سؤال أهل الذكر 17 رمضان 1423 هـ ، 23/11/2002م

    تمر دردشة الساحة الخاصة بالمتصفح والموبايل بفترة صيانة دورية هذا ونعتذر للجميع على الإنقطاع المؤقت بإمكانكم المشاركة في المنتدى لحين عودتها :)

    • سؤال أهل الذكر 17 رمضان 1423 هـ ، 23/11/2002م

      (1)

      سؤال أهل الذكر
      حلقة السبت 17 من رمضان 1423 هـ ، 23/11/2002 م
      الموضوع : عام


      سؤال :
      هناك ظاهرة بدت ملاحظة في هذه الأيام وهي ظاهرة انحسار المصلين من المساجد ومحافظتهم على صلاة التراويح فحسب بينما تختفي تلك الجموع في صلاة الفجر ، نود منكم أن توجهوا نصيحة إلينا وإلى الناس جميعاً في المحافظة على العبادة في هذا الشهر الكريم إلى آخره .


      الجواب :
      بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد :
      فإن الإنسان وقد أكرمه الله سبحانه تعالى ببلوغ هذا الشهر الكريم جدير به أن يغتنم فرصته ساعة ساعة ودقيقة دقيقة وثانية ثانية ، وأن لا يفرط في شيء منه ، فإن هذا مكسب عظيم ولئن كان التاجر الذي يتاجر في الماديات لا يفرط في أي سبب من أسباب الكسب ، وإنما يحرص على الربح فكذلك من كان يتّجر للتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بالطاعات والأعمال الصالحة عندما يأتي الوقت الذي يضاعف فيه الأجر يجب عليه أن يحرص على أن يستغل جميع أجزاء ذلك الوقت وأن لا يقصر فيه ، على أن هذا الشهر الكريم آخره خير من أوله ذلك لأن آخر هذا الشهر هو مظنة ليلة القدر ، وليلة هي خير من ألف شهر ، ومعنى ذلك أن من حرص على إحيائها والأعمال الصالحة فيها والتقرب إلى الله سبحانه تعالى بضروب الطاعات في وقتها يكسب من الخير والأجر ما لا يكسبه ما لو فعل ذلك في ألف شهر ، فمن الذي يفرّط في هذا الخير العظيم ؟ ومن الذي يزهد فيه ؟ هذا ولا ريب أن المحافظة على صلاة الجماعة في جميع الأوقات هي خير كبير وفضل عظيم وواجب مقدس لأن تلبية داعي الله سبحانه وتعالى عندما يقول حي على الصلاة حي على الفلاح امتثال لأمره سبحانه عندما يقول ( وأقيموا الصلاة ) إذ الإقامة إنما هي الإتيان بالشيء كالجسد القائم المنتصب الذي لا خلل فيه ، ومعنى ذلك أن تكون إقامة الصلاة وفق ما فرض الله سبحانه وتعالى ، ومن جملة إقامة الصلاة أن تكون هذه الصلاة إن كانت صلاة فرض أن تكون في جماعة ، فلذلك كانت ملازمة الجماعة مطلباً شرعياً يجب على الإنسان أن لا يفرّط فيه ، ولئن كانت صلوات الجماعة كلها ذات فضل عظيم فإن صلاة الفجر أعظم أجراً ، وأقرب إلى نيل رضوان الله سبحانه وتعالى عندما يحافظ عليها الإنسان ، فالنبي صلى الله عليه وسلّم يقول : آية ما بيننا وبين المنافقين شهود العتمة الصبح لا يستطيعونهما . فجعل الفرق بين المؤمنين والمنافقين شهود العتمة والصبح ، بحيث إن المنافقين يشق عليهم أن يشهدوا صلاة الفجر في جماعة وأن يشهدوا صلاة العشاء في جماعة ، وكذلك شدّد النبي صلى الله عليه وسلّم في من يتخلف عن هاتين الصلاتين في الجماعة بحيث لا يؤديهما في جماعة إذ قال : لو أن أحدهم وعد بمرماتين حسنتين لشهد العتمة والصبح . هكذا فإذاً من الضرورة أن يحرص الإنسان كل الحرص على أداء الصلوات في الجماعات لا سيما صلاة العشاء وصلاة الصبح ، ولا معنى للتفريط في الصلوات المفروضة والحرص على صلاة السنة وهي صلاة القيام فإن ذلك تضييع إذ النافلة لا تستقيم إلا بالفريضة فمن ضيع الفريضة لم تكن النافلة تجديه شيئا ، وعلى أي حال آخر الشهر كما قلنا خير من أوله من حيث إنه مظنة ليلة القدر كما في حديث النبي صلى الله عليه وسلّم عندما قال : فالتمسوها في العشر الأواخر والتمسوها في كل وتر . ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلّم إذا دخلت هذه العشر أي العشر الأواخر شد مئزره وأحيى ليله وأيقظ أهله ، ومعنى كونه يشد مئزره أنه يشمر عن ساعد الجد ويجتهد في العبادة ، ومعنى كونه يحي ليله أنه يواصل القيام في جميع الليل بخلاف حاله في بقية الشهر وفي سائر ألأوقات فإنه يقوم وينام أما في العشر الأواخر فإنه كان يواصل جميع الليل اجتهاداً منه صلى الله عليه وسلّم وحرصاً منه على بلوغ الفضل العظيم الذي جعله الله سبحانه وتعالى لمن أحيا ليلة القدر ، ولئن كان الرسول صلى الله عليه وسلّم يفعل ذلك وقد غفر لله ما تقدم من ذنبه وما تأخر شكراً لله تعالى على نعمته فكيف بالعبد الغارق في الذنوب أليس حرياً أن يحرص على تكفير هذه الذنوب بالتقرب إلى الله بقيام الليل ؟ وبالمحافظة على الواجبات في هذا الشهر وفي غيره ، والله تعالى الموفق .


