دراسة حول ( الصحوة الإسلامية في عمان )

    • دراسة حول ( الصحوة الإسلامية في عمان )

      دراسة حول ( الصحوة الإسلامية في عمان )
      (1)

      بسم الله الرحمن الرحيم
      الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على رسوله الأمين ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد :
      تعتمد الكتابات الحديثة عن الصحوة الإسلامية على جملة من المقدمات ، تنبثق من مجموعها جملة من الأحكام ، وبين تلك المقدمات والأحكام رموز وشخصيات وأفكار وأحداث .. وكل ما يتعلق بالصحوة الإسلامية بشكل عام.
      وتتحدد الأحكام تبعا لتلك المقدمات ، وهو أمر يعد محمودا بين أوساط المثقفين الإسلاميين ، وهو كذلك ، ولكن لابد أن يضاف إليه تقييما دقيقا لما بين طرفي المعادلة .. والشكل التالي يوضح ذلك :

      [ المقدمات]===============اااااااااااااا=================[ الأحكام ]
      [ رموز ـ شخصيات ـ أفكار ـ أحداث ـ ..... ]

      فقبل الحكم لتلك الصحوة أو عليها ، لابد من إتقان المحتوى ، وفحصه بدقة تجعل البعد عن الخطأ في الحكم أمرا أقرب ، وهو أمر ـ بلا ريب ـ ينسجم مع مبدأ التبين والتثبت الذي أقره الإسلام .
      فمن الخطأ التسرع إلى الاتهام بلا دليل ..
      ومن العبثية المفرطة أن نتخذ من الأحكام الجاهزة سلاحا نشهره أمام الناس عندما تعوزنا الحيلة ، وتنقطع السبل بنا إلى تقبل الحقيقة الواضحة ..
      ومن العبثية أيضا تقبل كل ما يقال .. والانسياق الأعمى وراء أمور نشأنا عليها .. لا ندري أهي من جملة الحق أم من زمرة الباطل ..
      فلذا .. لابد من وجود ذلك المنهج الأصيل .. مبدأ التبين والتثبت .. قبل الحكم وبعده ..
      كي لا تكون أحكامنا عن الصحوة الإسلامية ـ وبالطبع كل ما يمس هذه الأمة ـ مجرد تخرصات في أودية ، وأوهاما تعشش في أدمغة الأجيال وعقولها ..
      وبهذه المقدمة التأصيلية .. ووددت أن أدرس ظاهرة (الصحوة الإسلامية في عمان) .. باعتبارها شكلا من أشكال صحوة أمة كانت غائبة .. وباعتبارها نوذجا فريدا في نطاق العالم الإسلامي .. بما تحمله من مقومات وآليات وأشكال .. تجعلها متكيفة مع الواقع المحيط .. ومنسجمة مع مبادئ الإسلام الثابتة ..
      وعلى الله التكلان .. وإليه الملجأ .. قاصدين بذلك وجه الله وكسب رضوانه .. فإن أصبنا فذلك ما نريد .. وإن أخطأنا فمن واجب المسلمين تصحيح الخطأ وتبيينه .. وعلى الله قصد السبيل ..

      >>>>>>> (2)
    • تحديد موضوع الدراسة :
      يتضح من عنوان الدراسة أنها تخص شكلا معينا من أشكال الصحوة ومكانا معينا من العالم الإسلامي ، لذا لابد أن يصحب القارئ الكريم معي هذين الأمرين ، لئلا يوجَّه الكلام المسوق إلى غير وجهته ، ويحمل على غير محامله الأصلية ، فالدراسة تعنى بـ :
      1ـ الصحوة الإسلامية . 2ـ في عمان .
      وهذا تفصيل لهذا الإجمال :
      أولا : الصحوة الإسلامية :
      الصحوة الإسلامية .. مصطلح كثر تداوله في أواخر الستينات ، بعد مجموعة من الهزائم التي نكبت بها الأمة .. ثم ازدادت وتيرة هذا المصطلح في السنوات الأخيرة .. وتبعه وجود مصطلحات تلتقي أو تختلف تبعا لمنطلقات التفكير ، كمصطلح الأصولية ـ ومصطلح الإسلاميين ـ ومصطلح الإرهاب ـ وغيرها من المصطلحات التي غالبا ما تروج لها دوائر إعلامية .. وتتبناها سياسات دول معينة من أجل غرض ما ..
      وهو يعني بشكل عام : وجود نزعة ميالة إلى التدين .. وإحساس بضرورة الرجوع إلى الدين بعد أن أخفقت كل النظم التي سادت العالم في وضع حلول لمشكلات المدنية الحديثة , والحروب ، والأمراض الاجتماعية والنفسية وغيرها ، ومعضلات الاقتصاد ، .. ، كالنظام الاشتراكي ، والنظام الرأسمالي .. والعلمانية في الدول العربية و[الإسلامية] ..
      ويرى بعض الغربيين بأن الصحوة ما هي إلى عنوان آخر لـ[لأصولية الإسلامية] ، فلا فرق عنده بينهما سوى الحروف ، إذ الكل منهما إنما يريد أن يكون [ دولة إسلامية ] في نهاية المطاف ..
      ولسنا معنييين بمناقشة هذه الأفكار تحت عنوان هذا البحث ، فقد ناقشنا ذلك في بحث مستقل ، كما أننا لسنا ملزمين بهذه المصطلحات التي يأتون بها .. وأنواع التحليلات التي ترافق سياسة معينة في زمن معين ..
      >>>>>>>> ......(3)
    • الصحوة الإسلامية

      (3)

