كيف تكونت القيم ؟ !

    • كيف تكونت القيم ؟ !

      يقول علماء النفس أن الإنسان حيوان اجتماعي بطبعه .. أي لا يمكنه العيش بعيدا عن الجمتع الإنساني ، وهذه حقيقة ، فإن الإنسان منذ ولادته مرتهن لفرصة أن يحيا ويعيش في هذا العالم بأم تتكفل باحتضانه و بإرضاعه وتوفير كافة أدوات رعايته .. فمن لحظة قدومه مأسور أو مدان لـ ( العاطفة ) والتي قلنا أنها دعامة توازن للحياة وإلا انهارت ... فالعلاقات الإنسانية الاجتماعية يحكم سياجها نسيج من العلائق المتطورة من الغرائز الفطرية البدائية إلى العلاقة الإنسانية المادية ... ويشكل الأفق ( العاطفي ـ الاجتماعي ) أهميته البالغة لا عتبار أنه مسرح الحياة الذي يجول فيه الإنسان ، و الميدان الذي يفعل الإنسان وجوده به من خلال علاقته بالآخرين .. وفي الحقيقة فإن الإنسان لا يلمس وجوده بل لا يحسه في غياب أو تغييب العلاقة بالآخرين ، لأن إدراك الإنسان لنفسه وتحسسه لوجودها لا يتم إلا من خلال إدراك الفوارق والمفارقات والمقارنة والتحجيم مع الأخر ، فإذا فقد الآخر فقد الوسائل التي تشعره بوجوده !! فالأخر هو انعكاس أبعاد الأنا ! والعلاقة لا تكتفي بربط مادي ، بل يجب أن يصاحبها ربط وهمي أو روحي أيضا ، فهي مرتبطة بالمعني الذي يلقي بظلاله علي .. فالأم قد تقوم بدور الزوجة لابنها ، وما الذي يمنع في ذلك إذا كانت العلاقة مادية فقط ؟! وقد تتم المناكحة بين البشر بعفوية ومن غير أن يفرد لها المجتمع مظاهر شكلية وتقاليد إذا كانت العلاقة مادية فقط ، وهي قضاء الوطر .. ما المانع في ذلك ؟ لكنه يفرق كثيرا حينما أضيف المعنى إلى هذه العلاقة ... فمن خلال المعنى تتداعى تنظيمات العلاقة بمفرداتها (الواجب والجائر والمفروض والممكن .. وهكذا) ... وفي غياب المعنى ، تجوز أمة قتل بعض أفرادها والتخلص من عبئهم ، فيما لو واجهت كارثة مجاعة مثلا .. لأن العلاقة مادية صرفة .. وتجيز قتل المسنين فيما لو أصبحوا عالة عليهم ، لأن العلاقة بهم مادية ... وهكذا نرى أن العلاقة في ظل المادية البحتة تحمل في مضامينها شرور وانتحار للجنس البشري .. . ولذلك وجب أن تقوم العلاقة الإنسانية ليس على قوانين مادية لما ذكرنا أنها تورط في إبادة بشرية .. ولا على قوانين اجتماعية فقط ، بل على قيم مجتمعية ... فالقانون الاجتماعي مثلا ، قد يتدخل في تقنين مصلحة بين طرفين كالبائع والمشتري ، لكن قانون القيم يعمل على حماية الطرفين من الغش والتدليس والاحتكار وخلافه ... فإذا كان القانون يقيم العدل والمساواة ..( يحفظ الحقوق ) فإن القانون القيمي هو الذي يجعل من حفظ الحقوق إحساس النفس بالانتصار والبهجة وهو ما يعزز ثباتها عليه ... وهذا لا يتم إلا من خلال عقيدة تربط السلوك بالجزاءات .... وهذه هي النقطة التي حرن عندها الفيلسوف ( كانط ) عندما تفتقت عبقريته عن أننا يجب أن نتمسك بالأخلاق لأنه واجب ! فقد خشي أن يتهم بأنه رجل متدين ، لأن الفيلسوف المتدين لا تقبل فلسفته باعتباره ينطلق من تصورات وأحكام قبلية .... ومن المعروف أن القيمة الاجتماعية هي في تموضعها خارج الإطار الديني ، هي تصنيف اجتماعي ، حيث المجتمع البدوي أو البدائي يصنف شيخ القبيلة على رأس الهرم لما يمتلك من صفات الرئاسة أو السؤدد ، والفارس لما بذله من جهد في الدفاع عن القبيلة ، ومثل ذلك النبلاء ، ففي الأساس كانت القيم مرتبطة بسحر الكلمة وإقناعها وقوتها في إدناء الآخر ، ثم ربطت القيمة إضافة إلى قوة الكلمة بالمصالح التي يجلبها الإنسان لمجتمعه ( المادة ) ثم اتحدت المصلحة بالأخلاق ...( وهذه فرضيات أو مبحث نظري ليس إلا .) ثم خيم المعنى وألقى بظلاله على المجتمعات نتيجة للتطور الفكري وإرهاصاته وتراكم الخبرات ، جلب معه قيم أكثر تنافسية ورقيا ، وتعددت في مظاهر وصفات الكرم والشجاعة والعفاف والتضحية وهكذا .. ولأن الفكر الإنساني في صيرورة مستمرة ، فإن هذه القيم راوحت ، وتبدلت وانتزع منها .... ولأنها تسير وفق جهد بشري للتجارب والصح والخطأ ، فإن النتيجة الطبيعية هي أن لا تكتسب الثبات ولا الميزان الواضح ، فقد تنقلت هذه القيم وتحورت حتى صارت في عهدنا هذا ـ بفوارق بسيطة بين المجمعات ـ أكثر ارتباطا بالمادة ... وإن كان لم يزل في الحس والوجدان العام أن الأخلاق هي التي يجب أن تتسنم علو المرتبة وذلك بفعل القوة الفطرية المغروسة في النفس ... ومن دلائل ذلك أن تتخذ بعض الدول الباغية ذرائع ومبررات لتبرر عدوانها ليبدو أخلاقيا ، كأن تقول أنها تكافح الإرهاب أو تخشى من أسلحة الدمار الشامل أو تتهم دولة أخرى بإبادة جماعية وهذه المبررات في الحقيقة تصدر كردة فعل لا شعورية ـ جراء عقدة الذنب أو العيب أو النقص ، نتيجة لتناقض فعلها بما هو مستقر في الوجدان أو الحس العام ..... هذه التصرفات لا تخفى على علماء النفس السلوكي ، فالذي يختل توازنه حتى وإن كان في صحراء خالية فإنه سرعان ما يلتفت حوله خوفا من عين الرقيب ! وهي تصرفات معهودة من ( البلطجي ) الذي يجرح نفسه بسكينه هو حتى يثبت للضابط أنه هو الضحية وليس المعتدي ! أليس هذا مشابها لحادث الاعتداء على البرجين في الحادي عشر من سبتمر ؟ وممهما يكن فإن سطوة القوة المادية وحضورها الطاغي يعمل باستمرار على تقويض تلك الفطرة وتشويه معالمها فتفقد الميزان ومعه تفقد الاتزان ...
    • شكرا على الموضوع أخي الكريم....

      الإنسان مدني بطبعه ... خلاصة توصل لها عالم الإجتماع العربي ابن خلدون....

      فنحن لا يمكننا أن نعيش بمفردنا ولو كنا في قصر مشيد..

      فالحياة تحلو بالمشاركة والأخذ والعطاء...
      سبحان الله وبحمد