتى نشرع الإحتفال بالمولد النبوي؟!
      ( وهل قلنا غير ذلك يا (( معشر البدعة السيئة )) ولكنها بدعة حسنة ما لم يأتي الناس فيها بأي معصية ، واقرأ ما كتبته أنا قبل ذلك ليتبين لك كيف تكون بدعة حسنة ، بل اقرأ ما كتبه سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي ـ حفظه الله ـ نفسه في مقاله وفتواه .)

      وعلى العموم، فأقوال الرجال لا أقبلها دليلاً أبداً ما لم يتحجج بالقرآن والسنة وما عليه السلف الصالح؛ لأن أقوال العلماء يستدل لها، ولا يستدل بها. أليس كذلك؟
      ( والله لأنتم من يحتج بالرجال دون النصوص وواقعكم شاهد عليكم ، وراجع كتب أسلافك يتضح لك الأمر ، واقرأ كتب الإباضية ولا أظنك فاعلا ذلك لجبنك من أن يلجمك الحق .)

      وأخيراً، اتمنى أن تجبني على هذا السؤال:

      هل تعتقد بأنك - وكل من يحتفل بالمولد - بأن أجر هذه البدعة الحسنة قد فات النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وأصحابه والسلف الصالح وكسبته أنت؟
      ( ليس كل ما لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم وجاء من بعده يعد سيئا يا هذا ، وإلا فإن هناك أمور كثيرة فعلها الخلفاء الراشدون بعد نبيهم ، فلما فعلوها ؟؟؟ وهل فات أجرها رسول الله عليه الصلاة والسلام ؟؟
      واحتفالنا بالمولد كما نرى سبب إلى نيل الأجر والثواب ، واتباع لهدي محمد عليه السلام ، ففزنا نحن بذلك وخسرتم أنتم

      وفي ردك على أبي نور ما جئت بجديد ، حيث يشهد التاريخ وكل من عاشركم أنكم أنتم أهل الضلال والبدع السيئة ، أنتم من يدعو إلى الفتنة والتفرقة ولكنكم لا ترون عيوب انفسكم ، فشوهتم صورة الإسلام وافسدتم عقائدكم فارتق عوارك لا يزيد عليك
      واعلم بأن كل مسلم حر لك ولكل مثير فتنة هنا أو في أي مكان بالمرصاد ، فتأدب بآداب الإسلام ، واتبع قوانين الساحة ، وإلا وجدت ما لا يسرك
      )

      واقرأ هنا :
      alnadwa.net/FIKR/smodalnas.htm
    • بسم الله الرحمن الرحيم

      أحلى مسقط،

      إن ذكر السيرة النبوية وقصص الأنبياء، ليست بدعة، بل هو مندوب. ولكن، ربط ذلك في يوم معين في كل عام بدعة، لأنه لا دليل على ذلك. فعن أنس - رضي الله عنه - قال: "جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - يسألون عن عبادة النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - فلما أخبروا كأنهم تقالوها وقالوا: أين نحن من النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبداً. وقال الآخر: وأنا أصوم الدهر ولا أفطر. وقال الآخر: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً. فجاء رَسُول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - إليهم فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني!" متفق عليه. فالصيام والقيام مندوبان في الإسلام، بل هي مما سنه الله لنا، ولكن ربط هذان الفصيام والقيام بزمن معين ما لم ينزل الله فيه من سلطان بدعة، ولو كان العمل مندوب.

      [HR]

      يا الطوفان،

      لقد أبديت ما في جوفك من سوء الأدب، وحسبي أن أناقش أمرء ما هو في نفس دنو أخلاقك. وإني، ورب الكعبة، لم أستغرب من هذا، لأن هذه الأخلاق الدنية فيكم، وكل إناء بما فيه ينضح.

      أما نحن أهل السنّة الذين قد تربينا على كلام الله وكلام رسول الله وفهم السلف الصالح، لا نرضى - والله - أن ننحط إلى مستواك. فقد علمنا السلف الصالح - رضي الله عنهم - محاسن الأخلاق الظاهرة والباطنة، والأدب وما يحصل للنفس من الأخلاق الحسنة والعلوم المكتسبة، وتعظيم شأن الأدب ما لا يخفى، فالأدب صورة العقل فصور عقلك كيف شئت. فإن الفضل بالعقل والأدب لا بالأصل والنسب لأن من ساء أدبه ضاع نسبه ومن ضل عقله ضل أصله. فإننا نزكي قلوبنا بالأدب كما تزكى النار بالحطب وحسن الأدب يستر قبيح النسب، فبالأدب فهم سلفنا الصالح - رضي الله عنهم - العلم، وبعلمهم صلح عملنا، وبالعمل ينال المرء الحكمة.

      فكلامك هذا، ليس فيه من سوء الأدب ما ظهر فحسب، بل أيضاً يناقض أوله آخره.

      إذ قلت: "اقرأ اقوال جميع علماء المذاهب في الأخذ بأحاديث الآحاد في مسائل الإعتقاد..." ومن ثم قلت: "والله لأنتم من يحتج بالرجال دون النصوص وواقعكم شاهد عليكم..." وأقول: من الذي دعا في بادئ الأمر بالرجوع إلى أقوال الرجال ومن ثم عابنا وحلف بالله بأننا من يحتج بالرجال دون النصوص؟! ويلكم! ما سبقكم إلى مثل هذه الفرية على الله إنس ولا جان، ولا فرعون من الفراعنة، ولا شيطان.

      وأما تكريركم وتهويلكم علينا بالحشو والتجسيم، لفرية عظيمة. فإن الحشوية هم أهل حشو الكلام؛ أي: أهل الكلام من الفلاسفة المحضة والباطنية، نبز أهل السنة بها الأشاعرة والماتريدية والكوثرية وغيرهم من الطوائف الكلامية من أخذ التحريف - التأويل - منهجاً لتعطيل صفات الله جل وعلا. فمن منا من أهل الكلام؟

      وأما في شأن التجسيم، فلسنا مجسمة، فأنا أطلب منك بأن تأتني بدليلاً واحداً من كلام علماء أهل السنة والجماعة المعروفين بسلامة المعتقد من قال بأن لله جسماً. فإننا لا نثبت لله جسماً ولا ننفيه، بل نحن متوقفين في هذا الباب؛ وذلك لأن النصوص الشرع من القرآن والسنة لم تبت في هذه المسألة بل متوقفة في ذلك، فتوقفنا فيه، تأدباً مع الله سبحانه وتعالى. ولسنا مثلكم، تكلمتم على الله ما ليس لكم به علم.

      فأنت يا صاحب البدعة الحسنة، قد حدت عن الإجابة عن سؤالي: "هل تعتقد بأنك - وكل من يحتفل بالمولد - بأن أجر هذه البدعة الحسنة قد فات النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وأصحابه والسلف الصالح وكسبته أنت؟" فلم لم تجب عليه، فهذه حيدة مفضوحة عن السؤال؟!

      ثم، إنك لم تذكر الأمور التي فعلها الخلفاء الراشدين ولم يفعلها رسول الله. ونفترض جدلاً، بأن هناك أمور سنها الخلفاء الراشدين، فهذه تضل سنة وليست بدعة وكما قلت سابقاً بأن شروط السنة هو: تعبد لله بشيء لم يشرعه الله. والتعبد بشيء لم يكن عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وخلفاؤه الراشدون. فمن كان في عبادته أحد تلك الشروط سواءٌ كان ذلك التعبد فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته أو فيما يتعلق بأحكامه وشرعه فهو مبتدع. وهذه الشروط مأخوذة من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ" رواه أبو داود والترمذي وصححه، وابن ماجه من حديث العرباض بن سارية. ولكنك للأسف لم تقرأ ما كتبت، أو ربما فعلت ولكن بعينين مغمضتين.

      أما بشأن ما تتحجج به بأن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أبتدع في الدين، فهذه إفتراء منك. فما الذي إبتدعه في الدين؟ فإن قلت بأن الذي ابتدعه هو جمع الناس على صلاة التراويح، قلنا لك بأن رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - سنها قبله ولم ينه المسلمون من بعد ما سنه. ثم، نفترض جدلاً بأن الرسول نها المسلمون عن ذلك - وهو لم يفعل - تضل صلاة التراويح من سنن الخلفاء الراشدين لقول رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ". قل لي، هل سعيد هذا من الخلفاء الراشدين حتى يسن هذه البدعة؟ هل فيكم يا أصحاب "البدعة الحسنة" خلفاء راشدين حتى تسنوا هذه البدعة؟

      لا زلت يا صاحب البدعة "الحسنة" - زعمت - مطالباً بدليل قطعي بأن يجوز لغير رسول الله وخلفائه الراشدين - رضي الله عنهم ولعن الله من كفر أحدهم - بأن يسن في هذا الدين ما لم يسنوه. {اتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}

      وأخيراً، هل لك أن تفوض أحداً غيرك ليتم النقاش معي على أن يكون فيه من الأدب ما تفتقر إليه؛ لتتعلم. فإني أفضل أن لا أتم النقاش مع من هو مثلك، فإن من ترك مراء من هو في مثل أخلاقك حق عليه قوله عليه الصلاة والسلام: "أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً".

      هذا والله ولي التوفيق والسداد.
    • الرسالة الأصلية كتبت بواسطة:الطوفان

      [B]بسم الله الرحمن الرحيم

      ( الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وصحبه ومن والاه ، وبعد :
      فاعلم أيها الرئيسي بأنه مر من هنا من أمثالك من الحشوية المجسمة الكثيرون فانكفأوا خاسئين ورد الله كيدهم في نحورهم ، ويعلم الله أنا كنا نحترمك ونقدرك لما تاتي بهم من مواضيع وردود ، ولكني اراك الآن حدت عن الصراط ، وبدأت تنفث سمك وتظهر حقيقتك ، حينما فقأ عينيك رؤية اسم الشيخ العلامة سعيد بن مبروك القنوبي ـ حفظه الله ورعاه ـ محي السنة ووميت البدعة والذي نصر الله به الدين وأفزع به شيوخك من أهل البدع المضلة والدعوات الفاسدة ، لذلك أجدني مجبرا أن ارد عليك بما يدمل جرحك ويأتيك بالغصص ، وما كان عهدي كذلك ، ولكنكم قوم خصمون ، عن كل باطل لا ترعوون ، وعن محاربة الحق لا تكفون
      . )

      أنت لم ترد على صلب موضوعي، بل أكتفيت بالقص واللصق. ما هكذا يكون النقاش.
      ( القص واللصق ... عبارة قرأتها كثيرا في ردود الحشوية في أكثر من موقع ومنتدى كنا نحاربهم فيها ... على اية حال إن صلب الموضوع هو حكم الإحتفال بمولد النبي الكريم ، وأتيتك باجابات شافية كافية فيه ، سواء اعترفت أنت ومن تتبعهم بوجود البدعة الحسنة أم لا ... وقلت لك أن الأمر أوضح من أي يوضح ... ولجلجتك لا تنفع شيئا فانتبه . )

      أليس هذا سعيد القنوبي هو من رد عليه الشيخ عبد العزيز بن فيصل الرّاجحي في كتابه: "قدوم كتائب الجهاد لغزو أهل الزندقة والإلحاد . القائلين بعدم الأخذ بحديث الآحاد في مسائل الاعتقاد"؟!
      ( بل هو من أبان عواركم وأظهر خبثكم ، وكشف زيفكم وباطلكم في كتابيه السيف الحاد ، والطوفان الجارف ، وغيرها من المواضع )

      إن كان كذلك، كيف يكون هذا الرجل صاحب سنة وهو لا يعتقد بالشق الأعظم من أحاديث النبي؟!
      ليت شعري إن لم يكن هو صاجب السنة أفتكون أنت وقومك ؟!!

      ( اقرأ اقوال جميع علماء المذاهب في الأخذ بأحاديث الآحاد في مسائل الإعتقاد ليبين لك الحق من الباطل والصواب من الخطأ ، ودع عنك التقليد الأعمى لسدنتك ممن لا يفرقون بين غث وسمين )

      كيف يكون هذا الرجل صاحب سنة وهو يقول بأن في الإسلام "بدعة حسنة"؟!
      ( عاتب ابن الخطاب على ذلك قبله يا ذاك ، وارجع إلى ما أوردته في ردك عن المعنى اللغوي للبدعة )

      سبحان الله،

      ألا تستطيع أن تفرق بين السنة والبدعة؟!

      ثم، كيف يكون رجلاً محدثاً وهو يستدل بحديث: "من سن في الإسلام" في إثبات بأن هناك "بدعة حسنة" من دون حتى أن يعلم سبب الحديث المذكور ليعلم المراد بالسنة؟!!!
      ( أوَ قرأت ما كتبه الشيخ يا ذاك ، وكأنك علمت ما لم يعلمه غيرك ، وأنت أجهل الجاهلين بما تكتب وتقول .... وما ذكرته أنا إنما هو جزء بسيط من قوله ، فارجع إليه كاملا في كتابه السيف الحاد يتبين لك الأمر ، إن كنت مريد حق فعلا لا مثير فتنة ومتبع ضلالة .)

      فكلام الخليلي: "الاحتفال بمولد النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر لم يعهد عند السلف ، ولم يعهد في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - نفسه ، ولم يعهد في عهد الصحابة رضوان الله تعالى عليهم ، ولم يعهد في عهد التابعين ، وإنما حدث بعد مضي ثلاثة قرون..." حجة عليكم يا معشر "البدعة الحسنة"، فأنتم تقروا بأن هذه البدعة لم تكن معهودة في الثلاث القرون الأولى المشهود لها بالخير. فمن نحن حتى نشرع الإحتفال بالمولد النبوي؟!
      ( وهل قلنا غير ذلك يا (( معشر البدعة السيئة )) ولكنها بدعة حسنة ما لم يأتي الناس فيها بأي معصية ، واقرأ ما كتبته أنا قبل ذلك ليتبين لك كيف تكون بدعة حسنة ، بل اقرأ ما كتبه سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي ـ حفظه الله ـ نفسه في مقاله وفتواه .)

      وعلى العموم، فأقوال الرجال لا أقبلها دليلاً أبداً ما لم يتحجج بالقرآن والسنة وما عليه السلف الصالح؛ لأن أقوال العلماء يستدل لها، ولا يستدل بها. أليس كذلك؟
      ( والله لأنتم من يحتج بالرجال دون النصوص وواقعكم شاهد عليكم ، وراجع كتب أسلافك يتضح لك الأمر ، واقرأ كتب الإباضية ولا أظنك فاعلا ذلك لجبنك من أن يلجمك الحق .)

      وأخيراً، اتمنى أن تجبني على هذا السؤال:

      هل تعتقد بأنك - وكل من يحتفل بالمولد - بأن أجر هذه البدعة الحسنة قد فات النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وأصحابه والسلف الصالح وكسبته أنت؟
      ( ليس كل ما لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم وجاء من بعده يعد سيئا يا هذا ، وإلا فإن هناك أمور كثيرة فعلها الخلفاء الراشدون بعد نبيهم ، فلما فعلوها ؟؟؟ وهل فات أجرها رسول الله عليه الصلاة والسلام ؟؟
      واحتفالنا بالمولد كما نرى سبب إلى نيل الأجر والثواب ، واتباع لهدي محمد عليه السلام ، ففزنا نحن بذلك وخسرتم أنتم

      وفي ردك على أبي نور ما جئت بجديد ، حيث يشهد التاريخ وكل من عاشركم أنكم أنتم أهل الضلال والبدع السيئة ، أنتم من يدعو إلى الفتنة والتفرقة ولكنكم لا ترون عيوب انفسكم ، فشوهتم صورة الإسلام وافسدتم عقائدكم فارتق عوارك لا يزيد عليك
      واعلم بأن كل مسلم حر لك ولكل مثير فتنة هنا أو في أي مكان بالمرصاد ، فتأدب بآداب الإسلام ، واتبع قوانين الساحة ، وإلا وجدت ما لا يسرك
      )

      واقرأ هنا :
      alnadwa.net/FIKR/smodalnas.htm
      [/B]


      جزاك الله كل خير اخينا الطوفان وسدد الله خطاك
      لعمري كانك رميته في مقتل
    • السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

      ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ، واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون) (آل عمران/97، 98)

      لست اهلا للرد في نوعية هذه المواضيع والتي كان اجدر بنا أن لا يصل بنا الأمرالى هكذا الفاظ

      نتحاور نعم ، نتناقش نعم ، نختلف هكذا سنة الحياة ولكن...

      بعيدا عن مشايخنا الكرام بدون ألفاظ نحن نحاسب عليها في يوم لا ينفع مال ولا بنون

      أخي الرئيسي /

      مواضيعكم تابعتها من بدايات دخولكم الى الساحة العمانية وجدتكم ( والله أعلم ) وسوف احسن بكم الظن الى أخر رد أطلع عليه أنكم تميلون الى مواضيع الإختلافات بين المذاهب (وإن كانت قليلة ) وهناك أمور كثييييييره أجدر بنا ان نتحاور فيها لندع عنا الإختلافات في المذاهب لمن هم أهلا لذلك ( لا اقلل من قيمتكم معاذا الله )

      اخي الكريم كنت اتمنى أن تكمل قول الله تعالى عندما استشهدت بأول رد لكم في الموضوع

      {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون)

      فهو خير رد اوردته في مقالك وأتمنى ان نسير على نهجه في مواضيعنا

      وكلمة اخرى لأخي الطوفان /

      أخي الكريم ليس لي كلمة بحقكم سوى مقال كتبه الشيخ عبدالله القنوبي واعذرني في ذلك

      ( إلى متى سنظل نتقاذف بالتهم والسباب؟! الى متى يكفر بعضنا بعضا؟! الى متى تطغى المذهبية على جوهر الاسلام، لننظر الى ما آلت اليه منتدياتنا ومناقشاتنا، مهاترات كلامية، وسب وشتم، وهذا يظهر عوار ذلك، والاخ يسخر من اخيه، لمجرد انه يخالفه في المذهب، لقد ظلمت النعارات المذهبية من قبلنا، فهل نرضى ان تعيش الاجيال هذا الظلم ، ولا تعرف من الاسلام الا الهمز والغمز )
    • أيها الأخوة الكرام أهكذا يجتمع المسامون أم ماذا لقد بدأتم بالسب كل واحد يسب الآخر ولكن أتمنى منك أيها الرئيسي أن لا تقول هذا الكلام لأخينا الطوفان فنحن لا نرضى هذا لأي مسلم وأقول أن الأخ الطوفان قد أحسن في الرد ولكن بازية الدهر وللأسف نسيت جهدة وقامت بجلب النزاع المذهبي للموضوع
      كـــــــــــــــــــــــــــــــن مــ الله ــع ولا تبــــــــالي
      :):)
    • بسم الله الرحمن الرحيم

      أبو نور، هل تعلم بأن الببغاء تستطيع تحريك منقاريها الاعلى والاسفل اما بقية الطيور فانها لا تحرك غير منقار واحد؟!
      مجرد معلومة أحببت أن أشارك فيها.

      [HR]

      وجاهدوا، هذه الموضوعات التي شاركت فيها منذ إشتراكي في المنتدى / القسم الإسلامي:
      قصص لا بُدَّ منها: "من أَين قلت: اتفاق الأُمَّة؟"
      الرد على اسكندر جديد في عصمة التوراة والإنجيل
      الرد على شهادة اسكندر جديد بتواتر التوراة والإنجيل
      ترجمة الإمامان: جعفر الصادق وأبو حنيفة رضي الله عنهما.
      الأنوار القرآنية في هدي النحلة الملكية
      هكذا كان شكل الرسول وصفاته
      الحج: شروطه وأركانه وواجباته وسننه ومحرماته.
      محاضرات الشيخ أسامه بن لادن (خذ نسختك) لن تجدها مره أخرى
      مفهوم الزكاة وشروطها لوزارة الأوقاف والشؤون الدينية
      مناظرة جرت بين نصراني ومسلم حول أحداث 11 من سبتمبر
      مختصر كتاب: مناسك الحج والعمرة، للإمام المحدث الألباني. اختصار أم الليث.
      ما الفرق بين القضاء والقدر؟
      الحق الذي على اللسان والحق الذي على الفرج
      مجموع فتاوى العلماء في صيام يوم عرفة
      صحيح وضعيف الترغيب والترهيب، للإمام والمحدث الهمام محمد ناصر الدين الألباني
      صفات الحجاب الصحيح
      مجموع فتاوى الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين الوهيبي ((للتحميل))
      هي زينة وهيبة للرجال (حكم حلق اللحية)
      الله ما يضرب بعصا
      صبرا وشاتيلا.. ايلول / سبتمبر 1982
      حكم قول: "من ليس له شيخ، شيخه الشيطان".
      نبذة مُفيدة عَن حُقُوقِ وُلاةِ الأَمر
      قل لي بارك الله فيك، أياً من تلك المواضيع في الخلافات المذهبية؟

      نعم، بارك الله فيك، فإن ما أوردته من الآيات كانت خيراً ما كتب هنا، ولا خير من القرآن الذي هو كلام الله تعالى منه بدأ وإليه يعود.

      [HR]

      ورد المنى، ما هو السب الذي بدأت به؟ أأنا من قال: "أمثالك من الحشوية المجسمة" وقال: "فانكفأوا خاسئين ورد الله كيدهم في نحورهم" وقال: "حينما فقأ عينيك رؤية اسم الشيخ العلامة سعيد بن مبروك القنوبي" وقال: "ولكنكم قوم خصمون ، عن كل باطل لا ترعوون ، وعن محاربة الحق لا تكفون" وقال: "بل هو من أبان عواركم وأظهر خبثكم ، وكشف زيفكم وباطلكم" وقال: "وأنت أجهل الجاهلين" وقال: "وكل من عاشركم أنكم أنتم أهل الضلال والبدع السيئة" ؟!

      إذا كنت تعتبري هذا من حسن الكلام، فلا أقول إلا: "فاقد الشيء لا يعطي".

      فالحق يقال إن هذا الطوفان قد أبدى من سوء الأدب ما لا يرضاه الله ورسوله. ولكنك منحازة إليه، ولا أعلم لماذا، ربما كان لإعتبارات مذهبية ونحو ذلك. ولكنني، لم أطلب رأي كائن كان في كلام هذا الطوفان، لأن كلامه فيه من سوء الأدب الفاضح والواضح عند كل من يعرف الأدب، أما من لا يعرفها؛ فيحسب كلامه حسن أدب.

      [HR]

      هذا والله ولي التوفيق والسداد.
    • استهدوا بالله ياجماعه الخير وصلوا على الرسول عليه الصلاه والسلام وكونوا حكيمين ولا داعي لهذه الهجمات على اي مذهب او الدخول في تفاصيل والاختلاف في الاراء اخوتي ارجو ان لا تصل المسأله الى التلفظ بالفاظ غير لائقه ولكن كل يبدي وجهه نظره بهدوء ورويه ويفنع الاخر دون التهجم فانتم اخوه بالاسلام اولا واخيرا والله اعلم

      لا حول ولا قوه الا بالله العلي العظيم
    • السلام على من اتبع الهدى وبعد :

      الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

      يا ذاك اعلم أني ما قلت فيك غير الحق وما هو عليه واقعكم ولكنكم تتعامون عن عيوبكم ، وتشنعون على غيركم حينما يفضحكم .... وإلا فاعلم أنك البادئ بسوء الأدب إن كان ما قلته أنا زعمت أنت بأنه سوء أدب ، وما تقولت عليكم بما ليس فيكم ، حيث أنه لما جاء ذكر الشيخ سعيد القنوبي حفظه الله ساءك ذلك وابديت نفورا واحرنجمت وتلونت تلون الحرباء ، ولعمري ذلك شأنكم في الطعن في أئمة الهدى وأهل الحق ، وإذا أردت أن تعرف من هو سيء الأدب فارجع إلى أقوال علمائك وراجع تراجمهم كابن تيمية وغيره ، بل اعلم بأن أحد أئمتك يقول عن المعتزلة كلاما يترفع لساني عن ذكره ، فإما أن تكون قرأت أقوالهم فتعاميت عنها ، أو أنك لم تطلع على شيء وفي كلا الحالين لا عذر لك لتتهم غيرك بسوء الأدب عندما يقول الحق فيك وتنسى نفسك ...

      أما ما ذكرته بأنك لست من الحشوية المجسمة ونفيته أنت فسأل أشياخك ابن تيمية وابن القيم عنه واقرأ ما كتبوا ومن بعدهم من أشياخك كمحمد بن عبد الوهاب وابن باز وما تابعهم ودار في فلكهم في اثباتهم لله الجوارح ووصفهم له بالحلول في المكان والزمان ومن القائل بنزول الله وجلوسه ونسب الى الله النسيان

      وهل اطلعت على قول ابي يعلى من أشياخك : ( الزموني في الله كل شيء التزمه الا اللحية والعورة )

      ولعمري لقد اصاب في ذلك ابن الجوزي وهو من الحنابلة إذ رد على الحنابلة في مسألة التجسيم في كتابه ( دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه )

      وهل سألت نفسك لماذا اول احمد بن حنبل قوله تعالى : ( وجاء ربك ) : أي أمر ربك

      ويا ذاك من خالف القران وقال بقدم العالم وفناء النار أليسوا اشايخك ؟؟؟
      من الذي سعى إلى تكفير الناس ورميهم بالشرك لأتفه الأسباب واستحلال دماءهم وسبي نسائهم وذراريهم ... إقرأ إن شئت ما فعله محمد بن عبد الوهاب بمعاونة الدولة البريطانية ...

      وأما قولك بأنك من أهل السنة ... فإن كنت تقصد بها سنة النبي عليه الصلاة والسلام فهي منكم براء لعمري ، واقرأ في كتب أشياخك لماذا سموا بأهل السنة ؟؟ إنها سنة معاوية في لعن علي بن أبي طالب ـ كرم الله وجهه ـ ، هذه هي سنتك التي تفتخر بها ...
      وأما أدخالك نفسك مع المالكية والحنفية والشافعية فهم منكم براء ايضا ولعمرك لا يجتمع وهابي مع اي مذهب آخر من المذاهب الإسلامية


      وهنا ألخص لك قول الشيخ القنوبي إمام السنة والأصول في أمر البدع :
      يقول حفظه الله : (( أن ما يأتيه الناس من أقوال وأفعال بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ليسه كله من البدع السيئة ـ كما يزعم بعض المبتدعة ـ بل منه ما هو حسن يؤجر قائله وفاعله عليه ـ وإن اختلف في غطلاق اسم البدعة عليه ( انتبه لهذه العبارة يا ذاك ) ومنه ما هو سيء ياثم قائله وفاعله ، ... وخلاصته أن المحدثات من الأمور ضربان :
      أحدهما : ما أحدث مما خالف كتابا أو سنة أو اجماعا فهذه البدعة هي الضلالة التي يحكم بإثم قائلها أو فاعلها وعليها يحمل حديث :( كل بدعة ضلالة )
      والثاني : ما أحدث من الخير وهذه غير مذمومة بل محمودة يؤجر قائلها أو فاعلها وعليها يحمل قوله : ( من سن في الإسلام سنة حسنة ) ،

      وقد ذهب إلى ذلك الإمام الشافعي كما رواه عنه أبو نعيم في " حلية الأولياء " والبيهقي وغيرهما
      وعز الدين ابن عبد السلام في " القواعد " و " الترغيب عن صلاة الرغائب الموضوعة "
      والنووي في " شرح صحيح مسلم " وفي " تهذيب الأسماء واللغات "
      وابن حزم والغزالي في " احياء علوم الدين "
      وابن الأثير في " النهاية "
      وأبو شامة في " الباعث على انكار البدع والحوادث "
      والعيني في " عمدة القارئ "
      والخطابي في " معالم السنن "
      والسيوطي في " الأمر بالإتباع والنهي عن الإبتداع " وفي " حسن المقاصد " وفي " المصابيح في صلاة التراويح "
      والقسطلاني في " ارشاد الساري " .... الخ من ذكرهم الشيخ وهم كثير ... ثم يقول : ونص على ذلك الحافظ ابن حجر في موضع من " فتح الباري " حيث قال " والتحقيق أنها ـ البدعة ـ إن كانت مما يندرج تحت مستحسن في الشرع فهي حسنة ، وإن كانت مما يندرج تحت مستقبح في الشرع فهي مستقبحة ، وإلا فهي من قسم المباح ، وقد تنقسم إلى الأحكام الخمسة " وقد نص على مثل ذلك ابن تيمية في " مجموع الفتاوى " جـ 24 ، ص 243 حيث قال هناك بعد كلام : " .... وإنما كان يقول هذا تارة وهذا تارة إن كان الأمران ثابتين عنه فالجمع بينهما ليس بسنة بل بدعة ، وإن كان جائزا " أ.هـ ، وقال جـ 24 ، ص 253 بعد كلام : " وأما الابتداء فليس سنة مأمور بها ولا هو ايضا مما نهي عنه فمن فعله فله قدوة ، ومن تركه فله قدوة " ..... يقول الشيخ سعيد : وهذا الخلاف كما تراه أقرب إلى اللفظ منه إلى المعنى ، فإن الكل متفقون على أن ما كان مخالفا لنص من النصوص مطلوب فعله ، وقد يكون مباحا بحسب اختلاف المصالح وهذا بنوعيه لا بد من أن يكون مندرجا تحت اصل من الأصول المعتبرة ، عرف ذلك من عرفه ، وجهل من جهله بسبب جهله لا بسبب عدم وجود النص الدال على ذلك ، وبذلك تعرف أنه لا فائدة من ترجيح أحد القولين على الآخر ما دامت النتيجة التي ستحصل على ذلك واحدة ... هذا ومن الجدير بالذكر أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم قد أحدثوا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض الأمور التي لم تكن معهودة في عصره صلى الله عليه وسلم ، وذلك كتمصير الأمصار وتدوين الدواوين وكتابة التاريخ الهجري وزيادة الآذان الأول لصلاة الجمعة ، وكتابة القرآن الكريم وجمع الناس على مصحف واحد إلى غير ذلك ، ولم يقل أحد منهم ولا ممن جاء بعدهم ممن يعبأ بقوله إن هذه الأمور ونحوها بدع غير جائزة فافهم ذلك والله أعلم ) أ.هـ كلامه

      وهل ما فعله عمر ـ رضي الله عنه من منع سهم المؤلفة قلوبهم عنهم ، وعدم قطعه يد السارق في عام الرمادة يعد خروجا عن الدين ؟؟؟؟؟؟

      ولعلك لم تبصر ما كتبه العلامة بدر الدين الخليلي في جوابه عندما قال : ( منهم من قال بأن هذه وإن كانت بدعة إلا أنها بدعة حسنة ، فالبدعة الحسنة ما كان لها أصل في شرع الله ، والبدعة السيئة ما لم يكن لها أصل في شرع الله وإنما كانت مخالفة لشرع الله . والله سبحانه وتعالى شرع لعباده ما يأتون وما يذرون ، وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك ، فالنبي عليه أفضل الصلاة والسلام بين كثيرا مما سكت عنه القرآن الكريم ، وبين مجملات القرآن الكريم ، ولكن مع ذلك قد تكون بياناته - صلى الله عليه وسلم - مجملات ، وعندما يكون عمل الإنسان يوافق شيئا من هذه المجملات التي أشار إليها النبي - صلى الله عليه وسلم - أو عمل بمقتضاها فإن هذه البدعة تكون بدعة حسنة عندئذ ) .


      أما الإحتجاج بالأحاديث الآحادية في المسائل العقدية فإنه قد اختلف في جوازه على عدة مذاهب ، اشهرها المذهبان الآتيان :
      المذهب الأول : أن الأحاديث الآحادية لا يجوز الإحتجاج بها في المسائل العقدية ، وذلك لعدم القطع بثبوتها ، وهذا هو مذهب جمهور الأمة كما حكاه كثير من العلماء ، وممن قال بهذا القول أيضا أصحابنا الإباضية قاطبة ـ أعزهم الله وايدهم ـ والمعتزلة والزيدية وجمهور الحنفية والشافعية وجماعة من الظاهرية ، وهو مذهب مالك على الصحيح وعليه جمهور أصحابه ، وبه قال كثير من الحنابلة ، وهو المشهور عن الإمام أحمد بن حنبل ، وإليه ذهب ابن تيمية في " منهاج السنة " جـ 2 ص 133 ، حيث قال ما نصه : " الثاني أن هذا من أخبار الآحاد فكيف يثبت به اصل في الدين الذي لا يصح الإيمان إلا به " ا.هـ ، وكذلك نص على ذلك في " نقد مراتب الإجماع " ابن حزم .

      المذهب الثاني : أن اخبار الآحاد يحتج بها في المسائل العقدية وأنها تفيد القطع ، وهو مذهب طائفة من الظاهرية ، وبه قالت طائفة من أهل الحديث ، وبعض الحنابلة واختاره ابن خويز منداد من المالكية وزعم أنه الظاهر من مذهب مالك ن ونسبه بعضهم إلى الإمام أحمد بن حنبل وهذا ليس بصحيح عنهما بل الصحيح عنهما خلافه كما تقدم . [ راجع إن شئت كتاب السيف الحاد في الرد على من أخذ بحديث الأحاد في مسائل الإعتقاد ، يفصل لك الأمر تفصيلا إن كنت طالب حق ]



      وكم كنت أتمنى أن يكفي أمرك هذا غيري لأنني لست إلا طالب علم صغير ، وعندما رأوا ضعف حجتك وبعد دليلك ولجلتك في الكلام رأوا أن يتركوني لك فإن مقدارك حتى اقل من أن يرد عليك أحد ، ولكن إنما اردنا توضيح الحق ودفع الشبهات ، فها هو الحق قد بان لك وماذا بعد الحق إلا الضلال المبين

      اللهم إني بلغت اللهم فاشهد

      كما لا يسعني إلا ان اشكر جميع الأخوة والأخوات الذين ساءهم ما حصل وهمهم أن تجتمع الكلمة ويلتئم الشمل ، وهذا والله ما نسع إليه جاهدين ... يشاهد ذلك كل من يطلع على هذا المنبر ( الساحة العمانية ) حيث حرص الجميع على البعد عن الخلافات المذهبية ... ولكن يأب بعض من تسول لهم أنفسهم السوء إلا أن يطلوا بأعناقهم بين فترة وأخرى .... فبارك الله فيكم اخواني جميعا وسدد للخير خطاكم .

      أما أنت يا ذاك فاعلم أن بعض الفراشات يعجبها الضوء الصادر من النار فلا تلبث إلا أن تلقي بنفسها فيها فتموت احتراقا .... هذا للعلم فقط
      والزم في طرحك لأي موضوع أو رد في الساحة العمانية ما التزم به الجميع ، وطريقة دس السم في العسل التي علمكم إياها معاوية هذه لا تنطلي على أحد فافهم
    • بسم الله الرحمن الرحيم

      أنا لم أذكر سعيد بسوء الأدب، فسعيد مواطن عماني، وأنا مواطن عماني، فلي ما له، وعلي ما عليه؛ حسب النظام الأساسي للدولة. فإن أخطأت في حقه هذا المواطن، فما عليك إلا أن تذكر ما هو خطأي حتى أعتذر، وإلا فأنت ترمي الكلام في فمي وتقولني ما لم أقله. فهذا الرجل لا أعرفه، إلا من ردود أهل السنة عليه.

      ثم، أنت يا سيء الأدب ترمي بما أنت فيه من الأدب، وأنا لم أتلفظ بأي شيء يخل بالأدب. والآن، تتهمي بسوء الأدب لأن علماء أهل السنة - كما تزعم - كانوا يشنعوا على أهل البدع بأقبح الألفاظ. {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}

      قلت بأن أئمة أهل السنة أثبتوا لله جوارحاً، وهذا الكلام غير صحيح. فهات برهانك على إن أهل السنة قالوا بأن "لله جوارحاً". فنحن نثبت ما أثبته الله لنفسه وما أثبته رسوله من دون تحريف ولا تأويل ولا تشبيه.

      قال تعالى: {يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ}

      قال تعالى: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ}

      قال تعالى: {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ}

      قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}

      قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ}

      قال تعالى: {اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ}

      قال تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}

      قال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً}

      قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ}

      قال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}

      قال تعالى: {اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ}

      قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ}

      قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ}

      قال تعالى: {وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ}

      قال تعالى: {ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ}

      قال تعالى: {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ}

      قال تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}

      قال تعالى: {وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى إِلَّا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى}

      قال تعالى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ}

      قال تعالى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ}

      قال تعالى: {يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}

      قال تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ}

      قال تعالى: {إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}

      قال تعالى: {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً}

      قال تعالى: {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ}

      قال تعالى: {الم تَنزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ}

      قال تعالى: {يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ}

      قال تعالى: {تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ}

      قال تعالى: {حم تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ}

      قال تعالى: {حم تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}

      قال تعالى: {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}

      قال تعالى: {حم تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ}

      قال تعالى: {لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ}

      قال تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ}

      قال تعالى: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ}

      عن معاوية بن الحكم السلمي؛ قال: بينا أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذ عطس رجل من القوم. فقلت: يرحمك الله! فرماني القوم بأبصارهم. فقلت: واثكل أمياه! ما شأنكم؟ تنظرون إلي. فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم. فلما رأيتهم يصمتونني. لكني سكت. فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فبأبي هو وأمي! ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه. فوالله! ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني. قال "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس. إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن". أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. قلت: يا رسول الله! إني حديث عهد بجاهلية. وقد جاء الله بالإسلام. وإن منا رجالا يأتون الكهان. قال "فلا تأتهم" قال: ومنا رجال يتطيرون. قال "ذاك شيء يجدونه في صدورهم. فلا يصدنهم (قال ابن المصباح: فلا يصدنكم) قال قلت: ومنا رجال يخطون. قال "كان نبي من الأنبياء يخط. فمن وافق خطه فذاك" قال: وكانت لي جارية ترعى غنما لي قبل أحد والجوانية. فاطلعت ذات يوم فإذا الذيب [الذئب؟؟] قد ذهب بشاة من غنمها. وأنا رجل من بني آدم. آسف كما يأسفون. لكني صككتها صكة. فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعظم ذلك علي. قلت: يا رسول الله! أفلا أعتقها؟ قال "ائتني بها" فأتيته بها. فقال لها "أين الله؟" قالت: في السماء. قال "من أنا؟" قالت: أنت رسول الله. قال "أعتقها. فإنها مؤمنة". رواه مسلم.

      عن جبير بن مطعم إن رسول الله قال: "ينزل الله في كل ليلة إلى سماء الدنيا فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ حتى يطلع الفجر".

      عن أبي هريرة إن رسول الله قال:"ينزل الله تعالى إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يمضي ثلث الليل الأول فيقول: أنا الملك أنا الملك من ذا الذي يدعوني فأستجيب له من ذا الذي يسألني فأعطيه من ذا الذي يستغفرني فأغفر له فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر".

      وحديث النزول حديث صحيح متواتر، روي من أوجه كثيرة عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال الترمذي وفي الباب عن علي بن أبي طالب وأبي سعيد ورفاعة الجهني وجبير بن مطعم وابن مسعود وأبي الدرداء وعثمان بن أبي العاص قال في عمدة القارئ قلت وفي الباب أيضاً عن جابر بن عبد اللّه وعبادة بن الصامت وعقبة بن عامر وعمر بن عبسة وأبي الخطاب أي وهو رجل من الصحابة لا يعرف له اسم وأبي بكر الصديق وأنس بن مالك وأبي موسى الأشعري ومعاذ بن جبل وأبي ثعلبة الخشني وعائشة وابن عباس والنواس بن سمعان وأم سلمة وجد عبد الحميد بن يزيد ابن سلمة أي وهو سلمة الأنصاري ثم ساق أحاديثهم ومن خرجها إلى أبي الخطاب فانظره ثم نقل عن أبي الشيخ ابن حيان في كتاب السنة عن أبي زرعة قال هذه الأحاديث المتواترة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن اللّه ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا قد رواها عدة من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهي عندنا صحاح قوية.