      إن الصحوة الإسلامية .. بكلمة أخرى .. عامل شعوري يتبعه عمل ما .. في نطاق الدين الإسلامي داخل المجتمع ..
      فليست الصحوة عودة إلى الدين .. إذ لم يكن ثمة خروج منه من قبل .. فمن لم تشمله الصحوة الإسلامية لا يحكم عليه بالخروج من الملة .. أو تنطبق عليه أحكام المشركين .. كلا .. هو مسلم تجري عليه أحكام المسلمين الظاهرة .. سوى في بعض القضايا الدينية .
      وهو ما تعنيه كلمة صحا .. بمعناها اللغوي في قواميس العرب ، يقال : صحا من سكره ، والصحو أيضا ذهاب الغيم .. وأصحت السماء انقشع عنها الغيم ..
      فالمجتمعات الإسلامية الأصل فيها الإسلام .. والناس محمولون على حسن الظن في دينهم ، ولا يتهمون إلا ببينة ، فهم يجرون على الأصل الإسلامي .. بيد أنه قد يصاب بعضهم بنوع من المرض كالغيم على القلب فتتراكم عليه سحب كثيفة من التصورات البعيدة عن الله تعالى .. وربما يقعون في بعض المخالفات والأخطاء .. وربما يبتعدون عن المسجد ودور العلم .. ويزورون عن العلماء والمصلحين .. ولكن ما تزال بقية من نور في قلوبهم ..
      فإذا جاء مصلح ما وأزال عن قلوبهم غبش التصورات .. وطهر نفوسهم من الأمراض والأخطاء .. وصحح مسيرة الحياة إلى الخط المستقيم .. عندها نقول بأن المجتمع يشهد ظاهرة ( الصحوة الإسلامية ) .. بمعنى أنه بدأت بعض الجاهليات تتقلص بسبب تيار الخير الذي يعمل في الساحة .
      والصحوة بهذا التحديد مرتبطة بوجود عوامل الإصلاح .. بل هي نتيجة من نتائجها ، وثمرة من ثمارها ..

      >.>>>.>>>.>>> (4)
    • (4)

      ثانيا : عمان
      تعتبر عمان بوابة الخليج العربي ، وتقع شرق شبه الجزيرة العربية ، ومحاطة من جهاتها الثلاث بالبحر على امتداد 1700 كلم وبهذا تتمتع بموقع عسكري وتجاري وبحري مهم .
      عدد سكانها حسب آخر الإحصاءات الرسمية (1998) : 2.287642 نسمة ، يتوزعون على النحو التالي :1.684847 عمانيون ، و 602795 وافدون من جنسيات العالم المختلفة ، والإسلام يمثل 99% من السكان العمانيين .
      وعلى الرغم من عدم وجود إحصاءات رسمية دقيقة معلنة حول نسبة المدارس الإسلامية الموجودة في عمان فقد اطلعنا على إحصاءات بثتها بعض الوكلات الغربية مفادها أن أهل عمان : 75% منهم من الإباضية ، وهنالك عمانيون من أهل السنة ، ومن الشيعة ، وفئة قليلة من النصارى .
      وسوف يطول بنا البحث في التعريف بعمان القديمة وتأريخها وحضارتها ، لذا نحيل القارئ النهم إلى كتابين مهمين في هذا المجال :
      أولهما : كتاب ( عمان . الديمقراطية الإسلامية ، تقاليد الإمامة ، والتاريخ السياسي الحديث ). للباحث الدكتور / حسين عبيد غانم غباش ، من الإمارات العربية المتحدة ، وهو ـ أي الكتاب ـ في الأصل أطروحة للدكتوراة من جامعة نانتير الفرنسية ، وقدمت للقارئ العربي بطبعتها الأولى سنة 1997م من دار الجديد بلبنان.
      ثانيهما : كتاب ( حياة عمان الفكرية حتى نهاية الإمامة الأولى سنة 134 هـ ) للأستاذ الشاعر : زايد بن سليمان بن عبد الله الجهضمي ، من سلطنة عمان ، والكتاب في أصلة أطروحة لبرنامج الماجستير من جامعة آل البيت بالأردن ، وطبع طبعة أولى سنة1419 هـ ـ 1998 م .
      وقد قام الباحثان بجهد ضخم في التعريف بحضارة عمان القديمة والحديثة ، ولملمة أطراف الموضوع الطويل الضخم في لغة عذبة وتسلسل زمني ، وترتيب منهجي مقبول .

      فمن هذا التحديد ننطلق في دراستها هذه ، وليعذرنا القراء الكرام ، ولتتسع صدورنا لهذا الطرح ، والذي ما نريده إلا من أجل الإصلاح ، وبيان الحقيقة على صورتها .

      >>>>>>>>>> (5)
    • جذور الصحوة ..

      (5)

      جذور الصحوة ..

      يرى الدكتور حسن الترابي بأن الصحوة الإسلامية "ظاهرة تأريخية دورية ، تبرز كلما اعترى المسلمين ذبول في دوافع الإيمان وخمول في الفكر ، وجمود في الحركة ، واستفزهم التحدي الخارجي" ، فهي بهذا حركة تجديدية في الأمة ، ودعوة إلى التمسك بالدين القويم .
      وأما قوله ببروز حركة الصحوة بفعل الاستفزاز الخارجي ، وربما يقصد منه حركات التغريب والعلمانية والاستعمار والعولمة وغيرها ، أي كردة فعل عليها ، فليس هذا بالضرورة .
      إذ تقوم دعوات التجديد بناء على عوامل معينة من داخل الأمة ، وبتوجيه من علمائها ومصلحيها ، وتحت نظر المجتهدين والدعاة ، وليس ردة فعل على أمر خارج من الأمة .
      نعم قد تتزامن حركات التجديد والصحوة في الداخل مع دعوات من الخارج ، بحيث تسعى الأولى إلى إحباط مؤامرة ما ، أو رد كيد محدق ، أو تعبئة للأمة من أجل مواجهة فكرية أو عسكرية بما تتطلبه ظروف المرحلة .. ولكن هذا في حد ذاته أمر نابع من الأمة ذاتها ، ومن قوتها ، وقبل هذا وذاك لأنها قدر الله تعالى في الأرض من أجل صد الباطل ورد العدوان .
      إن تفسير حركة التجديد في التصور الإسلامي ، وفي الفكر الدعوي بوجه عام على أنها "ردة فعل " لعوامل خارجية ، قول ليس مقبولا على إطلاقه ، بل تكون ذات الحركة التجديدية فعلا مناهضا لحركة الانحراف والزيغ التي تتعرض لها الأمة أو أحد أفرادها .
      وحتى في مسألة صحوة الضمير الإنساني من غياب الإيمان ، وضعف التوجه الديني ، فليس بالضرورة أن تكون صحوته تلك ردة فعل لأمر معين ، أو استجابة لأمر خارجي من الأمة ، وإنما هو أمر متزامن مع ذلك الأمر ـ في بعض الأحوال ـ ليكون السبب في رجوع المرء إلى الله تعالى والالتزام على طريق الحق والعدل .
      ولو فسرت كل حركات الصحوة على أنها " ردة فعل " لكانت قد انتهت بمجرد اختفاء الأمر الذي دعاها إلى الظهور ، أو تلاشت بعدما غاب ذلك الخطر المحدق ، ولكن حركة التأريخ تثبت أن الأمة تظل قوية رغم ضعف أعدائها ، ومتمسكة بالدين على الرغم من عدم وجود خطر محدق بها .

