
النظرة التحليلية للحسد

ما هي هذه الحالة النفسية التي تجتاح الحسود حينما يرى النعمة على أخيه أو صديقه فلا يقر له قرار حتى تزول عنه نهائياً؟ وكيف تتشكل هذه الغيمة السوداء التي تغطي سماء القلب فتحجب عنه الرؤية فلا يرى سوى الخبث واللؤم؟ إنّ الحاسد هنا كما أنّه (عاطل) عن تلك النعمة ولا يتمتع بها، فإنّ نفسه تحدّثه بـ (تعطيل) ما لدى الغير من نعمة أو مزيّة أو موهبة.
وقد تبيّن من الأمثلة-السالفة الذكر-أنّ الحسد ينجم عن فقدان الحاسد لمزيّة أو أكثر من مزايا المحسود، وهو عوضاً عن تحصيلها أو الإقتداء بها، يعمل من أجل تحطيمها عند مَنْ يتّصف بها، ويشعر بالسرور والارتياح إذا نقضت أو زالت، وكأنّه يرى في المحسود إنساناً مزاحماً أو منافساً يعترض طريقه، فلابدّ من إزاحته عن الطريق. والمحسود-كما في كلّ الأمثلة-إنسان بريء لا يعمل عادةً على إغاظة الحاسد أو استثارة مشاعره، فلمجرد أن يفوقه في شيء ما ربّاني أو مكتسب، تراه يقع ضحيّة حسده وربّما شرّه المتمخض عن هذا الحسد، ذلك أنّ الحسد إذا تفاقم واستشرى لا يبقى في حدود الحالة النفسية التي تتميّز غيظاً وتتمنّى بخبث زوال النعمة التي يتمتع بها المحسود، بل ينطلق الحاسد ليدمّر محسوده، ولعلّ هذا هو سرّ. التعوّذ القرآني من شرّ الحاسد الذي لا يقف عند مجرد الخواطر النفسية (قل أعوذُ بربّ الفلق* من شرّ ما خلق* ومن شرّ غاسق إذا وقب* ومن شرّ النفّاثات في العُقد* ومن شرّ حاسد إذا حسد). فالحسد قد ينقلب إلى جريمة والحاسد إلى مجرم، والمحسود-في الغالب-بريء لا دخل له فيما تُحدّث به نفسُ الحسود، وإلاّ فما ذنب (هابيل) إذا كان الله قد تقبّل قربانه ولم يتقبّل قربان أخيه، هل هو الذي طلب من الله ذلك؟ هل كان يتمنّى أن يُقبل قربانهُ ويرفض قربانُ أخيه؟ هل استثار أو استفزّ أخاه بعدما رفض الله قربانه، بأن عيّره أو سخر منه أو انتقص من قدره؟ لم يحصل من ذلك شيء، فلماذا إذن أقدم قابيل على قتله؟ للجواب على ذلك لابدّ من تتبّع حالة الحسد ابتداءً من نشوئها كخاطر يجول في النفس، فالحسد حالة شيطانية تسير ضمن خطوات متلاحقة، وعلى النحو التالي: خاطر الشعور بالحسد والانقباض لما يمتلكه الآخر ر حالة من الكُره أو عدم الارتياح النفسي له والكذب والافتراء عليه واغتيابه والتقليل من شأنه والطعن بايجابياته والكيد والمكر والتآمر. فالحسد قد يتحرّك كحالة نفسية تدفع إلى تمنّي زوال النعمة ممّن أنعم الله عليه ونال حظاً أوفر من متع ومقامات الدنيا، وقد لا يريد الحاسد انتقالها إليه، وهذه الحالة مرضية ينبغي على مَنْ يصاب بها أن لا يتركها دون علاج وإلاّ تحوّل (الحسد) إلى (حقد) أعمى. من ذلك نخلص إلى أنّ للحسد حالتين: داخلية تعتمل في النفس فتكدّر صفو الحسود وتؤرّق ليله ولكنّه يحبسها ولا يتركها تندفع إلى الخارج. وأخرى خارجية تطفوا على السطح، تعبّر عن نفسها بمظاهر عديدة أشدّها وأخطرها ليس تمنّي زوال نعمة الآخر بل زواله هو من الوجود، كما فعل (قابيل) وذلك لكي لا يشكّل المحسود حالة تذكيرية أو استفزازية دائمة للحاسد. وعلى ضوء هذه النظرة التحليلية للحسد، يمكن القول إنّ الحسد يتناقض-إلى أقصى حدّ-مع الإيمان، لأ نّه إساءة ظنّ بالله وبعدالته وحكمته، ثمّ أنّ المؤمن-كما يُفترض فيه-لا يبغي ولا يستبطن الشرّ ولا يريد السوء بإخوانه وأصدقائه وغيرهم ممّن أنعم الله عليهم، ولذلك اعتبر
منقول

ما هي هذه الحالة النفسية التي تجتاح الحسود حينما يرى النعمة على أخيه أو صديقه فلا يقر له قرار حتى تزول عنه نهائياً؟ وكيف تتشكل هذه الغيمة السوداء التي تغطي سماء القلب فتحجب عنه الرؤية فلا يرى سوى الخبث واللؤم؟ إنّ الحاسد هنا كما أنّه (عاطل) عن تلك النعمة ولا يتمتع بها، فإنّ نفسه تحدّثه بـ (تعطيل) ما لدى الغير من نعمة أو مزيّة أو موهبة.
