مقاطعة امريكا..

    تمر دردشة الساحة الخاصة بالمتصفح والموبايل بفترة صيانة دورية هذا ونعتذر للجميع على الإنقطاع المؤقت بإمكانكم المشاركة في المنتدى لحين عودتها :)

    • مقاطعة امريكا..


      «شارون رجل سلام».. كلمات بوش، قالها خلال مذبحة جنين ومخيمها.. أبدأ بها ورقتي هذه، لأضع البرهان الأكثر وضوحا على عنصرية الحاكم الأمريكي ضدنا.. هذه هي قناعة الحاكم الأمريكي، «إن إبادة العرب هي السلام، ومن يبيدهم فهو رجل السلام.. وقدمت امريكا لشارون مقابل الهجمة البربرية على جنين مكافأة مائتي مليون دولار.. انه موقف يفوق قذارة وانحطاطا موقف النازية من اليهود.. وموقف العنصريين البيض من السود..!!

      «إنشاء اسرائيل هو اعظم عمل قامت به دول العالم»، والعلاقات بين امريكا واسرائيل لها جوانب روحية لا يمكن ان تحويها العلاقات العربية- الأمريكية: الرئيس الأمريكي كارتر (في السبعينات) «الله ينساني إذا نسيتك يا إسرائيل» الرئيس كلنتون

      إن أول ما يجب أن نقر به، هو أن مجريات الأحداث منذ 1967، ومرورا بضرب ومحاصرة العراق، وحتى دعم شارون هذا اليوم، نقلت الولايات المتحدة من موقع القابل أحيانا للمحاورة في نظر بعض العرب، حليف الأنظمة وعدو المستضعفين وحدهم وسند الكيان الصهيوني، إلى موقع العدو الوطني المباشر الذي يفوق عداؤه لنا عداء فرنسا خلال حرب تحرير الجزائر، وعداء بريطانيا خلال حرب تحرير عدن.. أي أنه أصبح فعلا عدوا لكل الأمة بما في ذلك الذين يعتقدون أنه حليفهم في المصالح.. أي الحكام.. والذين أصبح لا يعاملهم إلا باحتقار وباستهانة وسخرية حتى وإن كانوا يخفون ذلك.. لأنهم يخشون شماتة شعوبهم.. كما أنه لم يعد عدوا يدخل من بوابة الاقتصاد، بل أصبح عدو جبهة عسكري بكل ما في الكلمة من معنى، وهذا يظهر ليس فقط في دعمه للعدو الصهيوني، بل في تهديداته لسوريا ولحزب الله وموقفه من المقاومة الفلسطينية وشهدائها، وتهديده وممارساته العسكرية ضد العراق وضغوطه على الضعاف من حكام الدول العربية وابتزازه لهم، وغير ذلك من المواقف الواضحة والتي لا تخفى على أحد..

      وقد جرت العادة أن ينظر الى موضوع المقاطعة العربية لأمريكا من زاوية فوائدها وأضرارها التي تنعكس علينا وعليها، وخصوصا الجوانب الاقتصادية منها. ورغم أهمية هذه الجوانب، إلا أننا نقول ان المعايير الوطنية والأخلاقية، والتي ما زالت لها قيمة عند بعض الأمم، والتي يجب أن تعود لتكون هي المرجع إذا كنا نبحث عن مستقبل غير مظلم للإنسانية بعيد عن قوانين الغاب، هذه المقاييس يجب الا تخضع لمقاييس الربح والخسارة المالية والمصلحية فقط، بل يجب ان تؤخذ بالإعتبار الجوانب الحضارية والقيمية عند البحث فيها.. وهو ما سنبحث به هنا..

      غير أن ما يجب لفت الانتباه له هنا، أن عدم مقاطعة هذا العدو الأمريكي، له من الأخطار المباشرة وغير المباشرة على الأمة العربية ما يفوق بشكل كبير، الآثار الاقتصادية على هذا العدو نفسه. أي أن مقاطعة هي حماية للأمة العربية من هذا العدو، والفشل في تطبيقها سيبقى خطرا حقيقيا عليها إلى أجل غير محدود..

      وعندما نفهم كيف وماذا تريد أمريكا من منطقتنا العربية، ندرك ضرورة مقاطعتها دون شرح ودون برهان.

      1. النفط اولا ودور الكيان الصهيوني

      امريكا تريد من الشرق الأوسط السيطرة على منابع النفط اولا.. ولا تريده لذاتها فحسب، بل لأن السيطرة عليه تعني السيطرة على اقتصاد العالم أي الغرب الأوروبي واليابان..

      إنه موقف استراتيجي اتفق ويتفق عليه كل حكام امريكا من جمهوريين وديموقراطيين، بل ان الجمهوريين الذين لم يبدؤوا أية حرب ضد الدول الأخرى، خاضوا حرب الخليج من اجل النفط..

      إنها قضية استراتيجية.. يضمنها لأمريكا وجود الكيان الصهيوني.. ولا يستطيع ان يضمنها لها أي حاكم عربي مهما بلغت قوته.. ولا تستطيع امريكا ان تهدد كل العالم بالسلاح.. ولكنها تستطيع ان تفعل ذلك من خلال محابس آبار البترول..