      >>>>>>>>> (6)
    • 6)

      وهذه القضية تعود بنا إلى مسألة الإيمان ذاته ، وأن هذا الإيمان ليس مجرد لقلقة باللسان فحسب ، أو مجرد وصف يدون على السجلات الرسمية وأوراقها الثبوتية ، ليكون بعدها الإنسان يعيش في "صحوة" رغم أن أفعاله وأقواله تناقض مبدأ الإيمان الذي ينتسب إليه ويعتنقه.
      إن الإيمان كلمة عظيمة ، وانتساب الإنسان تحت مظلة الإسلام مسؤلية كبيرة ، تتطلب منه أن يكيف حياته كلها وفق مراد الله ، وأن تكون حركاته الظاهرة والباطنة استجابة لنداء الإيمان الذي يتغلغل في داخله ، ويحقق في نفسه قول الحق تبارك وتعالى : [ قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ] .
      وبهذا المعنى العميق للإيمان تتضح معالم الحياة من حولنا ، وتسير وفق النواميس الربانية التي تحكم نظام الكون ، ولا يحدث هنالك ثمة تصادم بين الفطرة والطبيعة ، أو بين الإنسان والكون ، كما أخبر الله تعالى في قوله : [ تسبح له السموات والأرض ومن فيهن ، وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ] .
      وبهذا المعنى يجب أن تصاغ الصحوة الإسلامية ، أينما كانت وحيثما وجدت ، وألا يترك شباب المسلمين تحت نظر المتلاعبين بدين الله ، ودجاجلة الفكر العفن ، والمتاجرين بقيم الأمة وحرماتها.

      ......

      تعتبر الصحوة الإسلامية في عمان اليوم ، جزءا من سلسلة طويلة ضاربة في عمق التأريخ الإسلامي ، عبر وجود رواد حملوا فكرا إسلاميا حيا ، وحركة نهضوية من أجل تطبيق حكم الله وشرعه ، ففي التأريخ المتأخر على الأقل ، برزت على الساحة العمانية شخصيات قيادية ، من أمثال العالم الكبير جاعد بن خميس الخروصي ، والمحقق العملاق سعيد بن خلفان الخليلي (1871م ) ونور الدين عبد الله بن حميد السالمي (1332هـ ) والإمام محمد بن عيد الله الخليلي (1945 م) وعالم الشعراء ناصر بن سالم بن عديم الرواحي ..
      وترك هؤلاء جملة من المصلحين والدعاة حملوا عنهم مشعل الدعوة الإسلامية ، وانلطقوا في فجاج الأرض يبلغون الناس ، ويرشدون الأجيال ، ويصححون ما اعوج من القيم والأفكار في المجتمعات.
      ومن هنا ، لا يمكن دراسة حالة الصحوة الإسلامية في عمان على أنها عطاء مستقل ، أو وحدة قائمة بذاتها ، بل لابد ـ من أجل فهم أفضل لها ـ من دراسة تأريخها الطويل ، ومعرفة الأسس التي قامت عليها ، والمبادئ التي اعتنقتها .
      ومن هنا أيضا ، يمكننا معرفة التطور والتجديد الذي طرأ في أحوال الصحوة الإسلامية في عمان ، فإن مجرد إعطاء حكم على ظاهرة ما بأنها على طريق مختلف عما كانت عليه ، أو أنها متمسكة به لا تختلف عنه ، من دون إعطاء أية أدلة على ذلك ، هذا الأمر يعد تجاوزا للمنهجية العلمية وأسلوب البحث المعتمد على الحجة والبيان .

      >>>>>>>>>>> (7)
    • (7) أسس الصحوة الإسلامية في عمان

      (7)

      أما أسس الصحوة الإسلامية في عمان اليوم فتقوم على الأسس ذاتها التي يقوم عليها أي مجتمع إسلامي ، وهذا أمر يبدو بكل جلاء من خلال أدبيات هذه الصحوة ، وأفعالها ، فليس ثمة من يخرج عن الأصول التي أجمعت عليها أمة الأسلام ، من اعتبار أن القرآن هو المصدر الأول للتشريع ، ثم السنة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ، والإجماع ، والقياس .. وهكذا ..
      فإن هذه أضحت مسلمات دينية ، وإن اختلف مبدأ الأخذ بها ، من حيث التقديم والتأخير ، والأولوية .. وغير ذلك ، إلا أن أصل المسألة واحد .
      كما أن تشبث الصحوة في عمان بهذه الأسس جعلها قادرة على الثبات والاستمرارية ، فمن اعتصم بحبل الله نجا وسلم ، ومن تخلف عنه هلك ، لذا لا يفتأ الدعاة والمصلحون في عمان من تذكير الناس بالعودة إلى الأصول الكلية لهذا الدين ، والرجوع إلى شرع الله تعالى في كل صغيرة وكبيرة من الأعمال اليومية ، والاحتكام إلى القرآن والسنة في كل شؤون الحياة ، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأدبية .. وغيرها .
      إنهم بذلك يريدون بناء مجتمع إسلامي أصيل ، ولا تغيب عن أدبياتهم عبارات الذكرى والحنين إلى مجتمع الصحابة الأول الذي بناه الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأشرف على تربيتهم بعينه ، وتابع معهم طريق الدعوة الطويل ، في المحنة والمنحة ، والسراء والضراء ، واليسر والعسر ..