      وتقدم عن السخاوي في فتح المغيث أن بعضهم عده في المتواتر وفي الصارم المنكي ما نصه وحديث النزول متواتر عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال عثمان بن سعيد الدارمي هو أغيظ حديث للجهمية وقال أبو عمر بن عبد البر هو حديث ثابت من جهة النقل صحيح الإسناد لا يختلف أهل الحديث في صحته.

      أنظر: نظم المتناثر من الحديث المتواتر /206.

      فدعواكم بأنكم لا تعتقدوا إلا بالحديث المتواتر، كلام على الورق فقط.

      ثم، ابن الجوزي أشعري، فهذا لا يخفى على أهل العلم.

      ما ما جئت به عن الإمام أحمد، فأنت مطالب بالسند.

      أما في مسألة فناء النار، والحقيقة أن الامام ابن تيمية نفسه ليس له قول صريح في هذا بل أقواله في الفتاوي أن الجنة والنار مخلوقتان باقيتان لا تفنيان، وأما الذي قال صراحة بفناء النار فهو الإمام ابن القيم تلميذ الشيخ ابن تيمية وقد كتب في هذا فصلاً مطولاً جداً في كتابه الفريد (حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح) وقد استدل لقوله الذي رجحه هذا بأنه هو المنقول عن عامة الصحابة وجمهور التابعين، وأنه لا يذكر للصحابة قول مخالف وقد كتب أيضاً ابن أبي العز الحنفي رحمه الله في هذه المسألة فصلاً في شرح العقيدة الطحاوية بين فيه مذاهب المسلمين في هذه القضية حيث يقول:

      "وأما أبدية النار ودوامها، فللناس في ذلك ثمانية أقوال: أحدهما: أن من دخلها لا يخرج منها أبداً الآباد، وهذا قول الخوارج والمعتزلة. والثاني: أن أهلها يعذبون فيها، ثم تنقلب طبيعتهم وتبقى طبيعة النارية يتلذذون بها لموافقتها لطبعهم! وهذا قول إمام الاتحادية ابن عربي الطائي!! الثالث: أن أهلها يعذبون فيها إلى وقت محدود، ثم يخرجون منها، ويخلفهم فيها قوم آخرون، وهذا القول حكاه اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم، وأكذبهم فيه، وقد أكذبهم الله تعالى، فقال عز من قائل: {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللّهِ عَهْداً فَلَن يُخْلِفَ اللّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـئَتُهُ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون} [البقرة:80-81]. الرابع: يخرجون منها، وتبقى على حالها ليس فيها أحد. الخامس: أنها تفني نفسها بنفسها، لأنها حادثة وما ثبت حدوثه استحال بقاءه!! وهذا قول الجهم وشيعته، ولا فرق عنده في ذلك بين الجنة والنار، كما تقدم. السادس: تفنى حركات أهلها ويصيرون جماداً، لا يحسون بألم، وهذا قول أبي الهذيل العلاف كما تقدم. السابع: أن الله يخرج منها من يشاء، كما ورد في الحديث، ثم يبقيها شيئاً، ثم يفنيها، فإنه جعل لها أمدا تنتهي إليه. الثامن: أن الله تعالى يخرج منها من شاء، كما ورد في السنة، ويبقي فيها الكفار، بقاء لا انقطاع له، كما قال الشيخ رحمه الله. وما عدا هذين القولين الأخيرين ظاهر البطلان.

      وهذان القولان لأهل السنة ينظر في أدلتهما.

      فمن أدلة القول الأول منهما: قوله تعالى: {قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ} [الأنعام:128]. وقوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} [هود:106-107]. ولم يأت بعد هذين الاستثنائين ما اتى بعد الاستثناء المذكور لأهل الجنة، وهو قوله: {عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ} [هود:108]. وقوله تعالى: {لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً} [النبأ:23] وهذا القول، - أعني القول بفناء النار دون الجنة - منقول عن عمر، وابن مسعود، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وغيرهم. وقد روى عبد بن حميد في تفسيره المشهور، بسنده إلى عمر رضي الله عنه، أنه قال: "لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالج، لكان لهم على ذلك وقت يخرجون فيه" (قال ناصر الدين الألباني ضعيف، لأنه من روايته عن الحسن قال: قال عمر. والحسن لم يدرك عمر رضي الله عنه. وقال ابن القيم في (حادي الأرواح) (2/71 طبع الكردي) عقبه: والحسن لم يسمع من عمر. ومع ذلك فقد حاول تقويته بكلام خطابي، لا غناء فيه (راجع المستدرك) وقد روي نحوه عن عبدالله بن عمرو موقوفاً بسند ضعيف، وعن ابي امامة مرفوعاً بسند فيه تآلف، وقد تكلمت عليه في (سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة) ضمن المائة السابعة)، ذكر ذلك في قوله تعالى: {لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً} [النبأ:23]. قالوا: والنار موجب غضبه، والجنة موجب رحمته. وقد قال صلى الله عليه وسلم: [لما قضى الله الخلق، كتب كتاباً، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي] (متفق عليه). وفي رواية: [تغلب غضبي]. رواه البخاري في (صحيحه) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. قالوا: والله سبحانه يخبر عن العذاب أنه: {عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الأنعام:15]. و {أَلِيمٌ} [هود:26]. و {عَقِيمٍ} [الحج:55]. ولم يخبر ولا في موضع أحد عن النعيم أنه نعيم يوم. وقد قال تعالى: {عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف:155]. وقال تعالى حكاية عن الملائكة: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً} [غافر:7]، فلا بد أن تسع رحمته هؤلاء المعذبين، فلو بقوا في العذاب لا إلى غاية لم تسعهم رحمته. وقد ثبت في (الصحيح) تقدير يوم القيامة بخمسين ألف سنة (أخرجه مسلم في حديث لأبي هريرة في عقوبة مانع الزكاة يوم القيامة. وفي الباب عن ابن عمرو عند الحاكم (4/572) وصححه ووافقه الذهبي)، والمعذبون فيها متفاوتون في مدة لبثهم في العذاب بحسب جرائمهم، وليس في حكمة أحكم الحاكمين ورحمة أرحم الراحمين أن يخلق خلقاً يعذبهم أبد الآباد عذاباً سرمداً لا نهاية له. وأما أنه يخلق خلقاً ينعم عليهم ويحسن إليهم نعيماً سرمداً، فمن مقتضى الحكمة. والإحسان مراد لذاته، والانتقام مراد بالعرض. قالوا: وما ورد من الخلود فيها، والتأييد، وعدم الخروج، وأن عذابها مقيم، وأنه غرام: كله حق مسلم، لا نزاع فيه، وذلك يقتضي الخلود في دار العذاب ما دامت باقية، وإنما يخرج منها في حال بقائها أهل التوحيد. ففرق بين من يخرج من الحبس وهو حبس على حاله، وبين من يبطل حبسه بخراب الحبس وانتقاضه.

      ومن أدلة القائلين ببقائها وعدم فنائها: قوله: {وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ } [المائدة:40]، {لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} [الزخرف:43]، {فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَاباً} [النبأ:30]، {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً} [البينة:8]، {وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ} [الحجر:48] (هذه الآية في أهل الجنة فلعله اراد آية المائدة (وما هم بخارجين منها)، {وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} [البقرة:167]، {وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} [الأعراف:40]، {لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا} [فاطر:36].

      {إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً} [الفرقان:65]، أي مقيماً لازماً. وقد دلت السنة المستفيضة أنه يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله: وأحاديث الشفاعة صريحة في خروج عصاة الموحدين من النار، وأن هذا حكم مختص بهم، فلو خرج الكفار منها لكانوا بمنزلتهم، ولم يختص الخروج بأهل الإيمان. وبقاء الجنة والنار ليس لذاتهما، بل بإبقاء الله لهما". أ.هـ منه بلفظه.

      وهكذا يتبين من هذا النقل أن علماء أهل السنة في هذه المسألة على قولين وأن المنقول عن بعض خيار الصحابة هو القول بفناء النار في نهاية الأمر، دون الجنة. فإنهم مجمعون على بقائها بقاءاً سرمدياً.

      ولأهمية البحث الذي كتبه ابن القيم رحمه الله حول هذه القضية ننقله بنصوصه من كتابه حادي الأرواح ليتبين لقارئ هذه الرسالة منزلة هذين الإمامين في العلم الشرعي وتحري الحق ومعرفة الدليل والوقوف عند أقوال السلف وأنهما لا يقولان قولاً لم يسبقا إليه وأن ابن القيم تلميذ شيخ الإسلام إنما هو قبس من نور شيخ الإسلام وشعلة من ناره ولذلك قال ابن حجر رحمه الله لو لم يكن من فضل لابن تيمية إلا تلميذه ابن القيم لكفى: والآن إلى تحقيق ابن القيم الفريد في مسألة خلود الجنة والنار.

      علماً أن جامع هذه الرسالة لا يذهب إلى ما ذهب إليه ابن القيم في المسألة وإنما ننقل ما ذكره ابن القيم هنا لبيان أنه متأول للنصوص القرآنية وناقل عن سلف له، وليس متحكماً برأيه وهواه. ولكننا مع ذلك نرى أن الأسلم هو الإيمان بخلود النار أيضاً خلوداً سرمدياً لأن هذا هو الذي يتماشى مع ظاهر النصوص، ولا يجوز لنا التحول عن هذا الظاهر إلا بدليل شرعي ظاهر قوي، ويبدو أن هذا الدليل ليس موجوداً هنا. والله تعالى أعلم وعلى كل حال فهذه المسألة لا ينبني عليها عمل ومن الأفضل ترك تفصيل القول فيها.. وهذا هو ما حققه ابن القيم في هذه المسألة:

      قال - رحمه الله -:

      الباب السابع والستون

      في أبدية الجنة وأنها لا تفنى ولا تبيد:

      وهذا مما يعلم بالاضطرار أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر به قال تعالى: {وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ} (هود:108، (22-حادي الأرواح))، أي مقطوع. ولا تنافي بين هذا وبين قوله إلا ما شاء ربك. واختلف السلف في هذا الاستثناء. فقال معمر عن الضحاك: هو في الذين يخرجون من النار فيدخلون الجنة يقول سبحانه: إنهم خالدون في الجنة ما دامت السموات والأرض إلا مدة مكثهم في النار.

      قلت: وهذا يحتمل أمرين:

      أحدهما: أن يكون الإخبار عن الذين سعدوا وقع عن قوم مخصوصين هم هؤلاء.

      والثاني: وهو الأظهر أن يكون وقع عن جملة السعداء والتخصيص بالمذكورين هو في الاستثناء وما دل عليه. وأحسن من هذين التقديرين أن ترد المشيئة إلى الجميع حيث لم يكونوا في الجنة في الموقف. وعلى هذا فلا يبقى في الآية تخصيص. وقالت فرقة أخرى: هو استثناء استثناه الرب تعالى ولا يفعله كما تقول: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك وأنت لا تراه. بل تجزم بضربه.

      وقالت فرقة أخرى: العرب إذا استثنت شيئاً كثيراً مع مثله ومع ما هو أكثر منه، كان معنى إلا في ذلك ومعنى الواو سواء والمعنى على هذا سوى ما شاء الله من الزيادة مدة دوام السموات والأرض. هذا قول الفراء وسيبويه: يجعل إلا بمعنى سوى قالوا: ونظير ذلك أن تقول: لي عليك ألف إلا الألفين الذين قبلها أي سوى الألفين. قال ابن جرير: وهذا هو أحب الوجهين إلي، لأن الله تعالى لا خلف لوعده وقد وصل الاستثناء بقوله {عطاء غير مجذوذ}.

      قالوا: ونظير أن نقول: أسكنتك داري حولا إلا ما شئت أي سوى ما شئت من الزيادة عليه.

      وقالت فرقة أخرى: هذا الاستثناء إنما هو مدة احتباسهم عن الجنة ما بين الموت والبعث وهو البرزخ إلى أن يصيروا إلى الجنة ثم هو خلود الأبد فلم يغيبوا عن الجنة إلا بمقدار إقامتهم في البرزخ. وقالت فرقة أخرى: العزيمة قد وقعت لهم من الله بالخلود الدائم إلا أن يشاء الله خلاف ذلك إعلاماً لهم بأنهم مع خلودهم في مشيئته هذا كما قال لنبيه {ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك} (الإسراء:86)، وقوله {فإن يشأ الله يختم على قلبك} (الشورى:24)، وقوله {قل لو شاء الله ما تلوته عليكم} (يونس:16)، ونظائره وأخبر عباده سبحانه أن الأمور كلها بمشيئته ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.

      وقالت فرقة أخرى: المراد بمدة دوام السموات والأرض في هذا العالم فأخبر سبحانه أنهم خالدون في الجنة مدة دوام السماوات والأرض إلا ما شاء الله أن يزيدهم عليه. ولعل هذا قول من قال أن إلا بمعنى سوى ولكن اختلف عبارته وهذا اختيار ابن قتيبة. قال: المعنى خالدين فيها مدة العالم سوى ما شاء أن يزيدهم من الخلود على مدة العالم وقالت فرقة أخرى: ما بمعنى من قوله {فانكحا ما طاب لكم من النساء} (النساء:3) والمعنى إلا من شاء ربك أن يدخله النار بذنوبه من السعداء والفرق بين هذا القول وبين أول الأقوال: أن الاستثناء على ذلك القول من المدة وعلى هذا القول من الأعيان.

      وقالت فرقة أخرى: المراد بالسموات والأرض سماء الجنة وأرضها، وهما باقيتان أبداً وقوله: {إلا ما شاء ربك} إن كانت ما بمعنى من فهم الذين يدخلون النار ثم يخرجون منها، وإن كانت بمعنى الوقت فهو مدة احتسابهم في البرزخ والموقف، قال الجعفي: سألت عبدالله بن وهب عن هذا الاستثناء، فقال سمعت فيه أنه قدر وقوفهم في الموقف يوم القيامة إلى أن يقضي بين الناس.

      وقالت فرقة أخرى: الاستثناء راجع إلى مدة لبثهم في الدنيا وهذه الأقوال متقاربة ويمكن الجمع بينها بأن يقال أخبر سبحانه عن خلودهم في الجنة كل وقت إلا وقتا يشاء أن يكونوا فيها وذلك يتناول وقت كونهم في الدنيا وفي البرزخ وفي موقف القيامة وعلى الصراط، وكون بعضهم في النار مدة وعلي كل تقدير فهذه الآية من المتشابه وقوله فيها {عطاء غير مجذوذ} محكم وكذلك قوله {إن هذا لرزقنا ما له من نفاد} وقوله {أكلها دائم وظلها} وقوله {وما هم منها بمخرجين}.

      وقد أكد الله سبحانه خلود أهل الجنة بالتأييد في عدة مواضع من القرآن وأخبر أنهم لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى. وهذا الاستثناء منقطع وإذا ضممته إلى الاستثناء في قوله {إلا ما شاء ربك} تبين لك المراد من الآيتين واستثناء الوقت الذي لم يكونوا في الجنة من مدة الخلود كاستثناء الموتة الأولى من جملة الموت فهذه موتة تقدمت على حياتهم الأبدية. وذلك مفارقة للجنة تقدم على خلودهم فيها. وبالله التوفيق.

      وقد تقدم قول النبي صلى الله عليه وسلم [من يدخل الجنة ينعم ولا ييأس، ويخلد ولا يموت] وقوله [ينادي مناد يا أهل الجنة إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، وأن تشبوا فلا تهرموا أبداً وأن تحيوا فلا تموتوا أبداً].

      وثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: [يجاء بالموت في صورة كبش أملح فيوقف بين الجنة ثم يقال: يا أهل الجنة فيطلعون مشفقين ويقال: يا أهل النار فيطلعون فرحين فيقال هل تعرفون هذا فيقولون: نعم هذا الموت فيذبح بين الجنة والنار ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت].



      فصل

      وهذا موضع اختلف فيه المتأخرون على ثلاثة أقوال:

      أحدهما: أن الجنة والنار فانيتان غير أبديتين بل كما هما حادثتان فهما فانيتان.

      والقول الثاني: أنهما باقيتان دائمتان لا يفنيان أبداً.

      والقول الثالث: إن الجنة باقية أبدية والنار فانية، ونحن نذكر هذه الأقوال وما قابلها وما احتج به أرباب كل قول، ونرد ما خالف كتاب الله وسنة رسوله. فأما القول بفنائهما فهو قول قاله جهم بن صفوان إمام المعطلة الجهمية، وليس له فيه سلف قط من الصحابة ولا من التابعين ولا أحد من أئمة الإسلام ولا قال به أحد من أهل السنة. وهذا القول مما أنكره عليه وعلى أتباعه أئمة الإسلام وكفروهم به وصاحوا بهم من أقطار الأرض، كما ذكره عبدالله ابن الإمام أحمد في كتاب السنة عن خارجة بن مصعب أنه قال: كفرت الجهمية بثلاث آيات من كتاب الله عز وجل، بقول الله سبحانه وتعالى: {أكلها دائم وظلها} (الرعد:35) وهم يقولون لا يدوم، وبقول الله تعالى: {إن هذا لرزقنا ما له من نفاذ} (ص:54) وهم يقولون ينفد، ويقول الله عز وجل {ما عندكم ينفد وما عند الله باق} (النحل:96).

      قال شيخ الإسلام: وهذا قاله جهم لأصله الذي اعتقده وهو امتناع وجود ما لا يتناهى من الحوادث وهو عمدة أهل الكلام التي استدلوا بها على حدوث الأجسام وحدوث ما لم يحل من الحوادث وجعلوا ذلك عمدتهم في حدوث العالم، فرأى الجهم أن ما يمنع من حوادث لا أول لها في الماضي يمنع في المستقبل فداوم الفعل ممتع عنده على الرب تبارك وتعالى في المستقبل، كما هو ممتنع عنده عليه في الماضي.

      وأبو الهذيل العلاف شيخ المعتزلة وافقه على هذا الأصل، لكن قال: إن هذا يقتضي فناء الحركات لكونها متعاقبة شيئاً بعد شيء. فقال بفناء حركات أهل الجنة والنار حتى يصيروا في سكون دائم لا يقدر أحد منهم على حركة، وزعمت فرقة ممن وافقهم على امتناع حوادث لا نهاية لها أن هذا القول مقتضى العقل، لكن لما جاء السمع ببقاء الجنة والنار قلنا بذلك، وكأن هؤلاء لم يعلمون ما كان ممتعاً في العقل لا يجيء الشرع بوقوعه إذ يستحيل عليه أن يخبر بوجودها ما هو ممتنع في العقل وكأنهم لم يفرقوا بين مجالات العقول ومجازاتها، فالسمع يجيء بالثاني لا بالأول فالسمع يجيء بما يعجز العقل عن إدراكه ولا يستقل به ولا يجيء بما يعلم العقل إحالته.

      والأكثرون الذين وافقوا جهماً وأبا الهذيل على هذا الأصل فرقوا بين الماضي والمستقبل، وقالوا: الماضي قد دخل في الوجود بخلاف المستقبل، والممتنع إنما هو دخول ما لا يتناهى في الوجود لا تقدير دخوله شيئاً بعد شيء. قالوا: وهذا نظير أن يقول القائل: لا أعطيك درهماً إلا وأعطيك بعده درهماً آخر فهذا ممكن، والأول نظير أن يقول: لا أعطيك درهماً إلا وأعطيك قبله درهماً فهذا محال، وهؤلاء عندهم وجود مالا يتناهى في الماضي محال ووجوده في المستقبل واجب، ونازعهم في ذلك آخرون فقالوا: بل الأمر في الماضي كهو في المستقبل ولا فرق بينهما، بل الماضي والاستقبال أمر نسبي فكل ما يكون مستقبلاً يصير ماضياً وكل ماض فقد كان مستقبلاً فلا يعقل إمكان الدوام في أحد الطرفين وإحالته في الطرف الآخر.

      قالوا: وهذه مسألة دوام فاعلية الرب تبارك وتعالى وهو لم يزل رباً قادراً فعالاً فإنه لم يزل عليماً قديراً، ومن المحال أن يكون الفعل ممتنعاً عليه لذاته، ثم ينقلب فيصير ممكناً لذاته من غير تجديد شيء وليس للازم حد محدود حتى يصير الفعل ممكناً عند ذلك الحد ويكون قبله ممتنعاً عليه فهذا القول تصوره كاف في الجزم بفساده ويكفي في فساده أن الوقت الذي انقلب فيه من الإحالة الذاتية إلى الإمكان الذاتي أما أن يصح أن يفرض قبله وقت يمكن فيه الفعل أو لا يصح.

      فإن قلتم لا يصح كان هذا تحكماً غير معقول وهو من جنس الهوس، وإن قلتم يصح: قيل وكذلك ما يفرض قبله لا إلى غاية، فما من زمن محقق أو مقدار إلا والفعل ممكن فيه وهو صفة كمال وإحسان ومتعلق حمد رب تعالى وربوبيته وملكه وهو لم يزل رباً حميداً ملكاً قادراً لم تتجدد له هذه الأوصاف كما أنه لم يزل حياً مريداً عليماً. والحياة والإرادة والعلم والقدرة تقضي آثارها ومتعلقاتها، فكيف يعقل حي قدير عليم مريد ليس له مانع ولا قاهر يقهره يستحيل عليه أن يفعل شيئاً البتة؟

      وكيف يجعل هذا أصل من أصول الدين ويجعل معياراً على ما أخبر الله به ورسوله ويفرق به بين جائزات العقول ومحالاتها؟ فإذا كان هذا شأن الميزان فكيف يستقيم الموزون به، وأما قول من فرق بأن الماضي قد دخل في الوجود دون المستقبل فكلام لا تحقيق وراءه، فإن الذي يحضره الوجود من الحركات هو المتناهي ثم يعدم فيصير ماضياً، كما معدوماً لما كان مستقبلاً فوجوده بين عدمين وكلما انتقضت جملة حدثت بعدها جملة أخرى، فالذي صار ماضياً هو بعينه الذي كان مستقبلاً فإن الدليل على امتناع مالا يتناهى شيئاً قبل شيء فهو بعينه، دل على امتناعه شيئاً بعد شيء.

      وأما تفريقكم بقولكم المستقبل نظير قوله: ما أعطيك درهماً إلا وأعطيك قبله درهما، فهذا ممكن. والماضي نظير قوله ما أعطيك درهماً إلا وأعطيك قبله درهماً، فهذا الفرق فيه تلبيس لا يخفى وليس بنظير ما نحن فيه بل نظيره أن يقول ما أعطيك درهماً إلا وقد تقدم مني إعطاء درهم قبله. فهذا ممكن الدوام في الماضي على حد إمكانه في المستقبل ولا فرق في العقل الصحيح بينهما البتة، ولما لم يجد الجهم وأبو الهذيل وأتباعهما بين الأمرين فرقاً قالوا: بوجوب تناهي الحركات في المستقبل كما يجب ابتداؤها عندهم في الماضي.

      وقال أهل الحديث بل هما سواء في الإمكان والوقوع ولم يزل الرب سبحانه وتعالى فعالاً لما يريد ولم يزل موصوفاً بصفات الكمال منعوتاً بنعوت الجلال. وليس المتمكن من الفعل كل وقت كالذي لا يمكنه الفعل إلا في وقت معين وليس من يخلق كمن لا يخلق، ومن يحسن كمن لا يحسن، ومن يدبر الأمر كمن لا يدبر، وأي كمال في أن يكون رب العالمين معطلاً عن الفعل في مدة مقدرة أو محققة لا تتناهى يستحيل منه الفعل وحقيقة ذلك أنه لا يقدر عليه.

      وإن أبيتم هذا الإطلاق وقلتم إن المحال لا يوصف بكونه غير مقدور عليه، فجمعتم بين محالين الحكم بإباحة الفعل من غير موجب لإحالته وانقلابه من الإحالة الذاتية إلى الإمكان الذاتي من غير تجدد سبب وزعمتم أن هذا هو الأصل الذي تثبتون به وجود الصانع وحدوث العالم وقيامة الأبدان فجنيتم على العقل والشرع، والرب تعالى لم ينزل قادراً على الفعل والكلام بمشيئته ولم يزل فعالاً لما يريد ولم يزل رباً محسناً.

      والمقصود: أن القول بفناء الجنة والنار قول مبتدع لم يقله أحد من الصحابة ولا التابعين ولا أحد من أئمة المسلمين. والذين قالوه إنما تلقوه عن قياس فاسد كما اشتبه أصله على كثير من الناس فاعتقدوه حقاً وبنوا عليه القول بخلق القرآن ونفي الصفات وقد دل القرآن والسنة والعقل الصريح على أن كلمات الله وأفعاله لا تتناهى ولا تنقطع بآخر ولا تحد بأول قال تعالى: {قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدداً} (الكهف:109).

      وقال تعالى: {ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم} (لقمان:27)، فأخبر عن عدم نفاذ كلماته لعزته وحكمته وهذان وصفان ذاتيان له سبحانه وتعالى لا يكون إلا كذلك.

      وذكر ابن أبي حاتم في تفسيره عن سليمان بن عامر قال: سمعت الربيع بن أنس يقول إن مثل علم العباد كلهم في علم الله عز وجل كقطرة من هذه البحور كلها وقد أنزل الله سبحانه وتعالى في ذلك {ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام} - الآية.

      وقوله {قل لو كان البحر مداداً} - الآية، يقول سبحانه وتعالى قل لو كان البحر مداداً لكلمات الله والشجر كلها أقلام لانكسرت الأقلام وفني ماء البحر وكلمات الله تعالى باقية لا يفنيها شيء لأن أحداً لا يستطيع أن يقدر قدره ولا يثني عليه كما ينبغي بل هو كما أثنى على نفسه إن ربنا كما يقول وفوق ما يقول، ثم إن مثل نعيم الدنيا أوله وآخره في نعيم الآخرة كحبة من خردل في خلال الأرض كلها.

      فصل

      وأما أبدية النار ودوامها فقال فيها شيخ الإسلام: فيها قولان معروفان عن السلف والخلف والنزاع في ذلك معروف من التابعين، وقلت: ههنا أقوال سبعة:

      أحدها: أن من دخلها لا يخرج منها أبداً بل من دخلها خلد فيها أبد الآباد بإذن الله، وهذا قول الخوارج والمعتزلة.

      والثاني: أن أهلها يعذبون فيها مدة ثم تنقلب عليهم وتبقى طبيعة نارية لهم يتلذذون بها لموافقتها لطبيعتهم، وهذا قول إمام الإتحادية ابن عربي الطائي.

      قال في فصوصه: الثناء بصدق الوعد لا يصدق الوعيد والحضرة الإلهية تطلب الثناء المحمود بالذات، فيثني عليها بصدق الوعد لا بصدق الوعيد بل بالتجاوز {فلا تحسبنّ الله مخلف وعده رسله} (إبراهيم:47)، لم يقل وعيده بل قال {ونتجاوز عن سيئاتهم} (الأحقاف:16)، مع أنه توعد على ذلك، وأثنى على إسماعيل بأنه كان صادق الوعد وقد زال الإمكان في حق الحق من طلب المرجح:

      فلم يبق إلا صادق الوعد وحده وما لوعيد الحق عين تعايـن

      إن دخلوا دار الشقاء فإنهــم على لذة فيها نعيــم مبايـن

      نعيم جنان الخلد والأمر واحد وبينهما عند التجلي تبايــن

      يسمى عذاباً من عذوبة طعمه وذاك له كالقشر والقشر صاين

      وهذا في طرف والمعتزلة الذين يقولون لا يجوز على الله أن يخالف وعيده بل يجب عليه تعذيب من توعده بالعذاب في طرف، فأولئك عندهم لا ينجو من النار من دخلها أصلاً، وهذا عنده لا يعذب بها أحد أصلاً. والفريقان مخالفان لما علم بالاضطرار أن الرسول جاء وأخبر به عن الله عز وجل.

      الثالث: قول من يقول إن أهلها يعذبون فيها إلى وقت محدود ثم يخرجون منها ويخلفهم فيها قوم آخرون، وهذا القول حكاه اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم فأكذبهم الله تعالى في القرآن فيه:

      فقال تعالى: {وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة قل أتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده، أم تقولون على الله ما لا تعلمون* بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} (البقرة:80،81).

      وقال تعالى: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم. ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون* ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون} (آل عمران:23،24).

      فهذا القول إنما هو قول أعداء الله اليهود فهم شيوخ أربابه والقائلين به. وقد دل القرآن والسنة وإجماع الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام على فساده.

      قال تعالى: {وما هم بخارجين من النار}، وقال: {وما هم منها بمخرجين}، وقال: {كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها}.

      وقال تعالى: {كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها}، وقال تعالى: {لا يقضى عليهم فيموتوا لا يخفف عنهم من عذابها} (فاطر:36)، وقال تعالى: {ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط} (الأعراف:40).

      وهذا أبلغ ما يكون في الإخبار عن استحالة دخولهم الجنة.

      الرابع: قول من يقول: يخرجون منها وتبقى ناراً على حالها ليس فيها أحد يعذب. حكاه شيخ الإسلام. والقرآن والسنة أيضاً يردان على هذا القول كما تقدم.

      الخامس: قول من يقول: بل تفني نفسها لأنها حادثة بعد أن لم تكن: وما ثبت حدوثه استحال بقاؤه وأبديته. وهذا قول جهم بن صفوان وشيعته ولا فرق عنده في ذلك بين الجنة والنار.

      السادس: قول من يقول تفني حياتهم وحركاتهم ويصيرون جماداً لا يتحركون ولا يحسون بألم. وهذا قول أبي الهذيل العلاف إمام المعتزلة طرداً لامتناع حوادث لا نهاية لها. والجنة والنار عنده سواء في هذا الحكم.

      السابع: قول من يقول: بل يفنيها ربها وخالقها تبارك وتعالى، فإنه جعل لها أمداً تنتهي إليه تفنى ويزول عذابها.

      قال شيخ الإسلام: وقد نقل هذا القول عن عمر وابن مسعود وأبي هريرة وأبي سعيد وغيرهم. وقد روى عبد بن حميد وهو من أجل أئمة الحديث في تفسيره المشهور حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن الحسن قال: قال عمر: "لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالج، لكان لهم على ذلك يوم يخرجون فيه".

      وقال: حدثنا حجاج بن منهال عن حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن أن عمر بن الخطاب قال: "لو لبث أهل النار في النار عدد رمل عالج لكان لهم يوم يخرجون فيه" ذكر ذلك في تفسير قوله تعالى: {لابثين فيها أحقاباً} (النبأ:23)، فقد رواه عبد وهو من الأئمة الحفاظ وعلماء السنة عن هذين الجليلين سليمان بن حرب وحجاج بن منهال كلاهما عن حماد بن سلمة وحسبك به وحماد يرويه عن ثابت وحميد وكلاهما يرويه عن الحسن، وحسبك بهذا الإسناد جلالة.

      والحسن وإن لم يسمع من عمر، فإنما رواه عن بعض التابعين ولو لم يصح عنده ذلك عن عمر لما جزم به. وقال: عمر بن الخطاب، ولو قدر أنه لم يحفظ عن عمر فتداول هؤلاء الأئمة له غير مقابلين له بالإنكار والرد مع أنهم ينكرون على من خالف السنة بدون هذا فلو كان هذا القول عند هؤلاء الأئمة من البدع المخالفة لكتاب الله وسنة رسوله وإجماع الأئمة، لكانوا أو منكر له.

      قال: ولا ريب أن من قال هذا القول عن عمر ونقله عنه إنما أراد بذلك جنس أهل النار الذين هم أهلها، فأما قوم أصيبوا بذنوبهم فقد علم هؤلاء وغيرهم أنهم يخرجون منها، وأنهم لا يلبثون قدر رمل عالج ولا قريباً منه.

      ولفظ أهل النار لا يختص بالموحدين بل يختص بمن عداهم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولا يناقض هذا قوله تعالى: {خالدين فيها} وقوله: {وما هم بمخرجين} (الحجر:48).

      بل ما أخبر الله به هو الحق والصدق الذي لا يقع خلافه، لكن إذا انقضى أجلها وفنيت تفنى الدنيا لم تبق ناراً ولم يبق فيها عذاب قال أرباب هذا القول:

      وفي تفسير علي بن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس في قوله تعالى: {قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم} قال: لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه ولا ينزلهم جنة ولا ناراً.

      قالوا: وهذا الوعيد في هذه الآية مختصاً بأهل القبلة فإنه سبحانه قال: {ويوم يحشرهم جميعاً يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم.وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً بما كانوا يكسبون} (الأنعام:128،129).

      وأولياء الجن من الإنس يدخل فيها الكفار قطعاً فإنهم أحق بموالاتهم من عصاة المسلمين، كما قال تعالى: {إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون}.

      وقال تعالى: {إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون} (النحل:99،100).

      وقال تعالى: {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون، وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون} (الأعراف:201).

      وقال تعالى: {أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو} (الكهف:50).

      وقال تعالى: {فقاتلوا أولياء الشيطان}.

      وقال تعالى: {أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون} (المجادلة:19).

      وقال تعالى: {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} والاستثناء وقع في الآية التي أخبرت عن دخول أولياء الشياطين النار.

      فمن ههنا قال ابن عباس: لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله قالوا: وقول من قال إن (ألا) بمعنى سوى أي ما شاء الله أن يزدهم من أنواع العذاب وزمنه لا تخفى منافرته للمستثنى والمستثنى منه، وإن الذي يفهمه المخاطب مخالفة ما بعد (إلا) لما قبلها.

      قالوا: وقول من قال إنه لاخراج ما قبل دخولهم إليها من الزمان كزمان البرزخ والموقف ومدة الدنيا أيضاً، لا يساعد على وجه الكلام، فإنه استثناء من جملة خبرية مضمونها أنهم إذا دخلوا النار لبثوا فيها مدة دوام السماوات والأرض إلا ما شاء الله.

      وليس المراد الاستثناء قبل الدخول هذا مالا يفهمه المخاطب ألا ترى سبحانه يخاطبهم بهذا في النار حين يقولون: {ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا} فيقول لهم حينئذ: {النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله}.

      وفي قوله: {ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا} نوع اعتراف واستسلام وتحسر أي استمتع الجن بنا واستمتعنا بهم، فاشتركنا في الشرك ودواعيه وأسبابه، وآثرنا الاستمتاع على طاعتك وطاعة رسلك، وانقضت آجالنا وذهبت أعمارنا في ذلك ولم نكتسب فيها رضاك. وإنما كان غاية أمرنا في مدة آجالنا استمتاع بعضنا ببعض.

      فتأمل ما في هذا من الاعتراف بحقيقة ما هم عليه وكيف بدت لهم تلك الحقيقة ذلك اليوم، وعلموا أن الذي كانوا فيه في مدة آجالهم هو حظهم من استمتاع بعضهم ببعض ولم يستمتعوا بعبادة ربهم ومعرفته وتوحيده ومحبته وإيثار مرضاته.

      وهذا من نمط قولهم: {لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} وقوله: {فاعترفوا بذنبهم} وقوله: {فعلموا أن الحق لله} ونظائره والمقصود أن قوله: {إلا ما شاء الله} عائد إلى هؤلاء المذكورين مختصاً بهم أو شاملاً لهم ولعصاة الموحدين، وأما اختصاصه بعصاة المسلمين دون هؤلاء فلا وجه له.

      ولما رأت طائفة ضعف هذا القول قالوا: الاستثناء يرجع إلى مدة البرزخ والموقف. وقد تبين ضعف هذا القول، ورأت طائفة أخرى أن الاستثناء يرجع إلى نوع آخر من العذاب غير النار.

      قالوا: والمعنى أنكم في النار أبداً إلا ما شاء الله أن يعذبكم بغيرها وهو الزمهرير وقد قال تعالى: {إن جهنم كانت مرصاداً. للطاغين مآباً. لابثين فيها أحقاباً} (النبأ:21-23).

      وقالوا: والأبد لا يقدر بالأحقاب.

      وقد قال ابن مسعود في هذه الآية: ليأتين على جهنم زمان وليس فيها أحد وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقاباً، وعن أبي هريرة مثله حكاه البغوي عنهما. ثم قال: ومعناه عند أهل السنة إن ثبت أنه لا يبقى فيها أحد من أهل الإيمان.

      قالوا: قد ثبت ذلك عن أبي هريرة وابن مسعود وعبدالله بن عمر وقد سأل حرب اسحق بن راهويه عن هذه الآية فقال: سألت إسحق قلت قول الله تعالى: {خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك} فقال: أتت هذه الآية على كل وعيد في القرآن.

      حدثنا عبيدالله بن معاذ حدثنا معتمر بن سليمان قال: قال أبي حدثنا أبو نضرة عن جابر أو أبي سعيد أو بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال هذه الآية تأتي على القرآن كله: {إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد} (هود:106).

      قال المعتمر: قال أتى على كل وعيد في القرآن، حدثنا عبيدالله بن معاذ حدثنا أبي عن شعبة عن أبي بلخ سمع عمرو بن ميمون يحدث عن عبدالله بن عمرو قال ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد، وذلك بعدما يلبثون فيها أحقاباً.

      حدثنا عبيدالله حدثنا أبي حدثنا شعبة عن يحيى بن أيوب عن ابن زرعة عن أبي هريرة قال: ما أنا بالذي لا أقول إنه سيأتي على جهنم يوم لا يبقى فيها أحد، وقرأ قوله: {فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق} الآية (هود:107).

      قال عبيدالله: كان أصحابنا يقولون يعني به الموحدين حدثنا أبو معن حدثنا وهب بن جرير حدثنا شعبة عن سليمان التميمي عن أبي نضرة عن جابر بن عبدالله أو بعض أصحابه في قوله: {خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك} (هود:107) قال هذه الآية تأتي على القرآن كله. وقد حكى ابن جرير هذا القول في تفسيره عن جماعة من السلف فقال: وقال آخرون عني بذلك أهل النار وكل من دخلها. ذكر من قال ذلك ثم ذكر الآثار التي نذكرها.

      وقال عبدالرزاق أنبأنا ابن التيمي عن أبيه نضرة عن جابر أو أبي سعيد أو عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: {إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد} قال هذه الآية تأتي على القرآن كله يقول حيث كان في القرآن خالدين فيها تأتي عليه قال: وسمعت أبا مجلز يقول: جزاؤه فإن شاء الله تجاوز عن عذابه.

      وقال ابن جرير حدثنا الحسن بن يحيى أنبأنا عبدالرزاق فذكره قال وحدثت عن المسيب عمن ذكره عن ابن عباس: {خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك} قال استثنى الله قال أمر الله النار أن تأكلهم. قال: وقال ابن مسعود: ليأتين على جهنم زمان تصفق أبوابها ليس فيها أحد بعد ما يلبثون فيها أحقاباً، حدثنا ابن حميد حدثنا جرير بيان عن الشعبي قال: جهنم أسرع الدارين عمرانا، وأسرعهما خراباً.

      وحكى ابن جرير في ذلك قولاً آخر فقال: وقال آخرون أخبرنا الله عز وجل بمشيئته لأهل الجنة فعرفنا معنى ثناياه بقوله {عطاء غير مجذوذ} وأنها لفي الزيادة على مقدار مدة السموات والأرض قالوا: ولم يخبرنا بمشيئته في أهل النار، وجائز أن تكون مشيئته في الزيادة وجائز أن تكون في النقصان. حدثنا يونس أنبأنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله تعالى: {خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك} فقرأ حتى بلغ {عطاء غير مجذوذ} فقال أخبرنا بالذي يشاء لأهل الجنة فقال: {عطاء غير مجذوذ} ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار.

