كيف يمكن لهذه الأمة أن تنهض ؟

    • كيف يمكن لهذه الأمة أن تنهض ؟

      الإهداء :


      · إلى أولئك الحرقى من هذه الأمة ، على حال الأمة .
      · إلى أولئك البائسين القانطين .
      · إلى أولئك المتفائلين المؤمنين بنصر الله .
      · إلى أولئك الذين تفيض قلوبهم بالإيمان وتشتاق أرواحهم لتمكين الله لأمة الإسلام .
      · إلى كل أولئك أقدم هذا الإصدار .







      فاتحة :

      أحمده تعالى حق حمده واشكره حق شكره واستهديه وأتوب إليه ، واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له واشهد أن محمد عبده ورسوله بصر بعد العمى وهدى بعد الضلالة فمحا الله به الظلمة وكشف به الغمة صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم .... أما بعد :
      لعل من أهم الأسباب التي جعلتني أن اقُدم على الكتابة في هذا الموضوع من باب الاهتمام بأمور المسلمين ، لان المسلم الحق لا بد أن يشارك إخوانه وبني جلدته من المسلمين في جميع أمورهم فيفرح لفرحهم وبهجتهم ويحزن لحزنهم ومصيبتهم ، فكيف لا يهتم الواحد منا بأمور أمته وهو وان كان فرد واحد فهو مطالب أن يقدم ما لديه من فكر ورؤى وإبداع وعمل متقن مهما صغر يخدم به أمته ومجتمعه .
      والله اسأل أن يكون هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم نافعاً غير ضار محسوباً في ميزان حسناتي يوم الحساب .
      خير أمة

      لقد كانت هذه الأمة المحمدية ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ( آل عمران آية .110 )هكذا أراد لها الله تعالى أن تكون خير أمة وأصفى أمة وأوسط أمة من لدن أبينا أدم عليه وعلى رسولنا أفضل الصلاة وأزكى التسليم إلى قيام الساعة ، ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ ﴾ ( البقرة آية .143 ).
      الناس لنا تبع كما قال الحبيب المصطفى e في الحديث الذي يرويه الإمام الربيع بن حبيب بن عمرو الازدي البصري الفراهيدي عن الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي عن الإمام جابر بن زيد الازدي قال : قال رسول الله e : ( نحن الآخرون الأولون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأتيناه من بعدهم هذا يومُهمُ الذي اختلفوا فيه فهدانا الله إليه والناسُ فيه لنا تبع اليهود غداً والنصارى بعد غد ) (.1 ) إذاً الناس لنا تبع لا أن نكون نحن تبع لغيرنا لأننا نحمل العقيدة الوسطية ، لا رهبنة وتصوف ولا مادية وشهوانية بل وسطية في كل شيء .
      والحديث عن الوسطية في الإسلام حديثٌ يطول الكلام فيه ونحسبه ليس هنا محله فوجهتنا لشيء أخر إلا أننا أردنا أن نوضح أننا خير أمة ، بما تحمله هذه الكلمة من المعاني والدلالات التي يصعب حصرها والتي للأسف الشديد أخذنا نحل عراها واحدة تلوى الأخرى .
      نتنازل شيئا فشيئا عن هذه الخيرية وكأننا ـ أستغفر الله ـ نقول له سبحانه وتعالى : أننا لا نريد هذه الخيرية وأننا لسنا بحاجة إليها فها نحن كما ترى نتنازل عنها ونبوا بها ونمد أعناقنا لنأخذ الخيرية من أمم أخرى وملل ونحل شتى نراها بميزان اليوم هي الخيرية التي تكمن فيها السبل المؤدية للعزة والتمكين وبالتالي فهي الخيرية التي ننشدها لا تلك التي دللتنا عليها .
      هذا حالنا اليوم تركنا ما نحن متمسكين به من عزة ومنعة ونصرة ومبادئ وأودعناها في مخازن ومستودعات تحت الأرض و أوصدنا دونها الأبواب وأخذنا نتطلع للعزة والتمكين من مناهج و أشربة الآخرين داسين رؤوسنا ومناخرنا في وسط تلك المناهج علنا نظفر ولو بشيء منها لكي نبثه في مجتمعاتنا وبيئاتنا لنحصل على أسباب العزة والخيرية والسبق الذي طالما حرمنا منه سنين طوال ، عندما كنا متمسكين بموروثنا الديني والحضاري الذي أعددناه اليوم تخلف ورجعية وصدق فينا قول رسولنا e في الحديث الذي يرويه أبي سعيد الخدري t عن النبي e قال : (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً شبرا وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم ) قلنا : يا رسول الله اليهود والنصارى ، قال : ( فمن ) (.2 ).
      وقبل ذلك قوله سبحانه وتعالى : ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ ( آل عمران آية .85 ).
      وبعد ذلك وصية سيدنا عمر بن الخطاب tلقائد جنده سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما ومن معه من الأجناد : أما بعد فإني أمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال ، فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو ، وأقوى المكيدة في الحرب ، وأمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراساً من المعاصي منكم من عدوكم ، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم ، وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله ، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة ؛ لأن عددنا ليس كعددهم ، ولا عدتنا كعدتهم ، فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة ، وإلا ننصر عليهم بفضلنا ، لم نغلبهم بقوتنا ، فاعلموا أن عليكم في سيركم حفظة من الله يعلمون ما تفعلون ، فاستحيوا منهم ، ولا تعملوا بمعاصي الله وانتم في سبيل الله ، ولا تقولوا إن عدونا شر منا ، فلن يسلط علينا ، فرب قوم سلط عليهم شر منهم ، كما سلط على بني إسرائيل لما عملوا بمساخيط الله كفار المجوس ، فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولا اسألوا الله العون على أنفسكم ، كما تسألونه النصر على عدوكم (.3 ) .
      خرج عمرtإلى الشام ومعه أبو عبيدة ، فأتوا على مخاضة ( وادٍ من ماء ) ، وعمر على ناقة له ، فنزل وخلع خفيه فوضعها على عاتقه ، وأخذ بزمام ناقته فخاض ، فقال أبو عبيدة : يا أمير المؤمنين ، أنت تفعل هذا !! ما يسرني أن أهل البلد استشرفوك ، فقال : أوَّه! لو يقل ذا غيرك أبا عبيدة جعلته نكالاً لأمة محمد ، إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام ، فمهما نطلب العز بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله (.4).
      نعم إن طلبنا العزة في غير ديننا أذلنا الله وان نحن تمسكنا بأهداب هذا الدين وعضين عليه بالنواجذ اعزنا الله ونصرنا .
      يقول الله تعالى في ذلك : ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ ( الانعام آية .153 )
      ويقول تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾ ( محمد آية .7 )
      ويقول تعالى : ﴿ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ( الحج آية .40 )
      إن النصر لن يتأتى بالأخذ بالأسباب المؤدية للمادة وحدها أو بالإغراق في إتباع نحل الآخرين إن النصر سوف يكون حليفنا بإتباع هذا الدين أولاً، وبالأخذ بأسباب الحياة ثانيا.
      وما نراه اليوم من حضارة مادية لدى الغرب إنما هي كما قال سبحانه وتعالى : ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ( يونس آية .24 )
      ويقول تعالى : ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا& الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ ( الكهف آية .46/45 )
      ويقول تعالى : ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ ( الحديد آية .20 )
      ويقول الله تعالى : ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ ( آل عمران آية .14 )
      ويقول تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ ( فاطر آية .5 )
      ويقول تعالى : ﴿لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلاَدِ & مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ ( آل عمران آية .197/196 )
      ويقول تعالى : ﴿اللّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاء وَيَقَدِرُ وَفَرِحُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ﴾ ( الرعد آية .26 )
      ويقول تعالى : ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ﴾ ( الأنبياء آية .111 )
      وهو كذلك اختباراً وابتلا لنا فهل يا ترى نعي الدرس والابتلاء وذلك كلا على حسب قدراته وفى إطار استعداداته ورغباته، ولكن في أخر المطاف يكون الأمر لأمة ليس لفرد بعينه هي المحصلة النهائية لكن الفرد أُسها وأساسها.
      إننا للأسف نتلقف ما يصلنا من الغرب ونأخذه هكذا دون تمحيص ولا تمعن، نأخذه وإن تعارض مع مبادئ ديننا وحضارتنا، نهلهل ونصفق إذا كان ذلك الأمر قد جاءنا من الغرب ونعده تمدن وحضارة ونعده رقيا وتقدما تاركين ما يمت إلى كياننا أعددناه تخلفاً ورجعية، أعددناه ركوداً وجموداً .
      إنما نأخذه اليوم من الغرب الذي يعد في ميزان المادة حضارة، لا يبلغ إلا أن يكون قشوراً وزوائد وللأسف الشديد لم تكن تلك القشور والزوائد في يوم من الأيام إلا غثاء كغثاء السيل جاءت به تلك الحضارة المادية وصدرته إلى مجتمعنا الإسلامي الذي حاول جاهداً أن يحافظ على قيمه ودينه من أن يلحقه غبار ودخان تلك الحضارة المزعومة التي بمبادئها واتجاهاتها المنحرفة إنما هي جاهلية ثانية تقر الظلم ومفسد الطباع وتحارب العدل ومصلح الطباع .
      إن ديننا الحنيف يدعونا إلى نبذ كل ما يمت إلى غير دين الإسلام وتركه بل ومخالفة أتباع ذلك الدين وذلك النهج ليس عنصرية وتسلط بل عزة ونصرة للدين الخاتم الذي ارتضاه الله تعالى أن يكون خاتم للرسالات السماوية ومهيمناً عليها لما يحمله من صفاء ونقاء في الجوهر والمخبر .
      وفي الخبر عنه e انه أمر أصحابه yبالقعود وذلك في حالة دفن موتاهم لأجل أن يخالفوا مسلك اليهود بعدما علم أن الوقوف كان من نهج ومسلك أحبار اليهود وذلك حتى لا يتأثروا بهم .ومن قائل أن هذا الأمر وغيره من الأمور اليسيرة التي لا ينبغي الالتفات إليها وحملها أكثر من أن تحتمل وهي من الصغر بحيث لا يعتد بها ولا ينظر إليها ولا بأس على من عمل بها .
      ... لا ...
      فالأمر اكبر من هذا فاليسير يجلب الكثير ، ومن هانت عليه العادات هانت عليه العبادات .
      إننا مطالبون بمخالفة غيرنا في الملبس والمظهر في المأكل والمشرب في البيع والشراء في الأخذ والعطاء وحتى في كلامنا ومخاطبتنا للآخرين وعند استقبال وليدنا وكما قلنا حتى عند دفن موتانا في كل أمر وعلى أي حال حتى تتحقق العزة والنصرة والتمكين لهذا الدين وانه الحق الذي يجب أن يتبع لا أن يقوم أتباعه بإتباع مشارب وملل الآخرين كون نبي هذه الأمة قام بتربية أصحابه yعلى الاستقلال في الفكر والمنهج والسلوك في كل شيء وفي كل أمر لذا وجب على كل من ينتمي لهذا الدين أن يأخذ بتلك التربية في شتى نواحي حياته الدينية والاجتماعية والعملية .
      ولنقرأ الآيات والأحاديث التالية ليتبين لنا مدى ما يجب علينا من طاعة لله وطاعة لرسوله e وجعله الأسوة الحسنة الذي يقتدى به لا أن يقتدى بآثار ومناهج الآخرين ولنقف على أمر مهم وهو محاربة البدع الضالة التي تحيد الإنسان عن الطريق المستقيم ونبذ كل ما يمت لغير الإسلام من البدع والضلالات الباطلة قديمها وحديثها وان كل أمر يعرض على روح الإسلام ومبادئه فان وافقه يعمل به وان شذ عنه يطرح جانباً ولا يؤخذ به .
      يقول الله تعالى : ﴿مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ( الحشر آية .7 )
      ويقول تعالى : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ ( الأحزاب آية.21 )
      ويقول تعالى : ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ ( النساء آية .80 )
      ويقول تعالى : ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ ( النور آية .63 )
      ويقول تعالى : ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ( آل عمران آية .31 )
      ويقول تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ ( النساء آية .59 )
      وفي الحديث ...
      عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله e : ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) متفق عليه . وفي رواية مسلم : ( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ) (.5 )
      وعن جابر t قال: كان رسول الله e إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: ( صبحكم ومساكم ) ويقول: ( بعثت أنا والساعة كهاتين ) ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى ويقول : ( أما بعد ، فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد e ، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة ) ثم يقول : ( أنا أولى بكل مؤمن من نفسه . من ترك مالاً فلأهله، ومن ترك ديناً أو ضياعاً فإلي وعليّ ) رواه مسلم (.6) .
      وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قام فينا رسول الله e بموعظة فقال : ( أيها الناس أنكم محشورون إلى الله تعالى حفاة عراة غرلا ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ﴾ ( الأنبياء آية .104 ) ، ألا وان أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم صلى الله عليه وسلم ، ألا وانه سيُجاء برجال من أمتي ، فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول : يا رب أصحابي ، فيقال : انك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فأقول كما قال العبد الصالح : ﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ إلى قوله : ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾( المائدة : .118/117 )، فيقال لي : إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم ) متفق عليه (.7 ).
      وعن أبي هريرة t أن رسول الله e قال : ( كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى ) قيل : ومن يأبى يا رسول الله ؟ قال : ( من أطاعني دخل الجنة ، ومن عصاني فقد أبى ) رواه البخاري (.8) .
      وعن أبي هريرة t أن رسول الله e قال : ( إن اليهود والنصارى لا يصبغون ، فخالفوهم ) متفق عليه (.9) المراد خضاب شعر اللحية والرأس الأبيض بصفرة أو حمرة ، وأما السواد فمنهي عنه .
      وعن علي ـ كرم الله وجهه ـ قال : حفظت عن رسول الله e: ( لا يتم بعد احتلام ، ولا صُمات يوم إلى الليل ) رواه أبو داود بإسناد حسن .
      قال الخطابي في تفسير هذا الحديث : كان من نسك الجاهلية الصُمات ، فنهوا في الإسلام عن ذلك ، وأمروا بالذكر والحديث بالخير (.11 ) .
      وربنا جل شأنه يقول : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ( المائدة آية .3 )
      فهل نحن رضينا لأنفسنا بهذا الدين كما ارتضاه الله لنا ، إذا كنا قد ارتضيناه فما بالنا إذا نتخبط يمنة ويسرة كالذي أصيب بمس من الجان ، نأخذ من حثالة الآخرين منهاجاً لنا وشريعة ونترك ما الله ارتضاه لنا دستورا وملة إننا بذلك نتولى من حذرنا الله تعالى من توليهم وأتباع أهوائهم .
      يقول الله تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ ( المائدة آية .51 )
      ويقول تعالى : ﴿ قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ قُل لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ ﴾ ( الانعام آية .56 ).
      ويقول تعالى : ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ ( آل عمران آية .85 ).
      ويقول أيضا : ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا ﴾ ( النساء آية .115 ).
      ويقول تعالى : ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾ ( البقرة آية .120 ) .
      ويقول تعالى : ﴿ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ ( المجادلة آية .22 ) .
      ولنقرأ هذه الآيات الكريمات من كتابه عز وجل وكيف انه سبحانه وتعالى يحذرنا من تولي أعدائنا واتخاذهم بطانة ، وكيف أنهم يزرعون فينا الهوان والصغار لنصبح تبعاً لهم وكيف أنهم يجاهروننا البغضاء والحقد وما تخفيه صدورهم أعظم فلنقرأ قوله تعالى في سورة آل عمران : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ & هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ & إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ (الآيات .120/119/118 )
      ويقول تعالى في سورة المائدة : ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ & وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ & أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ & يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ & فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ & وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُواْ أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ & يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ & إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ & وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ & يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ (الآيات من 48 ـ 57 .)
      من صور الإتباع والتولي