      >>>>>>>>>>> (8)
    • إنه لا يكاد أي داعية في عمان يتحدث عن ذلك الجيل إلا ويستحضر في ذهنه تلك الكلمات التي قالها أبو حمزة الشاري في وصف الشباب حين قال : [ تعيرونني بأصحابي ، تزعمون أنهم شباب ، نعم ، شباب والله ، مكتهلون في شبابهم ، غضيضة عن الباطل أعينهم ، بطيئة عن الشر أرجلهم ، أنضاء عبادة وأطلاح سهر .
      قد نظر الله إليهم في جوف الليل ، منثنية أصلابهم على أجزاء القرآن ، إذا مر أحدهم بآية فيها ذكر الجنة بكى شوقا إليها ، وإذا مر بآية فيها ذكر النار ، شهق شهقة وكأن زفير جهنم بين أذنيه .
      موصول كلالهم بكلالهم ، كلال الليل بكلال النهار .. حتى إذا رأوا سهام العدو قد فوقت ورماحهم قد أشرعت ، وأرعدت الكتيبة بصواعق الموت وأبرقت ، استهانوا بوعيد الكتيبة لوعد الله ، فمضى الشاب هنالك قدما ، حتى اختلفت رجلاه على عنق فرسه ، فخر صريعا في الثرى ، وعفرت محاسن وجهه بالدماء ، فكم من مقلة في منقار طائر طالما بكى صاحبها في جوف الليل من خشية الله ، وكم خد عتيق قد فلق بعمد الحديد ، وكم من يد أبينت عن معصمها طالما اعتمد عليها صاحبها في السجود لله ، فرحم الله تلك الأبدان ، واسكن أوراحهم الجنان ] .
      إن هذا النص الذي لا يكاد فرد من الدعاة في عمان إلا ويحفظه ، يعتبر بحق ، شهادة على عمق الارتباط بالجيل الأول من المسلمين ، وتوقا إلى تأسيس مجتمع جديد يأخذ بالماضي من أطرافه ، ويستفيد من الحاضر بكل صنوفه .

      >>>>>>>> (9)
    • إن أي دعوة في بلاد المسلمين ، تحاول فصل الحاضر عن الماضي ، وإبعاد جيل اليوم عن جيل الأمس ، هي دعوة ناقصة .
      وأي دعوة تريد أن تجعل من الحاضر كل شيء ، وتتنكر لماضي المسلمين ، هي دعوة ناقصة كذلك ،
      فلا مناص من الأخذ بالماضي مع رفعه ليكون في واقع اليوم الذي نعيشه ، والمشكلات التي نحياها ، والأزمات التي تحيط بدعوتنا .
      وكم هو مؤسف أن تنطلق دعوات تريد "استنساخ" الماضي ، بكل ما فيه ، وإنزاله على واقع اليوم كما هو ، وهذا أمر ـ إن وجد ـ يحمل بين جوانبه مشكلات لا حصر لها ، بل هو أول عائق يقف في سبيل الدعوة التي نسعى إليها .
      وإن التغني بأمجاد الماضي فقط لا يحمل البشرى لجيل اليوم ، بل لابد من العمل ضمن الواقع الذي نحن فيه ، كي لا نهرول خارج التأريخ ، ونقع في هوة الاندثار والتخلف مرة أخرى .

      >>>>>>>>>> (10)
    • الاعتدال والتسامح

      (10)

      عاشت عمان فترة طويلة من العزلة ، وقد فرضت عليها هذه العزلة بفعل عوامل سياسية ومذهبية كثيرة ، وتحت ضغط كبير من التراكمات الثقافية والتقاليد المجتمعية التي سادت مجتمعات الخليج في فترة الخمسينات والستينات وأوائل السبعينات ، وما كانت تشهده هذه المنطقة من تحولات اقتصادية حدث على إثرها اختلاف في الولاءات ثم تنازع بين الجيران وصل إلى حد التقاتل والحرب.
      وفي خضم هذه الأمواج كانت عمان ما تزال منغلقة على نفسها ، تعيش حالة من البؤس والفقر والتخلف ، مما طبع هذا التصور عنها في أذهان كثير من أبناء المنطقة من الدول المجاورة ، فعششت في أذهانهم عن عمان تصورات منافية للواقع ، نذكر منها : الاعتماد على الشعوذة والسحر ، وأنهم قوم متخلفون حتى الأذقان ، وأنهم ثلة من الخوارج المبتدعة ، وقوم في دينهم غبش حيث يزورون القبور ، ويتقربون إليها بالقرابين ... إلى غير ذلك من التصورات ، والتي لا تمثل حقيقة مقبولة في ميزان العلم والمعرفة.
      ومما يؤسف له أن تظل هذه التصورات الخاطئة تمثل مرجعا لكثير من الناس عن أحوال عمان ، فحتى وقت قريب ما تزال قضية السحر والجن والشعوذة هي القضية العالقة في تصور الكثيرين ، وحتى اللحظة ما يزال الحكم على العمانيين بأنهم خوارج مبتدعة يتصدر قائمة الأحكام الجاهزة .