      وقال ابن مردويه في تفسيره: حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا جبير بن عرفة حدثنا يزيد بن مروان الخلال حدثنا أبو خليد حدثنا سفيان يعني الثوري عن عمرو بن دينار عن جابر قال قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق. خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك} (هود:106و107) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [إن شاء الله أن يخرج أناساً من الذين شقوا من النار فيدخلهم الجنة فعل]. وهذا الحديث يدل على أن الاستثناء إنما هو للخروج من النار بعد دخولها خلافاً لمن زعم أنه لما قبل الدخول، ولكن إنما يدل على إخراج بعضهم من النار، وهذا حق بلا ريب وهو لا ينفي انقطاعها وفناء عذابها وأكلها لمن فيها وأنهم يعذبون فيها دائماً ما دامت كذلك وما هم منها بمخرجين، فالحديث دل على أمرين: أحدهما: أن بعض الأشقياء إن شاء الله أن يخرجهم من النار وهي نار فعل، وأن الاستثناء إنما هو فيما بعد دخولها لا فيما قبله وعلى هذا فيكون معنى الاستثناء إلا ما شاء ربك من الأشقياء فإنهم لا يخلدون فيها ويكون الأشقياء نوعين نوعا يخرجون منها ونوعاً يخلدون فيها فيكونون من الذين شقوا أولاً ثم يصيرون من الذين سعدوا فتجتمع لهم الشقاوة والسعادة في وقتين قالوا وقد قال تعالى: {إن جهنم كانت مرصاداً، للطاغين مآباً، لابثين فيها أحقاباً، لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً، إلا حميماً وغساقاً، جزاء وفاقاً، إنهم كانوا لا يرجون حساباً، وكذبوا بآياتنا كذاباً} (النبأ:21-28)، فهذا صريح في وعيد الكفار المكذبين بآياته ولا يقدر الأبد بهذه الأحقاب ولا غيرها كما لا يقدر به القديم. ولهذا قال عبدالله بن عمرو فيما رواه شعبة عن أبي بلخ سمع عمرو بن ميمون يحدث عنه "ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقاباً".

      فصل

      والذين قطعوا بدوام النار لهم ست طرق الطريق الثاني: أن القرآن دل على ذلك دلالة قطعية فإنه سبحانه أخبر أنه عذاب مقيم، وأنه لا يفتر عنهم وأنه لن يزيدهم إلا عذاباً وأنهم خالدين فيها أبداً وما هم بخارجين من النار، وما هم منها بمخرجين، وأن الله حرم الجنة على الكافرين وأنهم لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، وأنهم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها وأن عذابها كان غراماً، أي مقيماً لازماً. قال وهذا يفيد القطع بدوامه واستمراره.

      الطريق الثالث: أن السنة المستفيضة أخبرت بخروج من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان دون الكفار، وأحاديث الشفاعة من أولها إلى آخرها صريحة بخروج عصاة الموحدين من النار وأن هذا حكم مختص بهم فلو خرج الكفار منها لكانوا بمنزلتهم ولم يختص الخروج بأهل الإيمان.

      الطريق الرابع: أن الرسول وقفنا على ذلك وعلمناه من دينه بالضرورة من غير حاجة بنا إلى نقل معين، كما علمنا من دينه دوام الجنة وعدم فنائها.

      الطريق الخامس: أن عقائد السلف وأهل السنة مصرحة بأن الجنة والنار مخلوقتان وأنهما لا يفنيان بل هما دائمتان، وإنما يذكرون فناءهما عن أهل البدع.

      الطريق السادس: أن العقل يقضي بخلود الكفار في النار، وهذا مبني على قاعدة وهي أن المعاد وثواب النفوس المطيعة وعقوبة النفوس الفاجرة هل هو مما يعلم بالعقل أو لا يعلم إلا بالسمع؟ فيه طريقتان لنظار المسلمين، وكثير منهم يذهب إلى أن ذلك يعلم بالعقل مع السمع، كما دل عليه القرآن في غير موضع، كإنكاره سبحانه على من زعم أنه يسوي بين الأبرار والفجار، في المحيا والممات وعلى من زعم أنه خلق خلقه عبثاً، وأنهم إليه لا يرجعون، وأنه يتركهم سدى أي لا يثيبهم ولا يعاقبهم، وذلك يقدح في حكمته وكماله، وأنه نسبه إلى مالا يليق به وربما قرروه بأن النفوس البشرية باقية واعتقاداتها وصفاتها لازمة لها لا تفارقها وإن ندمت عليها، لما رأت العذاب فلم تندم عليها لقبحها أو كراهة ربها لها، بل لو فارقها العذاب رجعت كما كانت أولا قال تعالى: {ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين، بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون} (الأنعام:27،28).

      فهؤلاء قد ذاقوا العذاب وباشروه ولم يزل سببه ومقتضيه من نفوسهم بل خبثها وكفرها قائم بها لم يفارقها بحيث لو ردوا لعادوا كفاراً كما كانوا وهذا يدل على أن دوام تعذيبهم يقضي به العقل كما جاء السمع، قال أصحاب الفناء الكلام على هذه الطرق يبين الصواب في هذه المسألة.

      رد دعوى الإجماع في المسألة:

      فأما الطريق الأول فالإجماع الذي ادعيتموه غير معلوم، وإنما يظن الإجماع في هذه المسألة من لم يعرف النزاع، وقد عرف النزاع فيها قديماً وحديثاً بل لو كلف مدّعي الإجماع أن ينقل عن عشرة من الصحابة فما دونهم إلى الواحد أنه قال: إن النار لا تفني أبداً، لم يجد إلى ذلك سبيلاً.

      ونحن قد نقلنا عنهم التصريح بخلاف ذلك فما وجدنا عن واحد منهم خلاف ذلك بل التابعون حكوا عنهم هذا وهذا، قالوا: والاجماع المعتد به نوعان، متفق عليهما، ونوع ثالث مختلف فيه، ولم يوجد واحد منها في هذه المسألة النوع الأول ما يكون معلوماً من ضرورة الدين كوجوب أركان الإسلام وتحريم المحرمات الظاهرة.

      الثاني: ما ينقل عن أهل الاجتهاد التصريح بحكمه.

      الثالث: أن يقول بعضهم القول وينشر في الأمة ولا ينكره أحد، فأين معكم واحد من هذه الأنواع، ولو أن قائلا ادعى الإجماع من هذه الطرق واحتج أن الصحابة صح عنهم ولم ينكر أحد منهم عليه لكان أسعد بالإجماع منكم.

      قالوا: وأما الطريق الثاني وهو دلالة القرآن على بقاء النار وعدم فنائها، فأين في القرآن دليل واحد يدل على ذلك؟ نعم، الذي دل عليه القرآن إن الكفار خالدين في النار أبداً، وأنهم غير خارجين منها وأنه لا يفتر عنهم عذابها وأنهم لا يموتون فيها وأن عذابهم فيها مقيم، وأنه غرام لازم لهم هذا كله مما لا نزاع فيه بين الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين وليس هذا مورد النزاع وإنما النزاع في أمر آخر وهو أنه هل النار أبدية أو مما كتب عليه الفناء؟ وأما كون الكفار لا يخرجون منها ولا يفتر عنهم من عذابها ولا يقضى عليهم فيموتوا ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط فلم يختلف في ذلك الصحابة ولا التابعون ولا أهل السنة وإنما خالف في ذلك من قد حكينا أقوالهم من اليهود والاتحادية وبعض أهل البدع. وهذه النصوص وأمثالها تقتضي خلودهم في دار العذاب ما دامت باقية ولا يخرجون منها مع بقائها البتة كما يخرج أهل التوحيد منها مع بقائها فالفرق بين من يخرج من الحبس وهو حبس على حاله وبين من يبطل حبسه بخراب الحبس وانتقاضه.

      قالوا: وأما الطريق الثالث: وهي مجيء السنة المستفيضة بخروج أهل الكبائر من النار دون أهل الشرك فهي حق لا شك فيه وهي إنما تدل على ما قلناه من خروج الموحدين منها وهي دار العذاب لم تفن ويبقى المشركون فيها ما دامت باقية والنصوص دلت على هذا وعلى هذا.

      قالوا: وأما الطريق الرابع: وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقفنا على ذلك ضرورة فلا ريب أنه من المعلوم من دينه بالضرورة أن الكفر باقون فيها ما دامت باقية هذا معلوم من دينه بالضرورة، وأما كونها أبدية لا انتهاء لها ولا تفنى كالجنة، فأين في القرآن والسنة دليل واحد يدل على ذلك.

      قالوا: وأما الطريق الخامس وهو أن عقائد أهل السنة أن الجنة والنار مخلوقتان لا يفنيان أبداً. فلا ريب أن القول بفنائهما قول أهل البدع من الجهمية والمعتزلة. وهذا القول لم يقله أحد من الصحابة ولا التابعين ولا أحد من أئمة المسلمين وأما فناء النار وحدها فقد أوجدنا لكم من قال به من الصحابة وتفريقهم بين الجنة والنار فكيف يكون القول به أقوال أهل البدع مع أنه لا يعرف عن أحد من أهل البدع التفريق بين الدارين، فقولكم إنه من أقوال أهل البدع كلام من لا خبرة له بمقالات بني آدم وآرائهم واختلافهم.

      قالوا: والقول الذي بعد من أقوال أهل البدع ما خالف كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الأمة، أما الصحابة أو من بعدهم، وأما قول يوافق الكتاب والسنة وأقوال الصحابة فلا يعد من أقوال أهل البدع وإن دانوا به واعتقدوا فالحق يجب قبوله ممن قاله. والباطل يجب رده على من قاله وكان معاذ بن جبل يقول: "الله حكم قسط هلك المرتابون إن من ورائكم فتناً يكثر فيها المال ويفتح فيها القرآن حتى يقرؤه المؤمن والمنافق والمرأة والصبي والأسود والأحمر فيوشك أحدهم أن يقول: قد قرأت القرآن فما أظن أن يتبعوني حتى أبتدع فإن كل بدعة ضلالة وإياكم وزيغة الحكيم؟ فإن الشيطان قد يتكلم على لسان الحكيم بكلمة الضلالة، وإن المنافق قد يقول كلمة الحق فتلقوا الحق عمن جاء به فإن على الحق نوراً، قالوا: وكيف زيغة الحكيم، قال: هي الكلمة تروعكم وتنكرونها وتقولون ما هذه؟ فاحذروا زيغته ولا تصدنكم عنه فإنه يوشك أن يفيء وأن يراجع الحق، وإن العلم والإيمان مكانهما إلى يوم القيامة".

      والذي أخبر به أهل السنة في عقائدهم هو الذي دل عليه الكتاب والسنة وأجمع عليه السلف أن الجنة والنار مخلوقتان، وأن أهل النار لا يخرجون منها ولا يخفف عنهم من عذابها ولا يفتر عنهم وانهم خالدون فيها، ومن ذكر منهم أن النار لا تفنى أبداً فإنما قاله لظنه أن بعض أهل البدع قال بفنائها، ولم يبلغه تلك الآثار التي تقدم ذكرها قالوا: وأما حكم العقل بتخليد أهل النار فيها، فإخبار عن العقل بما ليس عنده، فإن المسألة من المسائل التي لا تعلم إلا بخبر الصادق.

      وأما أصل الثواب والعقاب: فهل يعلم بالعقل مع السمع أو لا يعلم إلا بالسمع وحده؟ ففيه قولان لنظار المسلمين من أتبع الأئمة الأربعة وغيرهم، والصحيح أن العقل دل على المعاد والثواب والعقاب إجمالاً وأما تفصيله فلا يعلم إلا بالسمع ودوام الثواب والعقاب ما لا يدل عليه العقل بمجرده، وإنما علم بالسمع وقد دل السمع دلالة قاطعة على دوام ثواب المطيعين، وأما عقاب العصاة فقد دل السمع أيضاً دلالة قاطعة على انقطاعه في حق الموحدين، وأما دوامه وانقطاعه في حق الكفار فهذا معترك النزال فمن كان السمع من جانبه فهو أسعد بالصواب. وبالله التوفيق.

      الفرق بين دوام الجنة والنار شرعاً وعقلاً:

      ونحن نذكر الفرق بين دوام الجنة والنار شرعاً وعقلاً وذلك يظهر من وجوه:

      أحدها: أن الله سبحانه وتعالى أخبر ببقاء نعيم أهل الجنة ودوامه وأنه لا نفاد له ولا انقطاع وأنه غير مجذوذ، وأما النار فلم يخبر عنها بأكثر من خلود أهلها فيها وعدم خروجهم منها وأنهم لا يموتون فيها ولا يحيون وأنها مؤصدة عليهم وأنهم كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وأن عذابها لازم لهم وأنه مقيم عليهم لا يفتر عنهم والفرق بين الخبرين ظاهر.

      الوجه الثاني: أن النار قد أخبر سبحانه وتعالى في ثلاث آيات عنها بما يدل على عدم أبديتها. الأولى: قوله سبحانه وتعالى: {قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم} (الأنعام:128)، الثانية: قوله: {خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد} (هود:107).

      الثالثة: قوله: {لابثين فيها أحقاباً} (النبأ:23)، ولولا الأدلة القطعية الدالة على أبدية الجنة ودوامها لكان حكم الاستثناءين في الموضعين واحداً كيف وفي الآيتين من السياق ما يفرق بين الاستثناءين فإنه قال في أهل النار: {إن ربك فعال لما يريد} (هود:107)، فعلمنا أنه سبحانه وتعالى يريد أن يفعل فعلاً لم يخبرنا به، وقال في أهل الجنة: {عطاء غير مجذوذ} (هود:108)، فعلمنا أن هذا العطاء والنعيم غير مقطوع عنهم أبداً. فالعذاب مؤقت معلق والنعيم ليس بمؤقت ولا معلق.

      الوجه الثالث: أنه قد ثبت أن الجنة لم يدخلها من لم يعمل خيراً قط من المعذبين الذين يخرجهم الله من النار، وأما النار فلم يدخلها من لم يعمل سوءاً قط ولا يعذب إلا من عصاه.

      الوجه الرابع: أنه قد ثبت أن الله سبحانه وتعالى ينشيء للجنة خلقاً آخر يوم القيامة يسكنهم إياها ولا يفعل ذلك بالنار، وأما الحديث الذي قد ورد في صحيح البخاري من قوله: [وأما النار فينشيء الله لها خلقاً آخرين] فغلط وقع من بعض الرواة انقلب عليه الحديث وإنما هو ما ساقه البخاري في الباب بنفسه: [وأما الجنة فينشيء الله لها خلقاً آخرين] ذكره البخاري رحمه الله مبيناً أن الحديث انقلب لفظه على من رواه بخلاف هذا وهذا، والمقصود أنه لا تقاس النار بالجنة في التأبيد مع هذه الفروق.

      الوجه الخامس: أن الجنة من موجب رحمته ورضاه، والنار من غضبه وسخطه، ورحمته سبحانه تغلب غضبه وتسبقه، كما جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: [لما قضى الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده موضوع على العرش أن رحمتي تغلب غضبي]. وإذا كان رضاه قد سبق غضبه وهو يغلبه كان التسوية بين ما هو من موجب رضاه وما هو من موجب غضبه ممتنعاً.

      الوجه السادس: أن ما كان بالرحمة وللرحمة فهو مقصود لذاته قصد الغايات وما كان من موجب الغضب والسخط فهو مقصود لغيره قصد الوسائل فهو مسبوق مغلوب مراد لغيره وما كان للرحمة فغالب سابق مراد لنفسه.

      الوجه السابع: وهو أنه سبحانه قال للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء وقال للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء، وعذابه مفعول منفصل، وهو ناشيء عن غضبه، ورحمته ههنا هي الجنة وهي رحمة مخلوقة ناشئة عن الرحمة التي هي صفة الرحمن فههنا أربعة أمور رحمة هي صفته سبحانه، وثواب منفصل هو ناشيء عن رحمته، وغضب يقوم به سبحانه، وعقاب منفصل ينشأ عنه إذا غلبت صفة الرحمة صفة الغضب فلأن يغلب ما كان بالرحمة لما كان بالغضب أولى وأحرى، فلا تقاوم النار التي نشأت عن الغضب الجنة التي نشأت عن الرحمة.

      الوجه الثامن: أن النار خلقت تخويفاً للمؤمنين وتطهيراً للخاطئين والمجرمين، فهي طهرة من الخبث الذي اكتسبته النفس في هذا العالم فإن تطهرت ههنا بالتوبة النصوح والحسنات الماحية والمصائب المكفرة لم يحتج إلى تطهير هناك وقيل لها مع جملة الطيبين سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين. وإن لم تتطهر في هذه الدار ووافت الدار الأخرى بدونها ونجاستها وخبثها أدخلت النار طهرة لها ويكون مكثها في النار بحسب زوال ذلك الدرن والخبث والنجاسة التي لا يغسلها الماء، فإذا تطهرت الطهر التام أخرجت من النار والله سبحانه خلق عباده حنفاء وهي فطرة الله التي فطر الناس عليها، فلو خلوا وفطرهم لما نشؤوا إلا على التوحيد ولكن عرض لأكثر الفطر ما غيرها، ولهذا كان نصيب النار أكثر من نصيب الجنة وكان هذا التغيير مراتب لا يحصيها إلا الله فأرسل الله رسوله، وأنزل كتبه يذكر عباده بفطرته التي فطرهم عليها، فعرف الموفقون الذين سبقت لهم من الله الحسنى صحة ما جاءت به الرسل ونزلت به الكتب بالفطرة الأولى فتوافق عندهم شرع الله ودينه الذي أرسل به رسله وفطرته التي فطرهم عليها فمنعتهم الشرعة المنزلة والفطرة المكملة، أن تكتسب نفوسهم خبثاً ونجاسة ودرناً يعلق بها ولا يفارقها، بل كلما ألم بهم شيء من ذلك ومسهم طائف من الشيطان أغاروا عليه بالشرعة والفطرة فأزالوا موجبه وأثره، وكمل لهم الرب تعالى ذلك بأقضية يقضيها لهم مم يحبون أو يكرهون، تمحص عنهم تلك الآثار التي شوشت الفطرة فجاء مقتضى الرحمة فصادف مكاناً قابلاً مستعداً لها ليس فيه شيء يدافعه فقال هنا أمرت وليس لله سبحانه غرض. في تعذيب عباده بغير موجب كما قال تعالى: {ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكراً عليماً} (النساء:147)، واستمر الأشقياء مع تغيير الفطرة ونقلها مما خلقت عليه إلى ضده حتى استحكم الفساد وتم التغيير، فاحتاجوا إلى إزالة ذلك إلى تغيير أخر وتطهير ينقلهم إلى الصحة حيث لم تنقلهم آيات الله المتلوة والمخلوقة وأقداره المحبوبة والمكروهة في هذه الدار، فأتاح لهم آيات أخر وأقضية، وعقوبات فوق التي كانت في الدنيا تستخرج ذلك الخبث والنجاسة التي لا تزول بغير النار، فإذا زال موجب العذاب وسببه زال العذاب وبقي مقتضى الرحمة لا معارض له، فإن قيل هذا حق ولكن سبب التعذيب لا يزول إلا إذا كان السبب عارضاً كمعاصي الموحدين، أما إذا كان لازماً كالكفر والشرك فإن أثره لا يزول كما يزول السبب، وقد أشار سبحانه إلى هذا المعنى بعينه في مواضع من كتابه منها: قوله تعالى: {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه} فهذا إخبار بأن نفوسهم وطبائعهم لا تقتضي غير الكفر والشرك، وأنها غير قابلة للإيمان أصلاً. ومنها قوله تعالى: {ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً} (الإسراء:72)، فأخبر سبحانه أن ضلالهم وعماهم عن الهدى دائم لا يزول حتى مع معاينة الحقائق التي أخبرت بها الرسل، وإذا كان العمى والضلال لا يفارقهم فإن موجبه وأثره ومقتضاه لا يفارقهم. ومنها: قوله تعالى: {ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم، ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون} (الأنفال:23)، وهذا يدل على أنه ليس فيهم خير يقتضي الرحمة ولو كان فيهم خير ما ضيع عليهم أثره، ويدل على أنهم لا خير فيهم هناك أيضاً قوله: [أخرجوا من النار من كان في قلبه أدنى مثقال ذرة من خير] ولو كان عند هؤلاء أدنى أدنى مثقال ذرة من خير لخرجوا منها مع الخارجين.

      قيل: لعمر الله إن هذا لمن أقوى ما يتمسك به من المسألة، وإن الأمر لكما قلتم، وإن العذاب يدوم بدوام موجبه وسببه، ولا ريب أنهم في الآخرة في عمى وضلال كما كانوا في الدنيا بواطنهم خبيثة كما كانت في الدنيا، والعذاب مستمر عليهم دائم ما داموا كذلك: ولكن هل هذا الكفر والتكذيب والخبث أمر ذاتي لهم زواله مستحيل أم هو أمر عارض طارئ على الفطرة قابل للزوال؟ هذا حرف المسألة وليس بأيديكم ما يدل على استحالة زواله وأنه أمر ذاتي وقد أخبر سبحانه أنه فطر عباده على الحنيفية، وأن الشياطين اجتالتهم عنها فلم يفطرهم سبحانه على الكفر والتكذيب، كما فطر الحيوان البهيم على طبيعته وإنما فطرهم على الإقرار بخالقهم ومحبته وتوحيده.

      فإن كان هذا الحق الذي قد فطروا عليه وخلقوا عليه قد أمكن زواله بالكفر والشرك الباطل فإمكان زوال الكفر والشرك والباطل بضده من الحق أولى وأحرى، ولا ريب أنهم لو ردوا على تلك الحال التي هم عليها لعادوا لما نهوا عنه ولكن من أين لكم أن تلك الحال لا تزول ولا تتبدل بنشأة أخرى ينشئهم فيها تبارك وتعالى إذا أخذت النار مأخذها منهم، وحصلت الحكمة المطلوبة من عذابهم، فإن العذاب لم يكن سدى وإنما كان لحكمة مطلوبة. فإذا حصلت تلك الحكمة لم يبق في التعذيب أمر يطلب ولا غرض يقصد والله سبحانه ليس يشتفي بعذاب عباده كما يشتفي المظلوم من ظالمه وهو لا يعذب عبده لهذا الغرض، وإنما يعذبه طهرة له ورحمة به فعذابه مصلحة له، وإن تألم به غاية الألم كما أن عذابه بالحدود الدنيا مصلحة لأربابها.

      وقد سمى الله سبحانه الحد عذاباً وقد اقتضت حكمته سبحانه أن جعل لكل داء دواء يناسبه، ودواء الداء العضال يكون من أشق الأدوية، والطبيب الشفيق يكوي المريض بالنار كياً بعد كي ليخرج منه المادة الرديئة الطارئة على الطبيعة المستقيمة وإن رأى قطع العضو أصلح للعليل قطعه وأذاقه أشد الألم فهذا قضاء الرب وقدره في إزالة مادة غريبة طرأت على الطبيعة المستقيمة بغير اختيار العبد، فكيف إذا طرأ على الفطرة السليمة مواد فاسدة باختيار العبد وإرادته؟

      وإذا تأمل اللبيب شرع الرب تعالى وقدره في الدنيا وثوابه وعقابه في الآخرة وجد ذلك في غاية التناسب والتوافق وارتباط ذلك بعضه ببعض فإن مصدر الجميع عن علم تام وحكمة بالغة ورحمة وهو سبحانه الملك الحق المبين وملكه ملك رحمة وإحسان وعدل.

      الوجه التاسع: إن عقوبته بعد ليست لحاجته إلى عقوبته لا لمنفعة تعود إليه ولا لدفع مضرة وألم يزول عنه بالعقوبة. بل يتعالى عن ذلك ويتنزه كما يتعالى عن سائر العيوب والنقائص، ولا هي عبث محض خال عن الحكمة والغاية الحميدة فإنه أيضاً يتنزه عن ذلك ويتعالى عنه، فإما أن يكون من تمام أوليائه وأحبابه، وإما أن يكون من مصلحة الأشقياء ومداواتهم، أو لهذا ولهذا.

      وعلى التقادير الثالث، فالتعذيب أمر مقصود لغيره قصد الوسائل لا قصد الغايات والمراد من الوسيلة إذا حصل على الوجه المطلوب زال حكمها، ونعيم أوليائه، ليس متوقفاً في أصله ولا في كماله على استمرار عذاب أعدائه، وهوامه ومصلحة الأشقياء ليست في الدوام والاستمرار، وإن كان في أصل التعذيب مصلحة لهم.

      الوجه العاشر: إن رضا الرب تبارك وتعالى ورحمته صفتان ذاتيتان له، فلا منتهى لرضاه بل كما قال أعلم الخلق به: سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته. فإن كانت رحمته غلبت فإن رضا نفسه أعلى وأعظم، فإن رضوانه أكثر من الجنات ونعيمها وكل ما فيها وقد أخبر أهل الجنة أنه يحل عليهم رضوانه فلا يسخط عليهم أبداً، وأما غضبه تبارك وتعالى وسخطه فليس من صفاته الذاتية التي يستحيل انفكاكه عنها بحيث لم يزل ولا يزال غضبان والناس لهم في صفة الغضب قولان:

      أحدهما: أنه من صفاته الفعلية القائمة به كسائر أفعاله.

      والثاني: أنه صفة فعل منفصل عنه غير قائم به. وعلى القولين فليس كالحياة والعلم والقدرة التي يستحيل مفارقتها له والعذاب إنما ينشأ من صفة غضبه وما سعرت النار إلا بغضبه، وقد جاء في أثر مرفوع: [إن الله خلق خلقاً من غضبه وأسكنهم بالمشرق وينتقم بهم ممن عصاه] فمخلوقاته سبحانه نوعان من نوع مخلوق من الرحمة وبالرحمة. ونوع مخلوق من الغضب وبالغضب.

      فإنه سبحانه له الكمال المطلق من جميع الوجوه الذي يتنزه عن تقدير خلافه ومنه أنه يرضى ويغضب ويثيب ويعاقب ويعطي ويمنع ويعز ويذل وينتقم ويعفو. بل هذا موجب ملكه الحق وهو حقيقة الملك المقرون بالحكمة والرحمة والحمد. فإذا زال غضبه سبحانه وتبدل برضاه زالت عقوبته وتبدلت برحمته فانقلبت العقوبة رحمة بل لم تزل رحمة وإن تنوعت صفتها وصورتها كما كان عقوبة العصاة رحمة وإخراجه من النار رحمة، فتقلبوا في رحمته في الدنيا وتقلبوا فيها في الآخرة، لكن تلك رحمة يحبونها وتوافق طبائعهم وهذه رحمة يكرهونها وتشق عليهم كرحمة الطبيب الذي يبضع لحم المريض ويلقي عليه المكاوي ليستخرج منه المواد الرديئة الفاسدة.

      فإن قيل: هذا اعتبار غير صحيح فإن الطبيب يفعل ذلك بالعليل وهو يحبه وهو راض عنه ولم ينشأ فعله به عن غضبه عليه ولهذا لا يسمى عقوبة، وأما عذاب هؤلاء فإنه إنما حصل بغضبه سبحانه عليهم وهو عقوبة محضة.

      قيل: هذا حق ولكن لا ينافي كونه رحمة بهم، وإن كان عقوبة لهم وهذا كإقامة الحدود عليهم في الدنيا فإنها عقوبة ورحمة وتخفيف وطهرة، فالحدود طهرة لأهلها وعقوبة، وهم ما أغضبوا الرب تعالى وقابلوه لما لا يطيق أن يقابل به وعاملوه أقبح المعاملة وكذبوه وكذبوا رسله وجعلوا أقل خلقه وأخبثهم وأمقتهم له نداً له، وآلهة معه وآثروا رضاهم على رضاه وطاعتهم على طاعته، وهو ولي الإنعام عليهم وهو خالقهم ورازقهم ومولاهم، الحق الذي اشتد مقته لهم وغضبه عليهم وذلك يوجب كمال أسمائه وصفاته التي يستحيل عليه تقدير خلافاتها ويستحيل عليه تخلف آثارها ومقتضاها عنها بل ذلك تعطل لأحكامها، كما أن نفيها عنه تعطيل لحقائقها وكلا التعطيلين محال عليه سبحانه.

      فالمعطلون نوعان أحدهما: عطل صفاته والثاني عطل أحكامها وموجباتها. وكان هذا العذاب عقوبة لهم من هذا الوجه ودواء لهم من جهة الرحمة السابقة للغضب فاجتمع فيه الأمران، فإذا زال الغضب بزوال سببه وزالت المادة الفاسدة بتغير الطبيعة المقتضية لها في الجحيم بمرور الأحقاب عليها، وحصلت الحكمة التي أوجبت العقوبة عملت الرحمة عملها وطلبت أثرها من غير معارض.

      الوجه الحادي عشر: وهو أن العفو أحب إليه سبحانه من الانتقام، والرحمة أحب إليه من العقوبة والرضا أحب إليه من الغضب. والفضل أحب إليه من العدل. ولهذا ظهرت آثار المحبة في شرعه وقدره ويظهر كل الظهور لعباده في ثوابه وعقابه، وإذا كان ذلك أحب الأمرين إليه وله خلق الخلق وأنزل الكتب وشرع الشرائع وقدرته سبحانه صالحة لكل شيء لا قصور فيها بوجه ما، وتلك المواد الرديئة الفاسدة مرض من الأمراض وبيده سبحانه الشفاء التام والأدوية الموافقة لكل داء، وله القدرة التامة والرحمة البالغة والغنى المطلق، وبالعبد أعظم حاجة إلى من يداوي علته التي بلغت غاية الضرر والمشقة، وقد عرف العبد أنه عليل وأن دواءه بيد الغني الحميد، فتضرع إليه ودخل به عليه واستكان له وانكسر قلبه بين يديه وذل لعزته وعرف أن الحمد كله له، وأن الخلق كله وأنه هو الظلوم الجهول وأن ربه تبارك وتعالى عامله بكل عدله لا يبغض عدله، وأن له غاية الحمد فيما فعل به، وأن حمده هو الذي أمامه، في هذا المقام وأوصله إليه وأنه لا خير عنده من نفسه بوجه من الوجوه، بل ذلك محض فضل الله وصدقه عليه وأنه لا نجاة له مما هو فيه بمجرد العفو والتجاوز عن حقه فنفسه أولى بكل ذم وعيب ونقص، وربه تعالى أولى بكل حمد وكمال ومدح.

      فلو أن أهل الجحيم شهدوا نعمته سبحانه ورحمته وكماله وحمده الذي أوجب لهم ذلك فطلبوا مرضاته ولو بدوامهم في تلك الحال. وقالوا إن كان ما نحن فيه رضاك فرضاك الذي نرى وما أوصلنا إلى هذه الحال إلا طلب ما لا يرضيك فأما إذا أرضاك، هذا منا فرضاك غاية ما نقصده (وما لجرح إذا أرضاك من ألم) وأنت أرحم بنا من أنفسنا وأعلم بمصالحنا لك الحمد كله، عاقبت أو عفوت، لانقلبت النار عليهم برداً وسلاماً.

      وقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث الأسود بن سريع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [يأتي أربعة يوم القيامة رجل أصم لا يسمع شيئاً، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في فترة، فأما الأصم فيقول: رب لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئاً. وأما الأحمق فيقول: رب لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر. وأما الهرم فيقول: ربي لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئاً، وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب ما أتاني لك من رسول، فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه فيرسل إليهم أن ادخلوا النار، قال فو الذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم برداً وسلاماً].

      وفي المسند أيضاً: من حديث قتادة عن الحسن عن أبي رافع عن أبي هريرة مثله وقال: [فمن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً ومن لم يدخلها يسحب إليها] فهؤلاء لما رضوا بتعذيبهم وبادروا إليه لما علموا أن فيه رضي ربهم وموافقة أمره ومحبته انقلب في حقهم نعيماً.

      ومثل هذا، وما رواه عبدالله بن المبارك حدثني رشدين قال حدثني ابن أنعم عن أبي عثمان أنه حدثه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [إن رجلين ممن دخلا النار يشتد صياحهما. فقال الرب جل جلاله: أخرجوهما فإذا أخرجا فقال لهما: لأي شيء اشتد صياحكما؟ قالا: فعلنا ذلك لترحمنا، قال: رحمتي لكما أن تنطلقا فتلقيا أنفسكما حيث كنتما من النار. قال فينطلقان فيلقي أحدهما نفسه فيجعلهما الله سبحانه عليه برداً وسلاماً، ويقوم الآخر فلا يلقي فيقول له الرب: ما منعك أن تلقي نفسك كما ألقى صاحبك؟ فيقول: رب إني أرجوك أن لا تعيدني فيها بعد ما أخرجتني منها، فيقول الرب تعالى لك رجاؤك، فيدخلان الجنة جميعاً برحمة الله].

      وذكر الأوزاعي عن بلاد بن سعيد قال: "يؤمر بإخراج رجلين من النار فإذا أخرجا ووقفا قال الله لهما كيف وجدتما مقيلكما وسوء مصيركما؟ فيقولان: شر مقيل، وأسوء مصير، ثار إليه العباد، فيقول لهما: بما قدمت أيديكما وما أنا بظلام للعبيد، قال: فيؤمر بصرفهما إلى النار فأما أحدهما فيغدو في أغلاله وسلاسله حتى يقتحمها: وأما الآخر فيتلكأ فيؤمر بردهما فيقول للذي غدا في أغلاله وسلاسله حتى اقتحمها: ما حملك على ما صنعت وقد خرجت منها؟ فيقول إني خبرت من وبال معصيتك ما لم أكن أتعرض لسخطك ثانياً. ويقول الذي تلكأ: ما حملك على ما صنعت؟؟ فيقول: حسن ظني بك حين أخرجتني منها أن لا تردني إليها فيرحمهما جميعاً ويأمر بهما إلى الجنة".

      الوجه الثاني عشر: أن النعيم والثواب من مقتضى رحمته ومغفرته وبره وكرمه ولذلك يضيف ذلك إلى نفسه. وأما العذاب والعقوبة فإنما هو من مخلوقاته، لذلك لا يسمى بالمعاقب والمعذب بل يفرق بينهما فيجعل ذلك من أوصافه وهذا من مفعولاته حتى في الآية الواحدة كقوله تعالى: {نبيء عبادي أني أنا الغفور الرحيم. وأن عذابي هو العذاب الأليم} (الحجر:49-50)، وقال تعالى: {اعلموا أن الله شديد العقاب، وأن الله غفور رحيم} (المائدة:98)، وقال تعالى: {إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم} (الأعراف:67)، ومثلها في آخر الأنعام، فما كان من مقتضى أسمائه وصفاته فإنه يدوم بدوامها ولا سيما إذا كان محبوباً له وهو غاية مطلوبة في نفسها وأما الشر الذي هو العذاب في أسمائه وصفاته، وإن دخل في مفعولاته لحكمه إذا حصلت زال وفني بخلاف الخير، فإنه سبحانه دائم المعروف لا ينقطع معروفه أبداً وهو قديم الإحسان أبدي الإحسان، فلم يزل ولا يزال محسناً على الدوام. وليس من موجب أسمائه وصفاته أنه لا يزال معاقباً على الدوام غضبان على الدوام منتقماً على الدوام، فتأمل هذا الوجه تأمل فقيه في باب أسماء الله وصفاته، يفتح لك باباً من أبواب معرفته ومحبته.

      الوجه الثالث عشر: وهو قول أعلم خلقه به، وأعرفهم بأسمائه وصفاته [والشر ليس إليك] ولم يقف على المعنى المقصود من قال الشر لا يتقرب به إليك، بل الشر لا يضاف إليه سبحانه بوجه لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ولا أسمائه، فإن ذاته لها الكمال المطلق من جميع الوجوه، وصفاته كلها صفات كمال يحمد عليها ويثنى عليه بها، وأفعاله كلها خير ورحمة وعدل، وحكمة لا شر فيها بوجه ما، وأسماؤه كلها حسنى، فكيف يضاف الشر إليه بل الشر في مفعولاته ومخلوقاته وهو منفصل عنه، إذ فعله غير مفعوله ففعله خير كله، وأما المخلوق المفعول ففيه الخير والشر.

      وإذا كان الشر مخلوقاً منفصلاً غير قائم بالرب سبحانه فهو لا يضاف إليه وهو صلى الله عليه وسلم لم يقل: أنت لا تخلق الشر حتى يطلب تأويل قوله، وإنما نفي إضافته إليه وصفة وفعلاً وأسماء، وإذا عرف هذا فالشر ليس إلا الذنوب وموجباتها.

      وأما الخير فهو الإيمان والطاعات وموجباتها، والإيمان والطاعات متعلقة به سبحانه، ولأجلها خلق خلقه وأرسل رسله وأنزل كتبه، وهي ثناء على الرب وإجلاله وتعظيمه وعبوديته، وهذه لها آثار تطلبها وتقتضيها فتدوم آثارها بدوام متعلقها.

      وأما الشرور فليست مقصودة لذاتها. ولا هي الغاية التي خلق لها الخلق فهي مفعولات قدرت لأمر محبوب وجعلت وسيلة إليه فإذا حصل ما قدرت له اضمحلت وتلاشت وعاد الأمر إلى الخير المحض.

      الوجه الرابع عشر: أنه سبحانه قد أخبر أن رحمته وسعت كل شيء. فليس شيء من الأشياء إلا وفيه رحمته ولا ينافي هذا أن يرحم العبد بما يشق عليه ويؤلمه وتشتد كراهته له فإن ذلك من رحمته أيضاً كما تقدم.

      وقد ذكرنا حديث أبي هريرة آنفاً وقوله تعالى لذينك الرجلين: رحمتي لكما أن تنطلقا فتلقيا أنفسكما حيث كنتما من النار. وقد جاء في بعض الآثار أن العبد إذا دعا لمبتلى قد اشتد بلاؤه وقال: اللهم ارحمه: يقول الرب تبارك وتعالى: كيف أرحمه من شيء به أرحمه. فالابتلاء رحمة منه لعباده (وفي أثر إلهي) يقول الله تعالى: "أهل ذكري أهل مجالستي. وأهل طاعتي أهل كرامتي، وأهل شكري أهل زيادتي، وأهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي إن تابوا فأنا حبيبهم وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم أبتليهم بالمصايب لأطهرهم من المعايب": فالبلاء والعقوبة أدوية قدرت لإزالة أدواء لا تزول إلا بها والنار هي الدواء الأكبر فمن تداوى في الدنيا أغناه ذلك عن الدواء في الآخرة، وإلا فلا بد له من الدواء بحسب دائه ومن عرف الرب تبارك وتعالى بصفات جلاله ونعوت كماله من حكمته ورحمته وبره وإحسانه وغناه وجوده وتحببه إلى عباده وإرادة الإنعام عليهم وسبق رحمته لهم لم يبادر إلى إنكار ذلك إن لم يبادر إلى قبوله.

