تعبد الله كأنك تراه!

    تمر دردشة الساحة الخاصة بالمتصفح والموبايل بفترة صيانة دورية هذا ونعتذر للجميع على الإنقطاع المؤقت بإمكانكم المشاركة في المنتدى لحين عودتها :)

    • تعبد الله كأنك تراه!


      " .. قال: فأخبرني عن الاحسان. قال : ان تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".

      الاحسان ... ان تحسن الشئ فتجعله حسناً.

      و الاحسان... أن تعبد الله كأنك تراه !

      كان السؤال قبل ذلك عن الاسلام ، ثم عن الايمان. الاسلام درجة و الايمان بعد ذلك درجة ، و هذه هي درجة الاحسان. لكي يكون إسلامنا حسناً و إيمانك كذلك.

      تعبد الله كأنك تراه ..

      تعبير عجيب يحمل في بساطته حقيقة هائلة.

      و أروع ما يروعني فيه – و قد يكون هذا تأثيرًا شخصياً – أنه يفاجئك و انت تقلب وجهك في الآفاق ، باحثاً عن الإجابة ، يفاجئك بالقبلة التي ينبغي ان تتجه إليها ! فإذا أنت هناك – على حين غرة – ترى النور ..

      النور الذي يبهر العين و يبهر القلب و يبهر الروح.

      ترى الله ...

      "الله نور السماوات و الارض... نور على نور. يهدي الله لنوره من يشاء. و يضرب الله الأمثال. و الله بكل شئ عليم".

      ***

      القاعدة الكبرى التي يقيم عليها الاسلام بناءه كله: هي أن تعبد الله كأنك تراه.

      يقيم عليها نظمه جميعاً ، و تشريعاته جميعاً و توجيهاته حميعاً...

      نظام السياسة. نظام الاقتصاد. نظام المجتمع. موقف الفرد من الدولة و موقف الدولة من الفرد. نظام الاسرة. معاملات الأفراد. معااملات الدول في السلم و في الحرب... كل شئ في هذه الحياة !

      و لقد يخطر للانسان – أول ما يخطر – ان هذه عبادة ! أليس فيها ان "تعبد الله" ؟!

      بل قد يخطر للإنسان أنها العبادة القصوى، التي ينقطع فيها الإنسان عن كل شئ في الحياة، ليخلوا إلى ربه ، يخلو له بوجدانه و حسه و قلبه ... هنالك في عزلة عن الآخرين !

      و إنها لعبادة حقاً، ما في ذلك شك ، و إنها لأقصى العبادة كذلك.

      و لكنها – و هي اقصى عبادة العبد للرب – لتعود من عزلتها و خلوتها، فتتسع و تتسع حتى تشمل كل محيط الانسانية!

      بل انها – منذ لحظتها الأولى ، و في أقصى خلوتها – لهي النور الساطع الذي يضئ جنبات الكون ، في ذات اللحظة التي يضئ فيها جنبات النفوس.

      حقيقة واحدة ظاهرة و باطنة ، تشمل الفرد وحده و تشمله في محيط الجماعة ، فإذا هي شعور و سلوك، و عبادة و عمل في آن !!

      الاسلام كله هذه الحقيقة.

      و الاسلام – وحده – هو الذي يجعل العبادة عملاً و العمل عبادة، و الذي يربط النفس والجسم، و السماء و الأرض، و الدنيا و الآخرة كلها في نظام.

      ***
      تعبد الله كأنك تراه.

      إنه عالم واسع يفيض بالحب، و يفيض بالتقوى، و يفيض بالامل، و يفيض بالرهبة و يفيض بالنور.

      الاسلام في مواجهة مولاه. في مواجهة الذات العظمى الخالقة القاهرة المستعلية المشرفة على جميع الكائنات. و النور – نور السماوات و الأرض – يغمره من كل جانب ، و ينفذ إلى أعماقه، فيضئ ثنايا قلبه، و يستقر فيه.

      الانسان في مواجهة مولاه...بنفسه جميعاً . بكل جوارحها و كل خلجاتها. بظاهرها و باطنها، بدقائقها و لطائفها، بأسرارها و ما هو أخفى من الأسرار...