      ومن صور الإتباع والتولي الذي نشاهده اليوم كثير ربما لا يمكننا ذكره والحديث عنه ، فللأسف الشديد إن ما يعد من الحضارة عند الغرب قد أخذ بألباب أبناء هذه الأمة المحمدية واستحوذ على فكرها وثقافتها إلا من رحم ربك وانساقت هذه العقول وراء أنجاس وأركاس الغرب دون وعي ولا بصيرة من أمرها كالمأخوذ عقله الذي يمشي مع الماشين وينساق مع المنساقين ولو كان فيه مصيره وحتفه .
      وما التحذير الشديد كما مر بنا من عدم تولي أصحاب الملل والنحل الأخرى والحرص كل الحرص على مخالفتهم والأخذ بمغاير ما يعتقدوه ويؤمنوا به إلا من قبيل أن تكون لهذه الأمة الخصوصية التي تميزها عن باقي الملل والنحل والاتجاهات الأخرى .
      فمن أنواع الإتباع الذي نراه اليوم وللأسف الشديد أن تكون لأيام وأعياد اليهود والنصارى مكاناً يحتفل بها في أمة محمد e ولمن المؤسف حقاً أن من يتسابق للاحتفال بتلك الأعياد هم من يعدون من مثقفي هذه الأمة ولاسيما من المعلمين والمربين وأصحاب الفكر وأرباب القلم .
      وللأسف الشديد ـ ثالثاً ـ أن يكون لتلك الأعياد ولتلك الأيام النصيب الأوفر بالحضور في مناهجنا الدراسية وفى إعلامنا وما يكتبه مثقفي هذه الأمة من فكر وأدب فما لنا ولأيامهم وأعيادهم وعندنا ما يكفينا من أيام وأعياد تغنينا وتثري عقولنا وأقلامنا لما لها من الحضور المتجدد والإشارات القوية التي توقض ضمير أبناء الأمة بين حين وأخر لتجعله مرتبط بربه وثيق الصلة بخالقه ليسعد في دنياه وآخرته .
      فما لنا وأعيادهم فهي وإن رقت مادتها لا تعدو أن تكون إلا أرضية سافلة ، مادة بلا روح فهي غثاء كغثاء السيل ما يلبث أن يذهب ، وأما أعيادنا فهي علوية سامية ، وما لنا وأعيادهم فهي لا تعدو أن تكون إلا أعياد فجور وزيغ وأما أعيادنا ففيها الطهر والنقاء .
      ومن أمثلة أعيادهم التي يتسابق البعض منا للاحتفال بها وتمجيدها أكثر بكثير من قيامهم هم بالاحتفال بها وتمجيدها ، منها الاحتفال بعيد رأس السنة الميلادية ، وما أدراك ما الاحتفال برأس السنة الميلادية ، وكيف نحن المسلمين نتدافع هكذا دون هدى للاحتفال بهذا اليوم ، فنقيم الاحتفالات ونزين المحلات ونعلق اللافتات ويبادل الواحد منا أخاه بطاقات المعايدة والتهاني ونقيم السهرات وتعطل الدوائر عن العمل ، ويصاب إعلامنا المسموع والمرئي والمقروء بحمى الهستيريا ، فيعيد صياغة وترتيب برامجه من جديد لتواكب السنة الجديدة التي أطلت ويقوم برسم الخطط وما ينبغي أن يبث ويكتب خلال العام الجديد ويستعرض الأعمال والأحداث التي مرت خلال العام المنصرم حدثاً تلو الحدث وبرنامجاً تلو البرنامج .
      فلا تسمع ولا تشاهد ولا تقرأ إلا كيف كان العام الماضي مليء بالأحداث والتطورات وكيف سيستقبل العام الجديد بالخطط والبرامج ، هستيريا ما بعدها من هستريا وحال ما بعده من حال ، فكأن هذا العام عامنا وكأن هذا اليوم يومنا .
      وتأتي السنة الهجرية الجديدة مؤذنة بالدخول ، ولكن .. لا تسمع .. ولا تشاهد .. ولا تقرأ .. شيئا أي شيء يذكرك بأن أمرا قد حدث وأن عاماً هجرياً قد أفل وعاماً هجرياً قد أطل ، لا تجد من مثيل ذلك الصراخ وذلك الهذيان وتلك الطبول التي تقرع وتلك الزمور التي تزمر وتلك البيارق والإعلانات التي ترفع .. لا تجد لها صولة ولا جولة ، لا تجد أحداً مجرد أحد يذكرك بأن أمراً جللاً قد وقع وأن ذكرى عظيمة قد أطلت وينبغي أن تذكر وتجلل ، لا تجد أحداً يذكرك مجرد ذكرى وكأن العام الهجري الذي انقضى ليس عامنا وكأن العام الهجري الذي أضحى ليس عامنا وإنما هو عامٌ لقوم غيرنا .
      بل وكأنه ما غاب عام ولا أشرق عام ، فعامنا الجديد قد احتفلنا بقدومه منذ أيام فنحن ما زلنا في أوله لم ينتهي بعد لكي نحتفل بعام جديد غيره .
      و أسفاه على حالنا فها نحن اليوم تصدق فينا نبوة رسول الإسلام محمد e ففي الحديث الذي يرويه أبو سعيد ألخدري t عن النبي e قال : ( لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً شبرا وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم ) قلنا : يا رسول الله اليهود والنصارى ، قال : ( فمن ) (.13 ) فأي إتباع اكبر من هذا الإتباع .
      أدخل ذات مرة في إحدى المؤسسات واجد معايدة قد علقت في لوحة الإعلانات تهنئ موظفي تلك المؤسسة بالعام الجديد .. مؤسسة تهنئ موظفيها بدخول العام الجديد لا غرابة في ذلك ألبته .. فمن حق موظفي تلك المؤسسة أن يعايدوا ويهنئوا .
      .... ولكن ...
      ....ولكن .. كانت المعايدة تحمل التهنئة بدخول العام الميلادي الجديد وكأن موظفي تلك المؤسسة هم نصارى لا مسلمون ، يقيمون في دولة نصرانية لا مسلمة ، وخرجت من تلك المؤسسة لأعود لها بعد فترة وقد دخلت سنة هجرية جديدة وذهبت إلى لوحة الإعلانات نفسها لعلي أجد تهنئة قد علقت فيها بالعام الهجري الجديد ولكني لم أجد بل إني وجدت التهنئة السابقة تلك ما تزال في مكانها معلقة .
      أفيقوا بني القران إن هداكم إلى الجبت والطاغوت في الذل ضارع
      أفيقوا بني القران إن كتابكم يناقض فـــــي أحكامه وينازع(.14 )
      وفي هذا الإطار فإننا وللأسف الشديد نؤرخ لمناسباتنا الاجتماعية وحتى الدينية بالتأريخ الميلادي فتعتد المرأة التي فجئت بزوجها وتنهي عدتها بالتأريخ الميلادي ، ويقضي ما فآته من صيام بالحساب بالتأريخ الميلادي ، ويؤرخ مناسبة عقد قرانه بالتأريخ الميلادي ، ويؤرخ لتاريخ ميلاده وكذلك يؤرخ له لوفاته بالتأريخ الميلادي ، ويؤدي فريضة الزكاة الواجبة عليه بالتأريخ الميلادي.
      فهكذا كل أحداث حياته مؤرخة بالتأريخ الميلادي ، فليس للتاريخ الهجري أية فسحة في حياته لان التاريخ الهجري عنده لا قيمة له ولا يعتد به ، وإذا سألت احدهم عن التاريخ الهجري لا تجد منه جواباً فكأنك سألت عن لغزاً يصعب تفسيره وفك طلاسمه وربما أجابك بعد أن أعياه الرد (( شهر مالك فيه نفقة لا تعد أيامه )) .
      لا يعرف اغلب الناس اليوم ـ واعني هنا المسلمين ـ من التأريخ الهجري إلا أيام شهر رمضان المبارك لارتباطه بعبادة الصيام وأيام عيد الفطر وعيد الأضحى المباركين لارتباط تلك الأيام بأيام عيد وسرور وفسحة وما عداها فلا تسأل عنها .
      فأي استعمارِ فكري استعمر به المسلمون ، وأي انتكاسة حلت بهم فأصبحوا لا يعيرون أي اهتمام بما يربطهم بدينهم وعقيدتهم وعزهم ومجد آبائهم وأسلافهم وأحداث تأريخهم الإسلامي الحافل بالمعطيات الزاخر بشتى أنواع العلوم التي تغني وزيادة على ما يحتاجه الإنسان في أي عصر ومصر إلا إننا تركنا ذلك وأخذنا الغث الهزيل من هذه الحضارة المزعومة .
      وإن الاعتناء ومحاولة محاباة الغرب ومنافستهم في ما يفعلونه كأن نحتفل بأعيادهم ونؤرخ لمناسباتنا بتأريخهم وسنواتهم فإنه إتباع وأي إتباع ، فالواجب علينا أن نعود إلى ما نحسبه تخلف ورجعية ، لنعود لنأخذ من ديننا وحضارتنا ما يجعل لنا العزة والتمكين وحتى لا يُنظر إلينا نظرة صغار واحتقار ، فإن العز كل العز في إتباع هذا الدين والهوان كل الهوان في التخلي عن هذا الدين .
      ومِن أعيادهم أيضاً عيد الأم التي أقاموا لها عيداً عندما أضاعوا حقوقها التي كفل لها ديننا الإسلامي حق الحصول عليها دون عيد ودون إقامة جمعيات كجمعيات حقوق الإنسان .
      أقاموا للأم عيداً عندما أضاعوا حقوقها كأم فعقوها وجعلوها حبيسة الملاجئ ودور العجزة والمسنين ، وأقاموا لها عيداً عندما أضاعوا حقوقها كزوجة فنسبوها لزوجها ، وأقاموا لها عيداً عندما أضاعوا حقوقها كإنسان فعروها من القيم والأخلاق وجعلوها سلعة تباع وتشترى وتاجروا بجسدها فجعلوها ملصقاً دعائياً لجميع بضائعهم وسلعهم .
      قاموا بسلب جميع حقوقها وجردوها منها وداسوا عليها بأقدامهم وبعدها أقاموا لها عيدا ، أرادوا أن يعطوها ولو شيئاً يسيراً من حقوقها التي سلبوها منها ، فكان للأم يوم عيد ..
      أما كذبوا لا قبح الله غيرهم ولا أفلحت تلك الوجوه اللواكع
      لقد ملئوا الآفاق إفكا وخزية وبغياً ولا مقصود إلا المطامــع(.15 )
      وكعادتنا نحن نسارع إلى تلقف كل ما يصلنا من الغرب فتلقفنا هذا الأمر وقبلناه وقلنا لأنفسنا : فعلاً لما لا نجعل للأم عيد ، يوم نسارع في تمجيدها وبرها والسؤال عنها وإهدائها الهدايا والأوسمة يوم واحد نقيم فيه الأفراح ونزيل عنها الأتراح وبعد هذا اليوم فإلى الجحيم .
      تصورنا أننا بذلك أضفنا شيئاً جديداً لتراث أمتنا جئنا به من هذه الحضارة الغربية التي هي بعيدة كل البعد عن المبادئ الحميدة والأخلاق الفاضلة ونسينا أو أننا تناسينا أن ديننا الحنيف قد أرشدنا إلى ذلك منذ زمن بعيد منذ أن كانت أوروبا تغط في ظلام دامس من الجهل والتخلف وامرنا بأن نجعل للأم كل يوم عيدا ، بل كل ساعة وكل دقيقة هي عيدٌ لهذه الأم ودينٌ في رقابنا ينبغي أن نوفي به ونسدد حسابه على أقساط دائمة ما دامت الحياة تدب في عروقها وعروقنا بل وحتى بعد أن نفجئ برحيلها من هذا العالم إلى عالم الملكوت والغيب ، يقول تعالى : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا & وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ ( الإسراء آية .24/23 ).
      ويقول تعالى : ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ ( لقمان آية .14 ).
      ويقول تعالى : ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ( الاحقاف آية .15 ).
      ويقول تعالى : ﴿وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا﴾ ( النساء آية .36 )
      ويقول تعالى : ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ ( العنكبوت آية .8 )
      ويقول تعالى في سورة البقرة : ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ (آية .215 ).
      وفي سورة الأنعام يقول تعالى : ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ (آية .151 )
      وفي السنة المطهرة ....
      عن الإمام الربيع بن حبيب عن الإمام أبي عبيدة عن الإمام جابر بن زيد قال : بلغني أن رسول الله e قال : ( من أدرك والديه ولم يدخل بهما الجنة فلا أدركهما ) (.16 )
      وقال عليه السلام : ( من هاجر احد والديه ساعة من نهار كان من أهل النار إلا أن يتوب ) (.17 )
      وعن أبي عبيدة عن جابر قال : بلغنا عن رسول الله e يقول : ( قال الله تعالى : من وصل رحمه فقد وصلني ومن قطع رحمه فقد قطعني ) (.18 )
      وعن أبي عبد الرحمن عبدا لله بن مسعود t قال : سألت النبي e : أي العمل أحب إلى الله تعالى ؟ قال : ( الصلاة على وقتها ) قلت : ثم أي ؟ قال : ( بر الوالدين ) قلت : ثم أي ؟ قال : ( الجهاد في سبيل الله ) متفق عليه (.19 ) .
      وعن أبي هريرة t قال : قال رسول الله e : ( لا يجزي ولد والداً إلا أن يجده مملوكاً ، فيشتريه ، فيعتقه ) (.20 ) .
      وعن أبي هريرة t قال : جاء رجل إلى رسول الله e فقال : يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي ؟ قال : ( أمك ) قال: ثم من ؟ ، قال : ( أمك ) ، قال: ثم من ؟ ، قال : ( أمك ) ، قال: ثم من ؟ قال : ( أبوك ) متفق عليه .
      وفي رواية : يا رسول الله من أحق الناس بحسن الصحبة ؟ قال : ( أمك ثم أمك ، ثم أمك ، ثم أباك ، ثم أدناك أدناك ) (.21 ) .
      وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : اقبل رجل إلى نبي الله e فقال : أبايعك على الهجرة والجهاد ابتغي الأجر من الله تعالى . قال : ( فهل من والديك احد حي ؟ ) قال : نعم بل كلاهما قال : ( فتبتغي الأجر من الله تعالى ؟ ) قال : نعم . قال : ( فأرجع إلى والديك ، فأحسن صحبتهما ) متفق عليه .وهذا لفظ مسلم (.22 ) .
      وفي رواية لهما : جاء رجل فاستأذنه في الجهاد فقال : ( احي والداك ؟ ) قال : نعم ، قال : ( ففيهما فجاهد ) .
      وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي e قال : ( إن ابر البر أن يصل الرجل ود أبيه ) .
      وعن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رجلا من الأعراب لقيه بطريق مكة ، فسلم عليه عبد الله بن عمر ، وحمله على حمار كان يركبه ، وأعطاه عمامة كانت على رأسه ، قال ابن دينار : فقلنا له : أصلحك الله إنهم الأعراب وهم يرضون باليسير . فقال عبد الله بن عمر : أن هذا كان وداً لعمر بن الخطاب t، وإني سمعت رسول الله e يقول : ( إن ابر البر صلة الرجل أهل ود أبيه ) .
      وفي رواية عن ابن دينار عن ابن عمر انه كان إذا خرج إلى مكة كان له حمار يتروح عليه إذا مل ركوب الراحلة ، وعمامة يشد بها رأسه ، فبينما هو يوما على ذلك الحمار إذ مر به أعرابي ، فقال : الست فلان بن فلان ؟ قال : بلى ، فأعطاه الحمار ، فقال : اركب هذا ، وأعطاه العمامة وقال : اشدد بها رأسك ، فقال له بعض أصحابه : غفر الله لك ، أعطيت هذا الأعرابي حمارا كنت تروح عليه وعمامة كنت تشد بها رأسك ؟ فقال : إني سمعت رسول الله e يقول : ( إن من ابر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه بعد أن يولي ) وان أباه كان صديقاً لعمر t، روى هذه الروايات كــلها مسلم (.23 ) .
