الفراشات

    تمر دردشة الساحة الخاصة بالمتصفح والموبايل بفترة صيانة دورية هذا ونعتذر للجميع على الإنقطاع المؤقت بإمكانكم المشاركة في المنتدى لحين عودتها :)

    • الفراشات

      كنت على يقين كامل بأن ما تتداوله الألسنة هنا في هذه المنطقة الصحراوية النائية والمحاطة بالجبال ليست إلا مجرد خزعبلات من خلق خيال الأجيال القديمة للبدو تها اللاحقون كل يلقنها لمن يليه بعد تحريف يلائم ظروف عصره.

      وسرعان ما نفضت تلك الحكايات من رأسي مركزاً اهتمامي على ما حضرت من أجله وهو دراسة سرعة الرياح واتجاهاتها في المنطقة صيفاً وشتاءً، وتأثير ذلك على طرز البناء القديمة، ثم مدة استفادة المعماريين المعاصرين من هذه التصميمات في الوقت الراهن.

      كنت قد سجلت ملاحظاتي خلال جولتي بالمناطق الداخلية التي مازالت أغلب بيوتها تحتفظ بالطابع القديم، وكلها تتكون من طابقين لا يحوي الأول أية فتحات تهوية أو منافذ، أما الطابق العلوي فيحتوي على مجموعة من النوافذ اكتشفت أنها تواجه الجهة التي منها تأتي الرياح الجنوبية الغربية القادمة من البحر البعيد خاصة في فصل الصيف حيث يكون الطقس شديد الحرارة مع نسبة رطوبة عالية. وهو ما لاحظته أيضاً أثناء زيارتي لذلك الحصن الضخم الواقع على أطراف المنطقة، فرغم إضافة الأسوار والمخابئ السرية والأبراج فإن عامل المناخ كان حاسماً في التقيد بالتصميم ذاته.

      قررت أن تكون زيارتي " لكهف الفراشات" في نهاية جولتي بالمنطقة رغم إصرار "الصلت" – وهو أحد البدو الذي أوكل إليه مرافقتي خلال الجولة – وإلحاحه المستمر. وأمام تصاعد هذا الإلحاح تباعاً فإنني رخصت أخيراً لرغبته. والواقع أنه لم يهدأ إلا وأنا في صحبته خارجين.

      كان الكهف مستقراً في بطن أضخم جبال المنطقة على ارتفاع نحو عشرة أمتار من سطح الأرض. رحت أصيخ السمع مندهشاً لما تصورت أنه ألحان موسيقية عشوائية خافتة ارتفعت تدريجياً بمدى اقترابنا من الكوة الضيقة التي تفتح الطريق للكهف المتسع، ووصلت ذروتها وأنا أقف في عمق الكهف أجيل بصري في جدرانه، وأرقب النتوءات والزوائد الحجرية في سقفه محاولا اكتشاف أية منافذ سرية يحتمل أن تنطلق منها هذه الألحان أو تكشف عن وجود مكان لجوقة العازفين المهرة الذين ملأوا المكان بسحر موسيقاهم. وأختلس النظر إلى "الصلت" فأحد يبتسم ابتسامة ماكرة وهو يجيل بصره في أنحاء المكان بدوره.




      وللحديث بقية:)
    • بقية الحديث السابق


      فور خروجنا من الكهف عاد سرب الفراشات الكثيف إلى حيث كنا مرة أخرى. فراشات جميلة لها ألوان صفراء وحمراء بنية داكنة تطير في جماعات وبخفة لتبدو كأنها ترقص على الألحان الأسطورية في رشاقة.

      خرجت من الكهف صامتاً تتجاذبني الهواجس وتناوشني أسئلة كثيرة. لم أنطق بكلمة خلال الطريق الطويل ولم أعلق على شيء مما قاله "الصلت" كنت مسحوراً ومسكوناً بالألحان وبقدرتها المدهشة على استعادة شفافية الروح.

      أنهكني الأرق إذ تناوبت الألحان والأفكار وحكايات "الصلت" على رأسي فلم أستطع النوم. عاندتني مخيلتي وراحت تتسع بشكل مرعب بحيث إنني فقدت السيطرة على كل ما راح يجول بها من مشاهد وما يطوف من بشر وخيالات. وبين آن وآخر يختفي من رأسي كل شيء ما عدا مشهد الفتى وفتاته في أعماق الكهف وهما يتحولان إلى فراشتين جميلتين سرعان ما قطع رفيفهما صمت الكهف ليتحول إلى ألحان أسطورية لم تنقطع حتى هذه اللحظة.

      رأيت القافلة تسير عائدة وهي تجر أذيال الخيبة تحوم حولها صقورها تحمل نعش كبيرها الذي لم يحتمل المفاجأة، وفقد عقله حيث اختفت ابنته – العاصية – مع عشيقها أمام عينيه وتحولا إلى فراشتين- كما حكى لي الصلت. وكانت الألحان تتردد في أعماقي بصخب، تنثر النشوة وتدفق بلا انقطاع.

      أعتقدت أنني استيقظت في اللحظة التي بدا فيها جسدي معلقاً في الهواء تماماً، وعندما ارتطمت بالأرض نهضت مفزوعاً. حدقت في موضعي على الفراش حيث كنت نائماً منذ لحظة. اعتدلت جالساً أحاول استرجاع تفاصيل الحلم الذي رأيت فيه ما جعلني ألقي بنفسي من فوق الفراش.