      و كلها مكشوفة لله... "فإن لم تكن تراه فإنه يراك" !

      يا لله ! إنها الرهبة و القشعريرة تملأ النفوس.

      عين الله البصيرة النافذة إلى كل شئ في هذا الوجود، إلى كل نأمة و كل خاطرة و كل فكرة و كل شعور ... إنها تراك. و ترقبك. سواء كنت متيقظاً لهذه المراقبة ام غافلاً عنها. و سواء أعددت نفسك لها ام كنت من المعرضين.

      و إنه لخير لك ان ترى الله كما يراك... خير لك أن تتوجه إلى حيث ترقبك العين الخبيرة البصيرة النافذة. فتأمن المفاجأة !

      إنها الرهبة في الحالين... الرهبة في حضرة المولى العزيز العليم القوي الجبار.... و لكنها الرهبة و الامل هنا، و الرهبة و الذعر هناك!

      الرهبة و الامل و أنت متوجه إلى الله، مخلص له قلبك، عامل على رضاه..

      و الرهبة و الذعر حين تتوجه بعيداً عنه و هو من ورائك محيط! فخير لك إذن ان تعبد الله كأنك تراه!

      و حين تتوجه إليه بنفسك جميعاً، ظاهرها و باطنها، و سرها و نجواها... و حين تتوجه و في نفسك شعور التقوى الخاشعة و الرهبة العميقة. فلا شك أنك ستنظف نفسك و تحرص على نظافتها.

      إن الله لا تخفى عليه خافية. فكيف تستتر منه و أنت مقبل عليه؟ كيف يمكن أن تعمل عملاً واحداً لا يراه؟

      " و نعلم ما توسوس به نفسه و نحن اقرب إليه من حبل الوريد" " يعلم خائنة الاعين و ما تخفي الصدور" "يعلم السر و أخفى" " يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية".

      يا الله! حتى خائنة الاعين! الخائنة التي يظن الانسان انه وحده الذي يحسها و يعرفها، و ألا احد في الوجود كله يراها أو يفهمها؟

      حتى الوسوسة التي لا يتطلع عليها أحد، و صاحبها نفسه قد ينساق معها دون أن يتيقظ لها؟

      حتى السر. بل ما هو اخفى من السر. الخطرات التائهة في مسارب النفس، لا تصل إلى ظاهر الفكر، و لا يتحرك بها اللسان للتعبير !

      يا الله! إنه لا ستر إذن و لا استخفاء.

      كل نفسك مكشوفة و أنت مقبل عليه. أفلا تنظف نفسك إذن قبل الاتجاه؟ ألا تزكيها؟

      " و نفس و ما سواها. فألهمها فجورها و تقواها. قد أفلح من زكاها. و قد خاب من دساها".

      فأما إن كنت معرضاً عنه غير متوجه إليه. إن كنت لا تنظف له نفسك و لا تزكيها. فلن يغير ذلك شيئاً من الأمر!

      إنه يراك! يراك بكل ما تصنع نفسك من "تدسية" و من سوء. يراك بخبائثك و أوضارك. يعلم خائنة الاعين و ما تخفي الصدور. يراك. فما الفائدة في التستر و الاختفاء؟ بل ما الفائدة من الإعراض و الانصراف؟ ألملك غير ملك الله تذهب؟ " و بيده ملكوت كل شئ و إليه ترجعون" ؟ " أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا؟ ساء ما يحكمون". ام حسبوا أنهم معجزون في الأرض؟ أم حسبوا أن يفلتوا من العقاب؟

      كلا! ما شئ من ذلك بمستطاع. فخير لك أن تراه وهو يراك !


      ***
      و إنه لا يكلفك من امرك رهقاً !

      " هو اجتباكم و ما جعل عليكم في الدين من حرج" . " لا يكلف الله نفساً إلا وسعها" . " فاتقوا الله ما استطعتم.."