      الوجه الخامس عشر: أن أفعاله سبحانه لا تخرج عن الحكمة والرحمة والمصلحة والعدل، فلا يفعل عبثاً ولا جوراً ولا باطلاً بل هو المنزه عن ذلك كما ينزه عن سائر العيوب والنقائص. وإذا ثبت ذلك فتعذيبهم إن كان رحمة بهم حتى يزول ذلك الخبث وتكمل الطهارة فظاهر، وإن كان لحكمة فإذا حصلت تلك الحكمة المطلوبة زال العذاب وليس في الحكمة دوام العذاب أبد الآباد بحيث يكون دائماً بدوام الرب تبارك وتعالى وإن كان لمصلحة فإن كان يرجع إليهم، فليست مصلحتهم في بقائهم في العذاب كذلك، وإن كانت المصلحة تعود إلى أوليائه فإن ذلك أكمل في نعيمهم فهذا لا يقتضي تأبيد العذاب وليس نعيم أوليائه وكماله موقوفاً، على بقاء آبائهم وأبنائهم وأزواجهم في العذاب السرمد.

      فإن قلتم: إن ذلك هو موجب الرحمة والحكمة والمصلحة قلتم ما لا يعقل، وإن قلتم إن ذلك عائد إلى محض المشيئة ولا تطلب له حكمة ولا غاية فجوابه من وجهين.

      أحدهما: إن ذلك محال على أحكم الحاكمين وأعلم العالمين أن تكون أفعاله معطلة عن الحكم والمصالح والغايات المحمودة والقرآن والسنة وأدلة العقول والفطر والآيات المشهودة شاهدة ببطلان ذلك.

      والثاني: أنه لو كان الأمر كذلك لكان إبقاؤهم في العذاب وانقطاعه عنهم بالنسبة إلى مشيئته سواء ولم يكن في انقضائه ما ينافي كماله وهو سبحانه لم يخبر بأبدية العذاب وأنه لا نهاية له. وغاية الأمر على هذا التقدير: أن يكون من الجائزات الممكنات الموقوف حكمها على خبر الصادق. فإن سلكت طريق التعليل بالحكمة والرحمة والمصلحة لم يقتض الدوام، وإن سلكت طريق المشيئة المحضة التي لا تعلل لم تقتضه أيضاً. وإن وقف الأمر على مجرد السمع فليس فيه ما يقتضيه.

      السادس عشر: أن رحمته سبحانه سبقت غضبه في المعذبين فإنه أنشأهم في رحمته، ورباهم برحمته ورزقهم وعافاهم برحمته وأرسل إليهم الرسل برحمته وأسباب النقمة والعذاب متأخرة عن أسباب الرحمة طارئة عليهم فرحمته سبقت غضبه فيها وخلقهم على خلقه، تكون رحمته إليهم أقرب من غضبه وعقوبته. ولهذا ترى أطفال الكفار قد ألقى عليهم رحمته فمن رآهم رحمهم، ولهذا نهى عن قتلهم فرحمته سبقت غضبه فيهم، فكانت هي السابقة إليهم ففي كل حال هم في رحمته في حال معافاتهم وابتلائهم.

      وإذا كانت الرحمة هي السابقة فيهم لم يبطل أثرها بالكلية وإن عارضهم أثر الغضب والسخط فذلك لسبب منهم، وما أثر الرحمة فسببه منه سبحانه فما منه يقتضي رحمته. وما منهم يقتضي عقوبتهم والذي منه سابق غالب، وإذا كانت رحمته تغلب غضبه فلأن يغلب أثر الرحمة أثر الغضب أولى وأحرى.

      الوجه السابع عشر: أنه سبحانه يخبر عن العذاب أنه عذاب يوم عقيم وعذاب يوم عظيم، وعذاب يوم أليم، ولا يخبر عن النعيم أنه نعيم يوم ولا في موضع واحد.

      وقد ثبت في الصحيح: تقدير يوم القيامة بخمسين ألف سنة والمعذبون متفاوتون في مدة لبثهم في العذاب بحسب جرائمهم، والله سبحانه جعل العذاب على ما كان من الدنيا وأسبابها، وما أريد به الدنيا ولم يرد به وجه الله فالعذاب على ذلك.

      وأما ما كان للآخرة وأريد به وجه الله فلا عذاب عليه، والدنيا قد جعل لها أجل تنتهي إليه فما انتقل منها إلى تلك الدار مما ليس لله فهو المعذب به. وأما ما أريد به وجه الله والدار الآخرة فقد أريد به مالا يفني ولا يزول، فيدوم بدوام المراد به، فإن الغاية المطلوبة إذا كانت دائمة لا تزول لم يزل ما تعلق به بخلاف الغاية المضمحلة الفانية، فما أريد به غير الله يضمحل ويزول بزوال مراده ومطلوبه وما أريد به وجه الله يبقى ببقاء المطلوب المراد فإذا اضمحلت الدنيا وانقطعت أسبابها وانتقل ما كان فيها لغير الله من الأعمال والذوات وانقلب عذابا وآلاماً لم يكن له متعلق يدوم بدوامه بخلاف النعيم.

      الوجه الثامن عشر: أنه ليس في حكمة أحكم الحاكمين أن يخلق خلقاً يعذبهم أبد الآباد عذاباً سرمداً لا نهاية له ولا انقطاع أبداً، وقد دلت الأدلة السمعية والعقلية والفطرية على أنه سبحانه حكيم وأنه أحكم الحاكمين فإذا عذب خلقه عذبهم بحكمه كما يوجب التعذيب والعقوبة في الدنيا وقدره، فإن فيه من الحكم والمصالح وتطهير العبد ومداواته وإخراج المواد الرديئة بتلك الآلام ما تشهده العقول الصحيحة وفي ذلك من تزكية النفوس وصلاحها وزجرها وردع نظائرها وتوقيفها على فقرها وضرورتها إلى ربها وغير ذلك من الحكم والغايات الحميدة مالا يعلمه إلا الله.

      ولا ريب أن الجنة طيبة لا يدخلها إلا طيب ولهذا يحاسبون إذا قطعوا الصراط على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة.

      ومعلوم أن النفوس الشريرة الخبيثة المظلمة التي لو ردت إلى الدنيا قبل العذاب لعادت لما نهيت عنه، لا يصلح أن تسكن دار السلام في جوار رب العالمين، فإذا عذبوا بالنار عذاباً تخلص نفوسهم من ذلك الخبث والوسخ والدرن، كان ذلك من حكمة أحكم الحاكمين ورحمته ولا ينافي الحكمة خلق نفوس فيها شر يزول بالبلاء الطويل والنار، كما يزول بها خبث الذهب والفضة والحديد فهذا معقول في الحكمة وهو من لوازم العالم المخلوق على هذه الصفة.

      أما خلق نفوس لا يزول شرها أبداً وعذابها لا انتهاء له، فلا يظهر في الحكمة والرحمة، وفي وجود مثل هذا النوع نزاع بين العقلاء أعني ذواتاً، هي شر من كل وجه ليس فيها شيء من خير أصلاً.

      وعلى تقدير دخوله في الوجود، فالرب تبارك وتعالى قادر على قلب الأعيان وإحالتها وإحالة صفاتها.

      فإذا وجدت الحكمة المطلوبة من خلق هذه النفوس والحكمة المطلوبة من تعذيبها، فالله سبحانه قادر أن ينشئها نشأة أخرى غير تلك النشأة، ويرحمها في النشأة الثانية نوعاً آخر من الرحمة.

      الوجه التاسع عشر: وهو أنه قد ثبت أن الله سبحانه ينشيء للجنة خلقاً آخر، يسكنهم إياها، ولم يعملوا خيراً تكون الجنة جزاء لهم عليه، فإذا أخذ العذاب من هذه النفوس مأخذه وبلغت العقوبة مبلغها فانكسرت تلك النفوس وخضعت وذلت واعترفت لربها وفاطرها بالحمد، وأنه عدل فيها كل العدل، وأنها في هذه الحال كانت في تخفيف منه ولو شاء أن يكون عذابهم أشد من ذلك لفعل.

      وشاء كتب العقوبة طلباً لموافقة رضاه ومحبته وعلم أن العذاب أولى بها وأنه لا يليق بها سواه ولا تصلح إلا له فذابت منها تلك الخبائث كلها وتلاشت، وتبدلت بذل وانكسار وحمد وثناء على الرب تبارك وتعالى، ولم يكن في حكمته أن يستمر بها في العذاب بعد ذلك، إذ قد تبدل شرها بخيرها، وشركها بتوحيدها وكبرها بخضوعها وذلها.

      ولا ينتقص هذا بقوله عز وجل {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه} فإن هذا قبل مباشرة العذاب الذي يزيل تلك الخبائث، وإنما هو عند المعاينة قبل الدخول فإنه سبحانه قال {ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين، بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون} (الأنعام:27-28).

      فهذا إنما قالوه قبل أن يستخرج العذاب منهم تلك الخبائث، فأما إذا لبثوا في العذاب أحقاباً، والحقب كما رواه الطبراني في معجمه من حديث أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: [الحقب خمسون ألف سنة] فإنه من الممتنع أن يبقى ذلك الكبر والشرك والخبث بعد هذه المدد المتطاولة في العذاب.

      الوجه العشرون: أنه قد ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري في حديث الشفاعة [فيقول الله عز وجل شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوماً لم يعملوا خيراً قط قد عادوا حما فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة، يقال له نهر الحياة فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل.

      فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه].

      فهؤلاء أحرقتهم النار جميعهم فلم يبق في بدن أحدهم موضع لم تمسه النار، بحيث صاروا حما، وهو الفحم المحترق بالنار. وظاهر السياق أنه لم يكن في قلوبهم مثقال ذرة من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقاً كثيراً ثم يقولون ربنا لم نذر فيها خيراً، فيقول الله عز وجل: شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض الله قبضة من النار فيخرج منها قوماً لم يعملوا خيراً قط.

      فهذا السياق يدل على أن هؤلاء لم يكن في قلوبهم مثقال ذرة من خير، ومع هذا أخرجتهم الرحمة ومن هذا رحمته سبحانه للذي أوصى أهله أن يحرقوه بالنار ويذروه في البر والبحر زعماً منه بأنه يفوت الله سبحانه، بهذا قد شك في المعاد والقدرة ولم يعمل خيراً قط.

      ومع هذا فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: خشيتك وأنت أعلم، فما تلافاه أن رحمه الله فلله سبحانه في خلقه حكم لا تبلغه عقول البشر.

      وقد ثبت في حديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [يقول الله عز وجل: أخرجوا من النار من ذكرني يوماً أو خافني في مقام] قالوا: ومن ذا الذي في مدة عمره كلها من أولها إلى آخرها لم يذكر ربه يوماً واحداً ولا خافه ساعة واحدة، ولا ريب أن رحمته سبحانه إذا أخرجت من النار من ذكره وقتاً أو خافه في مقام ما، فغير بدع أن تفنى النار ولكن هؤلاء خرجوا منها وهي نار.

      الوجه الحادي والعشرون: إن اعتراف العبد بذنبه حقيقة الاعتراف المتضمن لنسبة السوء والظلم واللوم إليه من كل وجه ونسبة العدل والحمد والرحمة والكمال المطلق إلى ربه من كل وجه، ويستعطف ربه تبارك وتعالى عليه، ويستدعي رحمته له.

      وإذا أراد أن يرحم عبده ألقى ذلك في قلبه والرحمة معه، ولا سيما إذا اقترن بذلك جزم العبد على ترك المعاودة لما يسخط ربه عليه، وعلم الله أن ذلك داخل قلبه وسويدائه، فإنه لا تتخلف عنه الرحمة مع ذلك.

      وفي معجم الطبراني من حديث يزيد بن سنان الرهاوي عن سليمان بن عامر عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إن آخر رجل يدخل الجنة رجل يتقلب على الصراط ظهراً لبطن، كالغلام يضربه أبوه وهو يفر منه، يعجز عنه عمله أن يسعى فيقول: يا رب بلغ بي الجنة ونجني من النار، فيوحي الله تبارك وتعالى إليه: عبدي إن أنا نجيتك من النار وأدخلتك الجنة أتعترف لي بذنوبك وخطاياك؟ فيقول العبد: نعم يا رب، وعزتك وجلالك إن نجيتني من النار لأعترفن لك بذنوبي وخطاياي فيجوز الجسر، ويقول العبد فيما بينه وبين نفسه: لئن اعترفت له بذنوبي وخطاياي ليردني إلى النار، فيوحي الله إليه: عبدي اعترف لي بذنوبك وخطاياك أغفرها لك وأدخلك الجنة فيقول العبد: لا وعزتك وجلالك، ما أذنبت ذنباً قط ولا أخطأت خطيئة قط فيوحي الله إليه: عبدي إن لي عليك بينة، فيلتفت العبد يميناً وشمالاً فلا يرى أحداً، فيقول: يا رب أرني بينتك فيستنطق الله تعالى جلده بالمحقرات، فإذا رأى ذلك العبد فيقول: يا رب عندي وعزتك العظائم فيوحي الله إليه عبدي أنا أعرف بها منك اعترف لي بها أغفرها لك وأدخلك الجنة فيعترف العبد بذنوبه فيدخل الجنة]، ثم ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه يقول: [هذا أدنى أهل الجنة منزلة فكيف بالذي فوقه؟].

      فالرب تعالى يريد من عبده الاعتراف والانكسار بين يديه والخضوع والذلة له والعزم على مرضاته، فما دام أهل النار فاقدين لهذه الروح فهم فاقدون لروح الرحمة فإذا أراد عز وجل أن يرحمهم أو من يشاء منهم جعل في قلبه ذلك فتدركه الرحمة، وقدرة الرب تبارك وتعالى غير قاصرة على ذلك، وليس فيه ما يناقض موجب أسمائه وصفاته، وقد أخبر أنه فعال لما يريد.

      الوجه الثاني والعشرون: أنه سبحانه قد أوجب الخلود على معاصي من الكبائر وقيده بالتأييد ولم يناف ذلك انقطاعه وانتهاءه: فمنها: قوله تعالى: {ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً} (النساء:93).

      ومنها: قول النبي صلى الله عليه وسلم: [من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في نار جهنم خالداً فيها أبداً] وهو حديث صحيح.

      وكذلك قوله في الحديث الآخر في قاتل نفسه: [فيقول الله تبارك وتعالى بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة] وأبلغ من هذا قوله تعالى: {ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبداً} (الجن:23)، فهذا وعيد مقيد بالخلود والتأييد، مع انقطاعه قطعاً بسبب من العبد وهو التوحيد، فكذلك الوعيد العام لأهل النار لا يمتنع انقطاعه، بسبب ممن كتب على نفسه الرحمة وغلبت رحمته غضبه، فلو يعلم الكافر بكل ما عنده من الرحمة لما يئس من رحمته كما في صحيح البخاري عنه صلى الله عليه وسلم: [خلق الله الرحمة يوم خلقها مائة رحمة، وقال في آخره فلو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييأس من الجنة، ولو يعلم المسلم بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمن من النار].

      الوجه الثالث والعشرون: أنه لو جاء الخبر منه سبحانه صريحاً بأن عذاب النار لا انتهاء له، وأنه أبدي لا انقطاع له، لكان ذلك وعيداً منه سبحانه والله تعالى لا يخلف وعده، وأما الوعيد فمذهب أهل السنة كلهم أن أخلاقه كرم وعفو وتجاوز يمدح الرب تبارك وتعالى به ويثني عليه به فإنه حق له إن شاء تركه، وإن شاء استوفاه، والكريم لا يستوفي حقه فكيف بأكرم الأكرمين؟!

      وقد صرح سبحانه في كتابه في غير موضع بأنه لا يخلف وعده، ولم يقل في موضع واحد لا يخلف وعيده.

      وقد روى أبو يعلى الموصلي ثنا هديه بن خالد ثنا سهيل بن أبي حزم ثنا ثابت البناني عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [من وعده الله على عمل ثواباً فهو منجزه، ومن أوعده على عمل عقاباً فهو فيه بالخيار].

      وقال أبو الشيخ الأصبهاني حدثنا محمد بن حمزة حدثنا أحمد بن الخليل حدثنا الأصمعي قال: "جاء عمرو بن عبيد إلى أبي عمرو بن العلاء فقال: يا أبا عمرو يخلف الله ما وعده؟ قال: لا، قال: أفرأيت من أوعده الله على عمله عقاباً أيخلف الله وعده عليه؟ فقال أبو عمرو بن العلاء من العجمة أتيت يا أبا عثمان إن الوعد غير الوعيد إن العرب لا تعد عاراً ولا خلقاً أن تعد شراً، ثم لا تفعله ترى ذلك كرماً وفضلاً، وإنما الخلف أن تعد خيراً ثم لا تفعله، قال: فأوجدني هذا في كلام العرب، قال: نعم، أما سمعت إلى قول الأول:-

      ولا يرهب ابن العم ما عشت سطوتي ولا أختشي من صولة المتهدد

      وإني وإن أوعدتــه أو وعدتـــه لمخلف إيعادي ومنجز موعدي

      قال أبو الشيخ وقال يحيى بن معاذ: الوعد والوعيد حق، فالوعد حق العباد على الله ضمن لهم إذا فعلوه كذا أن يعطيهم وكذا، ومن أولى بالوفاء من الله، والوعيد حقه على العباد قال: لا تفعلوا كذا فأعذبكم، ففعلوا فإن شاء عفا، وإن شاء أخذ لأنه حقه وأولاهما بربنا تبارك وتعالى، العفو والكرم إنه غفور رحيم، ومما يدل على ذلك ويؤيده خبر كعب بن زهير حين أوعده رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:

      نبئت أن رسول الله أوعدني والعفو عند رسول الله مأمول

      فإذا كان هذا في وعيد مطلق، فكيف بوعيد مقرون، استثناء معقب بقوله {إن ربك فعال لما يريد} وهذا إخبار منه أن يفعل ما يريد عقيب قوله إلا ما شاء ربك فهو عائد إليه ولا بد، ولا يجوز أن يرجع إلى المستثنى منه وحده، إما أن يختص بالمستثنى أو يعود إليهما وغير خاف أن تعلقه بقوله {إلا ما شاء ربك} أو من تعلقه بقوله {خالدين فيها} وذلك ظاهر للمتأمل وهو الذي فهمه الصحابة، فقالوا: أتت هذه الآية على كل وعيد في القرآن، ولم يريدوا بذلك الاستثناء وحده، فإن الاستثناء مذكور في الأنعام أيضاً، وإنما أرادوا عقب الاستثناء بقوله {إن ربك فعال لما يريد} وهذا التعقيب نظير قوله في الأنعام {خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم} (الأنعام:128) فأخبر أن عذابهم في جميع الأوقات ورفعه عنهم في وقت يشاؤه صادر عن كمال علمه وحكمته لا عن مشيئة مجردة عن الحكمة والمصلحة والرحمة والعدل، وإذا يستحيل تجرد مشيئته عن ذلك.

      الوجه الرابع والعشرون: أن جانب الرحمة أغلب في هذه الدار الباطلة الفانية الزائلة عن قرب من جانب العقوبة والغضب ولولا ذلك لما عمرت ولا قام لها وجود، كما قال تعالى: {ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليهم من دابة} وقال {ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة} (النحل:61)، فلولا سعة رحمته ومغفرته وعفوه لما قام العالم، ومع هذا فالذي أظهره من الرحمة في هذه الدار، وأنزله بين الخلائق جزء من مائة جزء من الرحمة، فإذا كان جانب الرحمة قد غلب في هذه الدار ونالت البر والفاجر والمؤمن والكافر، مع قيام مقتضى العقوبة به ومباشرته له وتمكنه من إغضاب ربه والسعي في مساخطته، فكيف لا يغلب جانب الرحمة في دار تكون الرحمة فيها مضاعفة، على ما في هذه الدار تسعاً وتسعين ضعفاً، وقد أخذا العذاب من الكفار مأخذه، وانكسرت تلك النفوس وأنهكها العذاب، وأذاب منها خبثاً وشراً لم يكن يحول بينها وبين رحمته لها في الدنيا، بل كان يرحمها مع قيام مقتضى العقوبة والغضب بها فيكيف إذا زال مقتضى الغضب والعقوبة، وقوى جانب الرحمة أضعاف أضعاف الرحمة في هذه الدار واضمحل الشر والخبث الذي فيها فأذابته النار وأكلته.

      وسر الأمر أن أسماء الرحمة والإحسان أغلب وأظهر، وأكثر من أسماء الانتقام، وفعل الرحمة أكثر من فعل الانتقام وظهور آثار الرحمة أعظم من ظهور آثار الانتقام، والرحمة أحب إليه من الانتقام، وبالرحمة خلق خلقه ولها خلقهم، وهي التي سبقت غضبه وغلبته وكتبها على نفسه، ووسعت كل شيء، وما خلق بها فمطلوب لذاته، وما خلق بالغضب فمراد لغيره، كما تقدم تقرير ذلك والعقوبة تأديب وتطهير. والرحمة إحسان وكرم وجود والعقوبة مداواة، والرحمة عطاء وبذل.

      الوجه الخامس والعشرون: أنه سبحانه لا بد أن يظهر لخلقه جميعهم يوم القيامة صدقه وصدق رسله، وأن أعداءه كانوا هم الكاذبين المفترين، ويظهر لهم حكمه الذي هو أعدل حكم في أعدائه وأنه حكم فيها حكماً يحمدونه هم عليه فضلاً عن أوليائه وملائكته ورسله بحيث ينطق الكون كله بالحمد لله رب العالمين ولذلك قال تعالى: {وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين} (الزمر:75)، فحذف فاعل القول لإرادة الإطلاق وأن ذلك جار على لسان كل ناطق وقلبه. قال الحسن لقد دخلوا النار، وأن قلوبهم لممتلئة من حمده ما وجدوا عليه سبيلاً. وهذا هو الذي حسن حذف الفاعل من قوله {قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها} (الزمر:72) حتى كان الكون جميعه قائل ذلك لهم إذ هو حكمه العدل فيهم ومقتضى حكمته وحمده.

      وأما أهل الجنة فقال تعالى: {وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين} (الزمر:73) فهم لم يستحقوها بأعمالهم وإنما استحقوها بعفوه ورحمته وفضله، فإذا أشهد سبحانه ملائكته وخلقه كلهم حكمه العدل وحكمته الباهرة. ووضعه العقوبة حيث تشهد العقول والفطر والخليقة أنه أولى المواضع وأحقها بها، وأن ذلك من كمال حمده الذي هو مقتضى أسمائه وصفاته وأن هذه النفوس الخبيثة الظالمة الفاجرة، لا يليق بها غير ذلك ولا يحسن بها سواه بحيث تعترف هي من ذواتها بأنها أهل ذلك وأنها أولى به حصلت الحكمة التي لأجلها، وجد الشر وموجباته في هذه الدار وتلك الدار.

      وليس في الحكمة الإلهية أن الشرور تبقى دائماً لا نهاية لها ولا انقطاع أبداً، فتكون هي والخيرات في ذلك على حد سواء، فهذا نهاية أقدام الفريقين في هذه المسألة، ولعلك لا تظفر به في غير هذا الكتاب.

      فإن قيل: فإلى أين أنتهى قدمكم في هذه المسألة العظيمة الشأن، التي هي أكبر من الدنيا بأضعاف مضاعفة؟

      قيل: إلى قوله تبارك وتعالى: {إن ربك فعال لما يريد} (هود:107)، إلى هذا انتهى قدم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه فيها حيث ذكر دخول أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، وما يلقاه هؤلاء وهؤلاء، وقال: ثم يفعل الله بعد ذلك ما يشاء.

      بل وإلى ههنا انتهت أقدام الخلائق وما ذكرنا في هذه المسألة بل في الكتاب كله من صواب فمن الله سبحانه، وهو المعان به وما كان من خطأ فمني، ومن الشيطان والله ورسوله برئ منه، وهو عند لسان كل قائل وقلبه وقصده والله أعلم.

      انتهى.

      ولا أدري من التكفيري بيننا، نحن أم أنتم. ألستم من يكفر الناس بمطلق الذنوب؟ أليس حالق اللحية كافر عندكم مخلد في النار؟! وأليس جميع الفرق الإسلامية كفار عندكم؟

      من فتوى الفقية (!!) أحمد بن مداد هذا، نقلها عنه العالم (!!) مهنا بن خلفان بن محمد البوسعيدي في كتابه آنف الذكر "لباب الآثار" في الجزء الأول، صفحة [271] من طبعة وزارة التراث العمانية، كما نقلها عنه وأثبتها له العلامة (!!) سعيد بن بشير الصبحي في كتاب "الجامع الكبير" الجزء الأول منه، في صفحة [38] وهذا الكتاب طبعته وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان سنة 1407هـ – 1986م بتحقيق وتبويب العلامة (!!) سالم بن حمد الحارثي صاحب كتاب "العقود الفضية"الذي مر ذكره وقد أثنى هذا المحقق على مؤلف الكتاب سعيد بن بشير الصبحي ووصفه بأنه [من محققي العلماء، والجامعين بين المعقول والمنقول.. وكان مرجع أهل زمانه، فكم من سنة أحياها، وكم من بدعة أماتها، ومآثره ومفاخره لاتحصى..] [ ص5] من مطبوعة وزارة التراث العمانية.

      حيث يقول: "مسألة: عن الشيخ أحمد بن مداد: ما تقول في جميع أهل المذاهب سوى الإباضي؟ هل يجوز تخطـئـتـهم وتضليـلـهم؟ ويجوز أن يلعنوا ولا ينتقض وضوء من فعله واعتقده أم لا؟.

      قال: نعم جائز ذلك، ولا ينتقض وضوء من فعل ذلك، إذ هو قال الحق، والصواب والصدق، لأن جميع مخالفينا من المذاهب هم عندنا هالكون، محدثون في الدين مبتدعون، كافرون كفر نعمة، منافقون ظالمون، يشهد بذلك كتاب الله، وسنة رسوله محمد – صلى الله عليه وسلم – وإجماع المسلمين

      وندين لله تعالى ونعتقد أن دين الأباضي هو دين الله تعالى، ودين رسوله، وإن من خالف الدين الإباضي فهو في النار قطعاً، بذلك نشهد وندين لله تعالى، وإن من مات على الدين الأباضي فهو في الجنة قطعاً بذلك ندين، وأن من شك في الدين الأباضي وزعم أن الحق في غير الدين الأباضي فهو عندنا كافر كفر نعمة فاسق، منافق مبتدع، محدث في الدين.

      ولو حلف أحد بطلاق نسائه أن من مات على غير الدين الأباضي فهو في النار فلا طلاق عليه، وكذلك لا حنث لأنه حلف على يقين وعلم، وليس هذا غيباً. والله أعلم." انتهى.

      لماذا هذا التكفير؟!

      فأنتم الإباضية، لم تكفروا بمطلق الذنوب فحسب، بل إن التكفير قد طال المخالفين.

      أما أهل السنة والجماعة، لا يتحرجوا في مسألة التكفير. فمسلكهم في هذه المسألة وسط؛ بين المرجئة والخوارج. إذ هم لا يتسرعوا في إطلاق التكفير؛ فيكفروا بالكبيرة كالخوارج. ولا يمنعواالتكفير بالبتة؛ كالمرجئة. متخذين بذلك مسلك الوسط بين الفريقين، وهذا بفضل الله ومنته بأن هدانا لما اختلف فيه من الحق بإذنه. فإن الذي عليه أهل السنة والجماعة في إن للتكفير موانع أربعة، وهي: الجهل، والخطأ، والتأويل أو الشبهة، والإكراه. فمن وقع في كفر عملاً أو قولاً ثم أقيمت عليه الحجة وبين له أن هذا كفر يخرج من الملة فأصر على فعله طائعاً غير مكره، متعمداً غير مخطئ ولا متأول، فإن الكفر يقع عليه ولو كان الدافع لذلك الشهوة أو أي غرض دنيوي. وفي ذلك أسس أهل السنة والجماعة قاعدة عظيمة في مسألة التكفير وهي: "ليس كل من وقع في الكفر وقع الكفر عليه". وهذا ما عليه أهل الحق وعليه ظاهرين إلى قيام الساعة إن شاء الله.

      أما سبب تسميتنا بأهل السنة والجماعة، لإنتسابنا لسنة النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – واجماعنا على الأخذ بها ظاهراً وباطناً، في القول، والعمل والاعتقاد.

      انظر مباحث عقيدة أهل السنة، ص13-14

      أما ما جئت به، فهذه فرية تفتريها علينا. فأنا أطالبك بدليل صحيح متصل سنداً على لعن معاوية لعلي - رضي الله عنهما -. وحتى لو ثبت ذلك - ولن يثبت - فعلى الأقل اللعن أفضل من تكفير عثمان بن عفان وعليّ بن أبي طالب - رضي الله عنهما -.

      كتاب " السير والجوابات لعلماء وأئمة عمان " ، وهوعبارة عن مجموعة بحوث ورسائل علمية ، في أصول المذهب الإباضي ، طبعتها وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان في مجلدين ، أكثر من طبعة ، وقد اعتمدنا في تقريرنا هذا على الطبعة الثانية منه ، الصادرة سنة 1410 هـ الموافق 1989 م . وقد قدم للكتاب : سمو السيد / فيصل بن علي بن فيصل ، وزير التراث القومي والثقافة في سلطنة عمان ، فكان مما قال في كلمته : ( ونحن اليوم إذ نقدم للعالم تأريخنا الصحيح ، الذي دونه أبناء عمان أنفسهم من خلال السير و الجوابات ) وقال قبل ذلك : ( دون هذا التاريخ علماء وأئمة عمان من القرن الأول إلى القرن السادس الهجري ( السابع إلى الثاني عشر الميلادي ) وذكروا أنهم يريدون أن يفيد منها الأعقاب والذرية ، كما أفادوا هم من أسلافهم )ص 3 – 4 .

      أستعرض مع القارئ بعض النصوص من هذا الكتاب فيما يتعلق بموضوعنا عن أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – في العقيدة الإباضية ، ومن ثم فإني سوف أترك هذه النصوص للقارئ هكذا بدون تعليق ، وذلك أنها من الوضوح بمكان – فيما أحسب –

      جاء في الجزء الأول من هذا الكتاب ما يلي :

      ( ص 37 ) : من كتاب " الأحداث والصفات " لأبي المؤثر الصلت بن خميس قال :

      ( .. وقد عصى عثمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والله يقول : ( ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدا فيها أبدا ) فحق لإمام وجبت له النار أن لا يلي من أمور الناس شيئا ، وإن كابر عزل وقتل ) .

      ( ص 41 و 75 ) : ورد قول المؤلف المذكور آنفا ، أن المسلمين استتابوا الناس من ولاية عثمان مرتين ؛ أي حملوا الناس على البراءة منه ، واعتبار ولايته كبيرة من كبائر الذنوب ،تجب التوبة منها ، ويجب على الحاكم أن يستتيب الناس منها ، ويحملهم– ولو كرها – على تركها .

      ( ص 97 ) : في سيرة أبي قحطان خالد بن قحطان ، قال وهو يتكلم عن قتل الخوارج لأمير المؤمنين عثمان – رضي الله عنه - : ( .. فقتلوه خليعا من الإيمان ، خارجا منه بحكم القرآن ، لأن المسلمين إنما قتلوه بحكم كتاب الله ، لأن الله يقول : ( فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم ، لعلهم ينتهون ) ، فلما نكـث عثمان عن دينه ، وطعن في دين المسلمين ، قتلوه بكتاب الله ، كذلك كان في علم الله أنه يكون فكان )!!!

      ( ص 101 ) : في نفس السيرة لأبي قحطان ، قال : ( والمسلمون يبرؤون من الزبير .. ) أي ابن العوام – رضي الله عنه - ، ثم قال : ( .. فقتل طلحة معاندا للإسلام ) ويقصد طلحة ابن عبيد الله – رضي الله عنه - .

      :( ص 110 ) : في نفس السيرة لأبي قحطان ، قال : ( .. واستقام الأمر لمعاوية ، وظهرت دعوة أهل البغي ، وطفئت دعوة أهل الحق ، فلما خلص له المـلك ، قبض الله روحه منافقا لعينا . ) .

      : ( ص 126 ) : في نفس السيرة لأبي قحطان ، قال : ( ولو وسع المسلمون الوقوف عن أحد ممن يستوجب البراءة عندهم لأمسكوا عن أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأقاربه ، وصهرته ، ومن كانت له السابقة في الإسلام والفضل ،فلما خالفوا عن ذلك ، أنزلهم المسلمون حيث أنزلوا أنفسهم ، وخلعوهم على المنابر ، وبرؤوا منهم شاهرا ،ظاهرا ، ولم يكن في ذلك خفاء ولا استتار ، ولا تحكم ، فهم أعلم وأحكم منا ومنكم ، يطأ آخرهم أثر أولهم ، يدعون الناس إلى ذلك ، فلما وقعت بين أظهرهم ، في عصرهم ، أحداث مخالفة لكتاب الله ، وسنة نبيه – صلى الله عليه وسلم – لم يسعهم جهل كفر من أحدث ذلك ، لأن الولاية والبراءة فريضتان في كتاب الله ، فبرؤوا ممن خالف الحق ، ولو وسع المسلمون الولاية لمن شك ، لما وقعت الفتنة في أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فأمسك عن اتباع الحق ووقف ولم يقل شيئا ، لتولى المسلمون عبد الله بن عمر ، وسعد بن أبي وقاص ، ومحمد بن مسلمة ، لأنهم كان لهم فضل في دينهم فلم يتولهم المسلمون لما وقفوا ، ووقف عنهم من وقف من المسلمين ، وبرأ منهم من برئ ، وقولنا فيهم قول المسلمين ، والمسلمون يأتمون بالبراءة ممن ارتكب مالا يحل له وخالف أهل الحق في ذلك ، ولا يتولون من وقف عن البراءة ممن ارتكب ذلك ، ولنا ولكم في آثار السلف الصالح هدى وبيان .

      فافهموا ما كتبنا لكم ترشدوا وتسعدوا ، فقد كتبنا على أنفسنا وعليكم حجة ، ولم نكتب إلا ما نعرف من الآثار الواضحة الشاهرة ) أ. هـ .

      : ( ص 200 ) : من سيرة لبعض فقهاء المسلمين ، كتبها نصيحة إلى الصلت ابن مالك ، ولمن وصل إليه هذا الكتاب من المسلمين من أهل عمان ، قال - وهو يتكلم عن علي بن أبي طالب – رضي الله عنه - : ( .. واستحل قتل المسلمين لخروجهم عليه ، فبرئ منه المسلمون ..) .

      : ( ص 373 ) : من سـيرة السؤال في الولاية والبراءة لبعض فقهاء المسلمين ، قال :

      ( بسم الله الرحمن الرحيم ، قد اجتمعت كلمة أهل عمان ، بحمد الله ومنه ، على أمر واحد ، ودين قيم ..) إلى أن قال : ( فإن قال : فما قولكم في عثمان بن عفان ؟

      قلنا له : هو في منزلة البراءة عند المسلمين . فإن قال : فمن أين وجبت البراءة من عثمان بن عفان ، وقد تقدمت ولايته ، وصحت عقدة إمامته ، مع فضائله المعروفة في الإسلام … قلنا : الولايـة والبراءة هما فرضان في كتاب الله ، لا عذر للعباد في جهلهما …) ثم قال : ( فإن قالوا : فما تقولون في علي بن أبي طالب ؟ ، قلنا له : إن علي بن أبي طالب مع المسلمين في منزلة البراءة … فإن قالوا : فما تقولون في طلحة بن عبيد الله ، والزبير بن العوام ؟ ، قلنا : إنهما عنـد المسلمين في منزلة البراءة … فإن قال : فما تقولون في الحسن والحسين ابني علي ؟ ، قلنا له : هما في منزلة البراءة ، فإن قال : من أين أوجبتم عليهما البراءة وهما ابنا فاطمة ابنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ؟ قلنا له : أوجبنا عليهما البراءة بتسليمهما الإمامة لمعاوية بن أبي سفيان ، وليس قرابتهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم تغني عنهما من الله فإن قال : فمعاوية بن أبي سفيان في أي منزلة عندكم ؟ ، قلنا له : في منزلة البراءة … فإن قالوا : فما تقولون في أبي موسى الأشعري ، وعمرو بن العاص ؟ ، قلنا : هما عند المسلمين في منزلة البراءة … فإن قال قائل : من أين قلتم أنكم أولى بالحق من غيركم ، وما أنكرتم أن يكون المخطئون ، وغيركم المصيب للحق دوننا ؟ قلنا له : زعمنا ذلك ، وقلنا وأنكرنا أن يكون الحق في غيرنا دوننا …وأيضا فإنا وجدنا أئمة المسلمين الذين هم الحجة لرب العالمين على المستعدين ، قد أجمعوا على البراءة من هؤلاء الذين ذكرناهم بالبراءة ، وإجماعهم حجة لنا ، وعلينا التسليم لهم ، والاتباع فيما دانوا به ، إذ كانوا هم الحجة البالغة ، لأن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : ( أمــتي لا تجتمع على خطأ ) معنى قوله ( أمتي ) : هم الذين اتبعوه ، وسلكوا سبيله ، ولم يخالفوه ، وليس أمته كل من صلى وصام ، وأقر بالإسلام ) أ.هـ وهو يريد أن يقول إن أمته – عليه الصلاة والسلام – هم الإباضية – خصوصا – والخوارج – عموما - ، إنها براءة بالجملة !! وإلى الله المشتكى !!

      وهذا النص المذكور أعلاه الذي أورده صاحب كتاب " السير والجوابات لعلماء وأئمة عمان " (1 /373 ) أورده – أيضا – مقررا له ، جميل بن خميس السعدي في كتاب " قاموس الشريعة " ( 1/ 297 – 302 ) وسيأتي – بعد حين - التعريف بالكتاب ومـؤلفه ، ولا عجب من ذلك فهي عقيدة إباضية يقررها اللاحق بذات ألفاظ السابق ، ويورثها الأجداد للأحفاد ، والله المستعان !! .

      جاء في الجزء الثاني من هذا الكتاب المسمى بـ :" السير والجوابات لعلماء وأئمة عمان " الذي سبق التعريف به ما يلي :

      : ( ص 300 – 315 ) : في ذكر الاختلاف في أصحاب النبي – عليه الصلاة والسلام - : قال ( .. فاستخلف ستة رهـط ، عثمان بن عفان ، وعلي بن أبي طالب ، وطلحة ، والزبير ، وسعد ، وعبد الرحمن ، فولوا أمرهم عبد الرحمن بن عوف ، واختار أفضلهم يومئذ ، عثمان بن عفان ، فبايعوه وبايعه أهل الشورى وسائر المسلمين ، فسار بالعدل ست سنين ، وهو في ذلك مقصر عن سيرة عمر ، ثم أحدث في الست الأواخر أحداثا كفر بها ، من تعطيل الحدود ، و… فسار إليه المسلمون ، واستـتابوه ، فأعطاهم الرضى ، ثم رجع فنكث توبته ، ورجع إلى جوره ، وأصر على ظلمه ، فسألوه أن يعتزل أو يعدل ، فأبى ، فقتلوه ، وبايع المسلمون بعده عليا على طاعة الله ، وقتال من طلب بدم عثمان ، فنكث طلحة والزبير بيعة علي ، وخرجا بعائشة إلى البصرة … ثم سار إليهم علي بالمسلمين من المدينة ، فدعاهما إلى التوبة والرجوع فأبيا ، فقاتلهما ومن معه ، فهرب الزبير وثبت طلحة فقتل في المعركة ، وقتل الزبير فارا ، فبرئ المسلمون منهما ، واستتابوا عائشة فتابت من ذلك ، واستتاب المسلمون الناس من ولاية عثمان وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام… )

      ( .. وأنكر ذلك المسلمون ، وقالوا لعلي : لا يحل لنا أن نكف عن قتال معاوية ومن معه ، حتى يفيئوا إلى أمر الله ، أو تفنى أرواحهم . فأعطاهم التوبة ، ثم رجع فنكث ، ودعا إلى تمام الحكومة ، ففارقه المسلمون ، وبرئوا منه ، واعتزلوه ، وبايعوا عبدالله بن وهب الراسبي … )

      : ( [ط] :ذكر أصحاب من يبرأ من من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وغيرهم من الرجال المسلمين :..) قال : ( ومن دين المسلمين البراءة من عثمان بن عفان ، بما ذكرنا من … والبراءة من طلحة بن عبيد الله ، والزبير بن العوام … والبراءة من علي بن أبي طالب … والبراءة من معاوية بن أبي سفيان … والبراءة من عمرو بن العاص … والبراءة من عبد الله بن قيس أبي موسى الأشعري… وأما محمد بن سلمة ، وعبدالله بن عمر ، وسعد بن أبي وقاص فمن المسلمين من وقف عنهم ، وقالـوا : قد تركوا الحرب ، فالله أعلم لما كان تركهم لها ، وبرئ منهم بعض المسلمين ، وقالوا : إنهم شكوا في قتال الفئة الباغية وفي قتال الجبابرة ، ولا يتولاهم أحد من المسلمين ، ومن وقف عنهم من المسلمين تولوا من برئ منهم ، ومن تولاهم فلا ولاية له مع المسلمين .