      >>>>>>>>>> (11)
    • وعلى الرغم من كل تلك الاضطرابات والعزلة التي عاشتها عمان إلا أن عزم العمانيين على الخروج من الانعتاق والتخلف كان عزما قويا ، فخطو خطوات واسعة نحو الانفتاح على الخارج ، وتطورت عمان تطورا مذهلا في مجالات التكنولوجيا ، قياسا على كثير من الدول الأخرى والتي سبقت عمان بأكثر من أربعين عاما في اكتشاف النفط ، هذه العصا السحرية التي قلبت موازين القوى ، وحولت مجرى التأريخ في العصر الحديث .
      ومع وجود هذه العزلة الثقافية والجغرافية عن عمان وأهلها ، إلا أن الدعاة والمصلحين الإسلاميين فيها كانوا على وعي تام بقضية الانفتاح على الثقافات والشعوب الأخرى ، وضرورة الاطلاع على ما عند الغير أيا كانت وجهته وتياره الفكري ، والسعي إلى الاستفادة من الآخرين في معطياتهم الحضارية .
      وليس في هذا الكلام مبالغة ولا تهويلا ، بل هو واقع عاشته عمان حتى في ظل ذلك الحصار الفكري والجغرافي ، وتلك الاضطرابات السياسية تعصف بالمنطقة ، ومن أمثلة ذلك :
      العالم المحقق سعيد بن خلفان الخليلي ، والذي كان قائدا شجاعا ، ومفكرا عبقريا ، وداعية فقيها ، وقد خلف ثروة فقهية وفكرية هائلة .
      هذا (العملاق المحقق ) كما تعورف على وصفه ، اتسم مع شدته في التمسك بالحق بالتسامح والانفتاح على ثقافات الآخرين ، فتجد في مؤلفاته نقلا من كتب المدارس الإسلامية المختلفة من حنفية وحنبلية وشافعية ومالكية ، وينقل كذلك من الفقه الشيعي ، ويستفيد من ذلك ، ولا نعجب إن علمنا بأن أحد شيوخ هذا العالم رجل شيعي كان ضليعا في علوم العربية ، وقد لازمه ملازمة طويلة واستفاد منه وربما نقل بعض آرائه في كتبه .
      هذا في الوقت الذي كان (الإباضية) تشن عليهم غارات الاتهام ، والحرب من قبل خصومهم .

      >>>>>>>>>> (12)
    • ونجد الأمر نفسه مع تلك الأسماء التي تركت بصمات واضحة على مسيرة الصحوة الإسلامية في عمان ، فمن يطلع على مدونات نورالدين السالمي ، والإمام الخليلي ، وأبي مسلم البهلاني ، فضلا عن كتب ومؤلفات غيرهم ، يجد فيها انفتاحا لا مثيل له واعتدالا وإنصافا قل نظيره .
      وهذه التوجه من قبل الصحوة الإسلامية في عمان ليس وليد اليوم أو وضعه أولئك العلماء وابتدعوه بل هو توجه ضارب في عمق التأريخ ، استلهموه من توجيه الإسلام ذاته ، ومن أدب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الآخرين ..
      فنجد في كتب التأريخ بأنه في عام 130 هـ وقف أبو حمزة المختار بن عوف الشاري على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال قولته المشهورة : ( الناس منا ونحن منهم إلا ثلاثة :
      _ مشركا بالله عابد وثن .
      _ أو كافرا من أهل الكتاب .
      _ أو إماما جائرا ) .

      قال كلمته تلك في تلك الفترة الحرجة من مسيرة الأمة ، حيث الاضطراب السياسي ، والتفرق المذهبي ، والتقاتل على السلطة .
      ولو قدر للمسلمين آنذاك أن يعملوا برأي أبي حمزة لكان للتأريخ مسيرة أخرى ، ولما رأينا هذه الفرقة تعصف بالأمة وتذهب بكل مقوماتها وقوتها ، فقد كان أبو حمزة يعني أول ما يعني إلغاء المذهبية والطائفية ، والعودة إلى الاتحاد والقوة ، ولكن أصابع السياسة كانت أقوى من هذه الدعوة المتزنة فحدث ما حدث ، ولله الأمر من قبل ومن بعد .

      >>>>>>>>>> (13)
    • الرسالة الأصلية كتبت بواسطة:البراء بن مالك الرواحي
      هكذا فلتكن العزائم أخي عكاظ على بركة الله واصل وأشكر لك هذا الجهد الكبير وأثابك الله على عملك


      آمين ، وشكرا على دعائك وتشجيعك ، وفي انتظار تعليقاتكم وملاحظاتكم .
    • وظل هذا التوجه هو ميزان الحق في عمان ، طيلة قرون من الزمن ، لم يتبدل ولم يتغير ، فالشيخ نور الدين السالمي (ت 1332 هـ ) قال في معرض جوابه على رسالة القائد سليمان باشا الباروني والذي عمل في الدولة العثمانية فترة طويلة يقول نور الدين ما نصه : ( وليس لنا مذهب إلا الإسلام ، فمن ثم تجدنا نقبل الحق ممن جاء به وإن كان بغيضا ، ونرد الباطل على من جاء به وإن كان حبيبا ، ونعرف الرجال بالحق ، فالكبير عندنا من وافقه ، والصغير من خالفه ، ولم يشرع لنا ( ابن إباض) مذهبا ، وإنما نسبنا إليه لضرورة التمييز حين ذهب كل فريق إلى طريق ، أما الدين عندنا فلم يتغير والحمد لله ) .
      يبقى أن نقول ، أن البعد السياسي في الخلاف بين الدول ظل عائقا في سبيل الوحدة بين المسلمين ، ولو قمنا بعملية إعادة للحسابات القديمة والحديثة على حد سواء لرأينا أنه كان من الممكن ولا يزال من الممكن تحقيق وحدة وانفتاح بين المسلمين لو تركت العصبيات السياسية جانبا ، وترك من يقف وراء الجدر يحرض هذه الفئة أو تلك على إجراء معين ضد الفئة الأخرى تحقيقا لمكاسب سياسية وليس من أجل الدين والمبدأ .
      وفي عمان اليوم نرى التسامح والاعتدال بين جميع المدارس الإسلامية سمة بارزة ما لم تتدخل يد السياسة من هنا أوهنالك ، فالمسلمون بمختلف مدارسهم يعيشون في أحياء سكنية واحدة ، ويصلون في مساجد تضمهم جميعا ، بل يتزاوج بعضهم مع بعض ، ويتعاملون كأمة واحدة .