      وعن أبي أُسَيد مالك بن ربيعة الساعدي t قال : بينما نحن جلوس عند رسول الله e إذ جاءه رجل من بني سلمه فقال : يا رسول الله هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما ؟ فقال : ( نعم ، الصلاة عليهما ، والاستغفار لهما ، وإنفاذ عهدهما ، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما وإكرام صديقهما ) رواه أبو داود (.24 ) .
      حتى صديق الوالدين بعد رحيلهما عن هذا الوجود يجب صلته وإكرامه والسؤال عنه وذلك من البر وأحدى الديون التي يجب سدادها .
      إن ديننا الحنيف كما كفل للرجل حقوقه كفل أيضاً للمرأة حقوقها سواء بسواء ، سواء كانت أم أو زوجة أو أخت أو بنت أو أياً كانت هي ، فقد كفل لها الإسلام حقوقها فهي شقيقة الرجل يقول رسولنا e في الحديث الذي ترويه السيدة عائشة أم المؤمنين ـ رضي الله عنها ـ قالت : قال رسول الله e : ( إنما النساء شقائق الرجال ) (.25 ) ومعنى الشق أي الجزء وهو الشيء إذا شق نصفين فكأن الرجل والمرأة هما شيء واحد شق إلى نصفين ، الرجل النصف الأول والمرأة النصف الثاني .
      وأي تعبيرٍ أدق من هذا التعبير وأي تكريم للمرأة اعز وارفع من هذا التكريم وهذه المنزلة التي لن تجدها إلا في الإسلام ، الإسلام وحده فقط وما دونه فهو الهراء بعينه .
      وعجبت من احدهم يقوم بإهداء أمه ويبادلها التهاني والتبريكات لا لشيء وإنما فقط أطلت المناسبة السعيدة عليهما فالواجب على الابن البار أن يقوم بواجبه تجاه أمه إحياء لهذا اليوم ، لا لشيء وإنما فقط أن هذا العمل من صنيع وإفراز تلك الحضارة المادية التي أضاعت من الحقوق ما أضاعت وعطلت من السنن ما عطلت ، وعجبت أن يكون هذا ( لأحدهم ) من المربين والمعلمين الذين اؤتمنوا أمانة ليست بالسهلة وإنما هي عظيمة ، فالأمانة قد نأت عن حملها السماوات والأرض والجبال وأشفقن من حملها لما يمكن أن يلحقهن من تبعات في حالة حملهن لتلك الأمانة قال تعالى : ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ ( الاحزاب آية .72 )
      إلا إننا وللأسف الشديد نجد هذا المربي وهذا المعلم الذي زرعت فيه الأمانة وأوكل إليه تنشئة أجيالِ وتخريج رجالِ للغد يأتمر بأوامر تلك الحضارة وينتهي بمنهيات تلك الحضارة ونسى انه مطالب من دينه في كل وقت بتسخير كل طاقته وجهده لطاعة والديه كليهما أو احديهما عند فقده احديهما وبرهما في كل وقت وفي كل الظروف والأحوال وذلك في حدود طاعة الله ورسوله لا أن يقتصر ذلك على يوم معين .
      يبرهما في يوم واحد وباقي الأيام لا سمع ولا طاعة لهما فقد برهما بما فيه الكفاية في يوم عيديهما وهو عازمُ على أن يبرهما في العام القادم في ذات التأريخ فنجده بعدها لا يسأل عنهما أو عنها تحديداً ويقاطعها أياماً وشهوراً دون زيارة أو اتصال إن كانا لا يقيمان معاً في معيشة واحدة وربما بات شبعان البطن في حين أنها باتت جائعة وارتوى هو في حين ظمئت هي وستكسى هو الجديد في حين لبست هي ما بلي من الثياب وأخيراً يطل عليه عيد الأم فيسارع إلى أن يهديها أي شيء فهو بذلك في نظره قد أدى الواجب الذي عليه ولسان حاله يقول : ( على أي حالٍ عدت يا عيد ) .
      وعجبت أيضاً من ذلك المعلم الذي يقوم برد الحجة الثابتة بحجة واهية فهذا ابني التلميذ يقول لمعلمه : أي معلم انك عودتنا منذ زمن بتذكيرنا بعيد الأم عندما يطل علينا التأريخ الذي تعارف عليه القوم من كل عام قاصداً تذكيرنا أن نقوم بشراء هدية مناسبة لأمهاتنا لا لشيء وإنما فقط تخليداً لهذا اليوم ، واني أحسبك انك تعلم أن هذا الأمر كلمة حق أريد بها باطل .
      فقال المعلم : ما هو الباطل الذي أريد به من وراء الاحتفال بهذا اليوم ؟ .
      فقال : أريد من ذلك أن نكون تبعاً لهم تبعاً لأفكارهم تبعاً لأشربتهم وأهوائهم ، أن نكون ورائهم نسير خلف الركب لا أمامه نكون تبعاً لا متبوعين ، أريد من ذلك أن ننسلخ من مبادئ ديننا ونصفها بالرجعية ونأخذ ما يمكننا من التقدم واللحاق بالركب من أفكار ومنح وهبات هذه الحضارة المادية المزعومة .
      فرد المعلم متلكلكاً : إنما أردت أن أذكركم بأمهاتكم لا غير .
      وأقول لهذا المربي ولهذا المصلح ولهذا المعلم ومن في شاكلته أما وجدت غير هذا الوقت بالذات أن تذكر طلبتك بأمهاتهم ؟ و أتسأل لماذا لا نربط أبناءنا بدينهم وبمعتقدهم ؟ هذا المعتقد الذي دائما يربط بين العبادة والعمل وبين الطاعة وبين ما ينشى عنها من فوائد ومكاسب مادية ومعنوية .. لماذا لا نزرع في نفوس أبنائنا بان يكونوا دائماً موصولين بربهم وبدينهم ؟ يجدهم حيث أمرهم ويفتقدهم حيث نهاهم .
      ومن أعيادهم التي ابتلينا بها .. عيد الميلاد .. يوم ميلاد الشخص ، فهم وإن بلغ احدهم السبعين أو المائة من العمر فهو في كل عام وفي يوم مولده تجده يقيم الموائد ويحي السهرات والحفلات ويطفئ الشموع ، وها هو ذا يصلنا عضال الداء ويتفشى بيننا ولا نجد له الدواء وكم من دعوة قد دعينا إليها للحضور وغشيان تلك الحفلات وعندما لا تلبي الدعوة يقال لك انك لست حضارياً ..
      لست حضارياً عندما اجعل سنة نبي نصب عينيي ..
      ولست حضارياً عندما اعف نفسي من الولوج في هذا الأمر ...
      ولست حضارياً إذا لم تزغ عيني لسفاسف الأمور ومنحطها من الحضارة الغربية المادية المزعومة .. لست حضارياً إذا لم اقتد بما يفعله أبناء القردة والخنازير ...
      إنني لا أريد أن أكون حضارياً إذا كانت الحضارة عندكم بهذا المفهوم ..
      لا أريد أن أكون حضارياً إذا كان مقابل ذلك التخلي عن قيمي وديني ومعتقدي ...
      لا أريد هذه الحضارة بل أريد أن أنأ بنفسي عنها .
      لم ؟؟ ..
      لأني أريد أن أحيا في وسط امة يجري في شرايينها وعروقها النهج السوي من التعاليم الربانية والتعاليم المحمدية ، أريد أن أكون في امة قدوتها وأسوتها محمد e وليقال فيّ بعد ذلك ما يقال .
      إن حضارتكم هذه هي الجاهلية بعينها وهي التخلف والانتكاس والسقوط والانحطاط لأنها جاءت بتعاليم وقوانين ما انزل الله بها من سلطان .
      فبالله عليكم أي حضارة هذه !! وأي تقدم وتمدن هذا !! ، الذي يعطل شريعة الله في الأرض من أن تقام وتنتهك الأعراض ويدعى للسفور والتبرج ولمنحط الأخلاق ، ويدعى لسفاسف الأمور ، فالناظر لأتباع هذه الحضارة يتمتعون برصيد وافر من معوج الأخلاق ومنحطها مما تشمئز منه الفطر السليمة وتتعفف حتى عن ذكره ، فهم يعيشون في بهيمية وحيوانية هابطة ، بل إن البهيمية هي اشرف وارفع منهم كونها لم تحد عن الفطرة التي فطرها الله عليها في حين أنهم حادوا عنها وزاغو ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ ( الصف آية .5 ) فأن لمثل هؤلاء أن يوصفوا بأنهم أصحاب حضارة وتمدن وتقدم فحضارتهم لا تعدو إلا أن تكون حضارة رجعية وحضارة جاهلية يجب على من به ذرة من عقل أن يفر منها فراره من الأسد .
      فالرقي والحضارة والمدنية والتقدم ليس مجرد اختراعات واكتشافات وبناء وعمران وتقدم في شتى ألوان وفنون العلم والمعرفة ، وإنما الحضارة رقي في الإنسانية وسمو في التعامل ونهاية في الأخلاق وكرامة في الحياة فتجدها غاية في النبل الإنساني وغاية في الأخلاق الفاضلة ورفعة في المعاملة الطيبة وحسبك حضارة بهذا السمو وبهذا الرقي ألا تكون حياة هانئة ؟ .
      يروى أن رجلاً دخل على سلمان الفارسي فرآه يعجن فقال له : أين الخادم ؟ فقال سلمان : بعثناه لحاجة فكرهنا أن نجمع عليها بعملين ، السيد يعجن بنفسه كراهة أن يثقل على الخادم بكثرة الأعمال .
      ويقول معاوية بن سويد : لطمت مولى لنا ، فهربت ، ثم جئت قبل الظهر فصليت خلف أبي فدعاني ثم قال له : امتثل أي خذ حقك من ولدي مقتصاً .
      وسأل سيرين بن أبي عمر أنساً المكاتبة وكان كثير المال فأبى ، فانطلق إلى عمر t، فقال عمرt لأنس : كاتبه ، فأبى فضربه عمر tبالدرة وتلا ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ ( النور آية .33 ) . (.26 )
      رفعة وسمو في التعامل ، عبدُ ينشد حريته من سيده ، السيد يأبى فما كان من الحاكم إلا أن ينصف هذا العبد وينفذ رأيه ويطرح رأي السيد جانباً بعد أن تضرب رأسه الدرة .
      فبالله عليكم أين يمكن أن نجد مثل هذا الصنيع وهذا الفعل على مر التأريخ طوله وعرضه ، أيمكن أن نجده اليوم في غمار هذه الحضارة التي يزعمون أنها رقي وتقدم ؟ أيمكن أن نجده عند الغرب ؟ أيمكن أن نجده عند الشرق ؟ لا والله بل كان ذلك في الإسلام وحسب عندما كان الإسلام ينطلق من تلك الصحراء القاحلة إلى أرجاء المعمورة بنوره المشرق الذي يضيء كالح الظِلم .
      هذا وهم قد جعلوا لكل شيء عيدا ولكل أمر يوما فما أكثر أعيادهم وما أكثر أيامهم فهي وان عددتها فكثير إلا إنها لا تملا صدفة بحر وإن ملأته فهي السم الزعاف بعينه .
      وكذبة ابريل وهي التي يحتفل بها في اليوم الأول من شهر ابريل لا تعدو إلا أن تكون يوماً من أيامهم التي سوقوها وتاجروا بها في البلاد الإسلامية وتلقفناها نحن بصدر رحب وللأسف الشديد وهذه المرة جهاراً نهاراً كما يقال دون أن يراعوا عرفاً أو ديناً أو مبادئ وهكذا صدروا يومهم لنا دون غلاف براق كما كانت عادتهم
      لماذا ؟ ...
      لأنهم تيقنوا تمام اليقين أن بذرتهم التي بذروها نمت وترعرعت واتت أكلها كل حين فليس هناك من داع في أن يكلفوا أنفسهم إضفاء الشرعية لهذا الأمر فهو بلا شك سوف يتم تقبله واستساغته .
      .. لماذا ؟؟
      لأنه أتى من الحضارة المتقدمة ، لأنه أتى من الحضارة التي ترفع لواء التقدم والتمدن ، وهم واثقون كل الثقة انه لن يلتفت لأي مناد مصلح ينادي في هذه الأمة ويحذر من تقبل هذا الأمر والرضى به .
      لماذا ؟؟ ..
      لأنه سوف يواجه بكل عنجهية ومن أبناء جلدته محاولين جهدهم إسكات ندائه وتحذيره لأنه في نظرهم يحمل الرجعية والتخلف وعدم التطلع لما عند الغير من التقدم والتحضر .
      منحط الأخلاق وتزيف الحقائق تقدم وتحضر ، ورفيع الأخلاق وإظهار الحقائق تخلف ورجعية وصدق فينا قول رسولنا e حينما قال : ( سيأتي على الناس سنوات خداعات يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق ويؤتمن فيها الخائن ويخون فيها الأمين وينطق فيها الرويبضة ).. قيل : وما الرويبضة ؟ قال : ( الرجل التافه الذي يتكلم في أمر العامة ) (.27 ) أو كما قال e .
      وعن أصل كذبة ابريل يقول سماحة الشيخ/ احمد بن حمد الخليلي ـ حفظه الله تعالى ـ : وخلاصتها ـ إي كذبة ابريل ـ أن المسلمين عندما كانوا يحكمون الأندلس وكان بجوارهم النصارى وقد شق عليهم أن تكون للمسلمين مملكة في القارة الأوروبية وقد استعصت عليهم حصاتها أن يفتتوها ، فلم يروا سبيلاً إلا أن يغزوهم بالشهوات وأتباع الهوى والتخلي عن الفضائل والأخلاق ، فبدءوا بشبابهم يغزونهم بالخمر التي هي جماع الإثم ومنشأ فقدان العقل واختلال التفكير ، إذ صاروا يهدون شباب المسلمين من الخمور ما كاد يجري انهارا ، فلانت إرادتهم وتشتت عزيمتهم واندفعوا وراء الشهوات يلهثون بغير رويه ولا عقل ، يتهالكون عليها كما يقع الفراش على لهيب النار ، فلم تعد لهم هيبة في نفوس أولئك ، فما كان منهم إلا أن قلبوا لهم ظهر المجن ، وشنوا عليهم حروباً دامية اجتاحت معاقلهم ، إذ أخذت تتهاوى في أيدي النصارى معقلاً بعد أخر ، وكان أخر معقل يسقط في أيديهم هو غرناطة التي اجتاحوها في أول يوم من ابريل ، ولما تحقق لأولئك من هدف كان بعيد المرمى في ذلك اليوم ، اخذوا يحتفلون فيه بفكاهة يلقيها بعضهم على بعض فيها تندر واستخفاف بأولئك المسلمين الذين ديست بيضتهم وسلبت كرامتهم وفقدوا عزتهم .
      وقد بدأت هذه العادة عند الأسبان الكاثوليكيين ثم انتشرت في الطوائف الأخرى ، وكانت تدعى أولاً ( خدعة ابريل ) رمزاً إلى ما خدعوا به المسلمين حتى تمكنوا من أبادتهم وإجلائهم في تلك القارة ، فهلا وعى هؤلاء الحمقى الذين يسارعون في ابتكار الأكاذيب في ذلك اليوم لأجل التندر والفكاهة ، أنهم بذلك أنما يحتفلون بإضاعة أمجاد وهدم مملكة وتقويض عز شامخ كان أسلافهم يفاخرون به ، وقد البسوا بعده ثوب الذل والمهانة ، وصاروا عبرة في التاريخ ؟ (.28 ).
      ونحن انطلت علينا الكذبة ، ومع أنها كذبة تلقفناها وسرت عادة في مجتمعنا الإسلامي الذي يدعو إلى نبذ الكذب وتحري الصدق فكم من الآيات في القران الكريم التي تحض على الصدق وتحريه وتبين جزاء الصادقين وفي المقابل هناك من الآيات التي تنفر من الكذب وتبين جزاء الذين يكذبون وما ينتظرهم من العذاب وسوء المئال .
      يقول تعالى حاضاً على الصدق مبينا ما للصادقين من الجزاء والثواب : ﴿وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ ( الزمر آية .33 )
      ويقول الله تعالى : ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ ( الاحقاف آية .16 )
      ويقول تعالى : ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ ( آل عمران آية .17 )
      ويقول تعالى : ﴿قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ( المائدة آية .119 )
      ويقول تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ ( التوبة آية .119 )
      ويقول تعالى : ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ( الاحزاب آية .8 )
      ويقول تعالى : ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاء أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ ( الاحزاب آية .24 )