      والحسن بن أبي الحسن ( البصري ) من المسلمين من وقف عنه ، ومنهم من برئ منه على الشك في قتال الجبابرة ، والذين وقفوا عنه يتولون من برئ منه ، ومن تولاه فلا ولاية له مع المسلمين .

      وعمر بن عبد العزيز من المسلمين من وقف عنه حيث أعطاهم الرضىمن نفسه ، واعتذر بخوف بني أمية ، ومنهم من لم ير له عذرا في التقية ، ورأوا أنه لا بد أن يظهر عذر المسلمين ، ولا يحل له مقاررة من يكفر المسلمين وهو إمام ، وبرؤوا منه على ذلك ، ومن وقف عنه من المسلمين ، يتولون من برئ منه من المسلمين ، ومن تولاه فلا ولاية له مع المسلمين ) أ.هـ .

      أنظر: 240l.com/~alabadya/vbulletin2-…thread.php?s=&threadid=20

      فعقيدة الأئمة الأربعة توافق العقيدة السلفية في الأسماء والصفات.

      عقيدة الإمام أبو حنيفة - رضي الله عنه - في التوحيد:

      1) قال الإمام أبو حنيفة: لا يوصف الله تعالى بصفات المخلوقين، وغضبه ورضاه صفتان من صفاته بلا كيف، وهو قول أهل السنة والجماعة، وهو يغضب ويرضى ولا يقال: غضبه عقوبته، ورضاه ثوابه. ونصفه كما وصف نفسه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، حي قادر سميع بصير عالم، يد الله فوق أيديهم، ليست كأيدي خلقه، ووجهه ليس كوجوه خلقه. [الفقه الأبسط ص56]

      2) قال الإمام أبو حنيفة: وله يد ووجه ونفس كما ذكره الله تعالى في القرآن، فما ذكره الله تعالى في القرآن، من ذكر الوجه واليد والنفس فهو له صفات بلا كيف، ولا يقال: إن يده قدرته أو نعمته؛ لأن فيه إبطالَ الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال… [الفقه الأكبر ص302]

      3) قال البزدوي: العلم نوعان علم التوحيد والصفات، وعلم الشرائع والأحكام. والأصل في النوع الأول هو التمسُّك بالكتاب والسُّنة ومجانبة الهوى والبدعة ولزوم طريق السنُّة والجماعة، وهو الذي عليه أدركنا مشايخنا وكان على ذلك سلفنا أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وعامة أصحابهم. وقد صنف أبو حنيفة - رضي الله عنه - في ذلك كتاب الفقه الأكبر، وذكر فيه إثبات الصفات وإثبات تقدير الخير والشر من الله. [أصول البزدوي ص3، كشف الأسرار هن أصول البزدوي ج1 ص7، 8]

      4) قال الإمام أبو حنيفة: لا ينبغي لأحد أن ينطق في ذات الله بشيء، بل يصفه بما وصف به نفسه، ولا يقول فيه برأيه شيئاً تبارك الله تعالى ربّ العالمين. [شرح العقيدة الطحاوية ج2 ص427 تحقيق د. التركي وجلاء العينين ص368]

      5) سئل الإمام أبو حنيفة عن النزول الإلهي، فقال: ينزل بلا كيف. [عقيدة السلف أصحاب الحديث ص42، الأسماء والصفات للبيهقي ص456، وسكت عليه الكوثري، شرح الطحاوية ص245، شرح الفقه الأكبر للقاري ص60]

      6) قال الملاَّ علي القاري بعد ذكره قول الإمام مالك: "الاستواء معلوم والكيف مجهول…": اختاره إمامنا الأعظم – أي أبو حنيفة – وكذا كل ما ورد من الآيات والأحاديث المتشابهات من ذكر اليد والعين والوجه ونحوها من الصفات. فمعاني الصفات كلها معلومة وأما كيفيتها فغير معقولة؛ إذْ تَعقُّل الكيف فرع العلم لكيفية الذات وكنهها. فإذا كان ذلك غير معلوم؛ فكيف يعقل لهم كيفية الصفات. والعصمة النَّافعة من هذا الباب أن يصف الله بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل يثبت له الأسماء والصفات وينفي عنه مشابهة المخلوقات، فيكون إثباتك منزهاً عن التشبيه، ونفيك منزَّهاً عن التعطيل. فمن نفى حقيقة الاستواء فهو معطل ومن شبَّهه باستواء المخلوقات على المخلوق فهو مشبِّه، ومن قال استواء ليس كمثله شيء فهو الموحِّد المنزه. [مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ج8 ص251]

      7) قال الإمام أبو حنيفة: ولا يقال إن يده قدرته أو نعمته لأنَّ فيه إبطال صفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال. [الفقه الأكبر ص302]

      8) قال الألوسي الحنفيُّ: أنت تعلم أن طريقة كثير من العلماء الأعلام وأساطين الإسلام الإمساك عن التأويل مطلقاً مع نفي التَّشبيه والتجسيم. منهم الإمام أبو حنيفة، والإمام مالك، والإمام أحمد، والإمام الشافعيَّ، ومحمد بن الحسن، وسعد بن معاذ المروزيُّ، وعبد الله بن المبارك، وأبو معاذ خالد بن سليمان صاحب سفيان الثوري، وإسحاق بن راهُويه، ومحمد بن إسماعيل البخاري، والترمذي، وأبو داود السجستاني.. [روح المعاني ج6 ص156]

      9) قال الإمام أبو حنيفة: ولا يشبه شيئاً من الأشياء من خلقه، ولا يشبهه شيء من خلقه، لم يزل ولا يزال بأسمائه وصفاته... [الفقه الأكبر ص301]

      10) قال الإمام أبو حنيفة: وصفاته بخلاف صفات المخلوقين يعلم لا كعلمنا، ويقدر لا كقدرتنا، ويرى لا كرؤيتنا، ويسمع لا كسمعنا، ويتكلَّم لا ككلامنا... [الفقه الأكبر ص302]

      11) قال الإمام أبو حنيفة: لا يوصف الله تعالى بصفات المخلوقين. [الفقه الأبسط ص56]

      12) قال الإمام أبو حنيفة: وصفاته الذاتية والفعلية: أما الذاتية فالحياة والقدرة والعلم والكلام والسمع والبصر والإرادة، وأما الفعلية فالتخليق والترزيق والإنشاء والإبداع والصنع وغير ذلك من صفات الفعل لم يزل ولا يزال بأسمائه وصفاته. [الفقه الأكبر ص301]

      13) قال الإمام أبو حنيفة: ولم يزل فاعلاً بفعله، والفعل صفة في الأزل، والفاعل هو الله تعالى، والفعل صفة في الأزل والمفعول مخلوق وفعل الله تعالى غير مخلوق. [الفقه الأكبر ص301]

      14) قال الإمام أبو حنيفة: من قال لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض فقد كفر، وكذا من قال إنه على العرش، ولا أدري العرش أفي السماء أم في الأرض. [الفقه الأبسط ص49، مجموع الفتاوى لابن تيمية ج5 ص48، اجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم ص139، العلو للذهبي ص101، 102، العلو لابن قدامة ص116، شرح الطحاوية لابن أبي العز ص301]

      15) قال الإمام أبو حنيفة للمرأة التي سألته أين إلهك الذي تعبده؟ قال: إن الله سبحانه وتعالى في السماء دون الأرض، فقال رجل: أرأيت قول الله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ} [سورة الحديد: الآية 4] قال: هو كما تكتب للرجل إني معك وأنت غائب عنه. [الأسماء والصفات ص429]

      16) قال الإمام أبو حنيفة: والقرآن غير مخلوق. [الفقه الأكبر ص301]

      17) قال الإمام أبو حنيفة: ونقر بأن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق. [الجواهر المنفية في شرح وصية الإمام ص10]

      18) قال الإمام أبو حنيفة: ونقر بأن الله تعالى على العرش استوى من غير أن يكون له حاجة. [شرح الوصية ص10]

      عقيدة الإمام مالك بن أنس - رضي الله عنه - في التوحيد:

      1) سئل مالك عن الكلام والتوحيد؛ فقال مالك: محال أن يُظنَّ بالنبي - صلى الله عليه وسلم - أنه علَّم أمَّته الاستنجاء، ولم يعلمهم التوحيد، والتوحيد ما قاله النبي - صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله. فما عُصم به المال والدم حقيقة التوحيد. [ذم الكلام ق - 210]

      2) عن وليد بن مسلم قال: سألت مالكاً، والثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد عن الأخبار في الصفات؛ فقالوا أمِرّوها كما جاءت. [الصفات للدارقطني ص75، الشريعة للآجري ص314، الأعتقاد للبيهقي ص118، التمهيد لابن عبد البر ج7 ص149]

      3) قال ابن عبد البر: سئل مالك أيُرى الله يوم القيامة؟ فقال: نعم يقول الله عزَّ وجلَّ: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ {22} إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [سورة القيامة: الآيتان 22، 23] وقال لقوم آخرين: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} [سورة المطففين: الآية 15]. [الانتقاء ص36]

      4) عن ابن نافع، وأشهب، وأحدهما قال: يزيد على الآخر: يا أبا عبد الله: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ {22} إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [سورة القيامة: الآيتان 22، 23]، ينظرون إلى الله؟ قال: نعم بأعينهم هاتين؛ فقلت له: فإن قوماً يقولون: لا ينظر إلى الله، إنَّ {نَاظِرَةٌ} بمعنى منتظرة الثواب. قال: كذبوا بل ينظر إلى الله أما سمعت قول موسى عليه السلام: {رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ} [سورة الأعراف: الآية 143] أفترى موسى سأل ربه محالاً؟ فقال الله: {لَن تَرَانِي} [سورة الأعراف: الآية 143] أي في الدنيا لأنها دار فناء ولا ينظر ما يبقى بما يفنى فإذا صاروا إلى دار البقاء نظروا بما يبقى إلى ما يبقى وقال الله: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} [سورة المطففين: الآية 15]. [ترتيب المدارك للقاضي عياض ج2 ص42]

      5) عن جعفر بن عبد الله قال: كنا عند مالك بن أنس فجاءه رجل فقال: يا أبا عبد الله، {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [سورة طه: الآية 5] كيف استوى؟ فما وجد - جاء في لسان العرب ج3 ص446: وجد عليه في الغضب يُجِدُ وجداً ومَوْجِدَة ووجداناً غضب، وفي حديث الإيمان، إني سائلك فلا تجد عليَّ أي لا تغضب من سؤالي - مالك من شيء ما وجد من مسألته، فنظر إلى الأرض، وجعل ينكت بعودٍ في يده علاه الرحضاء - يعني العرق - ثم رفع رأسه ورمى بالعود، وقال: الكيف منه غير معقول، والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وأظنك صاحب بدعة وأمر به فأخرج. [الحلية لابي نعيم ج6 ص325، عقيدة السلف أصحاب الحديث للصابوني ص17-18، التمهيد ج7 ص151، الأسماء والصفات للبيهقي ص407، قال الحافظ ابن حجر في الفتح ج13 ص406، 407: إسناده جيد. وصححه الذهبي في العلو ص103]

      6) عن يحيى بن الربيع قال: كنت عند مالك ابن أنس، ودخل عليه رجل فقال: يا أبا عبد الله، ما تقول فيمن يقول القرآن مخلوق؟ فقال مالك: زنديق فاقتلوه. فقال: يا أبا عبد الله، إنما أحكي كلاماً سمعته. فقال: لم أسمعه من أحد، إنما سمعته منك، وعظَّم هذا القول. [الحلية لابي نعيم ج6 ص325، شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي ج1 ص249، ترتيب المدارك للقاضي عياض ج2 ص44]

      7) عن عبد الله بن نافع قال: كان مالك بن أنس يقول: من قال القرآن مخلوق، يوجع ضرباً، ويحبس حتى يتوب. [الانتقاء ص35]

      8) عن عبد الله بن نافع قال: قال مالك: الله في السماء، وعلمه في كل مكان. [مسائل الإمام أحمد لأبي داود ص263، السنة لعبد الله بن أحمد ص11 (الطبعة القديمة)، التمهيد لابن عبد البر ج7 ص138]

      عقيدة الإمام ابن إدريس الشافعي - رضي الله عنه - في التوحيد:

      1) عن الربيع بن سليمان قال: قال الشافعي: من حلف باللهِ، أو باسم من أسمائه، فحنث؛ فعليه الكفارة. ومن حلف بشيء غير اللهِ، مثل أن يقول الرجل: والكعبة، وأبي، وكذا وكذا ما كان، فحنث؛ فلا كفارة عليه. ومثل ذلك قوله: لعمري.. لا كفارة عليه. ويمين بغير اللهِ فهي مكروهة، منهي عنها من قبل قول الرسول - صلى الله عليه وسلم: إن اللهَ عزَّ وجلَّ نهاكم أن تحلِفوا بأبائكم، فمن كان حالفاً فليحلِف بالله أو ليسكت. [مناقب الشافعي ج1 ص405] وعلل الشافعي ذلك بأن أسماء اللهِ غير مخلوقة؛ فمن حلف باسم اللهِ، فحنث؛ فعليه الكفارة. [آداب الشافعي لابن أبي حاتم ص193، الحلية لابي نعيم ج9 ص112، السنن الكبرى للبيهقي ج10 ص28، الأسماء والصفات للبيهقي ص255، 256، شرح السنة للبغوي ج1 ص188، والعلو للذهبي ص121، ومختصره للألباني ص77]

      2) عن الشافعي أنه قال: القول في السنة التي أنا عليها، ورأيت أصحابنا عليها، أهل الحديث الذين رأيتهم، وأخذت عنهم مثل سفيان، ومالك، وغيرهما: الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن اللهَ تعالى على عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف شاء، وأن الله تعالى ينزل إلى سماء الدنيا كيف شاء. [اجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم ص165، إثبات صفة العلو ص124، مجموع الفتاوى ج4 ص181-183، والعلو للذهبي ص120، ومختصره للألباني ص176]

      3) عن المزني قال: قلت إن كان أحد يخرج ما في ضميري، وما تعلَّق به خاطري من أمر التوحيد؛ فالشافعي، فصرت إليه وهو في مسجد مصر، فلما جثوت بين يديه، قلت: هجس في ضميري مسألة في التوحيد، فعلمت أن أحداً لا يعلم علمك، فما الذي عندك؟ فغضب ثم قال: أتدري أين أنت؟ قلت: نعم. قال: هذا الموضع الذي أغرق اللهُ فيه فرعون، أبلغك أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أمر بالسؤال عن ذلك؟ قلت: لا، قال: هل تكلم فيه الصحابة؟ قلت: لا، قال: أتدري كم نجماً في السماء؟ قلت: لا، قال: فكوكب منها تعرف جنسه، طلوعه، أفوله، ممَّ خُلِق؟ قلت: لا، قال: فشيءٌ تراه بعينك من الخلق لست تعرفه تتكلم في علم خالقه؟ ثم سألني عن مسألة في الوضوء فأخطأت فيها، ففرَّعها على أربعة أوجهٍ، فلم أصب في شيء منه، فقال: شيءٌ تحتاج إليه في اليوم خمس مرات؛ تدع عِلْمَهُ وتتكلف علم الخالق إذا هجس في ضميرك ذلك. فارجع إلى قول اللهِ تعالى: {وَإِلَـهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ {163} إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ} [سورة البقرة: الآيتان 163، 164] فاستدل بالمخلوق على الخالق، ولا تتكلف على ما لم يبلغه عقلك. [سير أعلام النبلاء ج10 ص31]

      4) عن يونس بن عبد الأعلى، قال: سمعت الشافعي يقول: إذا سمعت الرجل يقول الاسم غير المُسمى، أو الشيء غير الشيء، فاشهد عليه بالزندقة. [الانتقاء ص79، مجموع الفتاوى ج6 ص187]

      5) قال الشافعي في كتابه الرسالة: والحمد لله... الذي هو كما وصف به نفسه، وفوق ما يصفه به خلقه. [الرسالة ص7، 8]

      6) عن الشافعي أنه قال: نثبت هذه الصفات التي جاء بها القرآن، ووردت بها السنة، وننفي التشبيه عنه، كما نفى عن نفسه، فقال: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [سورة الشورى: الآية 11] [السير للذهبي ج20 ص341]

      7) عن الربيع بن سليمان قال: سمعت الشافعي يقول في قول الله عزَّ وجلَّ: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} [سورة المطففين: الآية 15] أعلمنا بذلك أن ثم قوماً غير محجوبين، ينظرون إليه، لا يضامون في رؤيته. [الانتقاء ص79]

      8) عن الربيع بن سليمان قال: حضرت محمد ابن إدريس الشافعي، جاءته رقعة من الصعيد فيها: ما تقول في قوله تعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} [سورة المطففين: الآية 15] قال الشافعي: فلما حجبوا هؤلاء في السخط؛ كان هذا دليلاً على أنه يرونه في الرضا. قال الربيع: قلت يا أبا عبد الله وبه تقول؟ قال: نعم به أدين اللهَ. [شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي ج2 ص506]

      9) عن الجارودي قال: ذُكر عند الشافعي، إبراهيم بن إسماعيل بن عُلَيَّة [قال عنه الذهبي: جهمي هالك كان يناظر ويقول بخلق القرآن. ميزان الاعتدال ج1 ص20، وانظر ترجمته في لسان الميزان ج1 ص34، 35] فقال: أنا مخالف له في كل شيء، وفي قوله لا إله إلا الله، لست أقول كما يقول. أنا أقول: لا إله إلا الله الذي كلَّم موسى عليه السلام تكليماً من وراء حجاب، وذاك يقول لا إله إلا اللهُ الذي خلق كلاماً أسمعه موسى من وراء حجاب. [الانتقاء ص79، والقصة ذكرها الحافظ عن مناقب الشافعي للبيهقي، اللسان ج1 ص35]

      10) عن الربيع بن سليمان، قال الشافعي: من قال القرآن مخلوق؛ فهو كافر. [شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي ج1 ص252]

      11) عن أبي محمد الزبيري قال: قال رجل للشافعي، أخبرني عن القرآن خالق هو؟ قال الشافعي: اللهم لا، قال: فمخلوق؟ قال الشافعي: اللهم لا. قال: فغير مخلوق؟ قال الشافعي: اللهم نعم، قال: فما الدليل على أنه غير مخلوق؟ فرفع الشافعي رأسه وقال: تقر بأن القرآن كلام الله؟ قال: نعم. قال الشافعي: سبقت في هذه الكلمة، قال الله تعالى ذكره: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ} [سورة التوبة: الآية 6] {وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيماً} [سورة النساء: الآية 164] قال الشافعي: فتقر بأن الله كان، وكان كلامه؟ أو كان الله، ولم يكن كلامه؟ فقال الرجل: بل كان الله، وكان كلامه. قال: فتبسم الشافعي وقال: يا كوفيون إنكم لتأتوني بعظيم من القول إذا كنتم تقرُّون بأن الله كان قبل القبل، وكان كلامه. فمن أين لكم الكلام: إن الكلام اللهُ، أو سوى اللهِ، أو غير اللهِ، أو دون اللهِ؟ قال: فسكت الرجل وخرج. [مناقب الشافعي ج1 ص407، 408]

      12) وفي جزء الاعتقاد المنسوب للشافعي - من رواية أبي طالب العُشاري - ما نصه قال: وقد سئل عن صفات الله عزَّ وجلَّ، وما ينبغي أن يؤمن به، فقال: للهِ تبارك وتعالى أسماء وصفات، جاء بها كتابه وخبَّر بها نبيه - صلى الله عليه وسلم - أمته، لا يسع أحداً من خلق الله عزَّ وجلَّ قامت لديه الحجَّة أن القرآن نزل به، وصحَّ عنده قول النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما روى عنه، العدل خلافه، فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجَّة عليه، فهو كافر بالله عزَّ وجلَّ. فأما قبل ثبوت الحجة عليه من جهة الخبر؛ فمعذور بالجهل؛ لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل، ولا بالدراية والفكر. ونحو ذلك إخبار الله عزَّ وجلَّ أنه سميع وأن لد يدين بقوله عزَّ وجلَّ: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [سورة المائدة: الآية 64] وأن له يميناً بقوله عزَّ وجلَّ: {وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [سورة الزمر: الآية 67] وأن له وجهاً بقوله عزَّ وجلَّ: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [سورة القصص: الآية 88] وقوله: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [سورة الرحمن: الآية 27] وأن له قدماً بقوله - صلى الله عليه وسلم: "حتى يضع الرب عزَّ وجلَّ فيها قدَمه." يعني جهنم؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - للذي قُتِل في سبيل الله عزَّ وجلَّ أنه: "لقي الله عزَّ وجلَّ وهو يضحك إليه." وأنه يهبط كل ليلة إلى السماء الدنيا، بخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك، وأنه ليس بأعور لقوله النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ ذكر الدجال فقال: "إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور"، وأن المؤمنين يرون ربهم عزَّ وجلَّ يوم القيامة بأبصارهم كما يرون القمر ليلة البدر، وأن له إصبعاً بقوله - صلى الله عليه وسلم: "ما من قلب إلاَّ هو بين إصبعين من أصابع الرحمن عزَّ وجلَّ" وإن هذه المعاني التي وصف الله عزَّ وجلَّ بها نفسه، ووصفه بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا تُدرَك حقيقتها تلك بالفكر والدراية، ولا يكفر بجهلها أحد إلا بعد انتهاء الخبر إليه به، وإن كان الوارد بذلك خبراً يقول في الفهم مقام المشاهدة في السَّماع؛ وجبت الدينونة على سامعه بحقيقته والشهادة عليه، كما عاين وسمع من رسول الله - صلى الله عليه وسلم، ولكن نثبت هذه الصفات، وننفي التشبيه كما نفى ذلك عن نفسه تعالى ذكره فقال: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [سورة الشورى: الآية 11]... آخر الاعتقاد. [ذم التأويل لابن قدامة ص124، الطبقات لابن أبي يعلى ج1 ص283، اجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم ص165، السير للذهبي ج10 ص79]

      عقيدة الإمام أحمد بن حنبل - رضي الله عنه - في التوحيد:

      1) إن الإمام أحمد سئل عن التوكل، فقال: قطع الاستشراف بالإياس من الخلق. [طبقات الحنابلة ج1 ص416]

      2) قال الإمام أحمد: لم يزل الله عزَّ وجلَّ متكلماً، والقرآن كلام الله عزَّ وجلَّ، غير مخلوق، وعلى كل جهة، ولا يوصف الله بشيءٍ أكثر مما وصف به نفسه، عزَّ وجلَّ. [كتاب المحنة لحنبل ص68]

      3) عن أبي بكر المروذي قال: سألت أحمد بن حنبل عن الأحاديث التي تردها الجهمية في الصفات والرؤية والإسراء وقصة العرش فصححها، وقال: تلقتها الأمة بالقبول وتمر الأخبار كما جاءت. [مناقب الشافعي لابن أبي حاتم ص182]

      4) قال عبد الله بن أحمد: إن أحمد قال: من زعم أن الله لا يتكلم فهو كافر، إلاَّ أننا نروي هذه الأحاديث كما جاءت. [طبقات الحنابلة ج1 ص56]

      5) عن حنبل أنه سأل الإمام أحمد عن الرؤية فقال: أحاديث صحاح، نؤمن بها، ونقر، وكل ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بأسانيد جيدة نؤمن به ونقر. [شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي ج2 ص507، السنة ص71]

      6) أورد ابن الجوزي في المناقب كتاب أحمد بن حنبل لمسدَّد وفيه: صفوا الله بما وصف به نفسه، وانفُوا عن الله ما نفاه عن نفسه... [سير أعلام النبلاء ج10 ص591، تهذيب التهذيب ج10 ص107]

      7) قال الإمام أحمد: وزعم - جهم بن صفوان - أن من وصف الله بشيءٍ مما وصف به نفسه في كتابه، أو حدَّث عنه رسوله كان كافراً وكان من المشبِّهة. [مناقب الإمام أحمد ص221]

      8) قال الإمام أحمد: نحن نؤمن بأن الله على العرش، كيف شاء، وكما شاء، بلا حد، ولا صفة يبلغها واصف أو يحده أحد؛ فصفات اللهِ منه وله، وهو كما وصف نفسه، لا تدركه الأبصار. [درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ج2 ص30]

      9) قال الإمام أحمد: من زعم أن اللهَ لا يُرى في الآخرة فهو كافر مكذب بالقرآن. [طبقات الحنابلة ج1 ص59، 145]

      10) عن عبد الله بن أحمد، قال: سألت أبي عن قوم يقولون: لما كلم اللهُ موسى، لم يتكلم بصوت فقال أبي: تكلم اللهُ بصوت، وهذه الأحاديث نرويها كما جاءت. [طبقات الحنابلة ج1 ص185]

      11) عن عبدوس بن مالك العطار، قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: ... والقرآن كلام اللهِ، وليس بمخلوق، ولا تضعف أن تقول ليس بمخلوق؛ فإن كلام اللهِ منه، وليس منه شيء مخلوق. [شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي ج1 ص157]

      ثم، أراك تكرر لي ما نقلته عن سعيد بن مبروك، وقد رددنا عليه أعلاه، ولكنك من الواضح لا تقرأ يا صاحب البدعة الحسنة".

      أما بخصوص أحاديث الآحاد، فما جئت به مغلوط وخطأ.

      فقد أجمع الصحابة رضي الله عنهم والتابعون لهم بإحسان , على قبول أخبار الآحاد سواء كان ذلك في الأصول – أي المسائل الاعتقادية - أم الفروع ولم يخالف منهم أحد (حكى الإجماع الإمام بان عبد البر في مقدمة كتابه التمهيد )

      قال شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية الحراني الحنبلي رحمة الله رحمة واسعه – وقد قسم الأخبار ألي متواتر و آحاد فقال بعد ذكر المتواتر -:

      ( و أما القسم الثاني من الأخبار , فهو ما لا يرويه إلا الواحد العدل ونحوه , ولم يتواتر لفظه ولا معناه , ولكن تلقته الأمة بالقبول عملا به , أو تصديقا له , كخبر عمر بن الخطاب رضى الله عنه (( إنما الإعمال بالنيات )) .... وأمثال ذلك , فهذا يفيد العلم اليقيني عند جماهير أمة محمد صلى الله عليه وسلم من الأولين والآخرين . أما السلف فلم يكن بينهم في ذلك نزاع , وأما الخلف فهذا مذهب الفقهاء الكبار من أصحاب الأئمة الأربعة ........) (مختصر (( الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة )) لابن القيم (2/372-373)

      وقال العلامة شمس الدين محمد بن أبي بكر الحنبلي المعروف بابن قيم الجوزية رحمة الله .

      ( فهذا الذي اعتمده نفاه العلم عن أخبار الرسول صلى الله علية وسلم (أي أخباره صلى الله عليه وسلم المنقولة بالآحاد) خرقوا به إجماع الصحابة المعلوم بالضرورة , واجماع التابعين , واجماع أئمة الإسلام , ووافقوا به المعتزلة , والجهمية , والرافضة والخوارج , الذين انتهكوا هذه الحرمة وتبعهم بعض الأصوليين , والفقهاء , وألا فلا يعرف لهم سلف من الائمه بذلك , بل صرح الأئمة بخلاف قولهم ) (المرجع السابق 2/362).

      وقال أيضا رحمة الله :

      ( فصل . وأما المقام الثاني : وهو انعقاد الإجماع المعلوم المتيقن على قبول هذه الأحاديث واثبات صفات الرب تعالى بها , فهذا آلا يشك فيه من له اقل خبرة بالمنقول , فإن الصحابة هم الذين رووا هذه الأحاديث , وتلقاها بعضهم عن بعض بالقبول ,ولم ينكرها أحد منهم على من رواها , ثم تلقاها عنهم جميع التابعين من أولهم إلى أخرهم , ومن سمعها منهم تلقاها بالقبول والتصديق لهم , ومن لم يسمعها منهم تلقاها عن التابعين كذلك , وكذلك تابع التابعين من التابعين .

      هذا أمر يعلمه ضرورةً أهلُ الحديث , كما يعلمون عدالة الصحابة وصدقهم وأمانتهم ذلك عن نبيهم صلى الله عليه وسلم.(المرجع السابق ( 2/433)

      وقال أبو المعالي الجويني في (( البرهان)) (1/389)

      ( والمسلك الثاني مُستند إلى إجماع الصحابة وإجماعهم على العمل بالآحاد منقول متواتراً ..... فإن أنكر منكر الإجماع , فسيأتي إثباته على منكريه أول كتاب الإجماع إن شاء الله تعالى . فهذا هو المعتمد ُ في إثبات العلم بخبر الواحد )أ.هـ

      وأقول : ونعم المعتمد هو .

      ثم قال ( 1/393) :

      ( كان مسلكُ الإجماع فإنا نعلم قطعا أن أصحاب رسول الله صلى الله علية وسلم كانوا يعلمون في الوقائع بالأخبار التي ترويها الآحاد في جملة الصحابة , ولا نستريب أنه لو وقعت واقعة واعتاص مدرك حكمها , فروى الصديق رضى الله عنه فيها خبرا عن الصادق المصدوق علية السلام , لا بتدروا العمل به ومن ادعى أن جمله الأخبار التي استدل بها أصحاب رسول الله صلى الله علية وسلم في أحكام الوقائع رواها أعداد فهذا باهت وعاند وخالف بالمعلوم الضروري بخلافه ) أ. هـ

      وقال أبو الوليد الباحي المالكي في ( إحكام الفصول ) ص 334

      ( ذهب القاساني وغيره من القدرية إلى انه لا يجوز العمل بخبر الآحاد ..... والذي علية سلف الأمة من الصحابة والتابعين والفقهاء , انه يجب العمل به . والدليل على ذلك إجماع الصحابة على صحة العمل به ....)

      ثم قال ص 337 :

      وعلى ذلك كان التابعون لهم بإحسان رضى الله عنهم . قال الشافعي وغيره : وجدنا على بن الحسين يعول على أخبار الآحاد وكذلك محمد بن على وجبير بن مطعم ونافع بن جبير , وخارجه بن زيد وأبا سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار وعطاء بن يسار , وكذلك كانت حال طاووس وعطاء ومجاهد .

      وكان سعيد بن المسيب يقول : اخبرني أبو سعيد الخدري عن البني صلى الله علية وسلم في الصرف فيثبت حديثه .

      ولا يجور أن يكون في مسائل الشرع مسألة إجماع اثبت من هذه ولا ابين عن الخلف أو السلف ) أ.هـ ,

      أما قولك بأن جمهور الأمة متفقه برد أحاديث الآحاد، فاقول كما قيل لسعيد في الرد عليه:

      فأين لك { الجمهور } والقوم كلهم ............... على غير ما قد قُلت يا فاقد الرشد

      أمنطمس نورٌ البصيرة من أولى ................. وأنت بنور الله تهدى وتستهدي

      كذبت لعمر والله فيما زعمتهٌ .................... وفٌهت به جهلاً وجهراً على عمد

      وقد تقدم حكاية إجماع الصحابة على قبول أخبار الآحاد , فلا عبرة بمن خالفهم , كما إن جمهور المتأخرين من العلماء على قبولها و الأخذ بها , وحتى لو كان الجمهور على ردها وعدم قبولها لم يعتد بقولهم , والكثرةُ ليست دليلاً على الصواب , قال سبحانه وتعالى : ( وان تطع اكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله ) وقال ( وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ) .

      قال الشيخ عبد الله بن عبدالرحمن بن جبرين وفقه الله :

      ( وقد حصل الإجماع قبل ذلك من الصحابة والتابعين وسلف الأمة على قبول مثل هذه الآحاد والعمل بها , وترك الاجتهاد لأجلها مّما يؤكد يقينهم بصحتها وصدورها عمن نسبت إليه .

      ولا تعتبر مخالفهُ من تأخر عنهم , أو من ليس من أهل صناعتهم , ذلك أن الإعتبار في كل علم بأهله , لا بمن أعرض عنه إلى سواه .

      فلا تعتبرُ مخالفة الخوارج والمعتزلة والشيعة ونحوهم , كما لا تعتبرُ مخالفة الأطباء والنحاة والمتكلمين ونحوهم ممن ليس لهم اشتغال بطرق الحديث ورجاله وتتبع رواياته ومتابعاته , ونحو ذلك مما هو عملُ أهل الحديث ) أ.هـ

      أما قولك بأن ليس بصحيح ما ثبت عن الإمام أحمد بالأخذ بالآحاد فهذه فرية. فالإمام أحمد صح عنه الأخذ بالآحاد، وأما الذي لم يصح عنه هو ردها.

      أن ردّ الإمام أحمد رحمة الله أو غيره من الأئمة لبعض الأحاديث لا يدلُّ على عدم أخذهم بحديث الآحاد , فمالك والشافعي وغيرهم ردوا بعض الأحاديث لسببٍ أو آخر , مع أخذهم بأحاديث الآحاد وهذا معلوم .

      وقد ثبت عن الإمام أحمد رحمة الله , الأخذ ُ بحديث الآحاد في مسائل الاعتقاد , خلافا لما زعمه الإباضي , وهذا مشهور عنه رحمة الله ,

      قال شمس الدين ابن القيم الجوزية رحمة الله :

      ( .... وقال أحمد في حديث الرؤية : نعلم أنها حقُّ , ونقطعُ على العلم بها وكذلك روى المرّوذى قال : قلت لأبي عبد الله :

      ها هنا اثنان يقولان : إن الخبر يوجب عملا ولا يوجب علماً فعابهُ وقال : لا أدري ما هذا ؟!

      وقال القاضي : وظاهر هذا انه يسوي بين العلم والعمل .

      وقال القاضي في أول المخبر :

      خبر الواحد يوجب العلم إذا صح سندهُ ولم تختلف الروايةُ فيه وتلقيه الأمه بالقبول وأصحابنا يطلقون القول فيه وأنّه يوجب العلم , وان لم تتلقه بالقبول .

      قال : والمذهب على ما حكيت لا غير (مختصر الصواعق المرسلة (2/363)) ) أ.هـ

      وقال الشيخ عبد الله بن عبدالرحمن بن جبرين وفقه الله في كتابه (( أخبار الآحاد ص57 ))

      ( الفصل الأول : في أدلة من قال إن خبر العدل يفيد العلم وبيان ما يرد عليها والجواب عنه .

      هذا القول هو مذهب جمهور السلف وأكثر المحديثن والفقهاء من أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم , وهو الصحيح عن الإمام أحمد رحمة الله فقد اشتهر عنه القطع بأحاديث الرؤية والعلم بمدلولها ...)أ.هـ

      قلت : ومن نظر في كتب الاعتقاد وجد أن الإمام أحمد نص على وجوب الإيمان بأمور الخبرُ فيها خبرُ آحاد , كالشهادة للعشرة المبشرين بالجنة وغيرها وهذا مشهور , وعلى ذلك أئمة السلف ومن نظر في كتبهم عرف ذلك و جزم به

      وأما الرواية الأخرى التي جاء فيها أن الإمام أحمد لا يشهد بالخبر, ويعمل به , فهي رواية شاذةُ مردودة, مخالفة لما ثبت عن الإمام أحمد .

      قال شمس الدين ابن القيم الجوزية الحنبلي رحمة الله :

      ( فصل . وأما رواية الأثرم عن أحمد أنه لا يشهدُ على رسول الله صلى الله علية وسلم بالخبر ويعمل به . فهذه روايةُ انفرد بها الأثرم وليست في مسائله ولا في كتاب السنة وإنما حكاها القاضي انه وجدها في كتاب معاني الحديث والاثرم لم يذكر انه سمع ذلك منه , بل لعله بلغه عنه من واهم وهم علية في لفظه , فلم يرو عنه أحد من أصحابه ذلك , بل المرويُّ الصحيح عنه أنه جزم على الشهادة للعشرة بالجنة , والخبر في ذلك خبر واحد ....(مختصر الصواعق المرسلة (2/370-371)

      ومن أدلة أهل السنة على أن أخبار الآحاد تفيد العلم

      قال الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه العظيم الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (2/362) طبعة مكتبة الرياض الحديثة:

      (( ومن له أدنى إلمام بالسنة والتفات إليها يعلم ذلك ولولا وضوح الأمر في ذلك لذكرنا أكثر من مائة موضع فهذا الذي اعتمده نفاة العلم عن أخبار رسول الله - صلى الله عليه وسلم- خرقوا به إجماع الصحابة المعلوم بالضرورة وإجماع التابعين وإجماع أئمة الإسلام ووافقوا به المعتزلة والجهمية والرافضة والخوارج الذين انتهكوا هذه الحرمة وتبعهم بعض الأصوليين والفقهاء وإلا فلا يعرف لهم سلف من الأئمة بذلك بل صرح الأئمة بخلاف قولهم ، فمن نص على أن خبر الواحد يفيد العلم مالك والشافعي وأصحاب أبي حنيفة وداود بن علي وأصحابه كأبي محمد بن حزم ونص عليه الحسين بن علي الكرابيسي والحارث بن أسد المحاسبي قال ابن خوارز منداد في كتاب أصول الفقه وقد ذكر خبر الواحد الذي لم يروه إلا الواحد والاثنان : ويقع بهذا الضرب أيضاً العلم الضروري نص على مالك، وقال أحمد في حديث الرؤية نعلم أنها حق ونقطع على العلم بها وكذلك روي عن المروذي قال قلت لأبي عبد الله ههنا اثنان يقولان أن الخبر يوجب عملاً ولا يوجب علماً فعابه، وقال لا أدري ما هذا، وقال القاضي وظاهر هذا أنه يسوي بين العلم والعمل، وقال القاضي في أول المخبر خبر الواحد يوجب العلم إذا صح سنده ولم تختلف الرواية فيه وتلقته الأمة بالقبول وأصحابنا يطلقون القول وإن لم تتلقه بالقبول..)).

      ومن كلامه رحمه الله بهذا الصدد قوله في نفس المرجع (ص394-405):

      (( ومما يبين أن خبر الواحد العدل يفيد العلم أدلة كثيرة :

      (أحدها) أن المسلمين لما أخبرهم الواحد وهم بقباء في صلاة الصبح أن القبلة قد حولت إلى الكعبة قبلوا خبره وتركوا الحجة التي كانوا عليها واستداروا إلى القبلة ولم ينكر عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بل شكروا على ذلك وكانوا على أمر مقطوع به من القبلة الأولى فلولا حصول العلم لهم بخبر الواحد لم يتركوا المقطوع به المعلوم لخبر لا يفيد العلم، وغاية ما يقال فيه أنه خبر اقترنته قرينة وكثير منهم يقول لا يفيد العلم بقرينة ولا غيرها وهذا في غاية المكابرة.ومعلوم أن قرينة تلقى الأمة له بالقبول وروايته قرناً بعد قرن من غير نكير من أقوى القرائن وأظهرها فأي قرينة فرضتها كانت تلك أقوى منها ( 1).