      تضخمت صورة السيدة العجوز في مخيلتي، وبدت ملامحها شديدة الوضوح وخاصة عيناها الصغيرتان السوداوان اللتان تعكسان طيبتها وعنادها في آن. غير أنها عندما حدقت في عيني اكتشفت قوتها الهائلة؛ إذ هيئ لي أنهما قادرتان على قراءة كل ما يجول بعقلي من أفكار وما يطوف في روحي من مشاعر.

      فاجأتني العجوز بعينيها اللتين وجدتهما في مواجهتي تنفذان إلى أعماقي وقد سلبتا قدرتي حتى عن تحويل عيني هروباً من ذلك التأثير النفاذ وكانت الكلمة تتضخم في أعماقي.. .الشجرة...! عندها تحولت العجوز تحولاً مفاجئاً ومداهماً كما الصرخة التي راعني خروجها من أعماق "الشجرة"!!

      وكانت هي ذات الشجرة المتاخمة لكهف العشاق.

      كان الهواء الرطب الذي راح يلفح وجهي يزيد من حماسي وأنا أسير خلال الوادي الضيق الذي يقع الكهف على أطرافه. ولكي أكون صادقاً فإنني لم أكن سائراً إذ شعرت بأنني خفيف تماماً وكأنني محمولٌ من قبل قوة غريبة وغير معروفة كان عليها أن تسري بي إلى حيث كانت تلك الشجرة. اندفع غير آبه بالليل ولا الظلام ولا حتى ذلك العواء المخيف الذي كان يتردد في أرجاء الوادي كثيراً ما أرعبني وأذهب من عيوني النوم خلال الليالي السابقة.

      عندما وصلت أخيراً كانت الرياح قد اشتدت تماماً. تلفّت حولي في حذر قبل أن تداهمني آهات خافتة مختلطة بأنات واهنة كانت تخرج لاهثة غير أنني لم أستطع تحديد مصدرها.

      سمعت اسمي فجفلت وكان الصوت الواهن يشتد قليلاً معلناً عن مكان صاحبه. رأيت الجسد مسربلاً بالأسود ملقىً على الأرض بلا حركة. عندما اقتربت تبينت من الصوت الذي صارت به نبراته أكثر وضوحاً أنه يخص أنثى... سألتني بوهن:

      أخيراً حضرت.

      أخرجت من حلقي همهمات غامضة إذ أنني لم أكن أفهم شيئاً.

      تأوهت بشدة فيما كنت أحاول مساعدتها على النهوض وهي تضغط بأسنانها العلوية على شفتها السفلى. تأملت عينيها فراعني جمالها. لم تكن عيناها السوداوان واسعتين غير أنهما كانتا تلمعان ببريق أخاذ ويزداد إلتماعهما كلما حدقت فيهما.. وارتجفت. عاودني هذياني. وقد أدركت أنها أليفة لي وأنني أعرفها منذ عمر طويل يمتد بطول حياتي...ربما عاودني هذياني...

      اصطكت الأسنان / عبق الجسد الأليف / جراح الجسد المثخنة لم تصل إلى الروح/ صهيل خيول قيدت أطرافها ما برح يداهمني/ ثارت الخيل وراحت تطرق الأرض بقوة/ آآه ه / حلقوا شعر رأسك يا جميلة/ هل طال ذلك من سحرك قيد شعرة/ عاودتها الحمى فطافت كفي على الجسد النحيل الذي لم تزده الجراح إلا نعومة/ عيناك يا مليكتي تضيئان/ ارفقي النحيل الذي لم تزجه الجراح إلا نعومة/ عيناك يا مليكتي تضيئان/ ارفقي بقلبي الطفل فأنا لا أحتمل آهاتك/ قلبي يرقص على إيقاع خلخالك/ خمرية أنت لا سمراء إذن/ طافت الشفتان على الحلمتين فهمستا انتظرنا عشرين عاماً/ وزادت الشفتان ثمانية/ إذا حل علينا عيد سأحنيك بنفسي/ لأتأمل قدميك بهجة صباح توقظني فيه عيناك/ أغرقتني بخمر عينيك فلا تبالي بهذياني/ أتدفق إليك أو أتوق/ احميني من قهر القبيلة يا جميل/ نداءاتك يزركشها رنين الخلخال/ إمسحي دموعك وابك كطفلة/ عيناك تتسعان في مرآة عيني فتحتويني / ارتجفت في احتكاك العانتين/ لا تبعدي ساقيك لأتحسس الخلخال/ رفيف أجنحة الصقور نذير الشؤم/ لا تتركني لهم يا جميل / دثريني أنت بعريك لنطير/ مع الفراشات كدنا نطير/.

      لم ينجح الصلت لمدة أسبوعين متتالين في إخراجي من حالة الصمت التي تمتلكني كما أنني رفضت كل ما ناولني إياه من أدوية وأعشاب جلبها لي بالحمى التي سيطرت على جسدي غير أنني بعدها رحت أحلم بالفراشات كثيراً ولذلك فقد خرجت عن صمتي وأقسمت له أنني أصدق كل ما أخبرني به وأنا أحدق بالفراشات التي كانت تحلق حولنا في حذر.

      في صباح اليوم التالي فوجئت بوجود خلخال فضي مبرقش بنقوش جميلة وقديمة موضوعة على طاولتي هالني أنا مازال دافئاً. وكانت الفراشات حضرت تدعوني للخروج!