      ويقول تعالى : ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ ( الاحزاب آية .35 )
      ويقول تعالى : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ﴾( الحديد آية .19 )
      وفي المقابل يقول الله تعالى منفراً من الكذب ومبيناً المصير الذي ينتظر من يكذب : ﴿ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ﴾ ( الاسراء آية .36 )
      ويقول تعالى : ﴿ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ ( ق آية .18 )
      ويقول تعالى : ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ﴾ ( الزمر آية .32 )
      ويقول تعالى : ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ( آل عمران آية .75 )
      ويقول تعالى : ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ( آل عمران آية .78 )
      ويقول تعالى : ﴿فَمَنِ افْتَرَىَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ( آل عمران آية .94 )
      ويقو تعالى : ﴿انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُّبِينًا﴾ ( النساء آية .50 )
      ويقول تعالى : ﴿مَا جَعَلَ اللّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ ( المائدة آية .103 )
      ويقول تعالى : ﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ﴾ ( يونس آية .60 )
      ويقول تعالى :﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ﴾ ( يونس آية .69 )
      ويقول تعالى : ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ الْنَّارَ وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ﴾ ( النحل آية .62 )
      ويقول تعالى : ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَأُوْلئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ ( النحل آية .105 )
      ويقول تعالى : ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ﴾ ( النحل آية .116 )
      ويقول تعالى : ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ( الصف آية .7 )
      ويقول تعالى : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ( المجادلة آية .14 ) .
      ويقول تعالى : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ﴾( الحديد آية .19 )
      وفي الحديث الشريف ...
      عن ابن مسعود t قال : قال رسول الله e: ( إن الصدق يهدي إلى البر وان البر يهدي إلى الجنة وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا وإن الكذب يهدي إلى الفجور وان الفجور يهدي إلى النار وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا ) متفق عليه (.29 ) .
      وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال النبي e : ( أفرى الفِرىَ أن يُرِي الرجل عينيه ما لم تريا ) رواه البخاري ، ومعناه : يقول رأيت في ما لم يره (.30 ) .
      وعن أبي هريرة t أن النبي e قال : ( كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع ) رواه مسلم (.31 ) .
      ويقول e مبيناً مراتب النفاق في الحديث الذي يرويه أبو هريرة t : ( آية المنافق ثلاثة : إذا حدث كذب ، وإذا وعد اخلف ، وإذا اؤتمن خان ) متفق عليه ، وزاد في رواية لمسلم : ( وان صام وصلى وزعم انه مسلم ) (.32 ) .
      وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي رضي الله عنه أن الرسول الله e قال : ( أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ومن كان فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها : إذا اؤتمن خان ، وإذا حدث كذب ، وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر ) متفق عليه (.33 )
      وعن صفوان بن سليم t انه قال : قيل لرسول الله e : أيكون المؤمن جباناً ؟ فقال : ( نعم ) فقيل له : أيكون المؤمن بخيلاً ؟ فقال ( نعم ) فقيل له : أيكون المؤمن كذاباً ؟ فقال ( لا ) (.34 ) .
      وفي مراسيل الإمام جابر بن زيد عن النبي e قال : ( ثلاث من كن فيه فهو منافق حقاً وان صلى وصام وزعم انه مسلم من إذا حدث كذب وإذا وعد اخلف وإذا اؤتمن خان ) (.35 ) .
      وفي مراسيل الإمام جابر بن زيد أيضاً عن بعض أصحاب النبي e : ( أن اصل النفاق الذي يبنى عليه النفاق الكذب ) (.36 ) .
      وفي مراسيل الإمام جابر بن زيد عن النبي e قال : ( ان الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أنها بلغت ما بلغت فيهوي بها في النار سبعين خريفاً ) (.37 ) .
      وفي مراسيل الإمام جابر بن زيد أن النبي e كان يقول : ( من غشنا فليس منا ومن حمل علينا السلاح فليس منا ومن انتهب مالنا فليس منا ومن لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا فليس منا ومن ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية فليس منا ) (.38 ) .
      فوالله من كان هذا حاله بان يتلقف ما عند الغرب من الدعاوى الكاذبة فأنه دعا بدعوى الجاهلية فيصبح ليس من الإسلام في شيء .
      إذاً هذه نصوص الكتاب العزيز والسنة المطهرة واضحة جلية في بيان الأمرين وفي بيان الطريقين ، الصدق صدق ، والكذب كذب ، ليس هناك كذبة حمراء أو خضراء أو صفراء أو بيضاء ، وليس هناك يوماً خاصاً بالكذب يكون الكذب فيه مباحاً يمكن لأي شخص أن يكذب ما شاء فيه وان يفتري على خلق الله دون رقيب ولا حسيب .
      إلا أننا مع تلك النصوص وتلك الآيات البينات نأبى إلا أن نشارك القوم يومهم ونشاركهم احتفالهم بهذا اليوم ، فيكذب الكاذبون فيه ويفتري المفترون وتقع بعد ذلك من جرأ هذا الكذب وهذا الافتراء كوارث ومصائب ربما تزهق فيها أرواح بعض الناس ويقع بعضهم صرعى فاقدي الوعي عندما يتلقفون أخباراً تخص محيطهم وهي في حقيقة الأمر ما هي إلا أخباراً كاذبة أراد منها هذا المفسد أن تكون دعابة وتسلية يتسلى بها على الآخرين وما درى أنها فيها حتفهم ومصابهم الجلل فأين العقول التي تعي والقلوب التي تفقه .
      فيا لبني القران أين عقولكـــم وقد عصفت هذي الرياح الزعازع
      أمسلوبة هذي النهى من صدورنا وهل فقدت أبصارنا والمسامــع(.39 )
      وإني لأجزم لو أنهم افتعلوا يوماً للصدق ـ الذي هم بعيدون عنه كل البعد ـ كما أتوا بيوم للكذب لتبعناهم فقط مجرد أن ذلك أتى من عندهم بينما كنا سابقاً متصاممين عن كل الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الحاثة على الصدق وتحريه طيلة القرون الماضية .
      ومن أعيادهم التي ابتلينا بها عيد الحب فها هي ذا الفتاة المسلمة تقع في الشراك الذي نصبوه لها فتجدها تتبادل مع صديقتها الورود والحلوى مقتدية بذلك بالنصرانية وما درت هذه المسكينة أن هذا العيد اختاره النصارى ليكون ذكرى لأحد رموزهم وقسيسيهم .
      فهو عيد نصراني ينسب لقسيس يدعى فالنتين ، فأحب النصارى هذا العيد لأنه يرسخ العقيدة النصرانية لدى شبابه ، فلماذا نحن نحتفل به ؟ الكي يرسخ لدى شبابنا العقيدة الإسلامية ؟ أم ماذا يرسخ فيهم ؟ فهلا سألت أختي المسلمة نفسها قبل أن تحتفل بهذا العيد من أين جاءها ؟ يقول تعالى : ﴿ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ ( المجادلة آية .22 ) ففي نشر رموز وشعائر من حاد الله ورسوله مشابهة لهم ، ومشابهة الكفار توجب المحبة والموالاة القلبية لهم .. فالله المستعان .
      ومن صنوف التولي والأتباع ما نراه اليوم متفشياً في أوساط أبناء المجتمع المسلم في أمور حياتهم وطريقة معيشتهم من تقليد للمجتمعات الغربية في الأكل والشرب وطريقة الكلام والمشي وفي أنواع اللباس والتفنن في قصات الشعر والتسريحات وفي غيرها من جوانب الحياة الاجتماعية الأخرى كالأعراس وغيرها والعادات المتوارثة لدى المجتمع المسلم التي أُضيف إليها أحدث صيحات العصر وادخل إليها التجديد في كل شيء لتكون عاداتنا الاجتماعية متوائمة مع روح العصر لنواكب الركب والمدنية المتحضرة وهذا ما سوف تتلقاه من إجابة عندما تبادر احدهم متسائلا عن أسباب تهجين واستنساخ عاداتنا وتقاليدنا التي توارثناها أباً عن جد وكابر عن كابر فما كان منا إلا أن أضفنا إليها صبغة تجديد وزاوجنا بينها وبين ما لدى الغرب من روح عصرية .
      ومن ذلك تجد هذا المسلم قد غير طريقة أكله وشربه فقد أخذ يأكل بالشوكة والسكين ، وليس في ذلك حرمة وإنما ترك سنة من سنن نبيه وهي الأكل باليد وفوت أمراً ندب إليه وهو لعق الأصابع بعد الانتهاء من الأكل لما فيه من الفوائد الصحية التي تم التوصل إليها الآن وهو ما اخبر به رسولنا e منذ ما يزيد عن ألف وأربعمائة عام .
      عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال : قال رسول الله e : ( إذا أكل أحدكم طعاماً ، فلا يمسح أصابعه حتى يلعقها أو يُلعقها ) متفق عليه (.40 ) .
      وعن كعب بن مالك t قال : رأيت رسول الله e يأكل بثلاث أصابع فإذا فرغ لعقها . رواه مسلم(.41 )
      وعن جابر t أن رسول الله e أمر بلعق الأصابع والصفحة وقال : ( إنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة ) (.42 ) .
      وعنه أن رسول الله e قال : ( إذا وقعت لقمة أحدكم ، فليأخذها فليمط ما كان بها من أذى وليأكلها ، ولا يدعها للشيطان ، ولا يمسح يده بمنديل حتى يلعق أصابعه ، فإنه لا يدري في أي طعامه البركة ) رواه مسلم (.43 ) .
      وعنه أن رسول الله e قال : ( إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه ، حتى يحضره عند طعامه ، فإذا سقطت لقمة أحدكم فليأخذها فليمط ما كان بها من أذى ، ثم ليأكلها ولا يدعها للشيطان ، فإذا فرغ فليلعق أصابعه فإنه لا يدري في أي طعامه البركة ) رواه مسلم(.44 )
      وعن أنس t قال : كان رسول الله e إذا أكل طعاماً لعق أصابعه الثلاث وقال : ( إذا سقطت لقمة أحدكم فليأخذها وليمط عنها الأذى وليأكلها ولا يدعها للشيطان ) وأمرنا أن نسلت القصعة وقال : ( إنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة ) رواه مسلم (.45 ) .
      وليت الأمر وقف عند الأكل بالشوكة والسكين وإنما تعداه إلى أن أصبحت الأداة التي يحمل بها الطعام إلى الفم تمسك باليد الشمال وعطلت اليد اليمنى وقلب الأمر رأس على عقب .
      عن عمر بن أبي سلمه ـ رضي الله عنهما ـ قال : كنت غلاماً في حجر رسول الله e ، وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال لي رسول الله e : ( يا غلام ، سم الله تعالى ، وكل بيمينك ، وكل مما يليك ) (.46 ).
      وعن سلمه بن الاكوع t أن رجلاً أكل عند رسول الله e بشماله فقال : ( كل بيمينك ) قال : لا أستطيع ، قال : ( لا استطعت ) ما منعه إلا الكبر ، فما رفعها إلى فيه . رواه مسلم (.47 )
      وعن جابر t قال : قال رسول الله e : ( لا تأكلوا بالشمال فإن الشيطان يأكل بالشمال ) رواه مسلم (.48 ) .
      وعن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أن رسول الله e قال : ( لا يأكلن أحدكم بشماله ولا يشربن بها ، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بها ) . رواه سلم (.49 )
      وترى هذا المسلم قد غير نوع وطريقة لبسه فأبدل ما ألفه من لباس مجتمعه بأن لبس ما يسمى ( الهاف ) ولبس ما يطلق عليه ( بالبنطلون ) وما يسمى ( الكبوس ) وغيرها من أنواع الملابس التي غزت أسواقنا ومجتمعاتنا من حيث ندري ومن حيث لا ندري .
      حتى أنك تنظر إلى هذا الواقف أمامك فتضنه أجنبياً في الوهلة الأولى غريباً عن مجتمعك وناسك وتحسبه كذلك إلى أن يحادثك فتعرفه ويتبين لك انه من المعدودين على امة محمد e اسماً فقط وأما في حقيقة الأمر والواقع فهو ليس منها في شيء .
      فها هو ذا تراه في السوق وقد لبس فوق رأسه الكبوس وارتدى ما يسمى ( بالفانيلة ) المرسوم فيها صوراً لأشخاص ملامحهم غريبة وأشكالهم عجيبة وبها من الأصباغ والطلاء الشيء العجيب فنصفها احمر ونصفها الأخر اخضر ، ولبس ما يسمى ( بالهاف ) مبدياً أفخاذه ، نصف رأسه حليق ونصفه الأخر به بعض الشعر أو نصفه الأسفل حليق ونصفه الأعلى غير حليق فهو بهذه الصورة المضحكة وهذه الصورة المقززة والمنفرة تجده لا يعبأ بدين ولا يعبأ بأخلاق ومُثل فاضلة ولا يعبأ بعادات وتقاليد ولا يعبأ بعرف ولا سمات تعارف عليها أهله ومجتمعه فأن لمثل هذا بعد ذلك أن يعد من أمة لا إله إلا الله وهو على هذه الحالة وهذه الصفة وهذا التناقض الذي يعيش فيه .
      وتجد هذا المسلم قد تفنن في إحداث نقلة نوعية وطفرة مادية ومعنوية حتى في خصوصيات مجتمعه المسلم وعاداته فهو مثلاً تفنن في حفلات الأعراس فتجد العجب العجاب من لبس لما يسمى بالدبلة ولبس ما يسمى بفستان الفرح وما إلى ذلك من صنوف التغيير كتغيير لخلق الله تعالى من وضع للمساحيق والأصباغ على وجه هذه المسلمة ومن ترقيق للحواجب وتطويل للأظافر إلى غير ذلك مما نهى عنه الشارع الحنيف ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
      عن أبي هريرة t قال : قال رسول الله e : ( صنفان من أهل النار لم ارهما : قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ، ونساءٌ كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة ، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا ) رواه مسلم (.50 )
      فهلا تنبهنا للأمر ووعينا ؟ !!! .