      إن رحمة الله واسعة. و إنه ليعلم ضعف الانسان و ما ركب في طبيعته من حب الشهوات: "زين للناس حب الشهوات من النساء و البنين و القناطير المقنطرة من الذهب و الفضة و الخيل المسومة و الأنعام و الحرث..." . و يعلم أن الجهد شاق و السفر طويل.

      لذلك يقول: فاتقوا الله ما استطعتم..

      و يقول: ادعوني استجب لكم. ادعوني لكل شئ! و ادعوني – فيما تدعونني اليه – لأعينكم على تنظيف انفسكم من وعثاء الطريق!

      هل جربت ان تستعينه في هذا الامر؟

      صدق الله و صدق وعده الحق.

      ما يتوجه له انسان يستعينه على نظافة النفس و طهارة القلب إلا استجاب له و أعانه على ما يريد !

      و ما هو بسحر ساحر ! و لكن هكذا يحدث حين يتجه القلب الى الله و يخلص في دعواه. إنه يجد الامر عليه هيناً، و يجد نفسه اكبر من المغريات و أقوى من المعوقات. و يحس – إحساساً ملموساً مجسماً – أن الله هو الذي يعينه و ييسر له السبيل !

      و مع ذلك كله فقد تضعف في الطريق و تخور قواك. فهل يلفظك من رحمته و يحل غضبه عليك؟

      كلا! ما دمت لم تنكص على عقبيك و لم تتنكب الطريق. إنه يغفر. يغفر الذنوب جميعاً، وسعت رحمته كل شئ.

      " و الله يحب المحسنين. و الذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا انفسهم استغفروا لذنوبهم – و من يغفر الذنوب إلا الله؟ - و لم يصروا على ما فعلوا و هم يعلموان، اولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم و جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها. و نعم أجر العاملين."

      "إلا من تاب و آمن و عمل عملاً صالحاً. فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات. و كان الله غفوراً رحيماً."

      "قل يا عبادي الذين اسرفوا على انفسهم لا تقنطوا من رحمة الله. إنه يغفر الذنوب جميعاً."

      كلا! لن يلفظك من رحمته ما دمت باقياً على الطريق. و ما عليك إلا ان تقوم من عثرتك و تنفض ثوبك و تتجه إليه من جديد....


      ***

      و حين تتوجه اليه. حين ترقبه كأنك تراه. حين تنظف نفسك و تحرص على ألا تتلوث في الطريق. حين تحاسب نفسك على كل صغيرة و كبيرة خشية ان تكون قد حدت. حين تراجع كل عمل عملته و كل كلمة قلتها و كل خاطرة وسوست بها نفسك و كل حركة تحركتها جارحة من جوارحك...

      حينئذ يستقيم الأمر كله في هذه الحياة.

      أمر الحاكم و المحكوم. و الفرد و المجتمع. و المرأة والرجل. و الوالد و الولد. و الأمة و الأمم على اوسع نطاق.

      كيف يظلم الحاكم حين يرقب الله كأنه يراه؟ كيف تتجه نفسه الى الشر و البطش و الله يقول: "أعدلوا هو أقرب للتقوى" " و إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل" ؟ و كيف يضع في مكان العدل الذي يطلبه الله نزواته هو هواه؟

      و العدل بالنسبة للحاكم ميدان واسع شامل فسيح، يشمل ساسة الحكم، وسياسة المال، و كل معاملاته " الرسمية" و معملاته " الشخصية". و هو مأمور في كل منها أن يرقب الله، و يعبده كأنه يراه.

      لا يمكن حينئذ أن يتعدى حدود الله أو يتعدى على حرمات الله.

      فلا يمكن مثلاً ان يعلن الحرب او يبرم السلم إلا في سبيل الله و في حدود ما بين الله. و الله يقول: " و لا تعتدوا. إن الله لا يحب المعتدين". و يقول: " إن جنحوا للسلم فاجنح لها و توكل على الله. و يقول: " و لا تهنوا في ابتغاء القوم" و يقول " و لا تهنوا و لا تحزنوا و أنتم الاعلون ان كنتم مؤمنين". و يقول: "و أعدوا لهم ما استطعتم من قوة".