      ولهذا هي تريد «اسرائيل».. وتريدها قوية.. لا ضعيفة.. فما جدوى حليف ضعيف يجب ان تساعده كلما تحرك الشعب العربي الذي ما زال نائما؟

      إن «اسرائيل» يجب ان تكون قادرة على التحرك السريع وحدها، وتحقيق الانتصارات وحدها.. دون مساعدة، وأي شيء يقال غير ذلك هو هراء.. ومن اجل ذلك يجب ان يبقى العرب ضعافا، والفلسطينيون بدون حقوق انسانية، وحكام العرب دمى تحرك حسب الحاجة وجيوشهم جيوش قمع شغب فقط.. هذا ما أرادته وتريده أمريكا.. ولهذا هي عدو مباشر.. وكل ما نراه يبرهن ذلك..

      2. هل تشكل المقاطعة خطرا علينا؟

      إن مقاطعة أمريكا لا تشكل أي خطر فعلي على الأمة العربية، بل ان الخطر الحقيقي، هو ما ينتظرنا في حالة استمرار التعامل غير المحدود مع أمريكا، والسماح لها ان تعيث فسادا وخرابا في حياتنا لضمان هيمنتها.. (والأمثلة العراقي والأفغاني وقبله السوفياتي واضحة)

      وهنا لا بد من التذكير ببعض الوسائل الأمريكية لضمان تحقيق أهدافها:

      العمل على رفع الوضع الأمني والعسكري في دولة العدو الصهيوني إلى وضع غير قابل للهزيمة، بطريقتين الأولى رفع القوة الذاتية، وتسليحها بكل الوسائل والأسلحة ومنها أسلحة الدمار الشامل، الثانية ضمان ضعف الخصم المحيط بها، حتى في حالة الصلح.. هذا يعني أن أمريكا تريد خصما ضعيفا حول الكيان الصهيوني، أي دولا عربية مهلهلة قابلة للاختراق والسيطرة، فيها فتن وصراعات وشباب ضائع بلا انتماء يقلد اللاشيء الأمريكي، وعليها ديون، بدون ديموقراطيات، فيها رجال حكم مرتشون واداريون فاسدون في مواقع مختلفة، خاضعون لسيطرتها او حتى مستقلون، يقتتل الناس فيها لتحصيل ابسط حقوق الانسان، ولا يتفرغون للعدو الخارجي.. يهدها الجوع والفقر وسوء توزيع الثروة، تتحكم فيها الشركات الأجنبية، جيوشها ضعيفة وشرطتها قوية.. الخ..

      العمل على تحقيق الحلم الصهيوني.. وهو التطبيع النهائي الكامل الشامل غير القابل للانعكاس.. بحيث يصبح هذا العدو غير منشغل بالعداء وما ينتج عن هذا العداء من معارك تجعله غير قادر على أداء دوره

      دعم هذا العدو سياسيا في كل ما يفعل، والفيتو الأمريكي جاهز كلما رأى العالم أن الكيان الصهيوني يستحق بعض العتاب واللوم..

      أما فيما يتعلق بالاقتصاد المحلي العربي، وهو من اهم مفاتيح الهيمنة على المجتمع، فإن الخطة ستكون مساعدة «اسرائيل» على اختراقه، بكل الطرائق، لضمان وجود الدولة الصلبة الصهيونية في مقابل دول رخوة العربية».. (المناطق المؤهلة في الأردن والمكتب التجاري الصهيوني في قطر، والتنسيق مع مصر)

      السيطرة على الجغرافيا العربية من كل الجهات، وأهمية السيطرة على الطرق البرية بين أفريقيا وأسيا العربية، واستعمال الصحارى العربية لإقامة قواعد عسكرية متقدمة في بعضها، وللتخلص من النفايات النووية وغيرها في بعضها الآخر.

      الاعلام الأمريكي المنحاز تماما لصالح «اسرائيل»، واختراق الاعلام العربي، وتسخيره في اثارة الفتن والقضايا الخلافية الجانبية وتجهيل الشباب، وتعزيز حالات الاحباط وعدم الثقة بالذات التي نتجت عن الهزائم المتلاحقة التي حلت بأمتنا العربية نشاطات منظمات التمويل الأمريكية ما تقوم به لخدمة المخابرات الأمريكية ثم «الإسرائيلية» دعم التحالف الاسرائيلي - التركي، والتواجد العسكري على الأرض العربية؟؟

      العمل على استمرار خضوع الاقتصاد العربي للقرار الأمريكي، أما بسبب المديونيات أو بسبب وجود الأرصدة في بنوك الغرب إضعاف القوى الوطنية والأحزاب القومية لإبقاء القرارات خاضعة لمزاجات الحاكم وعلاقاته الخفية مع امريكا اختراق الأجهزة الأمنية العربية، لمحاربة التيارات القومية والاسلامية والتغييرية في المجتمع العربي..