وقد تبيّن من الأمثلة-السالفة الذكر-أنّ الحسد ينجم عن فقدان الحاسد لمزيّة أو أكثر من مزايا المحسود، وهو عوضاً عن تحصيلها أو الإقتداء بها، يعمل من أجل تحطيمها عند مَنْ يتّصف بها، ويشعر بالسرور والارتياح إذا نقضت أو زالت، وكأنّه يرى في المحسود إنساناً مزاحماً أو منافساً يعترض طريقه، فلابدّ من إزاحته عن الطريق. والمحسود-كما في كلّ الأمثلة-إنسان بريء لا يعمل عادةً على إغاظة الحاسد أو استثارة مشاعره، فلمجرد أن يفوقه في شيء ما ربّاني أو مكتسب، تراه يقع ضحيّة حسده وربّما شرّه المتمخض عن هذا الحسد، ذلك أنّ الحسد إذا تفاقم واستشرى لا يبقى في حدود الحالة النفسية التي تتميّز غيظاً وتتمنّى بخبث زوال النعمة التي يتمتع بها المحسود، بل ينطلق الحاسد ليدمّر محسوده، ولعلّ هذا هو سرّ. التعوّذ القرآني من شرّ الحاسد الذي لا يقف عند مجرد الخواطر النفسية (قل أعوذُ بربّ الفلق* من شرّ ما خلق* ومن شرّ غاسق إذا وقب* ومن شرّ النفّاثات في العُقد* ومن شرّ حاسد إذا حسد). فالحسد قد ينقلب إلى جريمة والحاسد إلى مجرم، والمحسود-في الغالب-بريء لا دخل له فيما تُحدّث به نفسُ الحسود، وإلاّ فما ذنب (هابيل) إذا كان الله قد تقبّل قربانه ولم يتقبّل قربان أخيه، هل هو الذي طلب من الله ذلك؟ هل كان يتمنّى أن يُقبل قربانهُ ويرفض قربانُ أخيه؟ هل استثار أو استفزّ أخاه بعدما رفض الله قربانه، بأن عيّره أو سخر منه أو انتقص من قدره؟ لم يحصل من ذلك شيء، فلماذا إذن أقدم قابيل على قتله؟ للجواب على ذلك لابدّ من تتبّع حالة الحسد ابتداءً من نشوئها كخاطر يجول في النفس، فالحسد حالة شيطانية تسير ضمن خطوات متلاحقة، وعلى النحو التالي: خاطر الشعور بالحسد والانقباض لما يمتلكه الآخر ر حالة من الكُره أو عدم الارتياح النفسي له والكذب والافتراء عليه واغتيابه والتقليل من شأنه والطعن بايجابياته والكيد والمكر والتآمر. فالحسد قد يتحرّك كحالة نفسية تدفع إلى تمنّي زوال النعمة ممّن أنعم الله عليه ونال حظاً أوفر من متع ومقامات الدنيا، وقد لا يريد الحاسد انتقالها إليه، وهذه الحالة مرضية ينبغي على مَنْ يصاب بها أن لا يتركها دون علاج وإلاّ تحوّل (الحسد) إلى (حقد) أعمى. من ذلك نخلص إلى أنّ للحسد حالتين: داخلية تعتمل في النفس فتكدّر صفو الحسود وتؤرّق ليله ولكنّه يحبسها ولا يتركها تندفع إلى الخارج. وأخرى خارجية تطفوا على السطح، تعبّر عن نفسها بمظاهر عديدة أشدّها وأخطرها ليس تمنّي زوال نعمة الآخر بل زواله هو من الوجود، كما فعل (قابيل) وذلك لكي لا يشكّل المحسود حالة تذكيرية أو استفزازية دائمة للحاسد. وعلى ضوء هذه النظرة التحليلية للحسد، يمكن القول إنّ الحسد يتناقض-إلى أقصى حدّ-مع الإيمان، لأ نّه إساءة ظنّ بالله وبعدالته وحكمته، ثمّ أنّ المؤمن-كما يُفترض فيه-لا يبغي ولا يستبطن الشرّ ولا يريد السوء بإخوانه وأصدقائه وغيرهم ممّن أنعم الله عليهم، ولذلك اعتبر
ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ
منقول