      (( وللموضوع بقية )) ، وأنا في انتظار تعليقاتكم على ما سبق
      والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
      أخوكم : حمد بن سالم الشبلي
      ولاية السويق
    • عين السويق كتب:

      الإهداء :




      · إلى أولئك الحرقى من هذه الأمة ، على حال الأمة .
      · إلى أولئك البائسين القانطين .
      · إلى أولئك المتفائلين المؤمنين بنصر الله .
      · إلى أولئك الذين تفيض قلوبهم بالإيمان وتشتاق أرواحهم لتمكين الله لأمة الإسلام .
      · إلى كل أولئك أقدم هذا الإصدار .








      فاتحة :


      أحمده تعالى حق حمده واشكره حق شكره واستهديه وأتوب إليه ، واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له واشهد أن محمد عبده ورسوله بصر بعد العمى وهدى بعد الضلالة فمحا الله به الظلمة وكشف به الغمة صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم .... أما بعد :
      لعل من أهم الأسباب التي جعلتني أن اقُدم على الكتابة في هذا الموضوع من باب الاهتمام بأمور المسلمين ، لان المسلم الحق لا بد أن يشارك إخوانه وبني جلدته من المسلمين في جميع أمورهم فيفرح لفرحهم وبهجتهم ويحزن لحزنهم ومصيبتهم ، فكيف لا يهتم الواحد منا بأمور أمته وهو وان كان فرد واحد فهو مطالب أن يقدم ما لديه من فكر ورؤى وإبداع وعمل متقن مهما صغر يخدم به أمته ومجتمعه .
      والله اسأل أن يكون هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم نافعاً غير ضار محسوباً في ميزان حسناتي يوم الحساب .

      خير أمة


      لقد كانت هذه الأمة المحمدية ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ( آل عمران آية .110 )هكذا أراد لها الله تعالى أن تكون خير أمة وأصفى أمة وأوسط أمة من لدن أبينا أدم عليه وعلى رسولنا أفضل الصلاة وأزكى التسليم إلى قيام الساعة ، ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ ﴾ ( البقرة آية .143 ).
      الناس لنا تبع كما قال الحبيب المصطفى e في الحديث الذي يرويه الإمام الربيع بن حبيب بن عمرو الازدي البصري الفراهيدي عن الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي عن الإمام جابر بن زيد الازدي قال : قال رسول الله e : ( نحن الآخرون الأولون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأتيناه من بعدهم هذا يومُهمُ الذي اختلفوا فيه فهدانا الله إليه والناسُ فيه لنا تبع اليهود غداً والنصارى بعد غد ) (.1 ) إذاً الناس لنا تبع لا أن نكون نحن تبع لغيرنا لأننا نحمل العقيدة الوسطية ، لا رهبنة وتصوف ولا مادية وشهوانية بل وسطية في كل شيء .
      والحديث عن الوسطية في الإسلام حديثٌ يطول الكلام فيه ونحسبه ليس هنا محله فوجهتنا لشيء أخر إلا أننا أردنا أن نوضح أننا خير أمة ، بما تحمله هذه الكلمة من المعاني والدلالات التي يصعب حصرها والتي للأسف الشديد أخذنا نحل عراها واحدة تلوى الأخرى .
      نتنازل شيئا فشيئا عن هذه الخيرية وكأننا ـ أستغفر الله ـ نقول له سبحانه وتعالى : أننا لا نريد هذه الخيرية وأننا لسنا بحاجة إليها فها نحن كما ترى نتنازل عنها ونبوا بها ونمد أعناقنا لنأخذ الخيرية من أمم أخرى وملل ونحل شتى نراها بميزان اليوم هي الخيرية التي تكمن فيها السبل المؤدية للعزة والتمكين وبالتالي فهي الخيرية التي ننشدها لا تلك التي دللتنا عليها .
      هذا حالنا اليوم تركنا ما نحن متمسكين به من عزة ومنعة ونصرة ومبادئ وأودعناها في مخازن ومستودعات تحت الأرض و أوصدنا دونها الأبواب وأخذنا نتطلع للعزة والتمكين من مناهج و أشربة الآخرين داسين رؤوسنا ومناخرنا في وسط تلك المناهج علنا نظفر ولو بشيء منها لكي نبثه في مجتمعاتنا وبيئاتنا لنحصل على أسباب العزة والخيرية والسبق الذي طالما حرمنا منه سنين طوال ، عندما كنا متمسكين بموروثنا الديني والحضاري الذي أعددناه اليوم تخلف ورجعية وصدق فينا قول رسولنا e في الحديث الذي يرويه أبي سعيد الخدري t عن النبي e قال : (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً شبرا وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم ) قلنا : يا رسول الله اليهود والنصارى ، قال : ( فمن ) (.2 ).
      وقبل ذلك قوله سبحانه وتعالى : ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ ( آل عمران آية .85 ).
      وبعد ذلك وصية سيدنا عمر بن الخطاب tلقائد جنده سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما ومن معه من الأجناد : أما بعد فإني أمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال ، فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو ، وأقوى المكيدة في الحرب ، وأمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراساً من المعاصي منكم من عدوكم ، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم ، وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله ، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة ؛ لأن عددنا ليس كعددهم ، ولا عدتنا كعدتهم ، فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة ، وإلا ننصر عليهم بفضلنا ، لم نغلبهم بقوتنا ، فاعلموا أن عليكم في سيركم حفظة من الله يعلمون ما تفعلون ، فاستحيوا منهم ، ولا تعملوا بمعاصي الله وانتم في سبيل الله ، ولا تقولوا إن عدونا شر منا ، فلن يسلط علينا ، فرب قوم سلط عليهم شر منهم ، كما سلط على بني إسرائيل لما عملوا بمساخيط الله كفار المجوس ، فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولا اسألوا الله العون على أنفسكم ، كما تسألونه النصر على عدوكم (.3 ) .
      خرج عمرtإلى الشام ومعه أبو عبيدة ، فأتوا على مخاضة ( وادٍ من ماء ) ، وعمر على ناقة له ، فنزل وخلع خفيه فوضعها على عاتقه ، وأخذ بزمام ناقته فخاض ، فقال أبو عبيدة : يا أمير المؤمنين ، أنت تفعل هذا !! ما يسرني أن أهل البلد استشرفوك ، فقال : أوَّه! لو يقل ذا غيرك أبا عبيدة جعلته نكالاً لأمة محمد ، إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام ، فمهما نطلب العز بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله (.4).
      نعم إن طلبنا العزة في غير ديننا أذلنا الله وان نحن تمسكنا بأهداب هذا الدين وعضين عليه بالنواجذ اعزنا الله ونصرنا .
      يقول الله تعالى في ذلك : ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ ( الانعام آية .153 )
      ويقول تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾ ( محمد آية .7 )
      ويقول تعالى : ﴿ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ( الحج آية .40 )
      إن النصر لن يتأتى بالأخذ بالأسباب المؤدية للمادة وحدها أو بالإغراق في إتباع نحل الآخرين إن النصر سوف يكون حليفنا بإتباع هذا الدين أولاً، وبالأخذ بأسباب الحياة ثانيا.
      وما نراه اليوم من حضارة مادية لدى الغرب إنما هي كما قال سبحانه وتعالى : ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ( يونس آية .24 )
      ويقول تعالى : ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا& الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ ( الكهف آية .46/45 )
      ويقول تعالى : ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ ( الحديد آية .20 )
      ويقول الله تعالى : ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ ( آل عمران آية .14 )
      ويقول تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ ( فاطر آية .5 )
      ويقول تعالى : ﴿لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلاَدِ & مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ ( آل عمران آية .197/196 )
      ويقول تعالى : ﴿اللّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاء وَيَقَدِرُ وَفَرِحُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ﴾ ( الرعد آية .26 )
      ويقول تعالى : ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ﴾ ( الأنبياء آية .111 )
      وهو كذلك اختباراً وابتلا لنا فهل يا ترى نعي الدرس والابتلاء وذلك كلا على حسب قدراته وفى إطار استعداداته ورغباته، ولكن في أخر المطاف يكون الأمر لأمة ليس لفرد بعينه هي المحصلة النهائية لكن الفرد أُسها وأساسها.
      إننا للأسف نتلقف ما يصلنا من الغرب ونأخذه هكذا دون تمحيص ولا تمعن، نأخذه وإن تعارض مع مبادئ ديننا وحضارتنا، نهلهل ونصفق إذا كان ذلك الأمر قد جاءنا من الغرب ونعده تمدن وحضارة ونعده رقيا وتقدما تاركين ما يمت إلى كياننا أعددناه تخلفاً ورجعية، أعددناه ركوداً وجموداً .
      إنما نأخذه اليوم من الغرب الذي يعد في ميزان المادة حضارة، لا يبلغ إلا أن يكون قشوراً وزوائد وللأسف الشديد لم تكن تلك القشور والزوائد في يوم من الأيام إلا غثاء كغثاء السيل جاءت به تلك الحضارة المادية وصدرته إلى مجتمعنا الإسلامي الذي حاول جاهداً أن يحافظ على قيمه ودينه من أن يلحقه غبار ودخان تلك الحضارة المزعومة التي بمبادئها واتجاهاتها المنحرفة إنما هي جاهلية ثانية تقر الظلم ومفسد الطباع وتحارب العدل ومصلح الطباع .
      إن ديننا الحنيف يدعونا إلى نبذ كل ما يمت إلى غير دين الإسلام وتركه بل ومخالفة أتباع ذلك الدين وذلك النهج ليس عنصرية وتسلط بل عزة ونصرة للدين الخاتم الذي ارتضاه الله تعالى أن يكون خاتم للرسالات السماوية ومهيمناً عليها لما يحمله من صفاء ونقاء في الجوهر والمخبر .
      وفي الخبر عنه e انه أمر أصحابه yبالقعود وذلك في حالة دفن موتاهم لأجل أن يخالفوا مسلك اليهود بعدما علم أن الوقوف كان من نهج ومسلك أحبار اليهود وذلك حتى لا يتأثروا بهم .ومن قائل أن هذا الأمر وغيره من الأمور اليسيرة التي لا ينبغي الالتفات إليها وحملها أكثر من أن تحتمل وهي من الصغر بحيث لا يعتد بها ولا ينظر إليها ولا بأس على من عمل بها .
      ... لا ...
      فالأمر اكبر من هذا فاليسير يجلب الكثير ، ومن هانت عليه العادات هانت عليه العبادات .
      إننا مطالبون بمخالفة غيرنا في الملبس والمظهر في المأكل والمشرب في البيع والشراء في الأخذ والعطاء وحتى في كلامنا ومخاطبتنا للآخرين وعند استقبال وليدنا وكما قلنا حتى عند دفن موتانا في كل أمر وعلى أي حال حتى تتحقق العزة والنصرة والتمكين لهذا الدين وانه الحق الذي يجب أن يتبع لا أن يقوم أتباعه بإتباع مشارب وملل الآخرين كون نبي هذه الأمة قام بتربية أصحابه yعلى الاستقلال في الفكر والمنهج والسلوك في كل شيء وفي كل أمر لذا وجب على كل من ينتمي لهذا الدين أن يأخذ بتلك التربية في شتى نواحي حياته الدينية والاجتماعية والعملية .
      ولنقرأ الآيات والأحاديث التالية ليتبين لنا مدى ما يجب علينا من طاعة لله وطاعة لرسوله e وجعله الأسوة الحسنة الذي يقتدى به لا أن يقتدى بآثار ومناهج الآخرين ولنقف على أمر مهم وهو محاربة البدع الضالة التي تحيد الإنسان عن الطريق المستقيم ونبذ كل ما يمت لغير الإسلام من البدع والضلالات الباطلة قديمها وحديثها وان كل أمر يعرض على روح الإسلام ومبادئه فان وافقه يعمل به وان شذ عنه يطرح جانباً ولا يؤخذ به .
      يقول الله تعالى : ﴿مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ( الحشر آية .7 )
      ويقول تعالى : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ ( الأحزاب آية.21 )
      ويقول تعالى : ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ ( النساء آية .80 )
      ويقول تعالى : ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ ( النور آية .63 )
      ويقول تعالى : ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ( آل عمران آية .31 )
      ويقول تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ ( النساء آية .59 )
      وفي الحديث ...
      عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله e : ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) متفق عليه . وفي رواية مسلم : ( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ) (.5 )
      وعن جابر t قال: كان رسول الله e إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: ( صبحكم ومساكم ) ويقول: ( بعثت أنا والساعة كهاتين ) ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى ويقول : ( أما بعد ، فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد e ، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة ) ثم يقول : ( أنا أولى بكل مؤمن من نفسه . من ترك مالاً فلأهله، ومن ترك ديناً أو ضياعاً فإلي وعليّ ) رواه مسلم (.6) .
      وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قام فينا رسول الله e بموعظة فقال : ( أيها الناس أنكم محشورون إلى الله تعالى حفاة عراة غرلا ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ﴾ ( الأنبياء آية .104 ) ، ألا وان أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم صلى الله عليه وسلم ، ألا وانه سيُجاء برجال من أمتي ، فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول : يا رب أصحابي ، فيقال : انك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فأقول كما قال العبد الصالح : ﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ إلى قوله : ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾( المائدة : .118/117 )، فيقال لي : إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم ) متفق عليه (.7 ).
      وعن أبي هريرة t أن رسول الله e قال : ( كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى ) قيل : ومن يأبى يا رسول الله ؟ قال : ( من أطاعني دخل الجنة ، ومن عصاني فقد أبى ) رواه البخاري (.8) .
      وعن أبي هريرة t أن رسول الله e قال : ( إن اليهود والنصارى لا يصبغون ، فخالفوهم ) متفق عليه (.9) المراد خضاب شعر اللحية والرأس الأبيض بصفرة أو حمرة ، وأما السواد فمنهي عنه .
      وعن علي ـ كرم الله وجهه ـ قال : حفظت عن رسول الله e: ( لا يتم بعد احتلام ، ولا صُمات يوم إلى الليل ) رواه أبو داود بإسناد حسن .
      قال الخطابي في تفسير هذا الحديث : كان من نسك الجاهلية الصُمات ، فنهوا في الإسلام عن ذلك ، وأمروا بالذكر والحديث بالخير (.11 ) .
      وربنا جل شأنه يقول : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ( المائدة آية .3 )
      فهل نحن رضينا لأنفسنا بهذا الدين كما ارتضاه الله لنا ، إذا كنا قد ارتضيناه فما بالنا إذا نتخبط يمنة ويسرة كالذي أصيب بمس من الجان ، نأخذ من حثالة الآخرين منهاجاً لنا وشريعة ونترك ما الله ارتضاه لنا دستورا وملة إننا بذلك نتولى من حذرنا الله تعالى من توليهم وأتباع أهوائهم .
      يقول الله تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ ( المائدة آية .51 )
      ويقول تعالى : ﴿ قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ قُل لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ ﴾ ( الانعام آية .56 ).
      ويقول تعالى : ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ ( آل عمران آية .85 ).
      ويقول أيضا : ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا ﴾ ( النساء آية .115 ).
      ويقول تعالى : ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾ ( البقرة آية .120 ) .
      ويقول تعالى : ﴿ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ ( المجادلة آية .22 ) .
      ولنقرأ هذه الآيات الكريمات من كتابه عز وجل وكيف انه سبحانه وتعالى يحذرنا من تولي أعدائنا واتخاذهم بطانة ، وكيف أنهم يزرعون فينا الهوان والصغار لنصبح تبعاً لهم وكيف أنهم يجاهروننا البغضاء والحقد وما تخفيه صدورهم أعظم فلنقرأ قوله تعالى في سورة آل عمران : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ & هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ & إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ (الآيات .120/119/118 )
      ويقول تعالى في سورة المائدة : ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ & وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ & أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ & يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ & فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ & وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُواْ أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ & يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ & إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ & وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ & يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ (الآيات من 48 ـ 57 .)