      و لا يركن إلى اعداء الله و لا يتخذ بطانة منهم فالله يقول: " لا يتخذ المؤمنون الكافرون أولياء من دون المؤمنين و من يفعل ذلك فليس من الله في شئ – إلا ان تتقوا منهم تقاه." و يقول " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يالونكم خبالاً ودوا ما عنتم، قد بدت البغضاء من أفواههم و ما تخفي صدورهم أكبر. قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون.".

      و هكذا و هكذا حتى تشمل ذلك سلوكه كله، و تصرفاته كلها، منذ يتسلم الأمانة حتى يسلمها إلى الله أو إلى الناس. لا يفلت عمل واحد و لا فكر و لا رغبة من رقابة الله و رقابة الضمير.


      ****
      و المحكوم كذلك حين يعبد الله كأنه يراه. فعليه عمله يؤديه بالأمانة اللازمة و الاجتهاد الواجب. لا يخدع و لا يغش و لا يتكاسل و لا يتشاغل. و لا "يسدد الخانات" دون انتاج حقيقي. و لا يعمل على الضرر و هو عالم به. و لا يبغي الفتنة و لا الفساد في الأرض. و لا يستغل مال الدولة و لا يطمع فيما ليس له.

      و لا يقبل الظلم كذلك! فهو مكلف أن يذود الظلم عن نفسه و عن غيره، و إلا فما هو بمؤمن بالله، و لا هو يعبده كأنه يراه ! " إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي انفسهم قالوا: فيم كنتم؟ قالوا: كنا مستضعفين في الأرض ! .... فأولئك مأواهم جهنم و ساءت مصيراً".

      و الزوج الذي يرعى الله في زوجته. و الزوجة التي ترعى الله في زوجها. و الوالد و الولد. و الجار والصديق. و الجندي و القائد. و الصغير و الكبير.....

      إن المجتمع كله كله.... لا شئ فيه البتة يخرج من هذه الكلمة الصغيرة التي تشمل كل شئ: تعبد الله كأنك تراه !

      ****
      و حين كان المسلمون الأوائل يعبدون الله كأنهم يرونه كانت تلك الأمة العجيبة الفريدة في التاريخ! " كنتم خير أمة أخرجت للناس. تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر و تؤمنون بالله".

      كان الحاكم يقول: " اسمعوا وأطيعوا ما أطعت الله فيكم. فإن عصيت الله و رسوله فلا طاعة لي عليكم.".

      و كان يقول: "إن أحسنت فأعينوني. و إن أسأت فقوموني".

      و كان – و هو يحارب كسرى و قيصر، و يواجه أكبر إمبراطوريتين في التاريخ – لا يضيق بالتقويم الذي طلبه من الناس بنفسه. فيقبل من رجل من عامة المسلمين أن يقول له: لا سمع لك علينا اليوم و لا طاعة حتى تبين لنا كذا و كذا. فلا يغضب، بل يجيبه في الحال إلى طلبه و يبين له.

      و كان يقول: لو أن يغله بصنعاء عثرت لرأيتني مسئولاُ عنها !

      و كان يعمل على توطيد العدالة الاجتماعية في المجتمع حتى امكنه – لأول مرة في التاريخ – أن يلغي الفقر من المجتمع، كما حدث أيام عمر بن عبد العزيز!

      و كان الجندي يقول: أليس بيني و بين الجنه إلا أن أقتل هذا الرجل أو يقتلني؟ ثم يقتحم المعركة ليصيب إحدى الحسنيين!

      و كان القائد يعزل في زهوة النصر فلا يضطغن و لا يتمرد و لا يترك ميدان القتال. و إنما يستمر يجاهد في سبيل الله جندياً لا إمارة له و لا سلطان.



      و كان البائع يستحي من الله ان يكسب ما ليس له بحق، فيرد نقوداً أخذها صبيه دون علم منه من أحد المشترين. و يصر على ردها إليه حتى و المشتري يحلف بالله إنه دفعها راضياً و إن البضاعة في نظره تستحق.