      >>>>>>>>>>> (14)
    • (14)

      إن هذا النموذج من التعايش هو الذي تحتاجه الأمة ، فليس الأمر في حمل الناس على ما تعتقد أنه صواب وإرغامهم على اعتناقه ، فإن هذا مناف لقول الله تعالى : [ لا إكراه في الدين ] ، وإنما في معرفة كيفة التعامل مع المخالف ، وأدب ذلك معه ، ولسوف يبقى الاختلاف في الأفكار والمبادئ أمرا محتوما على البشر ، ومن الخطأ تصور أن جميع الناس سوف يكونون على نمط واحد وصورة مكررة ، فأصابع اليد مختلفة شئنا أم أبينا .
      وقد يحمل هذا الكلام على المثالية ، غير أننا نقول بأن ليس الخبر كالعيان ، فقد عاش في عمان كثيرون ، وزارها في الفترة الأخيرة مفكرون وعلماء وأصحاب رأي ، وكلهم أطبقت كلمتهم على ما قلناه ، ومن أراد التأكد من هذا النموذج من التعايش فالرحلة لا تستغرق سوى ساعات من أبعد دولة خليجية عن عمان .
      وليس من الإنصاف قبول الأحكام الجاهزة دون تمحيص ، فثمة من يقول ما يقول بسبب ظروف معينة تملي عليه ذلك ، ولكن ينبغي للمستمع أن يكون على قدر من الحرية والعقلانية في تقبل ما يقال من أي مصدر بشري كان ، فالعصمة انتهت بموت الأنبياء ، ومن بقي فكل يؤخذ من قوله ويرد.

      >>>>>>>>>>>>>>>> (15)
    • ومن صور الاعتدال والانفتاح على الآخرين والتي نلمسها في الصحوة الإسلامية في عمان وجود المكتبات الإسلامية والتجارية ، وهي في تزايد مطرد ، تجمع بين جدرانها مختلف الكتب ، وتحتوي على جميع أنواع الثقافات ، بلا تمييز ، وهو أمر قد يعد من المحرمات السياسية في بعض الدول .
      ولو قدر لك ـ أخي القارئ الكريم ـ زيارة شيء من هذه المكتبات كمكتبة معهد العلوم الشرعية ، ومكتبة الجامع الأكبر ، والمكتبة الإسلامية بروي ، ومكتبات خاصة كمكتبة سماحة الشيخ أحمد الخليلي ، والشيخ حمود بن حميد الصوافي ، والشيخ سعيد بن مبروك القنوبي ، والشيخ محمد بن راشد الغاربي ، والشيخ جابر بن علي السعدي .. وغيرهم ، وكلهم من رواد الصحوة الإسلامية في عمان ورموزها ، لو قدر لك زيارة هذه المكتبات لرأيت فيها كتبا من كافة المدراس الإسلامية على اختلافها وتنوعها .
      إن هذا التنوع ليس ضربة لازب ، وليس أمرا عشوائيا وقع هكذا ، بل هو نتاج تصور فكري يحمل صاحبه على ذلك ، ويجعله يتوق للحكمة حيثما وجدت ، وأفعال العلماء ليس كأفعال غيرهم من عوام الناس ، ولو لم ير هؤلاء العلماء أن في الاطلاع على ثقافات الآخرين والاستفادة منهم أمرا يحقق مصلحة دينية لما أقدموا عليه أصلا ، ولحذروا منه طلابهم ، وهو أمر لم يحصل .
      إن مجرد إجراء مقارنة بين هذا التوجه وبين توجه مصادرة أفكار الآخرين ، والحجر على كتبهم ، وإحراقها ، ومنعها من التداول ، وجعلها على قائمة المحجورات ، يدلنا بكل وضوح على أن الأساس الفكري هو السبب في ذلك ، وأن توجها معينا هو الذي يفرض هذه النظرة السلبية تجاه ثقافة الآخرين وأفكارهم .

      >>>>>>>>>>>>> (16)
    • هذا من ناحية الكتب ، أما النواحي الأخرى كالأشرطة الإسلامية والكتيبات الدعوية الصغيرة فحدث عن البحر ولا حرج ..
      فإن المكتبات السمعية في عمان ، والتي تمثل صورة من صور الصحوة الإسلامية ، تزخر بكافة أنواع الأشرطة من مختلف أنحاء العالم الإسلامي ، وأغلبها تأتي من المملكة العربية السعودية ومن الإمارات العربية المتحدة ، من أشرطة القرآن الكريم والمحاضرات والندوات والأناشيد وغيرها .
      على أنه يجدر بنا أن نذكر بأن الشريط الإسلامي العماني لم ير النور سوى قبل سنوات قليلة وظل الاعتماد كليا قبل ذلك على أشرطة تأتي من خارج عمان مع فلول الحجاج أو المعتمرين أو التجار ، وكذا الحال بالنسبة إلى المواد الثقافية الأخرى .
      وما أزال أذكر كيف كنا نتلقى بلهفة عارمة أشرطة الشيخ عبد الحميد كشك ، وكتب سيد قطب ، ومحاضرات الشيخ سلمان العودة ، ودعويات الشيخ سعد البريك ، وأناشيد أبي راتب ، ووعظيات الشيخ عائض القرني ، وشعر عبدالرحمن العشماوي .. وغيرهم كثير .
      إن هذا التنوع صاغ جيلا من الشباب على الاعتدال والانفتاح ، وعلى التسامح وقدرة التعامل مع الآخرين ، والاستفادة منهم .. فليس ثمة حواجز تمنع من التواصل والعطاء ، وليس ثمة (حساسيات) معينة تحول بيننا وبين التعامل مع المخالف أيا كان ، فالكل يؤخذ من قوله ويرد .
      ولا يقال بأن الصحوة الإسلامية في عمان تعجز عن الإتيان بما أتى به الآخرون ، فالساحة الثقافية تشهد حضورا فكريا واعيا ، وطرحا جادا لكثير من القضايا المحورية ، وأسلوبا حضاريا راقيا في التعامل مع الوقائع والاحداث المستجدة في العالم ، وتحليلا ونقدا مبنيين على علم ومعرفة .. وهي كلها عوامل ترشح الصحوة الإسلامية في عمان بأن تضاهي الآخرين في العطاء الفكري والثقافي .