      الدليل الثاني : أن الله تعالى قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} وفي القراءة الأخرى {فتثبتوا} وهذا يدل على الجزم بقبول خبر الواحد أنه لا يحتاج إلى التثبت ولو كان خبره لا يفيد العلم لأمر بالتثبت حتى يحصل العلم. ومما يدل عليه أيضاً أن السلف الصالح وأئمة الإسلام لم يزالوا يقولون : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- كذا وفعل كذا وأمر بكذا ونهى عن كذا.

      وهذا معلوم في كلامهم بالضرورة، وفي صحيح البخاري قال رسول الله - - صلى الله عليه وسلم-- في عدة مواضع وكثير من أحاديث الصحابة يقول فيها أحدهم قال رسول الله -- صلى الله عليه وسلم-- وإنما سمعه من صحابي غيره، وهذه شهادة من القائل وجزم على رسول الله - - صلى الله عليه وسلم-- بما نسبه إليه من قول أو فعل.
      فلو كان خبر الواحد لا يفيد العلم لكان شاهداً على رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بغير علم .

      الدليل الثالث : أن أهل العلم بالحديث لم يزالوا يقولون صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وذلك جزم منهم بأنه قاله، ولم يكن مرادهم ما قاله بعض المتأخرين أن المراد بالصحة صحة السند لا صحة المتن بل هذا مراد من زعم أن أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم- لا تفيد العلم، وإنما كان مرادهم صحة الإضافة إليه وأنه قال كما كانوا يجزمون بقولهم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وأمر ونهى وفعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وحيث كان يقع لهم الوهم في ذلك يقولون يذكر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ويروى عنه ونحو ذلك ومن له خبرة بالحديث يفرق بين قول أحدهم هذا الحديث صحيح وبين قوله إسناده صحيح فالأول جزم بصحة نسبته إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- والثاني شهادة بصحة سنده وقد يكون فيه علة أو شذوذ فيكون سنده صحيحاً ولا يحكمون أنه صحيح في نفسه .

      الدليل الرابع: قوله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} والطائفة تقع على الواحد فما فوقه فأخبر أن الطائفة تنذر قومهم إذا رجعوا إليهم والإنذار الإعلام بما يفيد العلم وقوله لعلهم يحذرون نظير قوله في آياته المتلوة والمشهودة { لعلهم يتفكرون} . لعلهم يعقلون . لعلهم يهتدون} وهو سبحانه إنما يذكر ذلك فيما يحصل العلم لا فيما لا يفيد العلم.

      الدليل الخامس: قوله: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} أي لا تتبعه ولا تعمل به ولم يزل المسلمون من عهد الصحابة يقفون أخبار الآحاد ويعملون بها ويثبتون لله تعالى بها الصفات فلو كانت لا تفيد علماً لكان الصحابة والتابعون وتابعوهم وأئمة الإسلام كلهم قد قفوا ما ليس لهم به علم .

      الدليل السادس: قوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} فأمر من لم يعلم أن يسأل أهل الذكر وهم أولوا الكتاب والعلم، ولولا أن أخبارهم تفيد العلم لم يأمر بسؤال من لا يفيد خبره علماً، وهو سبحانه لم يقل سلوا عدد التواتر بل أمر بسؤال أهل الذكر مطلقاً فلو كان واحداً لكان سؤاله وجوابه كافياً .

      الدليل السابع: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} وقال: {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ} وقال النبي - صلى الله عليه وسلم- "بلغوا عني" وقال لأصحابه في الجمع الأعظم يوم عرفة أنتم مسئولون عني فماذا أنتم قائلون قالوا نشهد أنك بلغت وأديت ونصحت.

      ومعلوم أن البلاغ هو الذي تقوم به الحجة على المبلغ، ويحصل به العلم فلو كان خبر الواحد لا يحصل به العلم لم يقع به التبليغ الذي تقوم به حجة الله على العبد فإن الحجة إنما تقوم بما يحصل به العلم، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يرسل الواحد من أصحابه يبلغ عنه، فتقوم الحجة على من بلغه وكذلك قامت حجته علينا بما بلغنا العدول الثقات من أقواله وأفعاله وسنته ولو لم يفد العلم لم تقم علينا بذلك حجة ولا على من بلغه واحد أو اثنان أو ثلاثة أو أربعة أو دون عدد التواتر، وهذا من أبطل الباطل فيلزم من قال أن أخبار رسول الله - صلى الله عليه وسلم- لا تفيد العلم أحد أمرين:

      - إما أن يقول أن الرسول لم يبلغ غير القرآن وما رواه عنه عدد التواتر وما سوى ذلك لم تقم به حجة ولا تبليغ .

      - إما أن يقول أن الحجة والبلاغ حاصلان بما لا يوجب علماً ولا يقتضي علماً.

      وإذا بطل هذان الأمران بطل القول بأن أخباره - صلى الله عليه وسلم- التي رواها الثقات العدول الحفاظ وتلقتها الأمة بالقبول لا تفيد علماً وهذا ظاهر لا خفاء به.

      الدليل الثامن: قوله تعالى: {كَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} وقوله: {وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} وجه الاستدلال أنه تعالى أخبر أن جعل هذه الأمة عدولاً خياراً ليشهدوا على الناس بأن رسلهم قد بلغوهم عن الله رسالته وأدوا عليهم ذلك، وهذا يتناول شهادتهم على الأمم الماضية وشهادتهم على أهل عصرهم ومن بعدهم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أمرهم بكذا ونهاهم عن كذا فهم حجة الله على من خالف رسول الله وزعم أنه لم يأتهم من الله ما تقوم به عليه الحجة وتشهد هذه الأمة الوسط عليه بأن حجة الله بالرسل قامت عليه ويشهد كل واحد بانفراده بما وصل إليه من العلم الذي كان به من أهل الشهادة فلو كانت أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم- لا تفيد لم يشهد به الشاهد ولم تقم به الحجة على المشهود عليه .

      الدليل التاسع: قوله تعالى: {وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} وهذه الأخبار التي رواها الثقات الحفاظ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- إما أن تكون حقاً أو باطلاً أو مشكوكاً فيها لا يدري هل هي حق أو باطل .
      فإن كانت باطلاً أو مشكوكاً فيها وجب إطراحها وأن لا يلتفت إليها وهذا انسلاخ من الإسلام بالكلية وإن كانت حقاً فيجب الشهادة بها على البت أنها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وكان الشاهد بذلك شاهداً بالحق وهو يعلم صحة المشهود به .

      الدليل العاشر : قول النبي - صلى الله عليه وسلم- على مثلها فاشهدوا إشارة إلى الشمس ولم يزل الصحابة والتابعون وأئمة الحديث يشهدون عليه - صلى الله عليه وسلم- على القطع أنه قال كذا وأمر به ونهى عنه وفعله لما بلغهم إياه الواحد والاثنان والثلاثة فيقولون قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- كذا وحرم كذا وأباح كذا وهذه شهادة جازمة يعلمون أن المشهود به كالشمس في الوضوح ولا ريب أن كل من له التفات إلى سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم- واعتناء بها يشهد شهادة جازمة أن المؤمنين يرون ربهم عياناً يوم القيامة وأن قوماً من أهل التوحيد يدخلون النار ثم يخرجون منها بالشفاعة وأن الصراط حق وتكليم الله لعباده يوم القيامة كذلك وأن الولاء لمن أعتق إلى أضعاف أضعاف ذلك بل يشهد بكل خبر صحيح متلقى بالقبول لم ينكره أهل الحديث شهادة لا يشك فيها .

      الدليل الحادي عشر : أن هؤلاء المنكرين لإفادة أخبار النبي - صلى الله عليه وسلم- العلم يشهدون شهادة جازمة قاطعة على أئمتهم بمذاهبهم وأقوالهم أنهم قالوا ولو قيل لهم أنها لم تصح عنهم لأنكروا ذلك غاية الإنكار وتعجبوا من جهل قائله ومعلوم أن تلك المذاهب لم يروها عنهم إلا الواحد والاثنان والثلاثة ونحوهم لم يروها عنهم عدد التواتر وهذا معلوم يقيناً فكيف حصل لهم العلم الضروري والمقارب للضروري بأن أئمتهم ومن قلدوهم دينهم أفتوا بكذا وذهبوا إلى كذا ولم يحصل لهم العلم بما أخبر به أبوبكر الصديق وعمر بن الخطاب وسائر الصحابة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ولا بما رواه عنهم التابعون وشاع في الأمة وذاع وتعددت طرقه وتنوعت وكان حرصه عليه أعظم بكثير من حرص أولئك على أقوال متبوعيهم إن هذا لهو العجب العجاب وهذا وإن لم يكن نفسه دليلاً يلزمهم أحد أمرين : إما أن يقولوا أخبار رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وفتاواه وأقضيته تفيد العلم . وإما أن يقولوا أنهم لا علم لهم بصحة شيء مما نقل عن أئمتهم وأن النقول عنهم لا تفيد علماً . وإما أن يكون ذلك مفيد للعلم بصحته عن أئمتهم دون المنقول عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فهو من أبين الباطل .

      الدليل الثاني عشر : قوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ  ووجه الاستدلال أن هذا أمر لكل مؤمن بلغته دعوة الرسول - صلى الله عليه وسلم- إلى يوم القيامة ، ودعوته نوعان : مواجهة ونوع بواسطة المبلغ وهو مأمور بإجابة الدعوتين في الحالتين وقد علم أن حياته في تلك الدعوة والاستجابة لها ، ومن الممتنع أن يأمره الله تعالى بالإجابة لما لا يفيد علماً أو يحييه بما لا يفيد علماً أو يتوعده على ترك الاستجابة لما لا يفيد علماً بأنه إن لم يفعل عاقبه وحال بينه وبين قلبه .

      الدليل الثالث عشر: قوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} وهذا يعم كل مخالف بلغه أمره - صلى الله عليه وسلم- إلى يوم القيامة ولو كان ما بلغه لم يفده علماً لما كان متعرضاً بمخالفة ما لا يفيد علماً للفتنة والعذاب الأليم فإن هذا إنما يكون بعد قيام الحجة القاطعة التي لا يبقى معها لمخالف أمره عذراً .

      الدليل الرابع عشر : قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُول} إلى قوله: {وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} ووجه الاستدلال أنه أمر أن يرد ما تنازع فيه المسلمون إلى الله ورسوله والرد إلى الله هو الرد إلى كتابه والرد إلى رسوله هو الرد إليه في حياته وإلى سنته بعد وفاته فلولا أن المردود إليه يفيد العلم وفصل النـزاع لم يكن في الرد إليه فائدة إذ كيف يرد حكم المتنازع فيه إلى مالا يفيد علماً البتة ولا يدري حق هو أم باطل وهذا برهان قاطع بحمد الله فلهذا قال من زعم أن أخبار رسول الله - صلى الله عليه وسلم- لا تفيد علماً أنا نرد ما تنازعنا فيه إلى العقول والآراء والأقيسة فإنها تفيد العلم.

      الدليل الخامس عشر : قوله تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} إلى قوله: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}، ووجه الاستدلال أن كل ما حكم به رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فهو مما أنزل الله وهو ذكر من الله أنزله على رسوله وقد تكفل سبحانه بحفظه فلو جاز على حكمه الكذب والغلط والسهو من الرواة ولم يقم دليل على غلطه وسهو ناقله لسقط حكم ضمان الله وكفالته لحفظه وهذا من أعظم الباطل ونحن لا ندعي عصمة الرواة بل نقول إن الراوي إذا كذب أو غلط أو سها فلا بد أن يقوم دليل على ذلك ولا بد أن يكون في الأمة من يعرف كذبه وغلطه ليتم حفظه لحججه وأدلته ولا تلتبس بما ليس منها فإنه من حكم الجاهلية بخلاف من زعم أنه يجوز أن تكون كل هذه الأخبار والأحكام المنقولة إلينا آحاداً كذباً على رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وغايتها أن تكون كما قاله من لا علم عنده إن نظن إلا ظناً وما نحن بمستيقنين .

      الدليل السادس عشر : ما احتج به الشافعي نفسه فقال أخبرنا سفيان عن عبد الملك بن عمير عن أبيه عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال :"نضر الله عبداً سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها فرب حامل فقه إلى غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم . إخلاص العمل لله والنصيحة للمسلمين ولزوم جماعتهم فإن دعوتهم تحيط من ورائهم قال الشافعي فلما ندب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- إلى استماع مقالته وحفظها وأدائها أمر أن يؤديها ولو واحد دل على أنه لا يأمر من يؤدي عنه إلا ما تقوم به الحجة على من أدي إليه لأنه إنما يؤدي عنه حلالاً يؤتى وحرام يجتنب وحد يقام ومال يؤخذ ويعطى ونصيحة في دين ودنيا ودل على أنه قد يحمل الفقه غير الفقيه يكون له حافظاً ولا يكون فيه فقيهاً وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بلزوم جماعة المسلمين مما يحتج به في أن إجماع المسلمين لازم". انتهى.

      والمقصود أن خبر الواحد العدل لو لم يفد علماً لأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أن لا يقبل من أدى إليه إلا من عدد التواتر الذي لا يحصل العلم إلا بخبرهم ولم يدع للحامل المؤدي وإن كان واحداً، لأن ما حمله لا يفيد العلم فلم يفعل ما يستحق الدعاء وحده إلا بانضمامه إلى أهل التواتر وهذا خلاف ما اقتضاه الحديث ومعلوم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- إنما ندب إلى ذلك وحث عليه وأمر به لتقوم به الحجة على من أدي إليه فلو لم يفد العلم لم يكن فيه حجة .

      الدليل السابع عشر: حديث أبي رافع الصحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال " لا ألفين أحداً منكم متكئاً على أريكته يأتيه الأمر من أمري يقول لا ندري ما هذا بيننا وبينكم القرآن ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه "

      ووجه الاستدلال أن هذا نهي عام لكل من بلغه حديث صحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أن يخالفه أو يقول لا أقبل إلا القرآن بل هو أمر لازم وفرض حتم بقبول أخباره وسننه وإعلام منه - صلى الله عليه وسلم- أنها من الله أوحاها إليه فلو لم تفد علماً لقال من بلغته إنها أخبار آحاد لا تفيد علماً فلا يلزمني قبول مالا علم لي بصحته والله تعالى لم يكلفني العلم بما لم أعلم صحته ولا اعتقاده بل هذا بعينه هو الذي حذر منه رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أمته ونهاهم عنه ولما علم أن في هذه الأمة من يقوله حذرهم منه فإن القائل إن أخباره لا تفيد العلم هكذا يقول سواء لا ندري ما هذه الأحاديث وكان سلف هؤلاء يقولون بيننا وبينكم القرآن وخلفهم يقولون بيننا وبينكم أدلة العقول وقد صرحوا بذلك وقالوا نقدم العقول على هذه الأحاديث آحادها ومتواترها ونقدم الأقيسة عليها (2 ) .

      الدليل الثامن عشر : ما رواه مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك قال كنت أسقي أبا عبيدة بن الجراح وأبا طلحة الأنصاري وأبي بن كعب شراباً من فضيخ فجاءهم آت فقال إن الخمر قد حرمت فقال أبو طلحة : قم يا أنس إلى هذه الجرار فاكسرها فقمت إلى مهراس لنا فضربتها بأسفله حتى كسرتها.

      ووجه الاستدلال أن أبا طلحة أقدم على قبول خبر التحريم حيث ثبت به التحريم لما كان حلالاً وهو يمكنه أن يسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم شفاها، وأكد ذلك القبول بإتلاف الإناء وما فيه وهو مال وما كان ليقدم على إتلاف المال بخبر من لا يفيده خبره العلم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ورسول الله –صلى الله عليه وسلم- إلى جنبه، فقام خبر ذلك الآتي عنده وعند من معه مقام السماع من رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بحيث لم يشكوا ولم يرتابوا في صدقه، والمتكلفون يقولون إن مثل ذلك الخبر لا يفيد العلم لا بقرينة ولا بغير قرينة .

      الدليل التاسع عشر : أن خبر الواحد لو لم يفد العلم لم يثبت به الصحابة التحليل والتحريم والإباحة والفروض ويجعل ذلك ديناً يدان به في الأرض إلى آخر الدهر فهذا الصِّدِّيق رضي الله عنه زاد في الفروض التي في القرآن فرض الجدة وجعله شريعة مستمرة إلى يوم القيامة بخبر محمد بن مسلمة والمغيرة بن شعبة فقط وجعل حكم ذلك الخبر في إثبات هذا الفرض حكم نص القرآن في إثبات فرض الأم.

      ثم اتفق الصحابة والمسلمون بعدهم على إثباته بخبر الواحد، وأثبت عمر بن الخطاب بخبر حمل بن مالك دية الجنين وجعلها فرضاً لازماً للأمة وأثبت ميراث المرأة من دية زوجها بخبر الضحاك بن سفيان الكلابي وحده، وصار ذلك شرعاً مستمراً إلى يوم القيامة وأثبت شريعة عامة في حق المجوس بخبر عبد الرحمن بن عوف وحده، وأثبت عثمان بن عفان شريعة عامة في سكنى المتوفى عنها بخبر فريعة بنت مالك وحدها، وهذا أكثر من أن يذكر بل هو إجماع معلوم منهم ولا يقال على هذا إنما يدل على العمل بخبر الواحد في الظنيات ونحن لا ننكر ذلك لأنا قد قدمنا أنهم أجمعوا على قبوله والعمل بموجبه ولو جاز أن يكون كذباً أو غلطاً في نفس الأمر لكانت الأمة مجمعة على قبول الخطأ والعمل به وهذا قدح في الدين والأمة(3 ) .

      الدليل العشرون : أن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم كانوا يقبلون خبر الواحد ويقطعون بمضمونه فقبله موسى من الذي جاء من أقصى المدينة قائلاً له إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فجزم بخبره وخرج هارباً من المدينة، وقبل خبر بنت صاحب مدين لما قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا، وقبل خبر أبيها في قوله هذه ابنتي وتزوجها بخبره، وقبل يوسف الصديق خبر الرسول الذي جاءه من عند الملك، وقال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة، وقبل النبي - صلى الله عليه وسلم- خبر الآحاد الذين كانوا يخبرونه بنقض عهد المعاهدين له وغزاهم بخبرهم واستباح دماءهم وأموالهم وسبى ذراريهم، ورسل الله صلواته وسلامه عليهم لم يرتبوا على تلك الأخبار أحكامها وهم يجوزون أن تكون كذباً وغلطاً وكذلك الأمة لم تثبت الشرائع العامة الكلية بأخبار الآحاد وهم يجوزون أن يكون كذباً على رسول الله - صلى الله عليه وسلم- في نفس الأمر، ولم يخبروا عن الرب تبارك وتعالى في أسمائه وصفاته وأفعاله بما لا علم لهم به، بل يكون كذباً وخطأ في نفس الأمر.

      هذا ما يقطع ببطلانه كل عالم مستبصر.

      الدليل الحادي والعشرون: أن خبر العدل الواحد المتلقي بالقبول لو لم يفد العلم لم تجز الشهادة على الله ورسوله بمضمونه ومن المعلوم المتيقن أن الأمة من عهد الصحابة إلى الآن لم تزل تشهد على الله وعلى رسوله بمضمون هذه الأخبار جازمين بالشهادة في تصانيفهم وخطابهم، فيقولون شرع الله كذا وكذا على لسان رسوله – صلى الله عليه وسلم- فلو لم يكونوا عالمين بصدق تلك الأخبار جازمين بها لكانوا قد شهدوا بغير علم وكانت شهادتهم زوراً وقولاً على الله ورسوله بغير علم ولعمر الله هذا حقيقة قولهم وهم أولى بشهادة الزور من سادات الأمة وعلمائها.

      قال أبو عمرو بن الصلاح: وقد ذكر الحديث الصحيح المتلقي بالقبول المتفق على صحته وهذا القسم جميعه مقطوع بصحته والعلم اليقيني النظري واقع به خلافاً لقول من نفى ذلك محتجاً بأنه لا يفيد إلا الظن وإنما تلقته الأمة بالقبول لأنه يجب عليهم العمل بالظن والظن قد يخطئ، قال:وقد كنت أميل إلى هذا وأحسبه قوياً ثم بان لي أن المذهب الذي اخترناه هو الصحيح لأن ظن من هو معصوم من الخطأ لا يخطئ والأمة في إجماعها معصومة من الخطأ ولهذا كان الإجماع المبني على الاجتهاد حجة مقطوعاً بها وأكثر إجماعات العلماء كذلك وهذه نكتة نفيسة نافعة )) اهـ.

      (1) يرى الإمام ابن القيم أن كل حديث صح عن رسول الله  ولم يضعفه أحد من أئمة الحديث أن هذا يلق من الأمة بالقبول لهذا النوع من الأحاديث، وهذا بخلاف ما يفهم بعض الناس من القرائن ومن تلقي الأمة بالقبول ، فإنهم يكادون يقصرونها على أخبار الصحيحين فقط، وما قرره ابن القيم حق ولله الحمد.

      (2) إن الذي يقول إن أخبار الآحاد تفيد الظن ويقذف بالشبه الكثيرة على سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى من يزكي رواتها من أئمة النقد لآخذ بغرز هؤلاء مهما تستر وتهرب من واقعه المكشوف، ولقد أعطي هذا المتستر دفعات لنصر باطلهم تزيدهم تشبتاً بهذا الباطل كافأه الله بما يستحق.

      (3) إن الذين يقولون إن أخبار الآحاد تفيد الظن يعتقدون أن أخبار الرسول - صلى الله عليه وسلم - الصحيحة تحتمل الصدق والكذب فجوزوا عليها أن تكون مكذوبة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن نبرأ إلى الله من هذا القول الباطل الذي يغرس الشكوك في نفوس من يصغي إلى باطلهم ، لقد جهل هؤلاء الفروق بين أخبار الناس وأخبار الرسول المبلغ عن الله الذي تكفل ربه بحفظ دينه فقال: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون، آمنا بالله وصدقنا وعده.

      المصدر: حجج وبراهين أهل السنة على أن أخبار الآحاد تفيد العلم، لربيع بن هادي المدخلي.

      مناقشة شُبه من يقول إن خبر الواحد لا يفيد العلم:

      لا أعتقد وجود نص من الأدلة السمعية يصرح برد خبر الواحد الثقة، أو التوقف فيه، أو عدم حصول العلم به، ولكن أهل الظن والشك في الأخبار ولدوا شبهاً وخيالات ظنوها عقلية، قطعية الدلالة إليه.

      1- فمنها قولهم: إن الطبيعة البشرية تقتضي السهو والنسيان من كل إنسان وإنه يوجد كثيراً تعمد الكذب لمصلحة يعتقدها الكاذب أو لغيرها، وكل ذلك يقتضي التوقف في خبر الواحد.

      فيقال: نحن لا نقول باستحالة الخطأ على جميع النقلة، ولا بعصمتهم من تعمد الكذب، ولكن نقول بالجزم والتصديق للخبر عند ظهور أمارات تؤيد ذلك، من تتبع أخبار الراوي حتى يوقف على صحتها، ومن موافقته لمن هو مثله أو أفضل منه، وغير ذلك مما يعرف به أهل الفن صدق الرواية أو الخطأ فيها.

      وليس ببدع أن يجعل الله في خلقه من يقرب القول بعصمته من تعمد الكذب، ومن السهو الكثير في التحمل والأداء لواجبات الدين، كي تقوم حجة الله على خلقه، ويحصل الأمن من التعبد لله بخطأ.

      فرواة الأخبار التي تلقتها الأمة بالقبول، يلزم من تخطئتهم عدم قيام حجة الله على من لم يشاهد الرسول، وذلك مما ينافي حكمة الله.

      2- ومنها قولهم: إننا نشاهد اختلاف المحدثين في الحديث الواحد، ما بين مصحح له ومضعف، وطاعن في رواته وذاب عنهم، ونحو ذلك مما يسبب عدم اليقين بما قالوه، والتوقف في مروياتهم مخافة الخطأ.

      فقد روى البخاري ومسلم أحاديث حكما بصحتها، ثم تعقبهما بعض العلماء -كالدار قطني- وذكروا فيها مطاعن.

      وكذا الترمذي كثيراً ما يصحح أحاديث في جامعه، ولا تكون صحيحة وهكذا ما اشتهر عن الحاكم في مستدركه.

      ولو كانت أمارات الصحة ظاهرة مفيدة للعمل لما وقع فيها هذا الاختلاف الكثير، فيقال: لقد اصطلح أهل الحديث على تمييز الصحيح الثابت من الحديث النبوي في رجاله ولفظه ومعناه مما يعرفونه به من غيره.

      ولم يكن العلماء بهذا الفن على استواء في العلم بهذه المميزات، مما كان سبباً لمثل هذا الاختلاف ولا شك في تقدم أهل الصنعة في ذلك كالبخاري ومسلم، والإمام أحمد ويحيى بن معين ونحوهم على غيرهم.

      فنحن عند اختلافهم نعمل بالترجيح الذي يكون بالأكثرية، كما يكون بالقوة وتمام المعرفة، وهذا ما تميز به البخاري ومسلم في صحيحيهما.

      وقد عرف أيضاً أن الحكم بصحة الحديث لا يعتمد الإسناد دائماً، فقد يكون له طرق أخرى يعرفها من صححه، أو يكون هناك قرائن تقوي ثبوته لم يطلع عليها من طعن فيه.

      أما الترمذي فقد عرف عنه نوع من التساهل في التصحيح، ظهر ذلك بالتتبع. فحكمه بالصحة معتبر في الغالب. وقد يكون مقيداً بما ظهر له وإن خالفه غيره.

      وأما الحاكم فهو - وإن كان واسع الحفظ كثير الرواية- لكنه كثير التساهل في التصحيح، ولهذا لا يوثق غالباً بتصحيحه وحده.

      وقد تتبعه في مستدركه بعض العلماء كالذهبي، فوافقوه على الكثير مما حكم بصحته، وخالفوه في كثير مع إيضاح وجه المخالفة؛ مع أنه غالباً إنما يجزم بصحة السند دون المتن، وذلك مقيد بما ظهر له من حال الرواة.

      وهذه سنة الله في وجود هذا التفاوت بين خلقه.

      ولكن لا يلزم من الاختلاف في البعض التوقف في الجميع، فإن الغالب من أحاديث المصححين وغيرهما مما ثبت لم يقع فيه اختلاف بين الصحيحين والحمد لله.

      3- ومنها قولهم: إنما يجب حسن الظن بالراوي من غير جزم، لأن الله يقول في الحديث القدسي: (أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء). ولقوله تعالى: (إن بعض الظن إثم)(الحجرات:12). ولم يقل: كل الظن. فيقال: هذا مما لا صلة له بما نحن فيه.

      أما ظن العبد بربه وأمره بإحسان الظن. فذلك فيما يعامله به من الجزاء في الدارين، ولا شك أن الله قد حجب عن العبد ما هو فاعل به في دار الجزاء، فأمر بأن يحسن الظن بربه، لحمله ذلك على الرجاء الذي يستلزم الجد في الطاعة، ليتحقق ما ظنه.

      أما قوله تعالى: (إن بعض الظن إثم) فسياق الآية في ظن المسلم بأخيه أنه اغتابه أو حسده، أو رام له شراً، ونحو ذلك مما ينقله الوشاة لقصد إثارة العداوة والبغضاء، مع أن أكثره لا صحة له، ولكنه قد يسبب سوء الظن من المسلم بأخيه، فأمر المؤمنون بتجنب كثير من هذا الظن الذي يثير الشحناء والتقاطع بين المسلمين. وليس في الآية أمر ببعض الظن أصلاً.

      4- ومنها قولهم: لو علم الله صدق خبر الواحد لم يخلنا من دليل على ذلك. فيقال: لا شك أن الله ضمن بقاء دينه وشرعه لهذه الأمة بعد أن أكمل لهم الدين، وأتم عليهم النعمة.

      ولا شك أن أكثر تفاصيل هذا الدين إنما تؤخذ عن هذه الأخبار، فلو كانت كذباً في نفس الأمر لأقام الله على ذلك أدلة وبراهين، كي لا يلتبس الحق بالباطل، فتقع الأمة في الزيغ والضلال.

      وهذا أوضح دليل على أنها صدق وحق.

      وهكذا من أوضح الأدلة وأكبر البراهين على صحتها إجماع الأمة في الجملة على العمل بها.

      فهذا الدليل ينبغي أن يعكس عليهم فيقال: لو علم الله أنها كذب مع عمل الأمة بها لأقام برهاناً واضحاً على عدم صحتها، فدل على أنها صحيحة ثابتة.

      5- ومنها قولهم: إننا لا نصدق كل خبر نسمعه، فلو كان خبر الواحد يفيد العلم لصدقنا كل ما سمعناه، وحصل به العلم كما يحصل بكل متواتر، ولم يلزم اشتراط إسلام الرواة وعدالتهم في قبول الآحاد، كما لا يلزم ذلك في المتواتر.

      فيقال: حقّاً إننا لا نصدق كل خبر، ولكن لا يلزم منه تكذيب كل خبر، ولا التوقف في جميع الأخبار، فنحن نصدق البعض يقيناً، ونجزم بكذب البعض، وقد يترجح لنا أحد الاحتمالين من غير جزم، وقد نتوقف في البعض، وقد يحصل التوقف للبعض منا دون البعض؛ وهذه سنة الله في التفاوت بين خلقه في الأفهام والمدارك، فلا يلزم من رد البعض رد الكل.

      أما حصول العلم بكل متواتر فإنما ذلك نظراً لتوفر شروطه التي صدق عليه لأجلها اسم التواتر، وحصل به العمل الضروري، بخلاف الآحاد فإن أفراده تختلف، فلا يحصل العلم بكل آحاد.

      أما عدم اشتراط العدالة والإسلام في رواة المتواتر، فإنما كان ذلك لحصول العلم بالكثرة التي يؤمن معها التواطؤ على الكذب، وهي مفقودة في الآحاد.

      6- ومنها قولهم: لو أفاد خبر الواحد العلم لما تعارض خبران، ونحن نرى الكثير من الأخبار تتعارض، فإن قيل بإفادة الجميع العلم حصل اجتماع الضدين وهو محال، وإن قيل بإفادة أحدهما كان ترجيحاً بلا مرجح.

      وهذا يحقق أن أحدهما لا بعينه كذب، فيوجب التوقف في كل خبر.

      فيقال: إن هذا مجرد فرض لما لا يمكن وقوعه، كما لا يحصل ذلك بين متواترين، ولا بين خبرين تحتف بكل منهما القرائن المنفصلة.

      ثم إذا حصل العلم اليقيني بالخبر فلا بد من خطأ كل خبر يعارضه المعارضة التامة.

      ثم إن ما يوجد من الحديث الصحيح ظاهره التعارض يمكن حمل كل من المتعارضين على وجه صحيح.

      ولقد تكفل العلماء بالسنة بالجمع بين الأحاديث التي ظاهرها التناقض، فخرجوا كل حديث على معنى محتمل، كما فعل ابن قتيبة في (تأويل مختلف الحديث) وكذا ابن القيم، وشيخه ابن تيمية في مؤلفاتهما.

      وقد ذكرنا في المقدمة الجمع بين النهي عن كتابة الحديث بقوله: (لا تكتبوا عني شيئاً غير القرآن) مع الإذن فيها بقوله: (اكتبوا لأبي شاه) ونحوه وما لا يمكن الجمع بينهما حمل على التوسعة، وجواز الأمرين، كصفات صلاة الخوف، وألفاظ التشهد، أو على الخصوص كإذنه صلى الله عليه وسلم لامرأة أبي حذيفة أن ترضع سالماً مولاهم، وهو رجل، لتصير أما له في المحرمية، مع قوله: (إنما الرضاعة من المجاعة).

      وقد يحمل على أن المتقدم من الحديثين منسوخ عند معرفة المتأخر كحديث: (الماء من الماء). مع حديث: (إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل) المتأخر عن الأول.

      وما لا يمكن تخريجه على شيء من ذلك يحمل على خطأ بعض الرواة، لمخالفته رواية الأكثرين، وهو ما يسمى شاذاً، وقد سبق ذكره، وذلك كما روي في صلاة الكسوف بأكثر من ركوعين في كل ركعة ونحوه عند بعضهم.

      7- ومنها قولهم: لو حصل العلم بخبر الواحد لما احتيج في الأحكام إلى تعدد الشهود، ولا إلى يمين المدعي مع الشاهد، فعدم جواز الحكم بشهادة الواحد دليل عدم حصول العلم بخبره، فكذلك كل خبر واحد.

      فيقال: لما كانت حقوق العباد بينهم كثيراً ما يقع فيها النزاع والتشاجر، جعل الله الحكم بينهم بأمر ظاهر منضبط، هو البينة التي إذا وجدت تحتم الحكم بها.

      وليس ذلك لحصول العلم بما شهدت به، ولا لعدم حصوله بما دونها.

      فإن الحاكم لو حصل له العلم بخلاف ما شهدت به لم يجزله القضاء بعلمه، والعدول عن البينة.

      فالقاضي قد يحصل له العلم بالقضية بدون بينة، وقد يحصل له بشهادة واحد، وقد لا يحصل له بشهادة أربعة أو أكثر.

      ولكنه مكلف بالحكم إذا تمت البينة، فلو امتنع من ذلك أثم، ولو كان الأمر في الباطن بخلاف ما حكم به.

      ثم لا يلزم من الحكم بموجب الشهادة العمل بالظن، ولا القول بأن خبر الواحد إنما يفيد الظن، فيعمل به لذلك.

      حيث إن الأخبار الدينية تتضمن شرع الله الذي تكفل بحفظه، وضمن بقاءه، فلا بد من وضوح ظاهر في الفرق بينه وبين ما سواه من الباطل. لذلك كان ما تضمنته هذه الأخبار حقاً متيقناً، مقطوعاً بصحته، بخلاف ما شهدت به البينة، فإنه في حقوق العباد، مما قدر الله بينهم فيه التظالم والتعدي من بعضهم على البعض الآخر، وقد شوهد من بعضهم الكذب والزور.

      فكان ما شهدت به البينة يكون أحياناً مظنوناً وقد يكون متيقن الصحة أو الكذب، فالحكم إذا إنما يعتمد أمر الله بذلك، وهو أمر بشيء منضبط لاخَفَاء فيه، ثم فيه نوع من التعبد فيأثم من تركه.

      وهذا بخلاف أخبار الدين، فإننا لا نحكم بثبوتها لنقل اثنين أو أكثر مع تطرق الشك، أو غلبة عدم صحة الخبر، ونصدق خبر من دون نصاب الشهادة إذا ظهرت أمارات الصدق.

      8- ومنها قولهم: لو أفاد خبر الواحد العلم لجاز نسخ القرآن ومتواتر السنة به، لكونه بمنزلتهما، فلما لم يجز ذلك دل على عدم إفادته العلم.

      فيقال: يندر أن يقع الاختلاف الكلي بين نص من القرآن أو السنة المتواترة مع الآحاد الصحيحة، يحتاج معه إلى القول بالنسخ، مع أن النسخ حتى بالمتواتر قد أنكره بعض من ينتسب إلى العلم ونصره بعض المتأخرين.

      ثم إن احتيج إليه فلا مانع من القول بالنسخ، ورفع الحكم السابق، عند تعذر الجمع، ولو كان السابق معلوماً بالضرورة، بعد تحقق ثبوت الخبر وتأخره.

      وقد وقع ذلك في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فعمل أهل قباء بخبر الواحد الذي نقل لهم نسخ القبلة الأولى، وهكذا أبو طلحة الأنصاري أتلف جرار الخمر، وأمر بإراقتها اعتماداً على خبر الذي نقل لهم تحريمها كما سيأتي تخريج هذين الحديثين إن شاء الله.

      ثم إن قيل بالمنع فإنما ذلك لعدم المساواة في العلم، وسيأتي قريباً إن شاء الله أن العلم يتفاوت في الكم والكيف، ولأن السنة متأخرة الرتبة عن القرآن، لكونها بياناً له، ولحديث معاذ الذي سيأتي إن شاء الله، لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (كيف تقضي؟) قال: بكتاب الله، قال: (فإن لم تجد؟) قال: سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

      9- ومنها قولهم: لو حصل العلم بخبر الواحد مجرداً لم يحتج من ادعى النبوة إلى تأييد خبره بالمعجزات التي يعلم بها صحة ما ادَّعاه، فإن العلم يحصل بمجرد خبره، فلا يحتاج إلى زيادة مقويات، لأنه تحصيل للحاصل.

      فيقال: لما كان مدعي النبوة قد جاء بشيء غير مألوف، ونصب نفسه مشرعاً مخبراً عن الله، يبين الحلال والحرام، وينقل الناس عن أعمال وعادات كانوا قد ألفوها، وألفوا عليها أسلافهم، إلى أحكام جديدة لم يكن لهم بها علم من قبل، ويعدهم على طاعته الثواب، ويحذرهم نقمة الله على مخالفته، كان شيئاً مستغرباً في نفوسهم، يصعب عليهم اعتناقه ومفارقة ما ألفوه، فاحتاج إلى آيات تقوي صدقه.

      وأيضاً فليس كل من ادعى النبوة مأموناً من كونه متقولاً على الله، لما في هذا المنصب من الرفعة، وحفظ النفس الذي يجلب التهمة لمن ادعاه، فلا يقبل منه إلا ببينة.

      فلذلك احتاج مدعي النبوة إلى ما يقوي دعواه، ويوضح للناس صدقه، ويحملهم على تقبل ما جاء به من المعجزات وخوارق العادات.

      ثم إن هذه سنة الله في خلقه، أن يؤيد رسله بالبينات والدلائل الظاهرة، وما هكذا يكون كل خبر عدل ينقل عن مثله شرعاً لم يكن هو الذي ابتدأه، وإنما أسنده إلى مصدره، وقد عرفت منه الثقة والأمانة، فلا مانع من وقوع العلم بخبره.

      10- ومنها قولهم: إننا نشاهد تزايد العلم في القلب كلما تكرر من المخبرين، ولو حصل العلم لأول مرة لما وقع هذا التزايد المحسوس، لأن العلم شيء واحد، لا يقبل الزيادة ولا النقصان.

      فيقال: نحن لا نشك أن خبر الواحد العدل يحصل به كمال العلم، ويستيقن القلب صحته، بحيث لا يتخالجه شك كما هو مشاهد، فزيادة المخبرين قد تكون من باب تواتر الأخبار وترادفها، الذي يقوي الخبر ويؤكد ثبوته.

      ثم إذا سلمنا ما تصوره من زيادة العلم بزيادة المخبرين، لم نسلم عدم التفاوت في نفس العلم، فإن العلم بالشيء على الصحيح يتفاوت في الكم والكيف والقوة، ولذلك فرق بين علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين، كما فُرق بين العلم الضروري والنظري، مما سوغ التفريق بين العلم الحاصل عن المتواتر والآحاد، وشاهد ذلك العقل والفطرة السليمة.

      11- ومنها قولهم: إن الإجماع منعقد على عدم تكفير مخالف خبر الواحد وتفسيقه، وما ذاك إلا لأنه لا يفيد العلم، فليس كالمتواتر الذي يكفر ويبدع من رده بدون تأويل.

