ضايقت يوما خطوط الشمس أجفاني ففتحتهما على مهل.. بتثاقل وكأنها تحمل أطنانا من الأحلام بين طياتها تأبى إلا أن تروي أحداثها فاستسلمت لها هينهة..
ولم تتعدى ثوان قلائل إلا وتفتح عيني أجفانها على مصراعيه بصوت طرق الباب في وقت لم تعهده قبلا..
حملت رجلاي اللتان كانتا مكبلتان بسلاسل الكسل وتوجهت إلى مصدر الصوت لأتقفى أثر مصدرها..
تأهبت شعيرات جسدي الذي اعتراه الخوف من هول منظر الزائر وهيبته.. استقبلته بكلمات أكثر تزلزلا من حديث الاطفال وقتئذ..
نظر إلي بنظرات لم أملك أن أفك طلاسم أسرارها وخباياها فقد كانت خليطا غريبا من الرأفة والغضب أعقبها بالسلام وسؤال سرقه من على ذنبة لساني:
بلا جرم أنك تود أن تعرف هويتي.. أنا .. "جونو".. وما أدراك ما "جونو"!!... جئتك قاصدا بعدما طال بك السبات في فصول السنة الطوال.. لأصطحبك في جولة على خط سيري إليك..
حاولت جاهدا برمجة حديثه الذي بدا ثقيلا على نفسي التي كانت معلقة بالسرير.. وقطع أفكاري المشوشة تساؤلاته:
- متى آخر مرة التقيت فيها بربك؟
- اسأل رب العباد الهداية.
- لسانك بما ترطبه؟
- بالغناء دوما والذكر أحيانا
- لا يجتمع قلب مؤمن على الكفر والايمان في آن واحد.
- تنبش في خصوصياتي في قعر داري!!
- ربما!!.. دعنا من هذا الحديث قل لي ما أثمن ما تملك؟
- بيتي متواضع وما أملكه هي نفسي
- إذن لتعلم أني جئت لأسلبها منك.
حاولت أن امتص جام غضبي وامتعاضي واكتفيت بتوجيه إبهامي إلى باب البيت فقال حينها غير ما وضعته في حسباني:" لك ما تتمناه".
لحظات.. وانقطعت أنفاسي التي سحبت حبل آخر ذرة من الأوكسجين من اللاشئ وملأت بها رئتي ليرجع النور تدريجيا إلى عيني.. ولكن على منظر...؟؟!!
محال أن أكون..!!! ..لحظة واحدة.. أين أنا على وجه التحديد؟؟!!. يطغى صوتي ورهبتي وتعجبي.. صوت "جونو" : يا مشلول الحواس .. انظر لما حولك.. أنها أرضك.. انظر بعينيك اللتان اعتادتا على النظر في الحرام.. واسمع بسمعك الذي لطخته بالماجن من الحديث.. وتحدث يا من التحف لسانك بالكذب والغيبة والنميمة.. وتحرر من هول اللحظة بيداك اللتان بسطتهما للبطش والظلم ولنهب سعادة غيرك.. ورجلاك اللتان ما عرفتا دربا غير درب الشيطان..تأمل ما خلفته على أرضك.. تأمل الأمواج التي تقضم مسارك اليومي كقطعة رغيف .. والريح انظر كيف تمزق البيوت العامرة كخرق بالي..
انظر واسمع مناظرا واصواتا لم تتوقع يوما أن تعتاش عليها.. صوب ناظريك بإتجاه ذاك الطفل ينشد قطرة ماء من أمه التي تقف عاجزة كالتمثال أمامه لا تملك أن تزيل الذبابة من عليها.. واسمع صوت آهات تلك الأسرة التي افترشها الطين الذي منه خلقت يوما.. لم تزل أرضك كما عهدتها يوما.. فخارطتها الآن لا تتضمن تضاريس جبلية أو سهول أو بحار هادئة زرقاء بل تتضمن جثث ونواح وطبيعة غاضبة..
ترجمت دموعي ما جال في خاطري وحواسي أنهكته ما التقطه من كومة الأحداث الجارية فحاولت أن ابحث مما بعثرته أفكاري عن "عذر" ألملم به نفسي فلم ارجع سوى بخفي حنين..
ربت "جونو" على كتفي حسرة وقال:" لطالما كنت تتشدق بفلسفتك وحنكتك التي صدرتك منزلة المعلم ولكن إليك .. فاليوم أنا المعلم والدرس أمامك بقي أن أشرح أحداثها..
ذكرت لك سلفا أنني جئتك لأسلب أثمن ما عندك.. فتخيل إن كنت فاعلا..
ما كان اندفاعك وحبك للمغامرة سيسهمان في مواقفتك على الأمر ومضيك معي إلى فوهة الموت..
أتدرك لما؟؟!!
لأن المغامر لا يغامر دون عدة تحميه .. وأنت لا تملك أي عدات تحميك من عذاب يوم تشخص فيه الأبصار..
لم تذكر ربك يوما كما كنت تردد كلام الشيطان.. لم أرك تلتزم بصلواتك كما تلتزم بمواعيد عملك .. لم يشهد أحد قلبك معلقا بالمسجد كما هو معلق بالدنيا وملذاتها..
لذا لن اسلب روحك بل سأهديك حياة جديدة .. هي فرصة من رب العباد لتقوم ما أعوج في حياتك.. لتستعد ليوم لا ينذرك بقدومه أحد.. ليوم يرجو فيه الكافر أن يرجع إلى الدنيا ليعيد حساباته ويعبد ربه فلا يملك..
شعرت لحظتها برعشة كما الروح تسري في جسدي.. وتلذذت الحياة لا لملذاتها ولكن لشوقي لصلاتي.. لشوقي لكلام ربي.. لم تسعفني الكلمات حينها سوى بالآتي:
الحمدلله .. الحمدلله .. الحمدلله..
وأضحى يوم السادس من شهر يونيو يوم ميلادي..
كتبت/ mad