      >>>>>>>>>> (17)
    • عقدة ( الخوف من الآخر )

      (17)

      وهذا يقودنا إلى الحديث عن عقدة ( الخوف من الآخر ) ، وهي عقدة يصاب بها أولئك الخائفون على أنفسهم من الذوبان ، أو أولئك الذين اعتقلوا أنفسهم في محيط ضيق ، وحبسوا أنفسهم في شرنقة مهترئة ، فهم خائفون من شيء ما ، أو تتناوبهم أوجاع واضطرابات كلما لاح بريق الانفتاح ، أو شع بصيص ظل الطرف الآخر .
      وهذا الشعور بلا ريب لا يعود إلى عوامل بيئية أو جغرافية فحسب ، وإنما هو نتاج عوامل فكرية على المستوى الأول ، ونتاج رؤية ثقافية ما ، تجعل هذه العقدة ـ عقدة الخوف من الآخر ـ شكلا من أشكال "الثبات على المبدأ" ، أو عنوانا من عناوين "الصلابة في الدين" ، أو صورة من صور "حماية الأجيال من الدخيل" ، وهذه ـ كما نرى ـ شعارات براقة ، وعناوين تجعل التمسك بها أقرب إلى "الدين" ، والتفريط فيها أقرب إلى "الانحلال" ..
      وهذا كله ليس بشيء..
      فليس من "الثبات على المبدأ" أن نمنع الأجيال من الاطلاع على ماعند الآخر ، ومناقشة الأفكار المخالفة ، والتعرف على مواطن الخير والشر فيها ..
      وليس من "الصلابة في الدين" أن يغرس في أذهان أجيال الأمة أن المخالف عدو ماكر .. أو أنه شبح لا يجوز الاقتراب منه أو كتلة من الشر يجب الحذر منه ..
      وليس من "حماية الأجيال من الدخيل " .. أن نمنع عنهم الاطلاع أو البحث في أمور الأمة على اختلاف طوائفها ..
      إن المعنى الصحيح لهذه الثوابت أن تبنى الاجيال المؤمنة على الثقة بالنفس ، وعلى اليقين في المبدأ ، وعلى أن تكون الفكرة عندهم ليست مجرد ذهنيات تحشى بها أدمغتهم ، أو تصب في قوالب عقولهم ، وإنما تكون تلك الأفكار ، متجسدة في ذواتهم الكبرى ، تعيش بينهم كأرواحهم ، وتسرح في خيالاتهم ، ولا تفارق عقولهم ..
      وبهذا .. ينطلق الجيل الإسلامي داعيا إلى الله تعالى ..
      لا يخاف من الآخرين لأنه سيد الموقف .. ولا يخشى من العصي والحبال لأنه يحمل في يده اليقين الثابت ، والعقل المستنير .

      >>>>>>>>>>> (18)
    • وما قلته آنفا ، ليس ضربا من المثاليات .. أو بدعة في الدين .. أو دعوة إلى الانفتاح الأهوج ..
      وإنما هو أدب قرآني .. وسنة نبوية .. وسيرة دأب عليها الصالحون من هذه الأمة على اختلاف أمكنتهم وأزمنتهم ..
      وقد قاله العلماء .. وأكد عليه المصلحون .. ونادى به العقلاء المتفتحون .. ودعا إليه كل مهتم بهذه الأمة .. وعلى مصير الأجيال فيها ..
      غير أن المصابين بمرض هذه العقدة ( عقدة الخوف من الآخر ) لا يفتأون من مطاردة أي فكر يحاول انتشالهم من حفرتهم ، كالمريض الذي يخشى الدواء ، ويبتعد عن الطبيب ، ويحول بين نفسه وبين التداوي المشروع ..!!
      ولذا كان لابد من توضيح هذا الأمر .. وبيانه ، لئلا يلتبس الأمر على غير العارف .. ولكي تتضح معالم الطريق نحو علاج قرآني لهذه العقدة السخيفة ..
      وهو باب واسع .. ولست بصدد الإطالة فيه بقدر الإشارة إلى أهميته .. وعسى أن يتفرغ أحد الشباب في تأصيل مسائله .. وبحث أسسه .. وتبيين مسالكه .. فيكون بذلك قد قدم خيرا لهذه الأمة الطيبة ..
      ففي القرآن الكريم أرشد الله تعالى إلى كيفية التعامل مع المخالف في العقيدة من اليهود والنصارى والمجوس والذين أشركوا وغيرهم في حالة السلم وفي حالة الحرب ..
      وفي تلك السياقات جميعها لم يكن ثمة واحد منها يدعو المسلم إلى أن تهتز أطرافه خوفا وهلعا من الالتقاء مع الآخر بالحوار والمجادلة بالتي هي أحسن ..
      ولم يكن ثمة واحد منها يجعل المسلم ، الواثق من دينه ، المعتز بإيمانه ، الواقف على حدود الله تعالى ، يرى في الآخرين بؤرة تخيفه ، أو شرا يرهب منه ..!!
      بل نرى المسلم في الأحوال كلها مقداما جسورا ، متأهبا للقاء ، متحفزا إلى المجادلة بالتي هي أحسن ، لأنه صاحب الحق اليقين ، والكلمة الفصل ، والحق الدامغ ..
      وهذا ما تفعله آيات الكتاب العزيز في نفس المؤمن .. إن هو تأمل فيها ، وتلاها حق تلاوتها ، وجعلها ميزان العدل عند الاحتكام ..
      فلا يقيس ما جاء عن البشر بكلام الله تعالى .. فهذا حق مطلق ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، أما ذاك فليس كذلك ..