      من صور الإتباع والتولي


      ومن صور الإتباع والتولي الذي نشاهده اليوم كثير ربما لا يمكننا ذكره والحديث عنه ، فللأسف الشديد إن ما يعد من الحضارة عند الغرب قد أخذ بألباب أبناء هذه الأمة المحمدية واستحوذ على فكرها وثقافتها إلا من رحم ربك وانساقت هذه العقول وراء أنجاس وأركاس الغرب دون وعي ولا بصيرة من أمرها كالمأخوذ عقله الذي يمشي مع الماشين وينساق مع المنساقين ولو كان فيه مصيره وحتفه .
      وما التحذير الشديد كما مر بنا من عدم تولي أصحاب الملل والنحل الأخرى والحرص كل الحرص على مخالفتهم والأخذ بمغاير ما يعتقدوه ويؤمنوا به إلا من قبيل أن تكون لهذه الأمة الخصوصية التي تميزها عن باقي الملل والنحل والاتجاهات الأخرى .
      فمن أنواع الإتباع الذي نراه اليوم وللأسف الشديد أن تكون لأيام وأعياد اليهود والنصارى مكاناً يحتفل بها في أمة محمد e ولمن المؤسف حقاً أن من يتسابق للاحتفال بتلك الأعياد هم من يعدون من مثقفي هذه الأمة ولاسيما من المعلمين والمربين وأصحاب الفكر وأرباب القلم .
      وللأسف الشديد ـ ثالثاً ـ أن يكون لتلك الأعياد ولتلك الأيام النصيب الأوفر بالحضور في مناهجنا الدراسية وفى إعلامنا وما يكتبه مثقفي هذه الأمة من فكر وأدب فما لنا ولأيامهم وأعيادهم وعندنا ما يكفينا من أيام وأعياد تغنينا وتثري عقولنا وأقلامنا لما لها من الحضور المتجدد والإشارات القوية التي توقض ضمير أبناء الأمة بين حين وأخر لتجعله مرتبط بربه وثيق الصلة بخالقه ليسعد في دنياه وآخرته .
      فما لنا وأعيادهم فهي وإن رقت مادتها لا تعدو أن تكون إلا أرضية سافلة ، مادة بلا روح فهي غثاء كغثاء السيل ما يلبث أن يذهب ، وأما أعيادنا فهي علوية سامية ، وما لنا وأعيادهم فهي لا تعدو أن تكون إلا أعياد فجور وزيغ وأما أعيادنا ففيها الطهر والنقاء .
      ومن أمثلة أعيادهم التي يتسابق البعض منا للاحتفال بها وتمجيدها أكثر بكثير من قيامهم هم بالاحتفال بها وتمجيدها ، منها الاحتفال بعيد رأس السنة الميلادية ، وما أدراك ما الاحتفال برأس السنة الميلادية ، وكيف نحن المسلمين نتدافع هكذا دون هدى للاحتفال بهذا اليوم ، فنقيم الاحتفالات ونزين المحلات ونعلق اللافتات ويبادل الواحد منا أخاه بطاقات المعايدة والتهاني ونقيم السهرات وتعطل الدوائر عن العمل ، ويصاب إعلامنا المسموع والمرئي والمقروء بحمى الهستيريا ، فيعيد صياغة وترتيب برامجه من جديد لتواكب السنة الجديدة التي أطلت ويقوم برسم الخطط وما ينبغي أن يبث ويكتب خلال العام الجديد ويستعرض الأعمال والأحداث التي مرت خلال العام المنصرم حدثاً تلو الحدث وبرنامجاً تلو البرنامج .
      فلا تسمع ولا تشاهد ولا تقرأ إلا كيف كان العام الماضي مليء بالأحداث والتطورات وكيف سيستقبل العام الجديد بالخطط والبرامج ، هستيريا ما بعدها من هستريا وحال ما بعده من حال ، فكأن هذا العام عامنا وكأن هذا اليوم يومنا .
      وتأتي السنة الهجرية الجديدة مؤذنة بالدخول ، ولكن .. لا تسمع .. ولا تشاهد .. ولا تقرأ .. شيئا أي شيء يذكرك بأن أمرا قد حدث وأن عاماً هجرياً قد أفل وعاماً هجرياً قد أطل ، لا تجد من مثيل ذلك الصراخ وذلك الهذيان وتلك الطبول التي تقرع وتلك الزمور التي تزمر وتلك البيارق والإعلانات التي ترفع .. لا تجد لها صولة ولا جولة ، لا تجد أحداً مجرد أحد يذكرك بأن أمراً جللاً قد وقع وأن ذكرى عظيمة قد أطلت وينبغي أن تذكر وتجلل ، لا تجد أحداً يذكرك مجرد ذكرى وكأن العام الهجري الذي انقضى ليس عامنا وكأن العام الهجري الذي أضحى ليس عامنا وإنما هو عامٌ لقوم غيرنا .
      بل وكأنه ما غاب عام ولا أشرق عام ، فعامنا الجديد قد احتفلنا بقدومه منذ أيام فنحن ما زلنا في أوله لم ينتهي بعد لكي نحتفل بعام جديد غيره .
      و أسفاه على حالنا فها نحن اليوم تصدق فينا نبوة رسول الإسلام محمد e ففي الحديث الذي يرويه أبو سعيد ألخدري t عن النبي e قال : ( لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً شبرا وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم ) قلنا : يا رسول الله اليهود والنصارى ، قال : ( فمن ) (.13 ) فأي إتباع اكبر من هذا الإتباع .
      أدخل ذات مرة في إحدى المؤسسات واجد معايدة قد علقت في لوحة الإعلانات تهنئ موظفي تلك المؤسسة بالعام الجديد .. مؤسسة تهنئ موظفيها بدخول العام الجديد لا غرابة في ذلك ألبته .. فمن حق موظفي تلك المؤسسة أن يعايدوا ويهنئوا .
      .... ولكن ...
      ....ولكن .. كانت المعايدة تحمل التهنئة بدخول العام الميلادي الجديد وكأن موظفي تلك المؤسسة هم نصارى لا مسلمون ، يقيمون في دولة نصرانية لا مسلمة ، وخرجت من تلك المؤسسة لأعود لها بعد فترة وقد دخلت سنة هجرية جديدة وذهبت إلى لوحة الإعلانات نفسها لعلي أجد تهنئة قد علقت فيها بالعام الهجري الجديد ولكني لم أجد بل إني وجدت التهنئة السابقة تلك ما تزال في مكانها معلقة .
      أفيقوا بني القران إن هداكم إلى الجبت والطاغوت في الذل ضارع
      أفيقوا بني القران إن كتابكم يناقض فـــــي أحكامه وينازع(.14 )
      وفي هذا الإطار فإننا وللأسف الشديد نؤرخ لمناسباتنا الاجتماعية وحتى الدينية بالتأريخ الميلادي فتعتد المرأة التي فجئت بزوجها وتنهي عدتها بالتأريخ الميلادي ، ويقضي ما فآته من صيام بالحساب بالتأريخ الميلادي ، ويؤرخ مناسبة عقد قرانه بالتأريخ الميلادي ، ويؤرخ لتاريخ ميلاده وكذلك يؤرخ له لوفاته بالتأريخ الميلادي ، ويؤدي فريضة الزكاة الواجبة عليه بالتأريخ الميلادي.
      فهكذا كل أحداث حياته مؤرخة بالتأريخ الميلادي ، فليس للتاريخ الهجري أية فسحة في حياته لان التاريخ الهجري عنده لا قيمة له ولا يعتد به ، وإذا سألت احدهم عن التاريخ الهجري لا تجد منه جواباً فكأنك سألت عن لغزاً يصعب تفسيره وفك طلاسمه وربما أجابك بعد أن أعياه الرد (( شهر مالك فيه نفقة لا تعد أيامه )) .
      لا يعرف اغلب الناس اليوم ـ واعني هنا المسلمين ـ من التأريخ الهجري إلا أيام شهر رمضان المبارك لارتباطه بعبادة الصيام وأيام عيد الفطر وعيد الأضحى المباركين لارتباط تلك الأيام بأيام عيد وسرور وفسحة وما عداها فلا تسأل عنها .
      فأي استعمارِ فكري استعمر به المسلمون ، وأي انتكاسة حلت بهم فأصبحوا لا يعيرون أي اهتمام بما يربطهم بدينهم وعقيدتهم وعزهم ومجد آبائهم وأسلافهم وأحداث تأريخهم الإسلامي الحافل بالمعطيات الزاخر بشتى أنواع العلوم التي تغني وزيادة على ما يحتاجه الإنسان في أي عصر ومصر إلا إننا تركنا ذلك وأخذنا الغث الهزيل من هذه الحضارة المزعومة .
      وإن الاعتناء ومحاولة محاباة الغرب ومنافستهم في ما يفعلونه كأن نحتفل بأعيادهم ونؤرخ لمناسباتنا بتأريخهم وسنواتهم فإنه إتباع وأي إتباع ، فالواجب علينا أن نعود إلى ما نحسبه تخلف ورجعية ، لنعود لنأخذ من ديننا وحضارتنا ما يجعل لنا العزة والتمكين وحتى لا يُنظر إلينا نظرة صغار واحتقار ، فإن العز كل العز في إتباع هذا الدين والهوان كل الهوان في التخلي عن هذا الدين .
      ومِن أعيادهم أيضاً عيد الأم التي أقاموا لها عيداً عندما أضاعوا حقوقها التي كفل لها ديننا الإسلامي حق الحصول عليها دون عيد ودون إقامة جمعيات كجمعيات حقوق الإنسان .
      أقاموا للأم عيداً عندما أضاعوا حقوقها كأم فعقوها وجعلوها حبيسة الملاجئ ودور العجزة والمسنين ، وأقاموا لها عيداً عندما أضاعوا حقوقها كزوجة فنسبوها لزوجها ، وأقاموا لها عيداً عندما أضاعوا حقوقها كإنسان فعروها من القيم والأخلاق وجعلوها سلعة تباع وتشترى وتاجروا بجسدها فجعلوها ملصقاً دعائياً لجميع بضائعهم وسلعهم .
      قاموا بسلب جميع حقوقها وجردوها منها وداسوا عليها بأقدامهم وبعدها أقاموا لها عيدا ، أرادوا أن يعطوها ولو شيئاً يسيراً من حقوقها التي سلبوها منها ، فكان للأم يوم عيد ..
      أما كذبوا لا قبح الله غيرهم ولا أفلحت تلك الوجوه اللواكع
      لقد ملئوا الآفاق إفكا وخزية وبغياً ولا مقصود إلا المطامــع(.15 )
      وكعادتنا نحن نسارع إلى تلقف كل ما يصلنا من الغرب فتلقفنا هذا الأمر وقبلناه وقلنا لأنفسنا : فعلاً لما لا نجعل للأم عيد ، يوم نسارع في تمجيدها وبرها والسؤال عنها وإهدائها الهدايا والأوسمة يوم واحد نقيم فيه الأفراح ونزيل عنها الأتراح وبعد هذا اليوم فإلى الجحيم .
      تصورنا أننا بذلك أضفنا شيئاً جديداً لتراث أمتنا جئنا به من هذه الحضارة الغربية التي هي بعيدة كل البعد عن المبادئ الحميدة والأخلاق الفاضلة ونسينا أو أننا تناسينا أن ديننا الحنيف قد أرشدنا إلى ذلك منذ زمن بعيد منذ أن كانت أوروبا تغط في ظلام دامس من الجهل والتخلف وامرنا بأن نجعل للأم كل يوم عيدا ، بل كل ساعة وكل دقيقة هي عيدٌ لهذه الأم ودينٌ في رقابنا ينبغي أن نوفي به ونسدد حسابه على أقساط دائمة ما دامت الحياة تدب في عروقها وعروقنا بل وحتى بعد أن نفجئ برحيلها من هذا العالم إلى عالم الملكوت والغيب ، يقول تعالى : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا & وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ ( الإسراء آية .24/23 ).
      ويقول تعالى : ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ ( لقمان آية .14 ).
      ويقول تعالى : ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ( الاحقاف آية .15 ).
      ويقول تعالى : ﴿وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا﴾ ( النساء آية .36 )
      ويقول تعالى : ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ ( العنكبوت آية .8 )
      ويقول تعالى في سورة البقرة : ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ (آية .215 ).
      وفي سورة الأنعام يقول تعالى : ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ (آية .151 )
      وفي السنة المطهرة ....
      عن الإمام الربيع بن حبيب عن الإمام أبي عبيدة عن الإمام جابر بن زيد قال : بلغني أن رسول الله e قال : ( من أدرك والديه ولم يدخل بهما الجنة فلا أدركهما ) (.16 )
      وقال عليه السلام : ( من هاجر احد والديه ساعة من نهار كان من أهل النار إلا أن يتوب ) (.17 )
      وعن أبي عبيدة عن جابر قال : بلغنا عن رسول الله e يقول : ( قال الله تعالى : من وصل رحمه فقد وصلني ومن قطع رحمه فقد قطعني ) (.18 )
      وعن أبي عبد الرحمن عبدا لله بن مسعود t قال : سألت النبي e : أي العمل أحب إلى الله تعالى ؟ قال : ( الصلاة على وقتها ) قلت : ثم أي ؟ قال : ( بر الوالدين ) قلت : ثم أي ؟ قال : ( الجهاد في سبيل الله ) متفق عليه (.19 ) .
      وعن أبي هريرة t قال : قال رسول الله e : ( لا يجزي ولد والداً إلا أن يجده مملوكاً ، فيشتريه ، فيعتقه ) (.20 ) .
      وعن أبي هريرة t قال : جاء رجل إلى رسول الله e فقال : يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي ؟ قال : ( أمك ) قال: ثم من ؟ ، قال : ( أمك ) ، قال: ثم من ؟ ، قال : ( أمك ) ، قال: ثم من ؟ قال : ( أبوك ) متفق عليه .
      وفي رواية : يا رسول الله من أحق الناس بحسن الصحبة ؟ قال : ( أمك ثم أمك ، ثم أمك ، ثم أباك ، ثم أدناك أدناك ) (.21 ) .
      وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : اقبل رجل إلى نبي الله e فقال : أبايعك على الهجرة والجهاد ابتغي الأجر من الله تعالى . قال : ( فهل من والديك احد حي ؟ ) قال : نعم بل كلاهما قال : ( فتبتغي الأجر من الله تعالى ؟ ) قال : نعم . قال : ( فأرجع إلى والديك ، فأحسن صحبتهما ) متفق عليه .وهذا لفظ مسلم (.22 ) .
      وفي رواية لهما : جاء رجل فاستأذنه في الجهاد فقال : ( احي والداك ؟ ) قال : نعم ، قال : ( ففيهما فجاهد ) .
      وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي e قال : ( إن ابر البر أن يصل الرجل ود أبيه ) .
      وعن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رجلا من الأعراب لقيه بطريق مكة ، فسلم عليه عبد الله بن عمر ، وحمله على حمار كان يركبه ، وأعطاه عمامة كانت على رأسه ، قال ابن دينار : فقلنا له : أصلحك الله إنهم الأعراب وهم يرضون باليسير . فقال عبد الله بن عمر : أن هذا كان وداً لعمر بن الخطاب t، وإني سمعت رسول الله e يقول : ( إن ابر البر صلة الرجل أهل ود أبيه ) .
      وفي رواية عن ابن دينار عن ابن عمر انه كان إذا خرج إلى مكة كان له حمار يتروح عليه إذا مل ركوب الراحلة ، وعمامة يشد بها رأسه ، فبينما هو يوما على ذلك الحمار إذ مر به أعرابي ، فقال : الست فلان بن فلان ؟ قال : بلى ، فأعطاه الحمار ، فقال : اركب هذا ، وأعطاه العمامة وقال : اشدد بها رأسك ، فقال له بعض أصحابه : غفر الله لك ، أعطيت هذا الأعرابي حمارا كنت تروح عليه وعمامة كنت تشد بها رأسك ؟ فقال : إني سمعت رسول الله e يقول : ( إن من ابر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه بعد أن يولي ) وان أباه كان صديقاً لعمر t، روى هذه الروايات كــلها مسلم (.23 ) .
      وعن أبي أُسَيد مالك بن ربيعة الساعدي t قال : بينما نحن جلوس عند رسول الله e إذ جاءه رجل من بني سلمه فقال : يا رسول الله هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما ؟ فقال : ( نعم ، الصلاة عليهما ، والاستغفار لهما ، وإنفاذ عهدهما ، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما وإكرام صديقهما ) رواه أبو داود (.24 ) .