      فيُقال: نحن قد ذكرنا أن العلم بالخبر متفاوت بحسب معلومات من وصل إليهم، وأن من السامعين من يقطع بكذب بعض الأخبار، اعتقاداً لخطأ الناقل أو كذبه، أو يراها مخالفة لما يعرفه ويفهمه من ظواهر النصوص، وهو مخطئ في نفس الأمر، ولكنه معذور لاجتهاده.

      ومنهم من يصدق بالخبر ولكن لا يرى دلالته ظاهرة.

      وعلى هذا فيجب علينا أن نحسن الظن بمن رأيناه قد خالف بعض الأخبار الصحيحة، فنحمل ذلك على أن الخبر لم يصل إليه، أو لم يصح عنده، أو رأى له محملاً أو تأويلاً دفعه به، أو نحو ذلك.

      وعلى هذا يحمل ما روي عن بعض الصحابة من رد بعض الأخبار التي ثبتت عند المحدثين لا على أنها لا تفيد العلم.

      فأما إذا تحققنا ثبوت الحديث عند شخص، وعدم ما يسوغ له رده، ثم رأيناه بعد ذلك لم يقبله، أو ترك العمل به بدون عذر أو تأويل، فإننا -بعد إقامة الحجة عليه وإبائه- نلتزم تبديعه وتفسيقه بذلك.

      وقد اشتهر عن الأئمة رجوعهم إلى الأحاديث متى صحت عندهم، ونبذهم لما سواها، مما كانوا يقولون به أو يرونه قبل ذلك، وهكذا اشتد نكيرهم على من خالفها بدون تأويله إلى غيرها من الآراء وأقوال الرجال.

      وما ذاك إلا لثبوتها عندهم وإفادتها العلم اليقيني والله أعلم.

      من كتاب: "أخبار الآحاد" لابن جبرين.

      أدلة من قال بالجواز لقبول أخبار الآحاد في العقائد



      لقد أمر الله نبيه عليه الصلاة والسلام بتبليغ ما أنزل عليه، وبدعوة الناس إلى ما خلقوا له، وكان من أهم ذلك تعريفهم بأصول الدين، من معرفة ربهم، وتوحيده، وأسمائه وصفاته، وجزائه وقضائه وقدره، ونحو ذلك.

      وما ذاك إلا أن هذه العلوم تعتبر كالأساس الذي يقوم عليه البناء للإسلام، فلزم تقدم العلم بها على كل عمل، ليصح اعتقاد العبد، ولتعتبر نيته التي يدور عليها قبول العمل أو رده. لذلك بدأ صلى الله عليه وسلم بالدعوة إلى معرفة هذه القواعد والأسس، وأقام عليها الأدلة، وضرب لها الأمثال، وما كان قصده إلا رسوخ الإيمان في قلوب من صدقه وآمن برسالته لما ينبعث من ذلك من المبادرة إلى العمل والقيام بسائر التكاليف. ولقد لزمه صحابته رضي الله عنهم، فتلقوا عنه أنواع العلوم في الأصول والفروع، وتقبلوها معتقدين لمفادها، وعاملين بمقتضاها.

      وهكذا بلغوها لمن بعدهم، امتثالاً لأمره، حيث قال: (بلغوا عني ولو آية) فكان لزاماً على كل مسلم قبول ما بلغه عنهم، آثرين له عن نبيهم صلى الله عليه وسلم وتصديقه، سواء كان متواتراً أو آحاداً، بعد ثبوته وتوفر أسباب قبوله، أيّاً كان متعلقه أصولاً أو فروعاً.

      ولقد تلقى السلف من جملة ما بلغهم عن نبيهم صلى الله عليه وسلم أحاديث الصفات والعقائد، ودونوها في مؤلفاتهم، موقنين بصحتها، عالمين يقيناً بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بها كما جاء بالصلاة والزكاة والتوحيد، وهذا مثل أحاديث الشفاعة، والحوض، والميزان، وعذاب القبر ونعيمه، ورؤية الله في الآخرة، وتكليمه لعباده كما يشاء، وعلوه على خلقه، وإثبات العرش، ونحو ذلك.

      فإن كل من له معرفة بأحوال الرواة، وطرق الأحاديث، يتحقق ثبوت هذا النوع من السنة، ويوقن بصدوره عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كانت طرقه آحاداً، فإن الذين نقلوه لنا هم الذين نقلوا جميع أنواع الشريعة، فيلزم من رد بعض أخبارهم وقبول البعض التفريق بين متماثلين، وإلحاق الطعن بالصحابة والسلف، وعدم الثقة بأخبارهم مع ما عرف من ورعهم وتثبتهم، وتحريهم للصدق، إلى غير ذلك مما ينافي سوء الظن بهم.

      وإليك بعض الأدلة القاطعة على قبول هذا النوع من الأخبار في هذا الباب:

      1- فمن ذلك: ما تقدم من تناقل السلف لهذا النوع من الأخبار، وتداولها بينهم، والحرص على تلقيها وتحصيلها، ثم الاشتغال بمذاكرتها، وإثباتها في المؤلفات. وإن في هذا لأوضح دليل على أن قد تحققوا صحتها، واستفادوا منها العلم اليقيني، وإلا لذهب عملهم ضياعاً، وحاشاهم أن يفنوا أعمارهم في تناقل ما لا يفيد علماً ولا يوجب عملاً.

      فإنه من المتفق عليه أن ما تحتوي عليه هذه الأخبار ليس من الأمور العملية التي تنقل لأجل أن يعمل بها، وإن كانت ظنية.

      فما بقي إلا أن يتحقق يقينهم بمعناها، واعتقادهم لما دلت عليه على ما يليق بجلال الله، وهذا هو ما عليه الصحابة والتابعون، ومن اقتفى أثرهم من سلف الأمة وأئمتها.

      2- ومن الأدلة: ما اشتهر عن الأئمة من إدخال مدلول تلك الأخبار في معتقداتهم، وتصريحهم بالقول بمقتضاها، وردهم لقول من جحدها، وتحذيرهم منه.

      وما ذاك إلا لتحققهم صدقها، وعدم الشبه والشكوك في قلوبهم، مما يسبب نفرتهم عن الإصغاء إليها، بل إن أحدهم يتقبل كل ما سمعه من أخيه الذي يثق بصدقه ودينه، من غير توقف في نوع ما من أخباره.

      بل إن عظمة حديث النبي صلى الله عليه وسلم في قلوبهم أعظم من أن يردوه بمثل هذه التوهمات.

      وكذلك قدر الصحابة ونقلة الحديث وحماته أجل عندهم من أن يتطرق إليهم تهمة، أو يقال لأحدهم: خبرك خبر واحد، فلا يفيد العلم، أو لا يقبل إلا في الفروع.

      وقد روي عنهم التثبت، وطلب زيادة رواة في بعض أحاديث الأحكام، كما طلب عمر من أبي موسى أن يأتي بمن يتقوى به في خبر الاستئذان، فأتى بأبي سعيد، وكذا استظهر المغيرة بمحمد بن مسلمة ليشهد معه عند عمر على خبر دية الجنين وميراث الجدة. وغير ذلك.

      ولم ينقل عنهم التوقف في شيء من أخبار الصفات، أو المعاد ونحوها، بل قد اشتهر عنهم إمرارها كما جاءت بلا كيف، وعدم التعرض لتأويلها، وصرح الكثير منهم بالقول بمقتضاها على ما يليق بجلال الله تعالى.

      3- ومنها: ما تواترت به الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم في بعثه الدعاة إلى أطراف البلاد، وعهده إليهم تبليغ جميع الدين أصولاً وفروعاً، مع البداءة بالتوحيد كما في حديث معاذ المتفق عليه، لما بعثه إلى اليمن قال له: (إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله) وفي رواية: (-إلى أن يوحدوا الله- فإن هم أطاعوك لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم).

      فانظر كيف أمره بتقديم الدعوة إلى التوحيد، ثم بأركان الإسلام، ولم ينقل أن أحداً من أولئك الرسل اقتصر على تبليغ الفروع، أو الأعمال الظاهرة. بل كانوا يدعون إلى الإيمان بالله وثوابه وعقابه، والشهادة لمحمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة. وهكذا بلغوا عنه أيضاً العبادات الظاهرة المعلومة من الدين بالضرورة، كالصلاة والزكاة، وكذا المحرمات المجمع على تحريمها كالزنا وقتل النفس، وكل ذلك مما تقبله عنهم من استجاب لدعوتهم، وبقي معتقداً لما تلقاه من أصول أو فروع، وقامت عليه الحجة بذلك، وهو دليل القبول.

      وقد اعترض على هذا الدليل من قبل المنكرين بأن بعث أولئك الرسل لم يكن لتعليم الأصول، وإنما هو لإخبارهم بالأدلة العقلية، والآيات الكونية التي يعرفونها بفطرهم.

      فيقال: هذا ليس بشيء، فإن ما يعرفونه بعقولهم لا يكفي لقيام الحجة عليهم، وإلا لم يكن هناك حاجة لعبث الرسل.

      ويرد ذلك التصريح بتقديم الدعوة إلى التوحيد، كما في حديث معاذ المذكور، ولم ينقل أن أحداً من أولئك الصحابة بدأ بتعريف الدلائل العقلية، قبل الدعوة إلى الشهادتين.

      4- ومنها: ما تضمنته كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الملوك في زمانه، التي دعاهم فيها إلى الإسلام أصلاً وفرعاً، وقد حصل بها تبليغهم الرسالة التي كلفه الله بها، ولا شك أن كتبه إذ ذاك بطاقات صغيرة في الغالب، يتولى كتابتها شخص واحد، ويحملها واحد؛ ولو كان خبر الواحد لا يقبل في الأصول للزمه أن يبعث إلى كل قطر جماعة يبلغون حد التواتر، ليحصل العلم بخبرهم، ولو فعل ذلك لم يبق معه في المدينة أحد.

      ولما لم يقع هذا أفاد اكتفاؤه بالواحد حصول العلم، ووجوب الالتزام بخبر الواحد في الأصول والفروع وهو المراد.

      5- ومن الأدلة أيضاً : قوله تعالى: (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)(النحر:43). ووجه الدلالة منها أنه أمر بسؤال أهل الذكر عن الرسل ودعوتهم، وماذا أوحى إلى كل منهم، وكونهم من جنس البشر، وهذا من أكبر الأصول؛ فقد أمر من لا يعلم ذلك أن يسأل أهل الذكر، ولو لم يجد إلا واحداً منهم، ولا بد أن جواب المسؤول يكتفى به ويلزم اعتقاده؛ وسيأتي إيضاح دلالة الآية بأبسط من هذا إن شاء الله في النوع الأول من الفصل الثاني من الباب الخامس.

      في أواخر عصر الصحابة ظهرت بدع في الدين، وقد كثر معتنقوها في القرن الثاني وما بعده، وذلك مثل نفي القدر والشفاعة، وإنكار صفات الله تعالى التي وردت في النصوص، كالكلام والعلو، والنزول والمجيء ونحوها.

      وأكثر أهل تلك البدع ملاحدة تستروا بالإسلام، وما كان قصدهم إلا إفساد العقائد، وبلبلة الأفكار، وقد أنكر السلف بدعتهم، وحذروا من مجالستهم، أو الإصغاء إليهم.

      ولقد مكثوا طوال القرن الثاني أذلاء مقموعين في الغالب، ثم تمكن بعضهم في أول القرن الثالث من الاتصال ببعض الولاة، مما سبب ارتفاع مناصبهم، وشهرة ذكرهم، وانتشار عقائدهم الزائغة، وكثرة من قلدهم على غير هدي، بل إحساناً للظن بهم. ولقد تظاهروا بتقديس الوحيين، وأخذ الدليل منهما، عندما رأوا عظمة قدرهما في قلوب عوام المسلمين.

      كما تظاهروا بقصد تعظيم الله، وتنزيهه عما لا يليق به بزعمهم من صفات الحوادث، ومشابهة الخلق، وما ينكره العقل.

      ولما كانت النصوص في الكتاب والسنة صريحة في معارضة ما قرروه، وإبطاله من الأساس، احتالوا لردها حتى تسلم لهم عقيدتهم، فسلطوا التأويلات على نصوص القرآن في هذا الباب، حتى صرفوها عن المفهوم المتبادر منها ثم ردوا نصوص السنة من أصلها، ومنعوا الاستدلال بها في العقيدة، حيث اصطلحوا على تقسيمها إلى متواتر وآحاد.

      فردوا المتواتر -مع ندرته عندهم- بأنه وإن كان قطعي الثبوت لكنه غير قطعي الدلالة، لتطرق الاحتمالات إليه كنصوص القرآن.

      أما الآحاد فاصطلحوا على أنها لا تفيد إلا الظن، مهما بلغت من الكثرة والثقة برواتها؛ وأن ما كان مظنوناً لا يعتمد في أدلة الأصول التي يجب أن تكون يقينية قطعية. ولكنهم تناقضوا، حيث أثبتوا كثيراً من أصولهم وقواعدهم بأدلة ظنية أو وهمية، كما في كتب الأصول.

      وإليك بعض شبههم في رد الآحاد في هذا الباب مع مناقشتها:

      1- أن هذه الآحاد إنما تفيد الظن فلا تقبل في الأصول التي يجب أن تكون أدلتها يقينية قطعية.

      فيقال: تقدم في الباب قبله من الأدلة على إفادة خبر الثقة العلم اليقيني ما فيه الكفاية، وبعد ثبوت ذلك لا يتصور فرق في الاستدلال بها بين الأصول والفروع، ثم بتقدير أنها إنما تفيد الظن الغالب، وأن الأحكام والأوامر تثبت بمثلها، لا يمتنع إثبات الأسماء والصفات بها، فإنه لا فرق بين الطلب والخبر، بحيث يحتج بها في أحدهما دون الآخر، فالتفريق بينهما تفريق بين متماثلين، وذلك لأن الطلب يتضمن القول على الله بأنه شرع كذا، ورضيه ديناً، وشرع الله ودينه هو بمقتضى أسمائه وصفاته، فالطلب متضمن للخبر وبالعكس كما هو واضح.

      2- أن من رد شيئاً من الأصول والعقائد يكفر وأخبار الآحاد لا يكفر من رد منها شيئاً للاختلاف في ثبوتها.

      فيقال: سبق أن استدل بهذا على أن الآحاد لا تفيد العلم مطلقاً، وأجيب هناك بأن من اتضحت له السنة ولو آحاداً وتحقق ثبوتها عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ردها بدون تأويل ولا شبهة، وقامت عليه الحجة فإنه يكفر. لتظاهره برد شيء مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم عن ربه، ومن رد شيئاً من دين الرسول كمن رد جميعه.

      بعد أن تحققت أن خبر العدل يفيد العلم، و أن أحاديث الآحاد التي تقبلتها الأمة فعمل بها الأكثر، و اشتغل بعضهم بتأويل البعض منها، لئلا ترد عليهم قد أفادتهم العلم اليقيني، فإن هذا الباب يعتبر فضلة.

      فإن العلم تابع للعلم، لما عرف من وجوب العمل بكل ما تحقق صدوره عن الرسول عليه الصلاة والسلام.

      و لكن المتكلمين عقدوا هذا الباب بناء على أنها ظنية، و سردوا فيه الأقوال و الأدلة العقلية و النقلية، فلم يكن بد من بيان حال تلك المذاهب، و تمحيص ما أوردوا لها من الأدلة، و إزالة شبه من خالف ما هو الواجب، و قد نعيد بعض الأدلة التي سبقت لبيان دلالتها، و الجواب عما أوردوا عليها.

      من كتاب: "أخبار الآحاد" لابن جبرين.

      دلالة العقل على العمل بخبر الواحد

      كان السلف يعتمدون الأدلة السمعية، ويرجعون إليها دائماً، ويحكمونها في الخلاف بينهم، ولا يلتفتون إلى موافقتها للعقول أو مخالفتها.

      ولقد أنكروا علم الكلام عند ظهوره، وحذروا منه، لما فيه من الإعراض عن الأدلة السمعية، ولما يسببه من الحيرة وكثرة التقلب.

      ولم أطلع للسلف على قول في حكم التعبد بخبر الواحد، ولا في دلالة العقل عليه أو عدم دلالته.

      وهذا يدلنا منهم على أمرين:

      1- أنهم لا يفرقون بين المتواتر والآحاد من الأخبار، بل إن صحة الخبر لديهم هي السبب الوحيد في قبوله، وتحتم اتباعه، والإنكار بشدة على من خالفه.

      2- أنهم لم يتدخلوا بعقولهم في أحكام الشريعة، بل إن الدليل السمعي -ولو آحاداً- هو المقدم عندهم على ما يتوهمه العقل، وما ذاك إلا لسلامة فطرهم عن الزيغ والشبه، وفي ذلك دليل على أن السمع الصحيح لا يخالف العقل الصريح أبداً أما أهل الكلام فقد ابتدعوا أدلة عقلية، وردوا لأجلها الأدلة السمعية، وعند التحقيق يعلم أن أدلتهم خيالات لا تثبت على حال، فأحدهم يجزم بأن العقل يوجب هذا، بينما الآخر يجزم بأنه يحرمه.

      ومثال ذلك: ما قالوه في هذا الباب فإن فيه لهم ثلاثة أقوال:

      القول الأول: منع التعبد بخبر الواحد عقلاً:

      وهذا قول بعض المعتزلة، كالجبائي وابن علية والأصم، وجماعة من أهل الكلام. ولهم على ذلك شبه:

      1- منها: أن التعبد به يؤدي إلى تحليل الحرام، وتحريم الحلال، لإمكان كونه كذباً في الباطن، ففي العمل به مفسدة تخالف مقتضى القواعد الشرعية فلا بد أن يقيم الله على كل حكم برهاناً قطعياً (ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة)(الأنفال:42) أما أن يحيلهم على دليل ظني يجوز العقل خطأه فلا، لما يترتب عليه من قلب الحقائق، واستباحة المحظورات، مما هو خلاف حكمة الشارع.

      وهذا الدليل ليس عقلياً محضاً، بل مما أخذه العقل من الشرع. فيقال:

      (أ) يبطل اللزوم على مذهب المعتزلة في أن كل مجتهد مصيب؛ حيث أنه لا حلال ولا حرام في نفس الأمر، وإنما ذلك يظهر بعد الاجتهاد، فعليه لا يلزم محذور إذا اعتمد المجتهد على خبر يمكن أن يكون كذباً في نفس الأمر.

      فإن العمدة اجتهاده، وقد أصاب كما يصيب من خالفه باجتهاد آخر وهلم جرا.

      أما على مذهب الجمهور في أن المصيب واحد -فإنما يلزم تحريم الحلال وعكسه أن لو قيل بالقطع بموجبه، أما أن يقال بالظن- الذي هو ما يقدره المجتهد- مع تجويز خلافه.

      فإنه لا يلزم منه مخالفة حكم الله.

      (ب) أن إمكان كذبه يضعف بتوفر شروط قبوله المعروفة، فيكون العمل به مستنداً إلى يقين أو ظن غالب.

      (ج) المعارضة بما وافقوا عليه من قبول الشهادة والفتيا والحكم والظن في تحري القبلة، فإن الشهادة قد يقطع بصدقها كشهادة الأنبياء، وقد يظن كشهادة غيرهم، والكل يعمل به، وكذلك فتوى النبي صلى الله عليه وسلم وقضاؤه مقطوع بصحته غالباً، فألحق بذلك حكم سائر الحكام وفتوى المجتهدين، وكذلك القبلة يقطع بها عند معاينة الكعبة فألحق به ظنها بالاجتهاد.

      فهكذا يلحق بخبر النبي صلى الله عليه وسلم المقطوع به خبر كل ثقة يظن صدقه، فلا فرق بينه وبين الصور قبله.

      (د) وأجاب الآمدي وغيره بأن دليلهم مبني على وجوب رعاية المصالح في أحكام الشرع وأفعاله، وهو غير مسلم.

      ولكن هذا الجواب غير سديد، فإن أفعال الله تعالى معللة بمصالح العباد على الصحيح، والله تعالى كتب على نفسه الرحمة، من غير أن يوجب عليه أحد شيئاً، وإنما لتمام حكمته وإحسانه بالعباد كانت أفعاله وأوامره ونواهيه في غاية المناسبة، وكان مما ينافي حكمته تكليف الخلق بما لا فائدة فيه، أو بما هو ضرر محض.

      2- ومنها قولهم: يلزم منه اجتماع الضدين كما لو روي خبر في تحريم هذه العين وآخر في تحليلها، واستويا في استيفاء شروط القبول، فالعمل بهما معاً محال، وبأحدهما ترجيح بلا مرجح.

      فيقال: سبق أن أشرنا إلى أن كل دليلين ثبتت صحتهما فوجود المعارضة بينهما نسبية غالباً وأن الأئمة تمكنوا من الجمع بين ما أوهم التعارض وتخريج كل دليل على وجه صحيح، أو جعلوه من باب التوسعة، وتجويز الأمرين معاً، أو جعلوا المتأخر ناسخاً للمتقدم بعد معرفة التاريخ إلى آخر ما تقدم.

      3- ومنها: لو جاز التعبد بخبر الواحد لجاز قبول خبر من ادعى النبوة بلا معجزة فيقال: سبق الجواب عن هذه الشبهة وبيان أن من ادعى النبوة جاء بأمر مستغرب، وفيما جاء به نقل الناس عن كثير من عاداتهم إلى ما لم يألفوه، ثم ما في دعواه من إمكان كونه طالب رئاسة أو حظ لنفسه، فاحتاج إلى تأييد قوله بمعجزة، لئلا يتقول أحد على الله، وليس كذلك من نقل شرعاً عن غيره مقتدياً بسائر الرواة.

      4- ومنها: أنه قد اتفق على عدم قبول الآحاد في الأصول، فدل على امتناعها في الفروع، فلا فرق بينهما، فيقال: هذا الاتفاق متوهم وقد ذكرنا أن السلف لا يفرقون في قبولها بين ما يتعلق بالأصول أو بالفروع، وقد أجاب المتكلمون هنا بأنه قد اتفق على أن الأصل لابد له من دليل قطعي، بخلاف العمل فيكتفى له بالظني، هكذا أجابوا لكن عملهم غير مطرد على ما ذكروا، ثم يطالبون بالفرق، والصحيح هو ما أشرنا إليه من القبول في الكل.

      5- ومنها قولهم: لو جاز التعبد به لجاز نقل القرآن المتعبد بتلاواته بقراءة الآحاد، وهو خلاف الإجماع، فيقال لما كان القرآن يعتبر معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم، لزم أن يكون مما يقطع بنقله، بخلاف الأحكام الشرعية، فتثبت بالظن الغالب.

      ثم إن الصحيح إن شاء الله أن القراءة إذا صح سندها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ووافقت رسم المصحف قبلت، وإن لم يقرأ بها أحد من السبعة أو العشرة.

      القول الثاني: أن العقل يوجب العمل بخبر الواحد:

      وهذا قول ابن سريج والقفال من الأشاعرة، وأبي الحسين البصري من المعتزلة وغيرهم، وحكي عن الإمام أحمد، وقاله أبو الخطاب.

      واستدلوا لذلك بما يأتي:

      1- أن في ترك العمل به تعطيلاً لأكثر الوقائع عن الدليل، لقلة الأدلة المقطوع بها بالنسبة للحوادث، وحكمة الله تقتضي أن كل حادثة تكون معروفة الحكم بدليل يجب قبوله، وأكثر الوقائع إن أدلتها آحاد، فيجب قبولها.

      2- أنه من المعلوم عموم بعثة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة، وليس في إمكانه مشافهة الجميع، ولا أن يبعث إلى كل جهة عدداً يبلغون حد التواتر، فلم يبق إلا الاكتفاء بالآحاد، فلو لم يجب على الأمة العلم بأخبارهم لم يحصل التبليغ، ولم يكن لبعثهم فائدة.

      3- أن ظن صدق الراوي يرجح وجود الحكم الذي يترتب على تركه العقاب، والعاقل يحتاط بامتثال هذا الأمر، ليسلم من هذا العقاب ولو مظنوناً.

      وأيضاً لما كان العلم بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم معلوماً من الدين بالضرورة في الجملة، وكانت هذه الأخبار قد جاءت تفصيلاً لتلك الجملة، لما في فعله مصلحة، وفي تركه مضرة، كانت مما تثير الخوف في القلب، فوجب العمل بمفادها عند ترجح صدقها، تحصناً وتحرزاً، من المخاوف، هذا ملخص حججهم، وهي كما ترى في وجاهتها.

      وقد تكلف الآمدي وغيره ردها بأجوبة جدلية، نشير إلى مخلصها مع مناقشتها:

      قالوا: أما الحجة الأولى فإنه لا يلزم من ترك خبر الواحد تعطل الوقائع عن الأحكام، فإن المفتي إذا لم يجد دليلاً انتقل إلى حكم شرعي، وهو البراءة الأصلية كما لو لم يجد خبر الواحد.

      فيقال: نحن لا نشك في أن النصوص الشرعية قد بينت تفاصيل الأحكام، وتعرضت لكل واقعة يمكن أن تقع، وهو مقتضى كمال الدين، وإذا لم يوجد في الواقعة الجزئية نص خاص، وجدت قواعد كلية تعم أفراداً كثيرة من جزئيات المسائل.

      ففي رد أخبار الآحاد إبطال لكليات وقواعد شرعية من جوامع الكلم الذي أعطيه النبي صلى الله عليه وسلم، فيلزم من ردها تعطيل وقائع كثيرة، يكون بيانها من موجب الرسالة، على أن البراءة الأصلية إذا كانت قبل ورود التكاليف، أما بعده فقد أصبحت الذمة مشغولة بالأحكام، فتكون البراءة أيضاً مظنونة بالنسبة إلى هذا الحكم، وتتقابل مظنونة بمظنونة، فيعمل بالأرجح.

      قالوا: وأما الحجة الثانية: فإن التبليغ إنما يجب على النبي صلى الله عليه وسلم فيما يقدر عليه بالمشافهة أو بخبر التواتر، فمن بلغه الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك قامت عليه الحجة، وإلا فهو معذور، كالبعيد الذي لم يتمكن من تبليغه ولو بالآحاد.

      فيقال: هذا ليس بوجيه، فالرسول صلى الله عليه وسلم مكلف بالدعوة والإنذار بما في استطاعته، كما حصل من اقتصاره على بث الدعاة في أقطار البلاد، واكتفائه بذلك، مما يدل على أنه مما قامت به الحجة وإن كان مظنوناً ظناً غالباً.

      أما من لم يقدر على تبليغه كمن في الجزائر النائية فهذا يعذر حتى تبلغه الدعوة، وقد زال العذر بدعوة الصحابة ومن بعدهم، وتبليغهم جميع الشريعة إلى القاصي والداني.

      قالوا: وأما الحجة الثالثة: فإن ظن صدق الراوي إنما يرجح كون العمل بخبره أولى، من غير إيجاب، كما في خبر الكافر والفاسق عند ترجح صدقه، من عدم وجوب العمل به إجماعاً.

      قالوا: وهذا استعمال لقياس ظني في أصل من الأصول التي لابد أن تكون أدلتها يقينية قطعية.

      فيقال: إذا عرف العاقل أن مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم تسبب الضرر عليه، وأن امتثال أمره مما يحصل له المصلحة، وجاءه أمر تترجح صحته، فعدم امتثاله والحالة هذه مما يلحقه به اللوم، وبتكرر ذلك لابد أن يحصل عليه ضرر، فالعقل السليم يوجب الحذر من أسباب الضرر.

      ومثال ذلك: ما إذا علم العاقل تحريم قتل نفسه، وظن ظناً غالباً أن هذه الطعام مسموم، حرم عليه أكله، أو ظن أن هذا الجدار يريد أن ينقض لم يجز له الجلوس تحته.

      وكثيراً ما يجعل الفقهاء الاحتياط مناطاً للوجوب.

      أما قياسه على خبر الكافر والفاسق فغير مسلم، لأنه لا يوثق بخبرهما بمجرده، فإن اقترن به قرائن تغلب صدقه وجب العمل به اعتماداً على القرائن.

      أما قولهم إن أدلة الأصول لا تكون ظنية، فغير مسلم، وقد نقضوه بأنفسهم، فكثيراً ما يثبتون قواعد وأحكاماً وأصولاً بأدلة ظنية أو خيالية.

      القول الثالث: أن خبر الواحد يجوز العمل به عقلاً من غير وجوب:

      وهذا قول أكثر المتكلمين.

      قالوا: لأنه لم يلزم عنه لذاته محذور في العقل، واحتمال كونه كذباً أو خطأ غير مانع من التعبد به.

      وقاسوه على ما وقع الاتفاق عليه من العمل بقول الشاهد والمفتي، مع كونه مظنونأً ومثلوا ذلك بما لو قال الشارع إذا طار طائر وظننتموه غراباً فقد أوجبت عليكم كذا، فإنه لا يلزم منه محال، حيث إن الظن شيء محسوس، يجده الإنسان من نفسه، فبمجرد وجوده يترتب الحكم.

      من كتاب: "أخبار الآحاد" لابن جبرين.

      وجوب العمل بخبر الواحد

      فقد حققنا فيما سبق أن خبر العدل يفيد العلم اليقيني، وعليه فإن من خالفه عناداً يكفر بعد إقامة الحجة عليه.

      ولكن المتكلمين في هذا الموضوع كغيره اعتمدوا كونه ظني الثبوت، واختلفوا فيه على قولين:

      القول الأول: أنه لا يجب العمل به سمعاً:

      وهو قول الجبائي ومن تبعه من المعتزلة في نفي جوازه عقلاً، وقاله أيضاً بعض من جوَّزه عقلاً كالقاساني من الظاهرية، وابن داود، وجمهور القدرية والرافضة.

      وقد استدلوا بأدلة:

      أولاً: من القرآن: كقوله تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم)(الإسراء:36)، وقوله حكاية عن أولاد يعقوب: (وما شهدنا إلا بما علمنا)(يوسف:81)، وقوله: (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون)(الأعراف:33)، وقوله حكاية عن الذين كفروا: (إن نظن إلا ظناً وما نحن بمستيقنين)(الجاثية:32)، وقوله: (قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون)(الأنعام:148)، ونحوها من الآيات.

      فيقال: سبق أن استدل بهذه الآيات على إفادة الآحاد العلم اليقيني، وأن جعلها ظنية، مما تسلط به المعتزلة على ردها مطلقاً في الأصول والفروع، استدلالاً بهذه الآيات التي فيها النهي عن القول على الله بلا علم، وذم اتباع الظن.

      ولكن المتكلمين القائلين بوجوب العمل بها مع كونها ظنية أجابوا عن هذه الآيات بعدة أجوبة.

      1- فمنها: أن امتناع التعبد بخبر الواحد ليس عليه دليل قطعي، فمن نفاه فإنما عمدته الظن فيدخل في الذم المذكور في هذه الآيات.

      2- ومنها: أن الظن المنهي عن اتباعه خاص بما المطلوب فيه العلم كالعقائد.

      3- ومنها: أن القول بموجب الآحاد، والعمل به عمدته الإجماع، وهو دليل قطعي، ليس العمدة الآحاد التي هي ظنية.

      4- وأحسن ما أجيب به على قولهم أن الظن المذموم أريد به التخرص والوهم الذي ليس له مستند، بخلاف الظن الراجح، فهو ملحق بالقطعي في وجوب العمل به، ولا يصدق على من قال به أنه قال على الله بلا علم.

      ثانياً: من السنة:

      رد النبي صلى الله عليه وسلم خبر ذي اليدين، لما سلم النبي صلى الله عليه وسلم في إحدى صلاتي العشى عن اثنتين، فقال له ذو اليدين: أنسيت أم قصرت الصلاة؟ فقال: (لم أنس ولم تقصر) فقال: بلى قد نسيت. فلم يعمل بقوله حتى سأل الحاضرين معه. متفق عليه.

      فيقال: إنما رد عليه السلام خبر ذي اليدين لمخالفته لما يعتقده من إتمام الصلاة ولاستبعاد انفراده بمعرفة النقص دون غيره، ولا شك أن هذا مما يجعل الوهم يتطرق إليه، فبموافقة آخر له يزول الوهم.

      ثم يقال: إنه عليه الصلاة والسلام عمل بخبره مع خبر أبي بكر وعمر، وهو لا يخرج بذلك عن الآحاد.

      (ج) ومن الأدلة ما اشتهر عن بعض الصحابة من عدم قبول بعض الأخبار، فقد رد أبو بكر خبر المغيرة في ميراث الجدة، حتى شهد معه محمد بن مسلمة ورد عمر خبره أيضاً في املاص المرأة حتى أخبره بذلك محمد بن مسلمة، أيضاً متفق عليه.

      وفي الصحيح أيضاً أن عمر رد خبر أبي موسى في الاستئذان، حتى شهد معه أبو سعيد وردت عائشة خبر ابن عمر في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه ورد على خبر ابن سنان الأشجعي في المفوضة وأمثال ذلك.

      فيقال: إنما ذلك لعارض، وهو إمكان الخطأ، واستبعاد أن ينفرد عنهم مثل هذا الراوي، بهذه السنة الظاهرة.

      فطلبهم لمن يشهد معه إنما هو من باب التثبت، وتقوية الخبر، ولا شك أن الخبر كلما كثرت نقلته ازدادت إليه طمأنينة النفس.

      ألا ترى العالم يروي الحديث من خمسة طرق، ثم إذا سمع زيادة سادس أو سابع كتبها، لأن الخبر كلما تواتر كان أثبت للحجة، وأقطع للخصم، ولذلك قال عمر لأبي موسى: إني لم أتهمك، ولكني أردت أن أتثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

      وقد أجيب عن كل أثر بجواب خاص، يبين أن ردهم لذلك لم يكن عن شك، وإنما هو لأسباب مبررة.

      على أن انضمام راو إلى آخر لا يخرجه عن كونها آحاداً كما لا يخفى.

      القول الثاني: وجوب العمل يخبر الواحد سمعاً.

      وهذا قول جمهور الأمة، بل عليه إجماع السلف قاطبة، وإنما حدث الخلاف فيه بعد ظهور علم الكلام، ولهذا كان عمدة المتكلمين في القول بوجوب العمل بها إنما هو الإجماع، مع أن الإجماع لابد له من مستند.

      أما بقية أدلتهم مع كثرتها فقد أوردوا عليها اعتراضات صارت دلالتها من أجلها عندهم ظنية، مع أن المسألة من الأصول التي لابد فيها من قواطع الأدلة.

      وإليك بعض ما أوردوه في هذا الباب من الأدلة السمعية، مع مناقشة اعتراضاتهم عليها:

      1- النوع الأول: القرآن:

      ودلالته في عدة آيات:

      1- قوله تعالى: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون)(التوبة:122) أمر تعالى الطائفة النافرة أو الباقية بالتفقه في الدين، وبإنذار قومها بما تفقهت فيه، وعلل الإنذار بحصول الحذر من القوم. والأمر يقتضي وجوب المأمور به، وهو التفقه ثم الإنذار الذي هو الإخبار بالأمر المخوف؛ والتعليل بقوله: (لعلهم يحذرون) ليس للترجي، فإنه محال في حق الله تعالى، لما يشعر به من عدم علمه بالعاقبة، بل هو للطلب فيفيد وجوب المطلوب، وهو الحذر اعتماداً على إنذار الطائفة، ولفظ الطائفة، يعم الواحد والاثنين، لقوله تعالى: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا)(الحجرات:9) فإنه يصدق على ما إذا اقتتل اثنان، وأيضاً فإن الفرقة أقلها ثلاثة. وقد أمرت كل فرقة أن يخرج بعضها، فظهر بذلك وجوب التفقه على هذه الطائفة، ووجوب إنذارها لقومها الذي يسبب الحذر الذي جعل الإنذار علة لحصوله.

      وقد أوردوا على دلالة هذه الآية شبهاً:

      (أ) فمنها: أن قوله: (لينذروا) ليس من صيغ الأمر الصريح، فلا يكون الإنذار واجباً، حيث لا أمر في الآية.

      فيقال: لا شك أن الله أوجب التفقه في دينه، ثم بيانه للناس، وذم الذين يكتمون ما أنزل الله، في هذه الآية من الحض على التفقه والإنذار ما يؤيد ذلك.

      ولما كانت صيغة (لينذروا) هنا ذكرت لتعليل الحض على التفقه دل على وجوب التفقه، ثم الإنذار وهو التخويف الموجب للحذر، إذ لا تخويف في ترك غير واجب.

      (ب) ومنها: أن الأمر قد لا يدل على وجوب المأمور به.

      فيقال: الأمر المطلق لا يصرف عن الوجوب إلا بقرينة، وها هنا دلت القرائن وهي أدلة وجوب البيان والنهي عن الكتمان - على أنه للوجوب.

      (ج) ومنها: أن الإنذار أريد به التخويف من فعل شيء أو تركه، بناء على اجتهاد المخوف والتخويف خارج عن الإخبار.

      فيقال: الإنذار كما قلنا الإخبار بمخوف يترتب على فعل أو ترك، والعلم بالمخوف أثر التفقه في الدين، فكان التخويف إخباراً عن شيء مخوف متلقى علمه عن الشرع.

      (د) ومنها: أن الإنذار أريد به الفتوى، ونحن معكم على قبول المقلد خبر المفتي. ويرجح ذلك لفظ التفقه الذي هو شرط لجواز الإفتاء.

      فيقال: الإنذار في الآية على عمومه لحذف مفعوله، فيشمل الإفتاء والإخبار بشيء من كلام الله ورسوله، أو ما استنبط منهما بما يوجب الحذر.

      كما أن لفظ القوم عام فيشمل المجتهدين والمقلدين مع أن التفقه في اللغة لا يستلزم الإفتاء.

      (هـ) ومنها قولهم: يلزم أن يخرج من كل ثلاثة واحد، ولا قائل بوجوبه.

      فيقال: النص يقتضي ذلك ويقتضي وجوب العمل بخبر الواحد، وقد خص الأول بالإجماع على عدم الوجوب، ولا يلزم من تخصيصه تخصيص الثاني.

      (و) ومنها: أن الآية في وجوب الإنذار، لا في العمل، وقد يكون الأمر بالإنذار ليحصل بخبر المنذر تمام حد التواتر.

      فيقال: إذا سلم وجوب الإنذار فقد علل بحصول الحذر، فدل على وجوب الأمرين معاً.

      فإن هذا التعليل نظير التعليل في قوله تعالى: (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون)(البقرة:21)، ولا شك في وجوب التقوى. ولم يكن في الآية إشارة إلى تأخير الحذر حتى يحصل التواتر.

      2- قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنباء فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين)(الحجرات:6) وفي قراءة (فتثبتوا) فلما أمر بالتثبت في خبر الفاسق دل على أن خبر العدل بخلافه، وإلا لم يكن لتخصيص الفاسق معنى، حيث يجب التثبت في الجميع.

      وأيضاً فلو كان خبر الواحد لا يقبل مطلقاً لم يحتج إلى تعليل التثبت فيه بالفسق، لأن علة الرد موجودة فيه قبل الفسق، فكان التعليل تحصيلاً للحاصل.

      وقد أورد على هذا بأنه استدلال بمفهوم المخالفة، وهو غير حجة أو هو حجة ظنية، والظن لا يكتفى به في الأصول.

      فيقال: إن هذا المفهوم مما تؤيده الفطرة وعمل الأمة، من التفريق بين خبر العدل والفاسق حتى عند العامة، فالتثبت هنا معلل بالفسق، فبعدم الفسق لا يؤمر بالتثبت.

      3- قوله تعالى: (فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)(النحل:43) وأهل الذكر يعم الواحد والعدد، حيث لم يقل:سلوا عدد التواتر منهم. فيلزم الجاهل سؤال من وجده من أهل العلم. وتقوم عليه الحجة بخبر الواحد منهم. واعترض على هذا الدليل بما يأتي:

      (أ) أن قوله (فاسألوا) ليست صيغة أمر. وإن سلم ذلك فلا تفيد الوجوب.

      فيقال: إن صيغة: افعل ونحوها. من أصرح الصيغ في الدلالة على الأمر عند المحققين من أهل الأصول.

      والأمر المطلق يفيد الوجوب، وإنما يصرف عنه لقرينة.

      (ب) أن المراد هنا الاستفتاء من أهل العلم. ونحن نقول بقبول قول المفتي.

      فيقال: ظاهر الآية أمر كل من جهل حكماً أن يسأل أهل الذكر - وهم أهل العلم بالشرع وأدلته فيعم سؤال المجتهد لغيره، وسؤال المقلد، حيث لا دليل على التخصيص.

      (ج) ظاهر الآية الأمر بالسؤال الذي يحصل منه العلم بالمسؤول عنه؛ لأنه إنما أمر بالسؤال عند عدم العلم. فالتقدير:

      اسألوا حتى يحصل لكم العلم بما لا تعلمونه. ولما كان خبر الواحد إنما يحصل الظن دل على أنه ليس هو المطلوب هنا وإنما المطلوب السؤال الذي يتم به العلم، وهو المتواتر.

      فيقال: سبق أن استدل بالآية على أن خبر الواحد يفيد العلم، وحينئذ يبطل هذا الاعتراض؛ مع أن ظاهر الآية أمر كل من جهل حكماً أن يسأل عنه أهل العلم الذي يعم الجزم بالمعلوم والظن الغالب.

      4- قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط)(المائدة:8).

      والأمر للوجوب. وإذا تحمل الإنسان علماً عن الرسول صلى الله عليه وسلم فمن القيام لله والشهادة بالقسط إبلاغه والإخبار به، ووجوب ذلك عليه دليل وجوب القبول منه.

      قالوا: الأمر لا يفيد الوجوب، ثم إن قدر أنه يفيده لم يجب على كل أحد القيام لله والشهادة بالقسط إلا إذا كان خبره مما يجب قبوله، ولا يجب قبول خبره إلا إذا كان قائماً لله شاهداً بالقسط، فيلزم الدور. فيقال: قد عرف أن مطلق الأمر للوجوب، ما لم يصرفه صارف، وأما الدور الذي زعموه فغير مسلم، فكل مؤمن مأمور بالقيام لله والشهادة بالقسط، ليحصل البلاغ، ولا يرده عدم قبول خبره؛ كما لم يرد الرسل عدم القبول منهم، قال تعالى: (إن عليك إلا البلاغ)(الشورى:48).

      5- قوله تعالى: (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بينَّاه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون)(البقرة:159)، فكل من أخفى شيئاً من الدين مع الحاجة إليه فهو متوعد بما في الآية، ولو لم يجب العمل بخبره لم يكن في إظهاره فائدة.

      (أ) قالوا: لعل المراد القرآن، فهو الذي يطلق عليه اسم المنزل.

      فيقال: لما كانت السنة من الدين، ولها حكم القرآن في العمل أحياناً، كان كتمانها حراماً كالقرآن، فتدخل في عموم الآية.

      مع أن السنة قد يطلق عليها أنها منزلة، حيث إنها مما علمه الله محمداً صلى الله عليه وسلم.

      (ب) قالوا: إنما الوعيد على الكتمان، ولم تتعرض الآية لحكم قبوله من الآحاد، كما أن الفاسق يجب عليه البيان لما يعلمه مع أنه لا يقبل منه.

      فيقال: قد تقرر أن الله أوجب على أهل العلم البيان، وأوجب على أهل الجهل السؤال، ولا شك أن الوعيد يعم من كتم العلم ولو واحداً، وإذا تحقق تحريم الكتمان دل على أن كل من أظهر علماً دينياً لزم كل من سمعه قبوله، ولو لم يسمعه إلا من واحد، للعموم، أما الفاسق فلم يقبل خبره لفسقه، لا لأن خبره خبر واحد، وهو مكلف قبل البيان بالتوبة، ليزول عنه المانع فيقبل خبره.

      (ج) قالوا: إن المراد وجوب إظهار كل فرد ما علمه؛ لينضم خبره إلى خبر غيره؛ فيتألف من الجميع التواتر المفيد للعلم.

      فيقال: لا دليل على هذا التخصيص، بل التحريم يعم من كتم علماً ولو شخصاً واحداً، فبقتدير فقد العلم في البلد إلا معه يكلف بالبيان، ويلزم قبول بيانه وخبره.

      6- قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إنه ولكن إذا دعيتم فادخلوا)(الأحزاب:53) ويجوز الاكتفاء بإذن الشخص الواحد ودعوته، لعدم تعيين العدد في النص، قال الحافظ في الفتح: وهذا متفق على العمل به عند الجمهور، حتى اكتفوا فيه بخبر من لم تثبت عدالته لقيام القرينة فيه بالصدق. اهـ.

      ومن تتبع الآيات وجد فيها كثيراً من هذا الضرب، وإذا كان في بعضها احتمالات فإنها بمجموعها تُقوي دلالتها، فيتحصل من الجميع دليل قطعي، كما أن خبر الواحد دلالته عندهم ظنية، فبعد توافق الآحاد تبلغ التواتر فتكون دلالتها قطعية.

      النوع الثاني: السنة النبوية:

      وقد اشتهر عن النبي صلى الله عليه وسلم قبول خبر الواحد والعمل به في مواضع كثيرة، سيأتي لها أمثلة إن شاء الله تعالى.

      وقد حكى الله عن بعض الأنبياء السابقين ما يدل على قبولهم لخبر الواحد.

      فإن موسى عليه السلام قبل خبر الرجل الذي جاء (من أقصا المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين * فخرج منها خائفاً يترقب)(القصص:20-21) وكذا قبل خبر نصف رجل، حيث صدق بنت صاحب مدين التي قالت له: (إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا)(القصص:25)، وقبل خبر أبيها في دعواه أنهما إبنتاه، فتزوج إحداهما بناء على خبره.

      وقبل يوسف عليه السلام خبر الرسول الذي جاءه من عند الملك وقال له: (أرجع إلى ربك فسئله ما بال النسوة التي قطعن أيديهن)(يوسف:50) وثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي) وقد أورد الإمام البخاري في صحيحه في هذا الباب أكثر من عشرين حديثاً وتوسع كثير من العلماء في سرد الأدلة من السنة.

      ونحن نورد هنا ما تيسر منها مع الإشارة أحياناً إلى دلالتها باختصار:

      1- فمنها: حديث مالك بن الحويرث حين وفد مع بعض قومه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وفيه قال: (إذا حضرت الصلاة فيؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم) متفق عليه.

      2- وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يمنعن أحدكم أذان بلال من سحوره، فإنه يؤذن بليل، ليرجع قائمكم ويوقظ نائمكم) رواه البخاري وغيره.

      3- وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم) متفق عليه.

      ودلالة هذه الأحاديث في الأمر بتصديق المؤذن وهو واحد، والعمل بخبره في فعل الصلاة، والعلم بدخول وقت الصلاة، وأول وقت الإفطار والإمساك، مع أن هذه من العبادات التي تختل بتغير وقتها.

      ولم يزل المسلمون في كل زمان ومكان يقلدون المؤذنين، ويعملون بأذانهم في أوقات مثل هذه العبادات، وإن هذه لأوضح دليل على وجوب العمل بخبر الواحد.

      وقد كثرت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قولاً وفعلاً في الدلالة على تكليف الآحاد أو غيرهم.

      4- فروى الشافعي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (نضر الله عبداً سمع مقالتي، فحفظها ووعاها وأداها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه).

      وقد رواه أحمد والدارمي، وأهل السنن إلا النسائي عن زيد بن ثابت بنحوه، وورد معنى ذلك مرفوعاً عن أنس، وأبي سعيد، وجبير بن مطعم، والنعمان بن بشير وغيرهم، روى ذلك الإمام أحمد والترمذي، والحاكم وغيرهم.

      ووجه دلالته أنه أمر كل عبد يسمع مقالته أن يبلغها، مع إمكان كونه غير فقيه.

      والعبد حقيقة للشخص الواحد، ولا يأمره إلا وخبره مما تقوم الحجة به.

      5- وعن عبيد الله بن أبي رافع ، عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته، يأتيه الأمر من أمري يقول: لا أدري؟ ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه، ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه). رواه الشافعي وأحمد وأبو داود والترمذي والحاكم وغيرهم. فانظر كيف ذكره على وجه الذم، لرده أمر الرسول صلى الله عليه وسلم الذي لم يجده في القرآن، فمن رد خبر الواحد الثقة صدق عليه الذم الوارد في هذا الحديث.

      6- ومثل ذلك: قوله صلى الله عليه وسلم (من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار). وهو حديث مشهور، رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم أبو هريرة، وابن مسعود، وعبدالله بن عمرو بن العاص بنحوه، أخرجه بعض أهل السنن والمسانيد، وذكر ابن عبدالبر بعض طرقه في أول كتابه (جامع بيان العلم) وترتب الوعيد على كتم العلم دليل على أن بيانه مما يجب قبوله والعمل به ولو من واحد، فإنه لو لم يقبل منه لم يكن في إظهاره فائدة، فلم يستحق هذا العقاب.

      ولقد اشتهر بعث النبي صلى الله عليه وسلم الآحاد من صحابته، واعتماده على أخبارهم فيما يترتب على تحققها.

      7- فمن ذلك: ما في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة وزيد بن خالد في قصة العسيف. وفيه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (واغد يا أنيس - لرجل من أسلم إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها) فاعترفت فرجمها.

      فقد اعتمد صلى الله عليه وسلم خبره في اعترافها، مع ما فيه من إقامة حد، وقتل نفس مسلمة.

      8- ومنها: ما رواه الإمام أحمد والشافعي، ومالك وغيرهم، عن رجل من الأنصار أنه قبل - امرأته وهو صائم، فأرسل امرأته تسأل فدخلت على أم سلمه، فأخبرتها أم سلمه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله، فما زاده إلا شراً، وقال: لسنا مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحل الله لرسوله ما شاء، فرجعت المرأة إلى أم سلمه فوجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم عندها فقال: (ما بال هذه المرأة) فأخبرته أم سلمه، فقال: (ألا أخبرتيها أني أفعل ذلك؟) فقالت أم سلمه: قد أخبرتها فذهبت إلى زوجها فأخبرته، فزاده ذلك شراً، وقال: لسنا مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحل الله لرسوله ما شاء، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: (والله إني لأتقاكم لله ولأعلمكم بحدوده).

      ففيه أن خبر أم سلمه مما يجب قبوله، وكذلك خبر امرأته وهي واحدة.

      9- ومنها : ما رواه البخاري وغيره عن جابر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الأحزاب: (من يأتيني بخبر القوم؟) فقال الزبير: أنا. مرتين. فقال صلى الله عليه وسلم: (إن لكل نبي حواري، وحواريي الزبير) فانظر كيف اكتفى بخبر الزبير عن الأحزاب، وهو واحد.

      10- ومنها: قصة الوليد بن عقبة بن أبي معيط، لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق ليقبض زكاتهم، فرجع وقال: إنهم منعوا الزكاة فغضب النبي صلى الله عليه وسلم. وهم بغزوهم، رواه الإمام أحمد ابن أبي حاتم، والطبراني بإسناد حسن عن الحارث بن أبي ضرار، والد جويرية أم المؤمنين، وهو ممن جرت عليه القصة.

      وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم غضب بعد خبر الوليد، وبعث البعث إلى الحارث حتى إذا استقل البعث، وانفصل عن المدينة، لقيهم الحارث قادماً إلى المدينة.

      ورواه ابن جرير عن أم سلمه، وفيه: فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون.

      ورواه ابن جرير أيضاً عن عطية العوفي، عن ابن عباس، وقال فيه: فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك غضباً شديداً، فبينما هو يحدث نفسه أن يغزوهم إذ أتاه الوفد.

      وقد روى هذه القصة مرسلة ابن أبي ليلى، ويزيد بن رومان، والضحاك، ومقاتل وغيرهم.

      ولو لم يكن العمل بخبر الواحد جائزاً لما هم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، ولأنكره الله عليه، كما أنكر عليه عدم التثبت في خبر الفاسق.

      وأما رواية بعث خالد بن الوليد للتثبت من أمرهم، فإنما رويت مرسلة عن قتادة ومجاهد، ولعل ذلك في قصة أخرى بعد نزول الآية امتثالاً للأمر بالتثبت.

      ولقد تواتر عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يبعث الآحاد إلى الجهات القريبة والبعيدة، ويحملهم أمور الدعوة والتبليغ، ويعتمد الناس أخبار أولئك الإفراد، من غير أن يكون تفردهم مسبباً لوجود الشك في خبر أحدهم.

      11- فمن ذلك: ما رواه الشافعي في الرسالة بإسناد صحيح عن عمرو بن سليم الزرقي عن أمه قالت: بينما نحن بمنى إذا علي بن أبي طالب على جمل يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن هذه أيام طعام وشراب فلا يصومن أحد). فاتبع الناس وهو على جملة يصرخ فيهم بذلك.

      وهو صلى الله عليه وسلم لا يبعث الواحد إلا وقد عرف لزوم قبول خبره فيما بلغه عنه، وإلا يكون بعثه عبثاً.

      12- ومثله : حديث يزيد بن شيبان قال: كنا في موقف لنا بعرفة، بعيداً عن موقف الإمام، فأتانا ابن مربع الأنصاري فقال: أنا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكم يأمركم أن تقفوا على مشاعركم، فإنكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم. رواه أهل السنن الأربعة وغيرهم.

      13- وفي الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال لأهل نجران: (لأبعثن إليكم رجلاً أميناً حق أمين) فبعث أبا عبيدة وهو دليل على وجوب قبول ما بلغهم عنه.

      14- وروى البخاري وغيره عن سلمه بن الأكوع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل من أسلم: (أذن في قومك يوم عاشوراء أنه من أكل فليتم بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم)، وبعث صلى الله عليه وسلم أبا بكر سنة تسع على الحج، فأقام للناس مناسكهم نيابة عنه صلى الله عليه وسلم، وبعث علياً تلك السنة فنبذ إلى قوم عهودهم، وبلغ عنه أول سورة براءة، وبعث قيس بن عاصم، والزبرقان بن بدر، ومالك بن نويرة، إلى عشائرهم، لتعليمهم الأحكام، وقبض الزكاة، وبعث معاذاً وأبا موسى، وعماراً وغيرهم إلى جهات متفرقة باليمن، ونحو ذلك كثير، واشتهر أيضاً بعثه الأمراء في السرايا والبعوث، وأمره بطاعتهم في ما يخبرون عنه.

      ومن أشهر ذلك كتبه التي يبعثها إلى الملوك في زمانه، التي يتولى كتابتها واحد، ويحملها شخص واحد غالباً، كما بعث دحية الكلبي بكتابه إلى هرقل عظيم الروم، وعبدالله بن حذافة إلى كسرى.

      وذكر الشافعي أنه بعث في دهر واحد اثني عشر رسولاً، إلى اثني عشر ملكاً يدعوهم إلى الإسلام، وهكذا كتبه التي يبعثها إلى ولايته وعماله بأوامره وتعليماته، يكتبها واحد، ويحملها واحد، ولم يتوقف أحد منهم في قبولها، واستمر على هذا عمل المسلمين بعده إلى اليوم، من غير نكير فكان إجماعاً.

      شبه للخصوم حول هذا الدليل:

      1- قالوا: إن هذه الأحاديث لا تخرج عن كونها آحاداً، فلا يستدل بها على قبول الآحاد، لما يلزم منه من الدور.

      فيقال: إن بعض هذه الأخبار قد روي من طرق كثيرة، بلغ حد الاستفاضة، ولو استقصينا طرقها وشواهدها لطال الكلام.

      ثم إنها وإن كانت آحاداً فهي لكثرتها وتعدد جهاتها ملحقة بالمتواتر المعنوي، الذي يفيد القطع بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكتفي بالآحاد، ويبني على خبرهم.

      2- قالوا : إن القصد من بعث أولئك الرسل ونحوهم التعليم والفتوى، والقضاء، وقبض الزكاة، أما أدلة الأحكام فلم يؤمروا بتبليغها، فلا تدل على المراد.

      فيقال: لا شك أنه بعثهم إلى أناس لم يعرفوا شيئاً من الدين في الأغلب، وقد كان تعليمهم من موجب الرسالة، فاكتفى صلى الله عليه وسلم ببعث أولئك الآحاد الذين بلغوهم ما يلزمهم في الإسلام من عبادات ومعاملات، فمن خص تعليهم بنوع منها فقد كذب الواقع المحسوس.

      ثم لو قدر أنه بعثهم لقبض الزكاة ونحوها، وكان خبر الواحد، لا يقبل، لم يلزم المبعوث إليهم تسليمهم الزكاة، ولا قبول فتواهم وحكمهم، لكونهم بلغوا أصول الدين وهم آحاد.

      3- قالوا : يمكن أن يكون بعث الواحد لينضم إلى من سبقه في ما يبلغه، حتى يبلغ حد التواتر الذي يفيد العلم.

      فيقال: وهذا التخصيص مما لا دليل عليه أيضاً، فإن أهل تلك الجهات تقبلوا منهم ما بلغوه، وطبقوه لأول مرة، فلم ينقل أن أحداً منهم توقف حتى يتواتر الخبر، ولم ينكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم مبادرتهم إلى العمل بأول خبر.

      ولم ينقل أنه بعث إلى كل جهة أكثر من واحد، إلا في القليل النادر، فإن سعة البلاد، وبعد المسافات، وقصر زمن النبوة منذ قوي الإسلام، وكون المبعوثين معروفي الأسماء والجهات، مما يؤكد أنه لم يكن أهل جهة من تلك الجهات النائية وصلت إليهم تفاصيل الشريعة وأدلة الأحكام بطريق التواتر في تلك السنوات القليلة.

      النوع الثالث: إجماع سلف الأمة على قبول أخبار الآحاد:

      وقد نقل عن الصحابة والتابعين من الآثار الدالة على اكتفائهم بخبر الواحد ما لا يحصى إلا بكلفة، فنشير إلى طرف من ذلك.

      1- ففي الصحيحين عن ابن عمر قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح، إذ جاءهم آت فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل القبلة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة.

      وقد رويت هذه القصة عن البراء، وأنس، وابن عباس، وعمارة بن أوس، وعمرو بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وسهل بن سعد، وعثمان بن حنيف، وغيرهم من طرق كثيرة.

      فانظر كيف اعتمدوا خبر هذا الشخص، وتحولوا عن قبلة كانت متحققة الثبوت عندهم، ولا شك أن قد اطلع النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، ولم ينقل أنه أنكر عليهم.

      2- وفي الصحيحين أيضاً عن أنس قال: كنت أسقي أبا طلحة وأبا عبيدة، وأبي بن كعب شراباً من فضيخ، فجاءهم آت، فقال: إن الخمر قد حرمت. فقال أبو طلحة: قم يا أنس إلى هذه الجرار فاكسرها. فقد أقدموا على إتلاف مال محترم، تصديقاً لذلك المخبر، وهم من أهل القدم في الإسلام، ولم يقولوا: نبقى على حلها حتى يتواتر الخبر، أو نلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم. مع قربهم منه، ولم ينقل أنه أنكر عليهم عدم التثبت.

      3- وعن أبي موسى في قصة دخول النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الحائط وقوله: لأكونن بواب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فجاء أبو بكر فقلت: على رسلك حتى أستأذن لك رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهبت فاستأذنت له فقال: (أذن له وبشره بالجنة) ثم جاء عمر ثم عثمان فكان شأنهما كذلك، متفق عليه مطولاً.

      فقد اعتمد هؤلاء الصحابة الأجلاء خبر أبي موسى وحده في الإذن.

      4- ومثله حديث عمر الطويل المتفق عليه لما احتجر النبي صلى الله عليه وسلم في مشربه له، فجاء عمر فقال للغلام: استأذن لعمر. فأذن له فدخل. فقد قبل عمر خبر هذا الغلام وحده، مع أن الله نهى عن دخول بيوت النبي صلى الله عليه وسلم إلا بإذن.

      5- وفي حديث عمر المذكور أنه كان له جار من الأنصار، يتناوب معه النزول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا غاب أحدهما أتاه الآخر بما حدث وتجدد من الوحي والأخبار، وهو ظاهر في أن كلاً منهما يعتمد نقل صاحبه.

      6- وروى أحمد وأبو داود، وابن ماجة والترمذي وصححه أن عمر رضي الله عنه كان يجعل الدية للعاقلة، ولا يورث الزوجة منها حتى أخبره الضحاك بن سفيان أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كتب إليه أن يروث امرأة أشيم الضبابي من ديته، فرجع إليه عمر.

      7- وروى أحمد أيضاً وأبو داود وابن ماجة وغيرهم، عن ابن عباس أن عمر قال: أذكر الله امرأ سمع من النبي صلى الله عليه وسلم في الجنين شيئاً، فقام حمل بن مالك فقال: كنت بين جارتين لي، فضربت إحداهما الأخرى بمسطح، فألقت جنيناً ميتاً، فقضى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بغرة، فقال عمر: لو لم نسمع به لقضينا بغيره.

      8- وهكذا رجع عمر بالناس حين خرج إلى الشام فبلغه أن الوباء قد وقع بها، لما أخبره عبدالرحمن بن عوف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا سمعتم به ببلدة فلا تقدموا عليه) متفق عليه.

      9- وقبل خبر عبدالرحمن أيضاً في أخذ الجزية من مجوس هجر، بعد أن قال: ما أدري كيف أصنع في أمرهم رواه البخاري وأحمد والدارمي وأبو داود والترمذي وغيرهم.

      10- وروى البخاري أيضاً، وأحمد وغيرهما، عن ابن عمر أن سعداً حدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يمسح على الخفين، وأن ابن عمر سأل عن ذلك عمر فقال: نعم إذا حدثك سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً فلا تسأل عنه غيره.

      11- وروى أحمد والشافعي ومالك وأهل السنن وغيرهم حديث الفريعة بنت مالك، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: (امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله).

      قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا، قالت: فلما كان عثمان أرسل إلي يسألني عن ذلك، فأخبرته فاتبعه وقضى به.

      فقد قبل عثمان رضي الله عنه خبر هذه المرأة وقضى به بين الصحابة.

      12- وكذا قبل زيد بن ثابت خبر أم سليم بنت ملحان في أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها وهي حائض أن تنفر وتدع طواف الوداع، بعد ما اختلف مع ابن عباس في ذلك، والخبر رواه الشافعي وأحمد والبيهقي وغيرهم.

      13- وكذا رجع كثير من الصحابة إلى خبر عائشة في الاغتسال من التقاء الختانين، وقد كانوا لا يرونه. متفق عليه.

      14- وثبت عن ابن عمر أنه قال: كنا نخابر ولا نرى بذلك بأساً، حتى زعم رافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنها، فتركناها من أجل ذلك.

      فانظر كيف اعتمد خبر رافع وحده، وترك ما كان يعتقده مباحاً، تقديماً لما نسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

      15- ورجع ابن عباس إلى خبر أبي سعيد في تحريم ربا الفضل، وقد اشتهر عنه القول بإباحته.

      16- وهكذا عمر بن عبدالعزيز لما حكم على مخلد بن خفاف أن يرد غلة ذلك العبد الذي ظهر فيه على عيب، فأخبره عروة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أن الخراج بالضمان، فنقض حكمه، وقدم الحديث المرفوع، وإن كان خبر واحد. وبالجملة فعمل الصحابة والتابعين بخبر الواحد لا يمكن إنكاره بل إنهم يشنعون على من رده، ويغلظون عليه في الإنكار.

      ولم ينقل أن أحداً منهم قال: إن هذا خبر واحد يمكن عليه الخطأ، فلا تقوم به الحجة حتى يتواتر، ولو قال أحد منهم ذلك لنقل إلينا.

      ولا يظن أنهم قبلوها لما احتف بها من القرائن، أو ألحقوا تلك الوقائع بغيرها على طريق القياس، أو نحو ذلك من التقديرات التي لا دليل عليها، فإنه يمكن تقدير ذلك في دلالات القرآن، والأخبار المتواترة، وذلك فيه إبطال لجميع الأدلة الشرعية.

      ولو كان اعتمادهم على غير هذه الأخبار فقط، أو عليها معها لنقل إلينا. بل إن مما يبطل هذه الاحتمالات تصريح بعضهم بأن اعتماده لم يكن إلا على النص كما قال عمر: لو لم نسمع هذا لقضينا بغيره.

      6- الخبر المرسل:

      وهو عند أهل الحديث ما رفعه التابعي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وعند الأصوليين يعم ما رفعه من دون التابعي، والأول هو المشهور في كتب الحديث والأحكام، ولا خلاف في رد ما أرسله من دون التابعين.

      أما ما أرسله الثقة من التابعين فقد اختلف في قبوله، فاحتج به مالك وأبو حنيفة وأصحابه، وقيل: إن أول من صرح برده الإمام الشافعي وعلل ذلك بالجهالة بحال المحذوف بعد التابعي، فإنه يحتمل أن يكون تابعياً آخر ويكون ضعيفاً، وعلى تقدير أنه ثقة فقد يروي عن تابعي ثالث ويكون غير ثقة، وبهذا الاحتمال توقف الشافعي و غيره في قبوله حتى يتقوى بغيره.

      وقد قبل الشافعي مراسيل سعيد بن المسيب، وعلل بأنها تُتبعت فوجدت مسانيد، وصرح بقبول مراسيل كبار التابعين الذين لا يروون إلا عن ثقات، بأن يكون أحدهم إذا سمى لم يسم إلا ثقة.

      وكذا إذا ورد المرسل من جهة أخرى مسنداً أو مرسلاً عن ثقات غير رواة الأول، أو تقوى بقول بعض الصحابة، أو بفتوى أكثر العلماء، فإن هذه الأمور مما يتقوى بها فيقبل، وأما من احتج به من الأئمة فقال: إن التابعي عدل في نفسه، وقد جزم بالحديث مرفوعاً، مع علمه بتحريم الكذب في الحديث، فجزمه دليل تأكده من صحته.

      وبالغ بعضهم حتى فضله على المتصل، وقال: إن من أسند فقد أحالك، ومن أرسل فقد تكفل لك.

      ولكن قد عرف أن بعض من يروي الحديث يذكره لتقوية حجته، أو لقطع خصمه، ونحو ذلك مما يحمله على التساهل في الجزم، وقد يثق ممن حدثه ويكون غير ثقة، وكثيراً ما يروي المحدث عن شيخ له، فإذا سئل عنه توقف في تعديله وقد يجرحه. ثم إن هذا الخلاف إنما هو بالنسبة لمراسيل غير الصحابة، فأما الصحابة فاتفق الأئمة على قبول مراسيلهم، لأنهم إنما يروون عن ثقة، وكثيراً ما يروي بعضهم عن بعض وكلهم عدول.

      ويندر أن يروي الصحابي عن أحد من التابعين، والنادر لا اعتبار به، وخالف في ذلك ابن حزم وأبو حامد الإسفرائيني وغيرهما، والصحيح الأول.



      2- زيادة الثقة:

      ويراد بها أن يروي جماعة من الثقات حديثاً عن شيخ، وينفرد أحدهم فيه بزيادة لا تخالف رواية الباقين، ومثاله ما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر على كل حر أو عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين. فإن مالكاً تفرد بزيادة: من المسلمين. دون بقية من رواه عن نافع.

      وهكذا لو انفرد الثقة بوصل الإسناد أو رفع الموقوف ونحو ذلك. ومثاله ما رواه مالك قال: بلغنا أن أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (للمملوك طعامه وكسوته). هكذا في الموطأ معضلاً. وقد رواه إبراهيم بن طهمان والنعمان بن عبدالسلام، عن مالك، عن محمد بن عجلان، عن أبيه عن أبي هريرة، فتقبل زيادتهما لثقتهما، وإن كان رواة الموطأ أكثر عدداً.

      والصحيح عند المحدثين قبول زيادة الثقة مطلقاً، فإنها بمنزلة الحديث المستقل، وتفرد الثقة بالحديث مقبول، وفرق بعضهم بين ما إذا اتحد المجلس أو تعدد، فتقبل في الثاني، أما الأول ففيها تفصيل.

      والأرجح قبولها، فإن من ذكرها مثبت، ومن تركها لم ينقل عنه نفي ولا إثبات؛ ثم إنه محتمل أنه لم ير موجباً لذكرها، فاقتصر على محل الشاهد وأنه نسيها، أو لم يتقن حفظها، أو قام قبل التحديث بها، أو دخل بعد أن فاته بعض الحديث أو نحو ذلك.



      3- خبر الواحد فيما تعم به البلوى:

      ويراد به الخبر الذي يتعلق بأمر من الأمور التي تقع كثيراً بين المسلمين يحتاجون إلى الاستفسار عن حكمها، أو يكون الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم كثرة وقوعها فيهتم ببيانها، كنقض الوضوء بمس الذكر، أو بالقهقهة، وعدم الإفطار من الأكل ناسياً، ونحو ذلك. فإذا لم ينقل الأخبار المبينة لأحكام هذه الحوادث إلا آحاد لم يقبل عند بعض الحنفية لأن هذه الأشياء مما يبتلى بها الناس، ولا يحل للنبي صلى الله عليه وسلم أن يخص بتعليمها الآحاد، فلابد أن يكون قد بين حكمها لكثير من الصحابة، فتشتهر وتتوفر الدواعي على نقلها، فانفراد هذا الراوي بها دليل خطئه.

      والصحيح إن شاء الله قبولها كما تقبل في سائر الأحكام، فإن هذه الأشياء وإن كانت تقع كثيراً لكن لا يلزم أن يحتاج كل فرد إلى معرفة حكمها قبل أن تحدث عليه، وقد لا يجري عليه شيء منها طوال عمره، ومن عرف حكمها فقد لا يجد مناسبة للتحديث بها، وقد يعتقد معرفة الناس لمثلها، وقد يكتفي بغيره في التحديث بحكمها، ولا يلزم حينئذ أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم أسرَّ بعض الأحكام إلى خواص من أصحابه، وأن بعض الصحابة كتموا شيئاً من الدين يجب عليهم بيانه، وقد سبق أمثلة من عمل الصحابة بأخبار الآحاد فيما تعم به البلوى.

      4- خبر الواحد في الحدود:

      إذا عرف وجوب العمل بخبر الواحد في الأحكام لم يكن هناك فرق بين ما يتعلق بالحدود والكفارات وغيرها، فإن الجميع من الأحكام الشرعية التي بينتها الأحاديث، فيقبل فيها ما يقبل في غيرها.

      وقد رد بعض الحنفية خبر الواحد فيما يتعلق بالحدود، لقوله صلى الله عليه وسلم: (ادرؤوا الحدود بالشبهات) ولأن خبر الواحد مظنون، فلا يقدم به على القطع والرجم والجلد ونحوها.

      والصحيح قبوله فيها، كما أنها تثبت بالشهادة التي هي ظنية، وخبر الواحد، وإن كان ظنياً فقد أثبتت به سائر الأحكام.

      فأما الحديث المذكور فهو ضعيف، رواه ابن ماجه بمعناه عن أبي هريرة، وفي سنده إبراهيم بن الفضل وهو ضعيف، وفي الباب عن عائشة، وعلي، وابن عباس، وكلها ضعيفة لا تخلو أسانيدها من مقال كما في نيل الأوطار وغيره.

      وقد يكون معناه الأمر بالتثبت في البينة والإقرار ونحوها مخافة الخطأ، بخلاف ما إذا ورد حديث صحيح يتعلق بأحكام العقوبات ونحوها، فليس هناك شبهة تدل على رده.



      5- خبر الواحد إذا خالفه الراوي:

      اشتهر عن بعض الحنفية تقديم رأي الصحابي على روايته، ومثلوه بما رواه أبو هريرة مرفوعاً من الأمر بغسل الإناء بعد ولوغ الكلب سبعاً، كما في الصحيحين. فقد روى الدار قطني عن أبي هريرة أنه اكتفى بغسله بثلاث.

      قالوا: لأن الصحابي أعلم بما روى، فلولا معرفته بأن الخبر ليس على ظاهره لما خالفه، فلابد أنه اطلع على ما ينسخه أو يخصصه أو نحو ذلك؛ فإن مخالفته بدون مبرر تعتبر قدحاً في عدالته.

      والصحيح العمل بالرواية التي صرَّح برفعها إلى النبي صلى الله عليه وسلم كسائر رواياته، فإن الحديث إذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم تحتم على الأمة العمل به، لا يترك الخلاف أحد كائناً من كان.

      فأما مخالفة راويه له فإنه من الممكن أن ينساه، أو لا يستحضره وقت الفتيا، أو لا يتفطن لدلالته، أو يتأوله خطأ، أو يقوم عنده ما يعارضه ويكون في الحقيقة غير صالح للمعارضة، أو يقلد غيره ممن يعتقده أفقه منه، ثم لو قدر انتفاء هذه الاحتمالات ونحوها فهو غير معصوم، ومخالفته لهذا الحديث الواحد لا تسقط عدالته، فيجب العمل بالحديث المرفوع وطرح ما سواه.



      6- خبر الواحد إذا خالف القياس:

      إذا عرف أن الشرع جاء بما يوافق الفطر، وبما تتقبله العقول، لم يتصور أن يأتي بشيء يخالف المصلحة العامة أو الأدلة الواضحة.

      ولما كانت أخبار الآحاد الصحيحة متحققة الثبوت، أو مفيدة للظن الغالب، لم يكن بد من كون ما تضمنته موافقاً لما تهدف إليه الشريعة من المصلحة العامة، وبهذا تعرف أنه لا يأتي خبر صحيح مخالف للقياس الصحيح، كما صرح بذلك بعض المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية.

      فإنه قال في مجموع الفتاوى: وفي الجملة فما عرفت حديثاً صحيحاً إلا ويمكن تخريجه على الأصول الثابتة، وقد تدبرت ما أمكنني من أدلة الشرع، فما رأيت قياساً صحيحاً يخالف حديثاً صحيحاً كما أن المعقول الصريح لا يخالف المنقول الصحيح، بل متى رأيت قياساً يخالف أثراً فلابد من ضعف أحدهما، لكن التمييز بين صحيح القياس وفاسده مما يخفى كثير منه على أفاضل العلماء، فضلاً عمن هو دونهم.

      فإن إدراك الصفات المؤثرة في الأحكام على وجهها، ومعرفة الحكم والمعاني التي تضمنتها الشريعة، من أشرف العلوم، فمنه الجلي الذي يعرفه كثير من الناس، ومنه الدقيق الذي لا يعرفه إلا خواصهم، فلهذا صار قياس كثير من العلماء يرد مخالفاً للنصوص، لخفاء القياس الصحيح عليهم، كما يخفى على كثير من الناس ما في النصوص من الدلائل الدقيقة التي تدل على الأحكام. اهـ.

      ولقد تتبع رحمه الله في هذا الموضع وغيره أكثر الأحاديث التي قيل إنها مخالفة للقياس، فخرجها على القواعد الشرعية، وبين موافقتها للمصلحة.

      ثم لو قدرت المعارضة ظاهراً فإن الخبر أصل ودليل برأسه، فيكون هو المقدم في العمل به على ما يتصور مخالفته من قياس أو استحسان.

      ولقد أطال المتكلمون ذكر الخلاف في هذا الباب، وأكثروا من حكاية الأقوال فيه، وقد نسب تقديم القياس على الخبر إلى بعض الأئمة كمالك وأبي حنيفة، ولا يصح عنهما بإطلاق، فإن مالكاً يقول بحديث المصراة مع مخالفته للقياس عندهم وكذلك يجعل دية أصابع المرأة في الثلاثة ثلاثين بعيراً، وفي الأربعة عشرين، وهكذا أبو حنيفة لا يخالف الحديث الصحيح لقياس و لا غيره فقد عمل بحديث الوضوء بالنبيذ في السفر، وبحديث بطلان الوضوء بالقهقهة في الصلاة: لاعتقاده صحتهما مع مخالفتهما للقياس.

      وقد نسب إلى أبي حنيفة رد خبر الواحد إذا خالف الأصول كالاستحسان والاستصحاب، وأنا أعتقد أن أكثر تلك الروايات التي تحكى عن هؤلاء الأئمة مخالفة للقواعد الشرعية لا تصح عنهم، وإنما خرجها على مذاهبهم بعض من غلا في تقليدهم، عندما وجد لهم أقوالاً اعتمدوا فيها القياس، حيث لم تبلغهم الأحاديث فيها، أو لم تتضح لهم دلالتها، فأراد بعض أتباعهم أن يعتذر عنهم بأن تلك الأحاديث آحاد قد خالفت الأصول؛ ثم أضيفت تلك القواعد إلى مذاهب الأئمة لشهرتها عند أتباعهم، ثم إن بعض الأصوليين فرق في خبر الواحد بين ما إذا كان راويه فقيهاً فيقدم على القياس بخلاف خبر غير الفقيه.

      ومنهم من فصل في علة القياس بين المنصوصة والمستنبطة، ثم بين وجود العلة في الفرع قطعاً أو ظناً، ومثلوا للمنصوصة بما لو قال الرسول صلى الله عليه وسلم لا تبيعوا البر بالبر متفاضلاً لأنه مقتات ومدخر؛ فيدخل الأرز في الحكم، لوجود العلة فيه قطعاً فلو جاء خبر بجواز الربا في الأرز لم يقبل، لمخالفته تلك العلة المنصوصة، فأما إن لم ينص على العلة، وإنما استنبطت من الأصل، ثم وجدت في نظيره فهاهنا يقدم الخبر لكون دلالته قطعية إلى آخر تفصيلاتهم التي لا دليل عليها.



      والمختار تقديم الخبر الصحيح مطلقاً لأمور:

      1- أن القياس مختلف في كونه دليلاً.

      2- أن دلالته ظنية غالباً بخلاف الخبر، فإن الأغلب أن تكون دلالته قطعية.

      3- ولأن الخبر إنما ينظر في صحته في دلالته، أما القياس فينظر أولاً إلى حكم الأصل ثم إلى تعليله، ثم إلى تعيين العلة، ثم إلى وجودها في الفرع ثم إلى نفي المعارض في الأصل ثم في الفرع؛ فتطرق الخطأ إليه أكثر.

      4- ولأن تناول العلة لمحل خبر الواحد مظنون لجواز استثنائه.

      5- ولأن الصحابة لم يكونوا يلتفتون إلى رأي أو قياس إذا جاءهم الخبر، كما تقدم قول عمر في الجنين: لو لم نسمع هذا لقضينا بغيره. وفي رواية: إن كدنا أن نقضي في مثل هذا برأينا.

      6- ولما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: (كيف تقضي)؟ قال بكتاب الله. قال: (فإن لم تجد)؟ قال: بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: (فإن لم تجد؟) قال: أجتهد رأيي. فضرب على صدره وقال: (الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يرضى رسول الله). رواه أبو داود والترمذي.

      ففيه أنه أخر الاجتهاد عن السنة التي تعم المتواتر والآحاد. والله أعلم.

      من كتاب: "أخبار الآحاد" لابن جبرين.

      وأخيراً، راجع كتاب قدوم كتائب الجهاد

      ردا على الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي في كتابه السيف الحاد على ما اخذ بحديث الاحاد

      ( قدوم كتائب الجهاد لغزو أهل الزندقة والإلحاد . القائلين بعدم الأخذ بحديث الآحاد في مسائل الاعتقاد)

      تأليف الشيخ عبدالعزيز بن فيصل الرّاجحي


      هذا والله ولي التوفيق والسداد.