      و كان الزوج يعاشر زوجته بالمعروف، و الزوجة تصون عرض زوجها في غيبته. فيذهب إلى ميدان القتال و يغيب بالشهور و هو مطمئن إلى بيته و عرضه و ماله. و لا يقربها السوء!



      و كان المجتمع نظيفاً....

      لا تقوم علاقات الناس على الغش في البيع و الشراء. لا يعهد الإنسان إلى العامل أو الصانع بالعمل و هو متوجس منه خيفة أن يغشه أو يدلس عليه أو يسرق الأمانة و يذهب إلى غير رجوع!

      و لا يتحدث الرجل الى الرجل و هو يعلم أنه يكذب عليه و يخدعه. و يبادله في الوقت ذاته الكذب و الخداع !

      لا يكذب الوالد على ابنائه فيعلمهم الكذب بالقدوة السيئة. و لا يكذب الابن على الوالد، لانه لا يتعامل معه، و إنما يتعامل مع الله !

      و لا يسرق الشاب عرض أمرأة متزوجة أو فتاة غريرة. و لا تخرج الفتاة متبرجة في سوق الفتنة تحاول أن توقع الشاب!

      لم يكن الناس ملائكة ! كانوا بشراً ما يزالون! و لكنهم بشر مستقيمو الفطرة، لا عوج في انفسهم و لا التواء. متحابون في الله. متعاونون على البر و التقوى لا متعاونون على الإثم و العدوان.

      و كانت هناك جريمة ... فإن وجه الارض لم يخل من الجريمة في وقت من الاوقات. و لكنها كانت الشذوذ الذي يثبت القاعدة. و لم تكن القاعدة هي الشذوذ !!



      ***



      و من ثم انطلقت هذه الأمة تنشئ تاريخاً لم يسبق في التاريخ! ليس الفتح وحده هو الذي يلفت النظر، و إن كان حقيقاً بالتسجيل في سرعته الخاطفة التي لا مثيل لها من قبل و من بعد في التاريخ. ففي خمسين عاماً كان العالم الاسلامي الذي بدأ من لا شئ قد امتد من المحيط الى المحيط. و كان كله – أو معظمه – قد اعتنق العقيدة الجديدة، و انقلب محارباً في سبيلها لا يهدأ حتى يراها قد بلغت إلى أفق جديد!

      و إنما الذي يلفت النظر هو تلك القمم العالية التي بلغها في كل اتجاه.

      قمم العدالة الشامخة و العظمات النفسية و الروحية تتكاثر و تتواكب في هذه الحقبة الصغيرة من التاريخ.

      و اتساع الجوانب و تعدد الآفاق. في الحرب و السلم. في ا لسياسة و الاجتماع. في الحضارات المختلفة التي استوعبها الإسلام، و مثلها تمثيلاً رائعاً فامتص ما فيها من خير، و ألقى بالزّبد إلى الفناء.

      في الروابط القوية المتينة التي شملت العالم الإسلامي كله، و فاضت منه إلى غير المسلمين حتى و هم يكيدون للدين. و حتى و هم يحاربونه أبشع حرب و أدنسها في أيام الصليبيين.

      هذه الروابط القوية المتينة التي صنعت معجزة لم تتكرر في غير الإسلام. إذا فسدت الحكومة – مبكراً، على أيدي الأمويين و العباسيين – و لكن المجتمع ظل اسلامياً، متماسكاً متكافلاً، تربطه روح الإخاء و المودة ما يقرب من ألف من السنين !!



      ***



      ذلك كله كان أثر العبادة الحقة، التي تعبد الله كأنك تراه !

      و لقد كان القدوة الكبرى في ذلك دون شك هو الرسول الأعظم، منشئ هذه الأمة و مربي قادتها و جنودها على هدى الله و هدى الإسلام.

      كان صلى الله عليه و سلم يرى الله كل لحظة من لحظات حياته الطويلة العريضة الشاملة الفسيحة.

      كان يراه و هو يتلقى الوحي عنه – سبحانه – فتطيقه نفسه و تستوعبه إلى الأعماق.