      حتى صديق الوالدين بعد رحيلهما عن هذا الوجود يجب صلته وإكرامه والسؤال عنه وذلك من البر وأحدى الديون التي يجب سدادها .
      إن ديننا الحنيف كما كفل للرجل حقوقه كفل أيضاً للمرأة حقوقها سواء بسواء ، سواء كانت أم أو زوجة أو أخت أو بنت أو أياً كانت هي ، فقد كفل لها الإسلام حقوقها فهي شقيقة الرجل يقول رسولنا e في الحديث الذي ترويه السيدة عائشة أم المؤمنين ـ رضي الله عنها ـ قالت : قال رسول الله e : ( إنما النساء شقائق الرجال ) (.25 ) ومعنى الشق أي الجزء وهو الشيء إذا شق نصفين فكأن الرجل والمرأة هما شيء واحد شق إلى نصفين ، الرجل النصف الأول والمرأة النصف الثاني .
      وأي تعبيرٍ أدق من هذا التعبير وأي تكريم للمرأة اعز وارفع من هذا التكريم وهذه المنزلة التي لن تجدها إلا في الإسلام ، الإسلام وحده فقط وما دونه فهو الهراء بعينه .
      وعجبت من احدهم يقوم بإهداء أمه ويبادلها التهاني والتبريكات لا لشيء وإنما فقط أطلت المناسبة السعيدة عليهما فالواجب على الابن البار أن يقوم بواجبه تجاه أمه إحياء لهذا اليوم ، لا لشيء وإنما فقط أن هذا العمل من صنيع وإفراز تلك الحضارة المادية التي أضاعت من الحقوق ما أضاعت وعطلت من السنن ما عطلت ، وعجبت أن يكون هذا ( لأحدهم ) من المربين والمعلمين الذين اؤتمنوا أمانة ليست بالسهلة وإنما هي عظيمة ، فالأمانة قد نأت عن حملها السماوات والأرض والجبال وأشفقن من حملها لما يمكن أن يلحقهن من تبعات في حالة حملهن لتلك الأمانة قال تعالى : ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ ( الاحزاب آية .72 )
      إلا إننا وللأسف الشديد نجد هذا المربي وهذا المعلم الذي زرعت فيه الأمانة وأوكل إليه تنشئة أجيالِ وتخريج رجالِ للغد يأتمر بأوامر تلك الحضارة وينتهي بمنهيات تلك الحضارة ونسى انه مطالب من دينه في كل وقت بتسخير كل طاقته وجهده لطاعة والديه كليهما أو احديهما عند فقده احديهما وبرهما في كل وقت وفي كل الظروف والأحوال وذلك في حدود طاعة الله ورسوله لا أن يقتصر ذلك على يوم معين .
      يبرهما في يوم واحد وباقي الأيام لا سمع ولا طاعة لهما فقد برهما بما فيه الكفاية في يوم عيديهما وهو عازمُ على أن يبرهما في العام القادم في ذات التأريخ فنجده بعدها لا يسأل عنهما أو عنها تحديداً ويقاطعها أياماً وشهوراً دون زيارة أو اتصال إن كانا لا يقيمان معاً في معيشة واحدة وربما بات شبعان البطن في حين أنها باتت جائعة وارتوى هو في حين ظمئت هي وستكسى هو الجديد في حين لبست هي ما بلي من الثياب وأخيراً يطل عليه عيد الأم فيسارع إلى أن يهديها أي شيء فهو بذلك في نظره قد أدى الواجب الذي عليه ولسان حاله يقول : ( على أي حالٍ عدت يا عيد ) .
      وعجبت أيضاً من ذلك المعلم الذي يقوم برد الحجة الثابتة بحجة واهية فهذا ابني التلميذ يقول لمعلمه : أي معلم انك عودتنا منذ زمن بتذكيرنا بعيد الأم عندما يطل علينا التأريخ الذي تعارف عليه القوم من كل عام قاصداً تذكيرنا أن نقوم بشراء هدية مناسبة لأمهاتنا لا لشيء وإنما فقط تخليداً لهذا اليوم ، واني أحسبك انك تعلم أن هذا الأمر كلمة حق أريد بها باطل .
      فقال المعلم : ما هو الباطل الذي أريد به من وراء الاحتفال بهذا اليوم ؟ .
      فقال : أريد من ذلك أن نكون تبعاً لهم تبعاً لأفكارهم تبعاً لأشربتهم وأهوائهم ، أن نكون ورائهم نسير خلف الركب لا أمامه نكون تبعاً لا متبوعين ، أريد من ذلك أن ننسلخ من مبادئ ديننا ونصفها بالرجعية ونأخذ ما يمكننا من التقدم واللحاق بالركب من أفكار ومنح وهبات هذه الحضارة المادية المزعومة .
      فرد المعلم متلكلكاً : إنما أردت أن أذكركم بأمهاتكم لا غير .
      وأقول لهذا المربي ولهذا المصلح ولهذا المعلم ومن في شاكلته أما وجدت غير هذا الوقت بالذات أن تذكر طلبتك بأمهاتهم ؟ و أتسأل لماذا لا نربط أبناءنا بدينهم وبمعتقدهم ؟ هذا المعتقد الذي دائما يربط بين العبادة والعمل وبين الطاعة وبين ما ينشى عنها من فوائد ومكاسب مادية ومعنوية .. لماذا لا نزرع في نفوس أبنائنا بان يكونوا دائماً موصولين بربهم وبدينهم ؟ يجدهم حيث أمرهم ويفتقدهم حيث نهاهم .
      ومن أعيادهم التي ابتلينا بها .. عيد الميلاد .. يوم ميلاد الشخص ، فهم وإن بلغ احدهم السبعين أو المائة من العمر فهو في كل عام وفي يوم مولده تجده يقيم الموائد ويحي السهرات والحفلات ويطفئ الشموع ، وها هو ذا يصلنا عضال الداء ويتفشى بيننا ولا نجد له الدواء وكم من دعوة قد دعينا إليها للحضور وغشيان تلك الحفلات وعندما لا تلبي الدعوة يقال لك انك لست حضارياً ..
      لست حضارياً عندما اجعل سنة نبي نصب عينيي ..
      ولست حضارياً عندما اعف نفسي من الولوج في هذا الأمر ...
      ولست حضارياً إذا لم تزغ عيني لسفاسف الأمور ومنحطها من الحضارة الغربية المادية المزعومة .. لست حضارياً إذا لم اقتد بما يفعله أبناء القردة والخنازير ...
      إنني لا أريد أن أكون حضارياً إذا كانت الحضارة عندكم بهذا المفهوم ..
      لا أريد أن أكون حضارياً إذا كان مقابل ذلك التخلي عن قيمي وديني ومعتقدي ...
      لا أريد هذه الحضارة بل أريد أن أنأ بنفسي عنها .
      لم ؟؟ ..
      لأني أريد أن أحيا في وسط امة يجري في شرايينها وعروقها النهج السوي من التعاليم الربانية والتعاليم المحمدية ، أريد أن أكون في امة قدوتها وأسوتها محمد e وليقال فيّ بعد ذلك ما يقال .
      إن حضارتكم هذه هي الجاهلية بعينها وهي التخلف والانتكاس والسقوط والانحطاط لأنها جاءت بتعاليم وقوانين ما انزل الله بها من سلطان .
      فبالله عليكم أي حضارة هذه !! وأي تقدم وتمدن هذا !! ، الذي يعطل شريعة الله في الأرض من أن تقام وتنتهك الأعراض ويدعى للسفور والتبرج ولمنحط الأخلاق ، ويدعى لسفاسف الأمور ، فالناظر لأتباع هذه الحضارة يتمتعون برصيد وافر من معوج الأخلاق ومنحطها مما تشمئز منه الفطر السليمة وتتعفف حتى عن ذكره ، فهم يعيشون في بهيمية وحيوانية هابطة ، بل إن البهيمية هي اشرف وارفع منهم كونها لم تحد عن الفطرة التي فطرها الله عليها في حين أنهم حادوا عنها وزاغو ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ ( الصف آية .5 ) فأن لمثل هؤلاء أن يوصفوا بأنهم أصحاب حضارة وتمدن وتقدم فحضارتهم لا تعدو إلا أن تكون حضارة رجعية وحضارة جاهلية يجب على من به ذرة من عقل أن يفر منها فراره من الأسد .
      فالرقي والحضارة والمدنية والتقدم ليس مجرد اختراعات واكتشافات وبناء وعمران وتقدم في شتى ألوان وفنون العلم والمعرفة ، وإنما الحضارة رقي في الإنسانية وسمو في التعامل ونهاية في الأخلاق وكرامة في الحياة فتجدها غاية في النبل الإنساني وغاية في الأخلاق الفاضلة ورفعة في المعاملة الطيبة وحسبك حضارة بهذا السمو وبهذا الرقي ألا تكون حياة هانئة ؟ .
      يروى أن رجلاً دخل على سلمان الفارسي فرآه يعجن فقال له : أين الخادم ؟ فقال سلمان : بعثناه لحاجة فكرهنا أن نجمع عليها بعملين ، السيد يعجن بنفسه كراهة أن يثقل على الخادم بكثرة الأعمال .
      ويقول معاوية بن سويد : لطمت مولى لنا ، فهربت ، ثم جئت قبل الظهر فصليت خلف أبي فدعاني ثم قال له : امتثل أي خذ حقك من ولدي مقتصاً .
      وسأل سيرين بن أبي عمر أنساً المكاتبة وكان كثير المال فأبى ، فانطلق إلى عمر t، فقال عمرt لأنس : كاتبه ، فأبى فضربه عمر tبالدرة وتلا ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ ( النور آية .33 ) . (.26 )
      رفعة وسمو في التعامل ، عبدُ ينشد حريته من سيده ، السيد يأبى فما كان من الحاكم إلا أن ينصف هذا العبد وينفذ رأيه ويطرح رأي السيد جانباً بعد أن تضرب رأسه الدرة .
      فبالله عليكم أين يمكن أن نجد مثل هذا الصنيع وهذا الفعل على مر التأريخ طوله وعرضه ، أيمكن أن نجده اليوم في غمار هذه الحضارة التي يزعمون أنها رقي وتقدم ؟ أيمكن أن نجده عند الغرب ؟ أيمكن أن نجده عند الشرق ؟ لا والله بل كان ذلك في الإسلام وحسب عندما كان الإسلام ينطلق من تلك الصحراء القاحلة إلى أرجاء المعمورة بنوره المشرق الذي يضيء كالح الظِلم .
      هذا وهم قد جعلوا لكل شيء عيدا ولكل أمر يوما فما أكثر أعيادهم وما أكثر أيامهم فهي وان عددتها فكثير إلا إنها لا تملا صدفة بحر وإن ملأته فهي السم الزعاف بعينه .
      وكذبة ابريل وهي التي يحتفل بها في اليوم الأول من شهر ابريل لا تعدو إلا أن تكون يوماً من أيامهم التي سوقوها وتاجروا بها في البلاد الإسلامية وتلقفناها نحن بصدر رحب وللأسف الشديد وهذه المرة جهاراً نهاراً كما يقال دون أن يراعوا عرفاً أو ديناً أو مبادئ وهكذا صدروا يومهم لنا دون غلاف براق كما كانت عادتهم
      لماذا ؟ ...
      لأنهم تيقنوا تمام اليقين أن بذرتهم التي بذروها نمت وترعرعت واتت أكلها كل حين فليس هناك من داع في أن يكلفوا أنفسهم إضفاء الشرعية لهذا الأمر فهو بلا شك سوف يتم تقبله واستساغته .
      .. لماذا ؟؟
      لأنه أتى من الحضارة المتقدمة ، لأنه أتى من الحضارة التي ترفع لواء التقدم والتمدن ، وهم واثقون كل الثقة انه لن يلتفت لأي مناد مصلح ينادي في هذه الأمة ويحذر من تقبل هذا الأمر والرضى به .
      لماذا ؟؟ ..
      لأنه سوف يواجه بكل عنجهية ومن أبناء جلدته محاولين جهدهم إسكات ندائه وتحذيره لأنه في نظرهم يحمل الرجعية والتخلف وعدم التطلع لما عند الغير من التقدم والتحضر .
      منحط الأخلاق وتزيف الحقائق تقدم وتحضر ، ورفيع الأخلاق وإظهار الحقائق تخلف ورجعية وصدق فينا قول رسولنا e حينما قال : ( سيأتي على الناس سنوات خداعات يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق ويؤتمن فيها الخائن ويخون فيها الأمين وينطق فيها الرويبضة ).. قيل : وما الرويبضة ؟ قال : ( الرجل التافه الذي يتكلم في أمر العامة ) (.27 ) أو كما قال e .
      وعن أصل كذبة ابريل يقول سماحة الشيخ/ احمد بن حمد الخليلي ـ حفظه الله تعالى ـ : وخلاصتها ـ إي كذبة ابريل ـ أن المسلمين عندما كانوا يحكمون الأندلس وكان بجوارهم النصارى وقد شق عليهم أن تكون للمسلمين مملكة في القارة الأوروبية وقد استعصت عليهم حصاتها أن يفتتوها ، فلم يروا سبيلاً إلا أن يغزوهم بالشهوات وأتباع الهوى والتخلي عن الفضائل والأخلاق ، فبدءوا بشبابهم يغزونهم بالخمر التي هي جماع الإثم ومنشأ فقدان العقل واختلال التفكير ، إذ صاروا يهدون شباب المسلمين من الخمور ما كاد يجري انهارا ، فلانت إرادتهم وتشتت عزيمتهم واندفعوا وراء الشهوات يلهثون بغير رويه ولا عقل ، يتهالكون عليها كما يقع الفراش على لهيب النار ، فلم تعد لهم هيبة في نفوس أولئك ، فما كان منهم إلا أن قلبوا لهم ظهر المجن ، وشنوا عليهم حروباً دامية اجتاحت معاقلهم ، إذ أخذت تتهاوى في أيدي النصارى معقلاً بعد أخر ، وكان أخر معقل يسقط في أيديهم هو غرناطة التي اجتاحوها في أول يوم من ابريل ، ولما تحقق لأولئك من هدف كان بعيد المرمى في ذلك اليوم ، اخذوا يحتفلون فيه بفكاهة يلقيها بعضهم على بعض فيها تندر واستخفاف بأولئك المسلمين الذين ديست بيضتهم وسلبت كرامتهم وفقدوا عزتهم .
      وقد بدأت هذه العادة عند الأسبان الكاثوليكيين ثم انتشرت في الطوائف الأخرى ، وكانت تدعى أولاً ( خدعة ابريل ) رمزاً إلى ما خدعوا به المسلمين حتى تمكنوا من أبادتهم وإجلائهم في تلك القارة ، فهلا وعى هؤلاء الحمقى الذين يسارعون في ابتكار الأكاذيب في ذلك اليوم لأجل التندر والفكاهة ، أنهم بذلك أنما يحتفلون بإضاعة أمجاد وهدم مملكة وتقويض عز شامخ كان أسلافهم يفاخرون به ، وقد البسوا بعده ثوب الذل والمهانة ، وصاروا عبرة في التاريخ ؟ (.28 ).
      ونحن انطلت علينا الكذبة ، ومع أنها كذبة تلقفناها وسرت عادة في مجتمعنا الإسلامي الذي يدعو إلى نبذ الكذب وتحري الصدق فكم من الآيات في القران الكريم التي تحض على الصدق وتحريه وتبين جزاء الصادقين وفي المقابل هناك من الآيات التي تنفر من الكذب وتبين جزاء الذين يكذبون وما ينتظرهم من العذاب وسوء المئال .
      يقول تعالى حاضاً على الصدق مبينا ما للصادقين من الجزاء والثواب : ﴿وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ ( الزمر آية .33 )
      ويقول الله تعالى : ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ ( الاحقاف آية .16 )
      ويقول تعالى : ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ ( آل عمران آية .17 )
      ويقول تعالى : ﴿قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ( المائدة آية .119 )
      ويقول تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ ( التوبة آية .119 )
      ويقول تعالى : ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ( الاحزاب آية .8 )
      ويقول تعالى : ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاء أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ ( الاحزاب آية .24 )
      ويقول تعالى : ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ ( الاحزاب آية .35 )
      ويقول تعالى : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ﴾( الحديد آية .19 )
      وفي المقابل يقول الله تعالى منفراً من الكذب ومبيناً المصير الذي ينتظر من يكذب : ﴿ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ﴾ ( الاسراء آية .36 )