      محاربة الحركات العمالية والنقابية والعمل على ابقاء الفقر والجوع منتشرين.. لضمان وجود الايدي العاملة الرخيصة.

      تدرك أمريكا مثل «إسرائيل» دور الاسلام كعقيدة في تحصين العالم العربي ضد اختراقهما له حتى الان، وتعرفان أهمية الموقف العقائدي للاسلام في مقاومة أمريكا ومقاومة استمرارية «اسرائيل» وهيمنتها، ولهذا فإنهما ستعملان على اختراق مؤسساته بطرائق مختلفة، لخلق الشيع المتقاتلة، وإيجاد تيارات لينة تحت شعارات مختلفة، ولهذه التيارات رجالها في الأردن ومصر، وفي بعض الدول العربية البعيدة عن الجبهة، وهم محميون بالأنظمة ومستعدون للخدمة.

      اختراق المثقفين والمفكرين من خلال منظمات التمويل الأجنبي، لتحقيق أكثر من هدف مثل التجسس الاجتماعي بأدوات محلية، ومثل زعزعة الثقة بالمفكر، والتجارب حاليا في مصر والأردن وغيرهما تبين خطورة هذا الوضع..

      كل هذه النقاط، بل كل واحدة منها تحتاج الى بحث كامل، وجميعها تدفعنا الى سؤال واحد ومباشر: اليست أمريكا عدوا؟ ألا يجب ان نقاطعها في كل المجالات؟

      هذه بعض اخطار هيمنة أمريكا علينا.. وعلينا ان نتعلم من التاريخ.

      إنها أخطار حقيقية، تنتظر كل من يفتح أبوابه لهذا الوحش المستعد دائما للانقضاض.. الذي لا يختلف عن الوحش التلمودي بالصفات، والذي يدرك أنه هزم خصومه في العالم عسكريا، ولا يحترم بالتالي أحدا، وهذا حال أمريكا معنا اذا قبلناها وهي في أوج انتصارها..

      والوسائل التي تدخل أمريكا بواسطتها الى حياتنا لا تصعب علينا هزيمتها، إذا قررنا ذلك.. إنها تأتي في زجاجة كوكاكولا، وساندويتش همبرجر ودسك رقص خليع وفيلم عنف منحط، وعطر نسوي مثير، وبنطال جينز مشدود، وأنواع الشوكولاتة المختلفة، تحت حماية القانون والتعليمات، وبالمؤمرات، وبحماية الأجهزة الأمنية وبالاتفاقات الخفية وبالرشوة.. فهو خصم لا يمكن هزيمته بسهولة لأن الكثيرين لا يشعرون به وبتغلغله، وإن كان يتحول الى التحكم بكل تفصيله في حياتنا

      إن الفقر والضعف.. والجوع والذل، من اجل رفاهية المواطن الأمريكي ومن خلاله الصهيوني، كلها معا ستكون النتائج الحتمية الوحيدة لاستمرارنا في التعامل مع أمريكا وبضائع امريكا..

      3. المقاطعة رد أخلاقي وسياسي وحضاري أيضا

      فماذا نهدي امريكا مقابل كل ما سبق؟ نتلهف على شراء بضائعها، ونقلد فنها ونركض وراء موضتها ونقلد اسلوب حياتها؟ ونأخذ اولادنا إلى مطاعمها في إجازاتهم؟

      إن المقاطعة وبالإضافة إلى كونها تعاملا اقتصاديا ذا آثار ضاغطة، كما يبرهن الاقتصاديون العرب، فإنها تشكل أيضا ردا اخلاقيا من امة تحترم ذاتها.. على عدو لها لم يعد قادرا على إخفاء عدائه..

      وهي أيضا تشكل دفاعا عن النفس ضد الضياع وفقدان الهوية والتراث والحضارة..

      إنها ببساطة اهم وسائل التعامل الشعبي مع العدو.. ونحن قادرون إذا قررنا ان نعيش بدون كل ما يأتينا من أمريكا..

      لأن كل ما نحتاجه، كمواطنين عاديين، كله يمكن أن يأتي من مصادر عربية وعالمية غير أمريكا، هذا إذا احتجنا فعلا كل هذه الكماليات.

      هل فعلا نحن لا نستطيع الحياة بدون السيجارة الأمريكية، أو السيارة الأمريكية، أو الهمبرجر والجينز؟ ألا نستطيع العودة إلى تراثنا وأغانينا؟

      أنا لا أقول أن نموت إذا كان الدواء الذي يعالج شخصا منا متوافر من امريكا فقط، ولكن هذه الأيام لم يعد شيء حكرا على امريكا وحدها.. كل العالم يصنع.. كل شيء.. ونحن لا نحتاج في ظروف مثل ظروفنا لكل شيء حتى نعيش..

      أما السلاح، فإنهم لن يبيعونا إياه إلا للإقتتال فيما بيننا..

      وأخيرا.. إذا كان حكامناغير قادرين على قول «لا».. ألا نقولها نحن.. لنثبت أننا ما زال فينا بعض الأمل..؟


      ------------
      بقلم : م. علي حتر

      (ali@hattar.com)
      26-04-2002