( عقولنا شكلت من خلال عاداتنا)
من يقول أنه ليس مقيدا في مجتمعه فقد جانب الصواب ،فقد تغلغلت في عقولنا عادات وتقاليد مجتمعنا لدرجة أننا نحكم على الأشياء من خلالها ، إذا رأينا إنسان لا يتقيد بعاداتنا وتقاليدنا سفهناه وحكمنا عليه بأنه ليس أصيلا ، إذا لبس ملابسا غير التي اعتدناها أنكرنا عليه ، إذا تكلم بأسلوب غير أسلوبنا في الحديث نمط شفاهنا استهزاءا ، إذا كان فقيرا نظرنا إليه بعين الازدراء ، إذا كان عاطلا عن العمل نعتناه بالكسل والبطالة ، إذا كان يملك منصبا كبيرا ومالا كثيرا تزلفنا له بكلمات الاحترام والتقدير ، إذا كانت قبيلته مرموقة هبناه ، إذا كان نسبه وضيعا أهملناه وشتمناه ، إذا كان قصيرا سخرنا منه ، وإذا كان سارقا ذو مركز قوي تركناه ، وإن كان ضعيفا أقمنا عليه الحد ، إذا كان لديه واسطة قبلناه ، وإذا لم يكن له سند ولا واسطة رفضناه ، إذا كان ذو مال ضيفناه وأكرمناه ، وإن كان رجلا ميسور الحال صددناه ولم ندعه إلى حفلاتنا ، إذا كان شيخ القبيلة نطق كلمة صفقنا له وهتفنا بالدرر التي ينطقها ، وإن كان شخصا عاديا لم نر في كلامه أي حكم ولا منطق ولم نصفق له !! إن هذه العادات فيها ظلم كثير وتجني على الناس ، كثير من الناس من يكتوي بنارها ، وليس له من حيلة إلا القبول والتسليم ، فالواقع لا يرحم ، والفرد لا يستطيع أن يقف في وجه الجميع ليصحح لهم مفاهيمهم ...
صحيح أن من العادات ما هو حسنا مثل إكرام الضيف ومساعدة الضعيف ، لكن في الحقيقة نحن لا نكرم إلا الضيف الذي تربطنا معه صلة قرابة أو تجمعنا به مصلحة ، حتى الضعيف لا نساعده في الغالب إلا من أجل أن نمتدح بذلك عند الناس ، إو من اجل تهدئة الشفقة التي بداخلنا أحيانا وليس من أجل سواد عيونه !! ... فنظرة المجتمع للغني فيها تقدير له ، بينما نظرته للفقير عدم التقدير ، إنها نظرة من خلال ما يملك وليست نظرة من خلال تقديره كإنسان ، ومن الناس من ينظر إلى المرأة باحتقار , ومنهم من ينظر إلى الغرباء من الناس أو الوافدين نظرة دونية .. وهكذا ، فكيف يمكننا أن نعتق أنفسنا من بعض هذه العادات التي نعتقد بل نجزم بصحتها وأنها هي الطريقة الأقوم والأفضل ، هناك من المجتمعات من يعمل على ختان البنات ، وهناك من يهزأ بهذه العادة ، وفي بعض المجتمعات تقوم الفتيات باختيار أزواجهن وهي التي تقوم بدفع المهر ، و في بعضها يحدث العكس ، وفي بعض المجتمعات تقوم النساء بالعمل في الحقول بينما الرجل ينشغل بتربية الأولاد وصناعة الطعام في المنزل ، وهكذا كل مجتمع يعتقد بأن طريقته هي الطريقة الطبيعية والعادية ويسخر من المجتمعات الأخرى ، بل توصل العادات لآكثر من هذا فمجتمع لوط عليه السلام كان يتناكح مع الرجال دون النساء ويعتقد بأن هذه الطريقة هي الطريقة الطبيعية والأفضل ، ويقولون ( أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون ) لأن التطهر شيء مرفوض وغير طبيعي في عاداتهم !! وهكذا نصل إلى حقيقة : أن أحكامنا على الناس وعلى الأنظمة أيضا تنطلق من عقولنا وعقولنا شكلت من خلال عاداتنا وتقاليدنا التي تحتمل الصح والخطأ وليس من خلال منهج عام يشترك فيه كل المجتمعات !!