الرسول الاعظم..الأسوة الحسنة

    • الرسول الاعظم..الأسوة الحسنة

      كان عدله صلى الله عليه وسلم بين أزواجه،على نحو ما قلت من حبه وملاعبته وحلمه ووفائه،عدل ناشيء عن الشعور بالمسؤولية، ومن فِطرة الله تعالى له على الحق والعدل وبعثه بهما: بلغ به الحال فى عدله صلى الله عليه وسلم أنه لم يفرِّط فيه حتى فــــــى مرض موته، قالت أم المؤمنين عائشة - رضى الله عنها - : " لمَّا ثقُل النبى صلى الله عليه وسلم، واشتد به وجعه استأذن أزواجه فى أن يمرَّض فى بيتى فأذنَّ له ... " الحديث - البخاري.
      وفى رواية قالت : " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسأل فى مرضه الذى مات فيه : أين أنا غدًا ؟ يريد يوم عائشة، قالت: فأذن له أزواجه أن يكون حيث شاء ، فكان فى بيت عائشة حتى مات عندها، قالت: فمات فى اليوم الذى كان يدورعليَّ فيه فى بيتي، فقبضه الله وإن رأسه لبين نَحْرى وسَحْرى وخالط ريقه ريقى " البخاري.

      العدل والمقدرة
      ومع ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من كمال العدل بين نسائه فى كل ما يقدرعليه مما هو"فى يده" فإنه مع ذلك كان يعتذر إلى الله تعالى فيما لا يقدر عليه مما هو)خارج عن نطاق التكليف، كما قالت السيدة عائشة - رضى الله عنها - : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم فيعدل ويقول : " اللَّهم هذا قسمى فيما أملك، فلا تلمنى فيما تملك ولا أملك" ( أبو داود ) وهو يعنى بذلك القلب كما فسَّره به أبو داود، وقيل: يعنى الحب والمودة، كما فسره الترمذي، والمعني: أن القسمة الحسِّية قد كان صلى الله عليه وسلم يوفِّى بها على الوجه الأكمل لأنها بيده، لكن القلب بيد الله، وقد جعل فيه حب عائشة أكثر من غيرها، وذلك خارج عن قدرته وإرادته.
      ومع ذلك فهو يضرع إلى الله أن لا يلومه على ما ليس بيده، مع أن الأمر القلبى لا يجب العدل فيه، وإنما العدل فى المبيت والنفقة، ولكن هذا من باب قول الله تعالــــــــــي:(والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون )المؤمنون :60 .مما يدل على أن أمر العدل بين الزوجات خطير كما بينه صلى الله عليه وسلم فى حديث آخر حيث قال : " من كانت له امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشــِقه ساقط" . وفى رواية ( مائل ) أبو داود وغيره.

      وللحديث بقيه
    • اسوة حسنة
      وفى عشرة رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه أسوة للمؤمنين، وعليهم معرفتها والتأسى بها لقول الله تعالى : ( لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا ) ( الأحزاب : 21 ) لأن فعله صلى الله عليه وسلم كقوله وتقريره ، تشريع لأمته، وهدى لهم، يجب عليهم الاقتداء به ما لم يكن الفعل خاصاً به.
      حثه صلى الله عليه وسلم الرجال على حسن معاشرة أزواجهم :ومع ذلك فقد دل النبى صلى الله عليه وسلم أمته إلى ما تنبغى أن تكون عليه العشرة الزوجية بقوله، كما دلهم على ذلك بفعله، والثابت عنه صلى الله عليه وسلم فى هذا الباب أحاديث كثيرة أقتطف منها ما يأتى من ذلك:
      1- ما أخرجه الشيخان من حديث أبى هريرة - رضى الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " استوصوا بالنساء خيرًا فإن المرأة خلقت من ضِلَع، وإن أعوج ما فى الضِّلَع أعلاه ، فإذا ذهبت تُقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيراً " .
      فانظر كيف جمع النبى صلى الله عليه وسلم بين الوصية بهنَّ وبيان حقيقتهن، ليكون ذلك أدعى إلى قبول وصيته، لأنه إذا كان طبعها العوج، فإن من الواجب على الرجل أن يصبر عليها ولا يؤمل أن تكون مستقيمة على الصراط، فإنها تصير إلى ما جُبِلت عليه ولا بد ، ولذلك كان طلب استقامتهن على النحو الأعدل مثار تعجب الشعراء حتى قال بعضهم:
      هى الضِّلَعُ العوجاء لست تُقيمها ألا إنَّ تقويم الضُّلوع انكسارُها
      وقال آخر فيما هو أعم منه:
      ومكلِّف الأشياء غير طباعهـا متَطَلِّب فى الماء جَذوة نــار
      2- وما زال النبى صلى الله عليه وسلم يكرر هذه الوصية كلما حانت الفرصة، ففى خطبة حجة الوداع أفرد لها جانبًا كبيرًا من خُطبته العظيمة حيث قال صلى الله عليه وسلم " ألا واستوصوا بالنساء خيرًا ، فإنهن عوانُ عندكم، ليس تملكون شيئاً غير ذلك، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ، فإن فعلن ذلك فاهجروهن فى المضاجع، واضربوهن ضرباً غير مبرِّح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً، ألا وإن لكم على نسائكم حقاً، ولنسائكم عليكم حقاً، فأما حقُّكم على نسائكم فلا يوطئن فُرُشكم من تكرهون، ولا يأذنَّ فى بيوتكم لمن تكرهون، ألا وإن حقَّهن عليكم أن تحسنوا إليهن فى كسوتهن وطعامهن. مسلم.
    • خيركم خيركم لأهله
      وإنما كان النبى صلى الله عليه وسلم يكرر وصيته بالنساء، لما يعلمه من حالهن الذى بينه فى الحديث السابق ، وهو الحال الذى قد لا يقدر على تحمُّله بعض الرجال الذين لا يملكون أنفسهم عند الغضب فيحمله عوج المرأة إلى أن يفارقها فيتفرَّق شمله، وتَتَشتَّتُ أسرته وأهله.
      ولذا أرشد النبى صلى الله عليه وسلم الأزواج فى حديث آخر إلى ما فيه صلاح حاله مع أسرته بقوله:
      لا يفرك - أى : لا يبغض - مؤمن مؤمنة، إن كره منها خُلُقاً رضى منها آخر " مسلم.
      وقال لهم أيضاً:" إن من أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خُلقاً وألطفهم بأهله " الترمذى وغيره.
      وقال : " خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلى " .
      وقال " كل شيء ليس من ذكر الله عز وجل فهو لهو، أو سهو، إلا أربع خصال: مشى الرجل بين الغَرضين، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، وتعليم السباحة " النسائى .إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة المعلومة الحاثة على انتهاج الأخلاق الحميدة مع الأهل والعشيرة.
      والنبى صلى الله عليه وسلم فى عشرته مع اسرته لم يستغن عن اسلوب التأديب إذا اقتضى الأمر ذلك ليكون أسوة لأمته فى التربية والتأديب.
      فإنه عليه الصلاة والسلام لما سأله نساؤه النفقة الخارجة عن حده، وأردن التوسع فى الدنيا ولذَّاتها، خلاف ما اختاره لنفسه منها، هجرهُنَّ وآلى من الدخول عليهن شهراً، حتى أنزل الله تعالى عليه:( يأيها النبى قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن واسرحكن سراحا جميلا *وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الاخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجراً عظيما) (الأحزاب :28 - 29)، فخيَّرهن النبى صلى الله عليه وسلم فى البقاء معه على الكفاف، أوالمفارقة فاخترن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم كما تقدمت الإشارة إلى ذلك من حديث أنس وأم سلمة وابن عباس فى الصحيحين وغيرهما.
      وهكذا كان عليه الصلاة والسلام إذا جد الجد فى معاملته لهن، بأن أخطأن خطأ لا يمكن التغاضى عنه، وذلك بأن كان دينياً، فإنه لا تأخذه فى الإنكارعليهن وزجرهن فى الله لومة لائم ، بحسب مقام كل قضية مما هو معلوم ولا يخفى أمره.
      وهذا مما يدل على تكافؤ أخلاقه صلى الله عليه وسلم وتوازنها، حيث يضع كل أمر فى نصابه ومحله اللائق الذى لا ينبغى غيره.