      ويقول تعالى : ﴿ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ ( ق آية .18 )
      ويقول تعالى : ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ﴾ ( الزمر آية .32 )
      ويقول تعالى : ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ( آل عمران آية .75 )
      ويقول تعالى : ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ( آل عمران آية .78 )
      ويقول تعالى : ﴿فَمَنِ افْتَرَىَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ( آل عمران آية .94 )
      ويقو تعالى : ﴿انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُّبِينًا﴾ ( النساء آية .50 )
      ويقول تعالى : ﴿مَا جَعَلَ اللّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ ( المائدة آية .103 )
      ويقول تعالى : ﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ﴾ ( يونس آية .60 )
      ويقول تعالى :﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ﴾ ( يونس آية .69 )
      ويقول تعالى : ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ الْنَّارَ وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ﴾ ( النحل آية .62 )
      ويقول تعالى : ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَأُوْلئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ ( النحل آية .105 )
      ويقول تعالى : ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ﴾ ( النحل آية .116 )
      ويقول تعالى : ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ( الصف آية .7 )
      ويقول تعالى : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ( المجادلة آية .14 ) .
      ويقول تعالى : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ﴾( الحديد آية .19 )
      وفي الحديث الشريف ...
      عن ابن مسعود t قال : قال رسول الله e: ( إن الصدق يهدي إلى البر وان البر يهدي إلى الجنة وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا وإن الكذب يهدي إلى الفجور وان الفجور يهدي إلى النار وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا ) متفق عليه (.29 ) .
      وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال النبي e : ( أفرى الفِرىَ أن يُرِي الرجل عينيه ما لم تريا ) رواه البخاري ، ومعناه : يقول رأيت في ما لم يره (.30 ) .
      وعن أبي هريرة t أن النبي e قال : ( كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع ) رواه مسلم (.31 ) .
      ويقول e مبيناً مراتب النفاق في الحديث الذي يرويه أبو هريرة t : ( آية المنافق ثلاثة : إذا حدث كذب ، وإذا وعد اخلف ، وإذا اؤتمن خان ) متفق عليه ، وزاد في رواية لمسلم : ( وان صام وصلى وزعم انه مسلم ) (.32 ) .
      وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي رضي الله عنه أن الرسول الله e قال : ( أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ومن كان فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها : إذا اؤتمن خان ، وإذا حدث كذب ، وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر ) متفق عليه (.33 )
      وعن صفوان بن سليم t انه قال : قيل لرسول الله e : أيكون المؤمن جباناً ؟ فقال : ( نعم ) فقيل له : أيكون المؤمن بخيلاً ؟ فقال ( نعم ) فقيل له : أيكون المؤمن كذاباً ؟ فقال ( لا ) (.34 ) .
      وفي مراسيل الإمام جابر بن زيد عن النبي e قال : ( ثلاث من كن فيه فهو منافق حقاً وان صلى وصام وزعم انه مسلم من إذا حدث كذب وإذا وعد اخلف وإذا اؤتمن خان ) (.35 ) .
      وفي مراسيل الإمام جابر بن زيد أيضاً عن بعض أصحاب النبي e : ( أن اصل النفاق الذي يبنى عليه النفاق الكذب ) (.36 ) .
      وفي مراسيل الإمام جابر بن زيد عن النبي e قال : ( ان الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أنها بلغت ما بلغت فيهوي بها في النار سبعين خريفاً ) (.37 ) .
      وفي مراسيل الإمام جابر بن زيد أن النبي e كان يقول : ( من غشنا فليس منا ومن حمل علينا السلاح فليس منا ومن انتهب مالنا فليس منا ومن لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا فليس منا ومن ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية فليس منا ) (.38 ) .
      فوالله من كان هذا حاله بان يتلقف ما عند الغرب من الدعاوى الكاذبة فأنه دعا بدعوى الجاهلية فيصبح ليس من الإسلام في شيء .
      إذاً هذه نصوص الكتاب العزيز والسنة المطهرة واضحة جلية في بيان الأمرين وفي بيان الطريقين ، الصدق صدق ، والكذب كذب ، ليس هناك كذبة حمراء أو خضراء أو صفراء أو بيضاء ، وليس هناك يوماً خاصاً بالكذب يكون الكذب فيه مباحاً يمكن لأي شخص أن يكذب ما شاء فيه وان يفتري على خلق الله دون رقيب ولا حسيب .
      إلا أننا مع تلك النصوص وتلك الآيات البينات نأبى إلا أن نشارك القوم يومهم ونشاركهم احتفالهم بهذا اليوم ، فيكذب الكاذبون فيه ويفتري المفترون وتقع بعد ذلك من جرأ هذا الكذب وهذا الافتراء كوارث ومصائب ربما تزهق فيها أرواح بعض الناس ويقع بعضهم صرعى فاقدي الوعي عندما يتلقفون أخباراً تخص محيطهم وهي في حقيقة الأمر ما هي إلا أخباراً كاذبة أراد منها هذا المفسد أن تكون دعابة وتسلية يتسلى بها على الآخرين وما درى أنها فيها حتفهم ومصابهم الجلل فأين العقول التي تعي والقلوب التي تفقه .
      فيا لبني القران أين عقولكـــم وقد عصفت هذي الرياح الزعازع
      أمسلوبة هذي النهى من صدورنا وهل فقدت أبصارنا والمسامــع(.39 )
      وإني لأجزم لو أنهم افتعلوا يوماً للصدق ـ الذي هم بعيدون عنه كل البعد ـ كما أتوا بيوم للكذب لتبعناهم فقط مجرد أن ذلك أتى من عندهم بينما كنا سابقاً متصاممين عن كل الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الحاثة على الصدق وتحريه طيلة القرون الماضية .
      ومن أعيادهم التي ابتلينا بها عيد الحب فها هي ذا الفتاة المسلمة تقع في الشراك الذي نصبوه لها فتجدها تتبادل مع صديقتها الورود والحلوى مقتدية بذلك بالنصرانية وما درت هذه المسكينة أن هذا العيد اختاره النصارى ليكون ذكرى لأحد رموزهم وقسيسيهم .
      فهو عيد نصراني ينسب لقسيس يدعى فالنتين ، فأحب النصارى هذا العيد لأنه يرسخ العقيدة النصرانية لدى شبابه ، فلماذا نحن نحتفل به ؟ الكي يرسخ لدى شبابنا العقيدة الإسلامية ؟ أم ماذا يرسخ فيهم ؟ فهلا سألت أختي المسلمة نفسها قبل أن تحتفل بهذا العيد من أين جاءها ؟ يقول تعالى : ﴿ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ ( المجادلة آية .22 ) ففي نشر رموز وشعائر من حاد الله ورسوله مشابهة لهم ، ومشابهة الكفار توجب المحبة والموالاة القلبية لهم .. فالله المستعان .
      ومن صنوف التولي والأتباع ما نراه اليوم متفشياً في أوساط أبناء المجتمع المسلم في أمور حياتهم وطريقة معيشتهم من تقليد للمجتمعات الغربية في الأكل والشرب وطريقة الكلام والمشي وفي أنواع اللباس والتفنن في قصات الشعر والتسريحات وفي غيرها من جوانب الحياة الاجتماعية الأخرى كالأعراس وغيرها والعادات المتوارثة لدى المجتمع المسلم التي أُضيف إليها أحدث صيحات العصر وادخل إليها التجديد في كل شيء لتكون عاداتنا الاجتماعية متوائمة مع روح العصر لنواكب الركب والمدنية المتحضرة وهذا ما سوف تتلقاه من إجابة عندما تبادر احدهم متسائلا عن أسباب تهجين واستنساخ عاداتنا وتقاليدنا التي توارثناها أباً عن جد وكابر عن كابر فما كان منا إلا أن أضفنا إليها صبغة تجديد وزاوجنا بينها وبين ما لدى الغرب من روح عصرية .
      ومن ذلك تجد هذا المسلم قد غير طريقة أكله وشربه فقد أخذ يأكل بالشوكة والسكين ، وليس في ذلك حرمة وإنما ترك سنة من سنن نبيه وهي الأكل باليد وفوت أمراً ندب إليه وهو لعق الأصابع بعد الانتهاء من الأكل لما فيه من الفوائد الصحية التي تم التوصل إليها الآن وهو ما اخبر به رسولنا e منذ ما يزيد عن ألف وأربعمائة عام .
      عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال : قال رسول الله e : ( إذا أكل أحدكم طعاماً ، فلا يمسح أصابعه حتى يلعقها أو يُلعقها ) متفق عليه (.40 ) .
      وعن كعب بن مالك t قال : رأيت رسول الله e يأكل بثلاث أصابع فإذا فرغ لعقها . رواه مسلم(.41 )
      وعن جابر t أن رسول الله e أمر بلعق الأصابع والصفحة وقال : ( إنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة ) (.42 ) .
      وعنه أن رسول الله e قال : ( إذا وقعت لقمة أحدكم ، فليأخذها فليمط ما كان بها من أذى وليأكلها ، ولا يدعها للشيطان ، ولا يمسح يده بمنديل حتى يلعق أصابعه ، فإنه لا يدري في أي طعامه البركة ) رواه مسلم (.43 ) .
      وعنه أن رسول الله e قال : ( إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه ، حتى يحضره عند طعامه ، فإذا سقطت لقمة أحدكم فليأخذها فليمط ما كان بها من أذى ، ثم ليأكلها ولا يدعها للشيطان ، فإذا فرغ فليلعق أصابعه فإنه لا يدري في أي طعامه البركة ) رواه مسلم(.44 )
      وعن أنس t قال : كان رسول الله e إذا أكل طعاماً لعق أصابعه الثلاث وقال : ( إذا سقطت لقمة أحدكم فليأخذها وليمط عنها الأذى وليأكلها ولا يدعها للشيطان ) وأمرنا أن نسلت القصعة وقال : ( إنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة ) رواه مسلم (.45 ) .
      وليت الأمر وقف عند الأكل بالشوكة والسكين وإنما تعداه إلى أن أصبحت الأداة التي يحمل بها الطعام إلى الفم تمسك باليد الشمال وعطلت اليد اليمنى وقلب الأمر رأس على عقب .
      عن عمر بن أبي سلمه ـ رضي الله عنهما ـ قال : كنت غلاماً في حجر رسول الله e ، وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال لي رسول الله e : ( يا غلام ، سم الله تعالى ، وكل بيمينك ، وكل مما يليك ) (.46 ).
      وعن سلمه بن الاكوع t أن رجلاً أكل عند رسول الله e بشماله فقال : ( كل بيمينك ) قال : لا أستطيع ، قال : ( لا استطعت ) ما منعه إلا الكبر ، فما رفعها إلى فيه . رواه مسلم (.47 )
      وعن جابر t قال : قال رسول الله e : ( لا تأكلوا بالشمال فإن الشيطان يأكل بالشمال ) رواه مسلم (.48 ) .
      وعن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أن رسول الله e قال : ( لا يأكلن أحدكم بشماله ولا يشربن بها ، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بها ) . رواه سلم (.49 )
      وترى هذا المسلم قد غير نوع وطريقة لبسه فأبدل ما ألفه من لباس مجتمعه بأن لبس ما يسمى ( الهاف ) ولبس ما يطلق عليه ( بالبنطلون ) وما يسمى ( الكبوس ) وغيرها من أنواع الملابس التي غزت أسواقنا ومجتمعاتنا من حيث ندري ومن حيث لا ندري .
      حتى أنك تنظر إلى هذا الواقف أمامك فتضنه أجنبياً في الوهلة الأولى غريباً عن مجتمعك وناسك وتحسبه كذلك إلى أن يحادثك فتعرفه ويتبين لك انه من المعدودين على امة محمد e اسماً فقط وأما في حقيقة الأمر والواقع فهو ليس منها في شيء .
      فها هو ذا تراه في السوق وقد لبس فوق رأسه الكبوس وارتدى ما يسمى ( بالفانيلة ) المرسوم فيها صوراً لأشخاص ملامحهم غريبة وأشكالهم عجيبة وبها من الأصباغ والطلاء الشيء العجيب فنصفها احمر ونصفها الأخر اخضر ، ولبس ما يسمى ( بالهاف ) مبدياً أفخاذه ، نصف رأسه حليق ونصفه الأخر به بعض الشعر أو نصفه الأسفل حليق ونصفه الأعلى غير حليق فهو بهذه الصورة المضحكة وهذه الصورة المقززة والمنفرة تجده لا يعبأ بدين ولا يعبأ بأخلاق ومُثل فاضلة ولا يعبأ بعادات وتقاليد ولا يعبأ بعرف ولا سمات تعارف عليها أهله ومجتمعه فأن لمثل هذا بعد ذلك أن يعد من أمة لا إله إلا الله وهو على هذه الحالة وهذه الصفة وهذا التناقض الذي يعيش فيه .
      وتجد هذا المسلم قد تفنن في إحداث نقلة نوعية وطفرة مادية ومعنوية حتى في خصوصيات مجتمعه المسلم وعاداته فهو مثلاً تفنن في حفلات الأعراس فتجد العجب العجاب من لبس لما يسمى بالدبلة ولبس ما يسمى بفستان الفرح وما إلى ذلك من صنوف التغيير كتغيير لخلق الله تعالى من وضع للمساحيق والأصباغ على وجه هذه المسلمة ومن ترقيق للحواجب وتطويل للأظافر إلى غير ذلك مما نهى عنه الشارع الحنيف ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
      عن أبي هريرة t قال : قال رسول الله e : ( صنفان من أهل النار لم ارهما : قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ، ونساءٌ كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة ، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا ) رواه مسلم (.50 )
      فهلا تنبهنا للأمر ووعينا ؟ !!! .

      (( وللموضوع بقية )) ، وأنا في انتظار تعليقاتكم على ما سبق
      والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
      أخوكم : حمد بن سالم الشبلي
      ولاية السويق


      أخي العزيز

      جزاك الله عنا كل خير على هذة الموعظة القيمة

      ولكن كان يستحسن أن تطرح موضوعك هذا
      في المنتدى الأسلامي .... قسم الفتاوى

      تحياتي
      ( أ ) ( ح ) ( ب ) ( ك ) ( الله ) ( حطك ) ( بقلبي ) ( كلك ) لا للعنصرية لا للتفرد لا للزندقة إن هدف الإنسانية الحديثة هو انصهار الأمة البشرية في قالب تفاعلي موحد من اجل الرقي بالجنس البشري