      >>>>>>>>>>>>>>>>>>>(19)
    • كما أن الرسول الكريم ( عليه الصلاة والسلام) كان الطريقة التي رسمها القرآن ، فقد كان قرآنا يمشي على الأرض ، وأقواله وأفعاله هي الدستور الذي يحتكم إليه المسلمون مع القرآن الكريم ، والله تعالى قال في رسوله : [ وما ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى ] .
      وقد علمنا هذا الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم ، كيف نتعامل مع المخالف لنا في العقيدة والفكر ، وما هي حدود الشدة واللين التي نسلكها معه ، والآداب التي يتحلى بها المسلم حيت يقابل شخصا مخالفا .
      هذه التعاليم النبوية تملأ كتب السيرة والتأريخ ، وتموج بها مدونات السنة ، غير أن العلم بها وتدوينها شيء ، وتطبيقها في واقع الحياة شيء آخر ، وهو الأمر الذي فرط فيه المسلمون كثيرا ، وسلكوا طرقا أخرى من وحي أشخاصهم الضيقة ، وانفعالاتهم النفسية ، ومشاعرهم الصغيرة .
      والأدهى من ذلك والأمرّ أن تنزل هذه الأحكام التي جاءت في بيان التعامل مع المخالف في العقيدة والفكر من أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، تنزل هذه الأحكام على عموم المسلمين ، وتطبق في واقع المجتمع المسلم ، وتلك مصيبة أخرى منيت بها الأمة ، والله المستعان.
      ما نريد قوله تلخيصا ، أن (عقدة الخوف من الآخر) مرض تجتث جذوره تعاليم هذا الدين ، ووباء لابد من العمل على معالجته في بعض الأشخاص من هذه الأمة ، فغدوا أصحاب خوف ووجل ، وأناسا يعيشون في تحجر عقلي ، وضيق فكري .
      وقد سبقت الإشارة إلى أن أهل الحق عاشوا على رغم العزلة متفتحين على الآخرين ، يدرسون ما عندهم بعمق ، ويأخذون من الخير أفضله ، ويتركون الباطل لأصحابه ، ولم تمنعهم الحوائل المرضية أو الحيل النفسية من الاطلاع والبحث في أي فن من الفنون أو أي مجال من المجالات سوى التي فيها النص على التحريم أو الكراهة الشديدة.
      فالكلام ها هنا موجه إلى من يعيش في عالمه وحده ، يتوهم أن لا سواه يحمل فكرا ، وأن لا أحد غيره أتى بأفضل مما عنده ، وأن الأخرين كلهم عيال على فكره!! وطلبة في مائدة بحره!! وتلك خديعة النفس المريضة طبعا ، نسأل الله العافية والسلامة .
      بعد هذه الوقفة القصيرة مع عقدة الخوف من الآخر نعود الآن إلى الحديث عن الصحوة الإسلامية في عمان ، وعلى الله التكلان .

      >>>>>>>>>>>>>>> (20)
    • بعد الحديث عن جذور الصحوة الإسلامية في عمان ، وعن بعض من معالمها الكبرى ، يحسن بنا الآن التطرق إلى بعض السمات الخاصة أو عناصر القوة والضعف وما يدور في هذا الفلك من آراء وأطروحات .
      ولنبدأ الحديث حول عناصر القوة في الصحوة الإسلامية في عمان ، ثم عناصر الضعف فيها ، ونخلص من ذلك ببيان العلاج لهذا الضعف بإذن الله تعالى.
      أولا: عناصر القوة في الصحوة الإسلامية في عمان :
      ( أ ) الاحتكام إلى الله ورسوله :
      فقد تربت هذه الفئة المؤمنة على أن قضاء الله ورسوله لا قبل لأحد به ، ولابد من الانصياع له وتطبيقه ..
      لقد عرف الشباب العماني المسلم أن الخير في طاعة الله ورسوله ، وأن الشر في مخالفتهما ، ووقر في قلوب هؤلاء الشباب قول الحق تبارك وتعالى : [ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا] .. ووقر في صدورهم قوله سبحانه : [ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ورسوله ] .. وغيرهما من الآيات الناصة على وجوب الاحتكام إلى الشرع الحنيف في أمور الحياة كلها ، ومسائل العبادة والمعاملة والفكر وغيرها ..
      وغرس في هذه الصحوة المباركة حب الله ورسوله ، والغيرة على حرمات الله ..فكم منهم من أنكر المنكر غير خائف ولا وجل ، يرجو بذلك رضوان الله تعالى ..
      وكم منهم من ابتلي في أهله فصبر واحتسب في ذات الله ..
      وكم منهم من ابتلي في ماله ووظيفته .. في سبيل نيل الجنة ..
      باعو الدنيا .. وعملوا للآخرة واجتهدوا في ذلك ..
      ولست هنا بصدد ذكر نماذج من هؤلاء .. فهم بحمد الله كثر .. يعرفهم أهل الفضل وإن تنكر لهم أهل السوء والغل .
      والاحتكام إلى الله ورسوله هو عنوان القوة في الأمور كلها .. فمن تمسك بحبل الله نجا ونال الفوز في الدنيا والآخرة ، ومن سلك طريق الهوى ، واتبع غير الهدى فقد خسر الخسران الأكبر ، يقول الله تعالى : [ ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ، وويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا ] .

      >>>>>>>>>>>> (21)