      و كان يراه و هو ينطلق في مناكب الأرض يدعو الناس إلى هذا الوحي لكي يهتدوا به إلى الله.

      و كان يراه و هو في بيته زوجاً و أباً و رب أسرة.

      و يراه و هو مع الناس صديقاً و قريباً و معلماً و هادياً إلى سواء السبيل.

      و يراه و هو يقاتل في سبيل الله، و هو يعقد السلم و يرجع من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر.

      ... و لا نتحدث عن العبادة في الخلوة أو بين الأصحاب....

      يراه . و يعيش معه كل لحظات حياته، و كل مشاعر نفسه، و كل خلجاتها، و كل سرها و نجواها.

      و لا تضعف نفسه عن التلقي، لا يضعف قلبه عن استيعاب النور الذي يغمره كلما رآه.

      أن كان – صلى الله عليه و سلم – رسول الله و خاتم النبيين و سيد المرسلين.



      ***



      ثم كان اصحابه الذي صنعهم على عينه، و رباهم تربية خبير عليم.

      كانوا يرون الله بقدر ما تطيق نفوسهم، و بقدر ما تصطبر على الأفق الأعلى المشرق المضئ الذي لا تحتمله النفوس، إلا أن تقبس قبسات من فيض الله الغامر، و قبسات من الرسول.

      ثم كانت نفوس على مدار الزمن تتفرق احياناً، و تجتمع احياناً، تعيش على حب الله و العمل في سبيله، و عبادته كأنها تراه.

      و ما تزال هذه النفوس حيثما لقيها الإنسان، يحس في الحال بالقارق الحاسم بينها و بين الذين لا يعبدون الله، أو الذين يعبدونه على حرف فإن أصابهم خير اطمأنوا به و إن اصابهم شر انقلبوا على أعقابهم... خسروا الدنيا و الآخرة.

      تحس على الفور حين تلقى أحداً منهم أنك أمام "إنسان". إنسان بهذا المعنى الذي كرمه خالقه و فضله على كثير ممن خلق. إنسان تأنس إليه و تستريح عنده. تستريح في تعاملك معه و في علاقاتك. تستريح إلى الاستقامة النظيفة التي لا عوج فيها و التواء...

      و تحبه...

      لا تملك إلا ان تحبه و لو خالفك في أفكارك و أعمالك و مشاعرك و اتجاهاتك.

      تحبه لأن فيه قبسة من نور الله... و تحاول – إن استطعت – أن تقفو خطاه.

      و من ثم كان حرص الإسلام و نبي الإسلام، و هو يعلّم الناس دينهم، على أن يبين لهم الإحسان. و يصفه لهم في أخضر لفظ و أجمله: " تعبد الله كأنك تراه". و يوقظ قلوبهم بوجدان التقوى و خشية الله: "فإن لم تكن تراه فإنه يراك".

      و من ثم كذلك كان حرص الإسلام و نبي الإسلام، على ألا يقف الناس عند أول مراتب الإسلام و لا أول مراتب الإيمان. إنما يحاولوا بلوغ الإحسان، و يحاولوا على الدوام !


      * من ملتقى الاسلام
    • شكرا أخي ثعلب عمان
      فموضوعك ولو أنه طويل إلا أنه رائع ، ويعالج قضية مهمة
      ألا وهي مراقبة الله تعالى
      حيث يستشعر الإنسان مراقبة الله له في كل وقت وحين ، وفي كل قول وفعل
      كي يتصف بالإخلاص ، وعمله بالإتقان ، ويبتعد عن المعاصي بكافة أنواعها

      فعليك أخي ان تعبد الله كأنك تراه ، أي تشعر بوجوده ومراقبته لك ، وليست الرؤية الحسية ، إذ ان الله لا تدركه الأبصار ، ولا تراه العيون ، لذلك يكمل رسولنا عليه الصلاة والسلام بقوله :( فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) ليستوثق الإنسان من ذلك ، وليعلم أن الله أحاط بكل شيء علما ، وأنه لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء