إلى متــــى نلــهـــو

    • إلى متــــى نلــهـــو

      *** المـلاهــي ***


      الحياة قائمة على ساق الجد والعمل..
      من يعمل يغنم، ومن يهمل يغرم..
      كل الدواب والطير تعرف أهمية الجد والسعي والعمل، فتمضي وقتها كله: إما في الاستعداد للعمل، أو في الشروع فيه، ووقت لهوها هو وقت عملها، فهي لا تلهو من أجل اللهو، بل من أجل ترويض نفسها على أسباب الحياة...
      وعلى هذا القانون سارت، وبها عاشت ما قدر الله لها..
      وإذا كانت تلك المخلوقات، غير المكلفة شرعا بالأوامر والنواهي، ترتب حياتها على أساس العمل والجد، فالإنسان الذي قد خلقه الله لعبادته وعمارة الأرض، بما فيه تحقيق العبادة لله، هو أولى وأحرى أن يقيم حياته على ذلك الأساس:
      - فهو مخلوق لغاية سامية، لأجلها كتب له البقاء في الدار الآخرة، بخلاف البهائم فإنها فانية..
      - وهو موعود بالثواب والأجر على قدر تحقيقه لتلك الغاية، وقد جعلت له الدنيا مزرعة حصادها في الآخرة..
      فالحكمة تقتضي بأن يكون الإنسان أكثر المخلوقات سعيا وجدا وعملا..
      لكن الذي يحدث العكس..؟؟؟؟..!!!!!!!......
      إذ يصبح الإنسان أكثرها لعبا ولهوا، واتخاذا للترفيه والملاهي، فتصبح الدواب أكثر حكمة منه: حين يكون الأصل في حياتها العمل والجد..
      ومن هنا قال رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم:
      (كل لهو باطل، ليس من اللهو محمود إلا ثلاثة: تأديب الرجل فرسه، وملاعبته أهله، ورميه بقوسه ونبله، فإنهن من الحق) رواه أبو داود في الجهاد، باب في الرمي..

      وفي رواية: (كل شيء ليس من ذكر الله لهو ولعب، إلا أن يكون أربعة: ملاعبة الرجل امرأته، وتأديب الرجل فرسه، ومشي الرجل بين الغرضين، وتعليم الرجل السباحة) رواه النسائي في عشرة النساء، صحيح الجامع رقم 4534..
      هذه هي ملاهي المسلم الذي عرف حقيقة الدنيا والآخرة وما لأجله خلق، إذا لهى فإنما يلهو بما فيه ترويح نفسه مع النفع في دنياه وأخراه:
      - فملاعبة الرجل أهله بث للود والرحمة بينهما، ودعم لاستقرار البيت، وتحصيل للولد..
      - والرمي بالقوس والنبل وتدريب الفرس وتعلم السباحة تدريب على القوة ومقارعة الأعداء..
      وكل لهو في معنى هذه الملاهي فهو مما يمدح في الشرع..
      وكل لهو لا يحقق فائدة دنيوية أو أخروية فهو باطل، ضرره أكبر من نفعه، والشارع ينهى عن كل ما عم ضرره وقله نفعه..
      ومن ذلك نعلم أن كثيرا مما اتخذه الناس من الملاهي خارج عن حد اللهو الشرعي المحمود، ومن ثم فهو باطل، ضرره أكبر من نفعه، مثل الملاهي العامة التي عم ضررها وعظم خطرها، بما فيها من:
      - اختلاط...
      - وإظهار للعورات..
      - وإهدار للأموال في غير فائدة..
      والتي أنشأت خصيصا لقتل الوقت باسم الترويح، فكل هذه الملاهي إن سلمت من الضرر في ذاتها، فهي غير سالمة من ذلك في آثارها، فمن أضرارها:
      1- أنها تصد عن ذكر الله، فالتجربة تؤكد أن هذه الملاهي تصد عن ذكر الله، وعن الصلاة، وعن أداء الواجبات الشرعية، فإن الإنسان إذا اعتادها وأحبها ثقلت عليه الطاعة إذا تعارضت معها، والذاهبون إلى الملاهي كثيرا ما يضيعون الصلوات، وإن أدوها أدوها بقلوب مشغولة بتحصيل الملاهي.
      2- أنها هدر للمال فيما لا ينفع، فأي فائدة تعود على مرتادي الملاهي؟.
      3- أن الملاهي العامة مجال خصب لشيوع المنكرات، كالحفلات الغنائية والموسيقى ونحوها، وكالاختلاط بين الجنسين، وهذا الاختلاط بحد ذاته محرم، وفيه من المخاطر ما هو معلوم، ولو لم يكن في هذه الملاهي بلية إلا هذه لأجلها يجب التحذير منها لكان ذلك كافيا.
      4- أن هذه الملاهي تنتكس بالإنسان حيث ينقلب القانون الذي يجب أن يعيش عليه، فبدل أن تكون حياته قائمة على الجد والعمل إذا به يقيمها على اللهو والعبث، وبدل أن يكون الأصل هو العمل، يصبح الأصل هو اللعب، وبدل أن يجد ويعمل ليحقق مراد الله منه، من عمارة الأرض وعبادة الله تعالى، يصبح عمله وجده وسعيه من أجل جمع المال لأجل الملاهي، فهو يتعب نفسه ليل نهار لا لشيء إلا ليفرق ما جمع في الترفيه والمباهج...
      ----
      نحن لا نحرم شيئا لم يحرمه الله تعالى، لكن الأمر الذي لا يختلف فيه اثنان:
      ((..أن قانون الدنيا يوجب العمل الدائم، والأمة التي لا تتخذ من.. "العمل الدائم".. شعارا لها، أمة لا تجد مكانا لها ببين الأمم القوية المتقدمة...)).
      إن الأمم المتقدمة ما تقدمت إلا لأن أبناءها عملوا وجدوا لأجل العمل والإتقان، والأمم النامية تحتاج إلى رفع شعار:
      " العمل الدائم من أجل التقدم"...
      حتى تتقدم وتنافس تلك الأمم، وإلا بقيت مكانها............
      لكن العجيب أن هذه الأمم بالرغم من تأخرها إلا أنها أكثر الأمم اتخاذا للملاهي، وكان يفترض أن تتدارك انحطاطها بالعمل والجد وترك اللهو، لكن الذي حدث عكس ذلك؟؟؟!!!!....
      قبيح بالفقير أن يستعلي، لأنه بذلك يلبس لباسا غير لباسه:
      فالغرب يلهو وعنده المبرر لذلك، حيث بلغ الغاية في التقدم والقوة...
      أما الشرق العربي المسلم فلا يزال متأخرا في ميادين كثيرة، فكان الواجب عليه أن يسعى في الجد والتحصيل ويترك عبادة الملاهي حتى يحقق التقدم والحياة الكريمة لأفراده، لكنه صار يتخذ الملاهي ويجعلها هاجسه الأول....؟؟؟؟؟؟!!!!!!....
      فالشباب لا هم لهم إلا الكرة..!!!..
      والفتيات لا هم لهن إلا الأفلام والأزياء..!!!..
      والكبار لا هم لهم إلا الشطرنج والنرد والورق...!!!!..
      والمجتمع لا هم له إلا المهرجانات والملاهي العامة...!!!..
      والتجار لا هم لهم إلا توفير تلك الملاهي بشتى أنواعها، دون اعتبار لمحظور أو مكروه في الشرع...!!!..
      وتصرف لها الأموال الطائلة والدعايات الكثيرة، مما يضطر الناس جميعا إلى مجاراتها والعناية بها، فيحكم على من لم يعتن بها بالشذوذ ومخالفة قانون المجتمع؟؟!!!!..
      من المؤلم أن تكون القاعدة في أمة لا تملك أسباب القوة والتقدم اتخاذ الملاهي واختراع الطرق العابثة لتفريغ الجهد والطاقات الناهضة والطموحة...
      إن الشباب مرحلة هامة ذات طاقة هائلة تحتاج إلى توجيه وعناية بما يعود بالنفع عليهم وعلى غيرهم، فمن الخطأ توجيه طاقتهم، ذكورا وإناثا، إلى الملاهي بشتى أنواعها، وإلى الرياضة، التي صارت نوعا لا يتجزأ من الملاهي..
      ومن الخطأ أن ينخرط المجتمع بأسره بكافة فئاته في الملاهي، وأن يصبح همه الأول في الإجازات وأوقات الفراغ: هدر الوقت والمال، فيما لا يعود بالنفع الحقيقي عليه.....
      ولو أن تلك الأموال الطائلة التي تصرف في الملاهي، سواء كان من منشئيها من التجار أو من مرتاديها من الناس صرفت:
      - في توظيف العاطلين..
      - وفي رفع الكفاءة العلمية والعملية لدى الأفراد..
      - وفي إجراء البحوث التي تمس حاجة المجتمع الحقيقية..
      - وفي إطعام الفقراء وسد خلتهم..
      - وسد كافة أوجه الخلل الذي يعاني منه المجتمع لكان أحرى وأجدى..
      ------
      لقد كان من أهداف الصليبية والصهيونية إغراق المجتمعات الإسلامية بالذات في اللهو حتى تضمن تخلفها وتضمن بذلك السيطرة عليها في مقدراتها، يقول البروتوكول الثالث عشر:
      " ولكي نبعد الجماهير من الأمم غير اليهودية عن أن تكشف بأنفسها عن أي خطة عمل جديد لنا، سنلهيها بأنواع شتى من الملاهي والألعاب"..
      وبالفعل أغرقت هذه الأمم في تلك الملاهي، حتى صرت ترى الأمة الفقيرة التي لا تملك شيئا من أسباب الغنى والقوة تملك كل أنواع الملاهي المناسبة لكافة فئاتها.. ؟؟!!!!...
      هزمت اليابان في الحرب العالمية الثانية ووقعت في أسر الغرب، لكنها لم تستسلم، بل علمت شعبها الجد والعمل، فما زالت تعمل حتى هزمت الغرب في ميادين العلم والاقتصاد، فصارت شبحا ضخما يخيف الأعداء، لكن كثيرا من الدول الإسلامية لم تستفد من تلك التجربة، لكونها لم تأخذ بمبدأ العمل لأجل التقدم، بل العمل لأجل الترويح واتخاذ الملاهي.. ؟!!..
      ----
      هذه الدنيا ميدان فسيح لمعركة لا تنتهي إلا بانتهائها، والغالب فيها صاحب القوة، وصاحب القوة والكلمة اليوم هو صاحب الاقتصاد والعمل، وليس صوابا أن نظن أن حياة اللهو واللعب ترقى بنا إلى القمم، لذا:
      - يجب أن يحاصر مد الملاهي..
      ـ وأن يعلم الناس أن الجد والعمل خير من تضييع الوقت فيما لا ينفع..
      - وأن اللهو المباح هو ما كان مع ترويحه يعين على خير أو يفتح بابا إلى الخير..
      ونحن نوصي كل ولي أمر:
      - أن يعلم أهله وأبناءه أهمية العمل والجد..
      - وكيفية استغلال أوقات الفراغ..
      - وأن يبغض إليهم تضييع الوقت فيما لاينفع…
      إن نظرتنا لملء أوقات الفراغ لابد أن تختلف عن نظرة الكافر:
      فلسنا مثله، وليس هو مثلنا...
      نحن المسلمون لنا أهداف ومبادئ ليست لهم، هم يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور، فغاية متاعهم في الدنيا، وليس لهم هدف إلا المتع كالبهائم تماما، بل هي خير منهم..
      أما المسلم فهو مأمور بأن يخرجهم من ظلماتهم إلى نور الإيمان بدعوتهم إلى الإسلام، وذلك يقضي بمهام شاقة وكبيرة لايجد معها وقتا للهو والمتع، إنه يشعر بعظم المهمة حيث جعله الله من أمة وسط شاهدة على الناس وأمره بهداية الضالين:
      وكم هم الضالون؟..
      إنهم يملؤون الأرض، وكلهم يحتاج إلى من يعلمهم ويهديهم..
      فكيف له ذلك إذا كان غاية همه هو اللهو واللعب؟..
      إنه يظلم نفسه ويظلمهم حين يحرمهم مما هو عليه من الهداية حين ينتكس فيصبح هو وهم سواء في الأهداف والغايات، فلا بد على المسلم أن يعي حقيقة دوره في هذه الحياة:
      - { وما أرسلنا إلا رحمة للعالمين }..
      - { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله }..
      ومن الأمر بالمعروف الدعوة إلى الإسلام، ومن النهي عن المنكر النهي عن الكفر، وهو أعظم أمور هذه الشعيرة.
      كان أهل الجد يقولون:
      " الواجبات أكثر من الأوقات"..
      وصدقوا في ذلك، فمن تأمل حقيقة هذه الحياة وجد واجباتها أكثر من وقتها:
      - فهناك العبادات التي يجب القيام بها..
      - وهناك قضاء الحوائج والإحسان إلى الآخرين..
      - وهناك تعلم العلم وتعليمه، هناك السعي والعمل..
      - وهناك إعداد العدة لإرهاب العدو..
      - وهناك تربية الأبناء..
      - وهناك الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر..
      وكل واحدة من هذه الأمور كافية في استهلاك وقت الإنسان وملئه، فكيف إذا اجتمعت؟..
      لذا فإن الشاكي من كثرة أوقات فراغه لم يصل بعد إلى المعرفة الحقيقية، ولم يلامس حقيقة الدنيا، بل لم يدر بعد لماذا خلق؟..
      ومثل هذا يجب عليه أن يعيد النظر في حاله وأهدافه، وإلا نالته الحسرة يوم الحسرة، حين يقضى الأمر وهو في غفلة عما يراد منه.
      في الختام:
      ........إلى متــــى نلــهـــو......؟؟!!!....
    • شكرا الخميسي على هذه الكلمات التي وضعت المقصل على المفصل

      وحقا إلى متى نلهو ؟؟؟

      ولن تجد أخي جوابا ...


      لأن اللهو مع الكثيرين ـ إلا من رحم الله ـ إلى أن يحمل على نعشه ويدخل في قبره

      فاللهم لطفك يا الله