      يتبع بإذن الله تعالى
    • (2)

      سؤال :
      هناك من يهون من ظاهرة رجوع المسلمين بعد قضاء رمضان الكريم إلى المنكرات والمفاسد ويؤكد بأنها ظاهرة طبيعية لا تثير القلق ويقول هذا الرجل إن هناك نصوص نبوية تدفع الناس إلى مثل هذا السلوك فالنبي صلى الله عليه وسيقول : إن لم تذنبوا لأتى الله بقوم يذنبوا ثم يتوبوا ثم يغفر الله لهم . فهل هذا الحديث وهل هذا الكلام من الصحة بمكان ؟


      الجواب :
      هذا الحديث ليس فيه تشجيع قط على إتيان المعصية ، وإنما هو دليل على أن الحق سبحانه وتعالى يقبل توبة التائبين ، هو إنما يدل على عدم يأس الإنسان المؤمن من رحمة الله ، فهو دائماً يكون متشبثاً بأذيال فضل الله سبحانه راجياً رحمته مع خشيته من عذابه .
      ليس معنى ذلك أن يكون الإنسان مطمئناً لا يخشى عذاب الله بل مهما فعل من بر ومهما فعل من إحسان عليه أن يكون خائفاً من الله وبدون الخوف من الله لا يستقيم عمل الإنسان قط ، فالله تبارك وتعالى يقول ( سيذكر من يخشى ) ، ويقول سبحانه عز وجل ( فذكر بالقرآن من يخاف وعيد ) ، ويقول تبارك وتعالى ( لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم فهم غافلون لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً فهي إلى الأذقان فهم مقمحون وجعلنا من أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب) فإذن خشية الله تبارك وتعالى لا بد منها ، كما أن الرجاء أيضاً لا بد منه ، لا بد للإنسان من أن يوازن بين الخوف والرجاء ، وليس معنى هذا أن يسترسل في المعصية فإن الإنسان يخشى الله تبارك وتعالى وهو يؤدي طاعة الله ويحرص على تجنب معصية الله كيف والله تبارك وتعالى يقول ( والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون ) أولئك يفعلون ما يفعلون من الخير ، ويدفعون ما يدفعون من الفضل ، ويقدمون ما يقدمون من الأعمال الصالحة ولكن مع ذلك قلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون ولذلك عندما سألت أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن المؤمن أيخشى الله عندما يأتي المعصية ؟ أجابها بأنه يخشى الله وهو يأتي الطاعة بدليل هذه الآية ، أسمعها هذه الآية الكريمة ( والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون ) .
      هذا ولا ريب أن صيام شهر رمضان إنما شرع من أجل التقوى كما ذكرنا فالله تبارك وتعالى يقول ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) أي للتتقوا . فالغاية من الصيام إنما هي تقوى الله ، كما أنها الغاية من أي عبادة من العبادات هذه الغاية لا تتحقق للإنسان إلا عندما يؤدي الصيام على النحو الشرعي ، ذلك لأن الصيام الشرعي إنما يعود الإنسان الانضباط في حركاته وسكناته وأعماله وخواطر نفسه وجميع تصرفاته وجميع حركات جسمه ، يعوّد الإنسان الانضباط حتى تكون هذه الحركات كلها مقيدة بقيود التقوى بقيود أمر الله سبحانه ، فالنبي صلى الله عليه وسلّم يقول كما جاء في مسند الإمام الربيع من رواية ابن عباس رضي الله عنهما يقول عليه أفضل الصلاة والسلام : ( ولا صوم إلا بالكف عن محارم الله ) ، وكذلك جاء في الصحيحين من رواية أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه . ومعنى هذا أن هذا الكلام خرج مخرج التهديد لأولئك الذين ليس لهم نصيب من صيامهم ألا أن يدعوا الطعام والشراب وهم مع ذلك يقعون في معاصي الله غير متحرجين وغير مبالين ، فالإنسان إذاً يتعود في الشهر الكريم الانضباط بحسب أوامر الله فهو يحرص على المسارعة إلى طاعة الله وإلى توقي معصيته سبحانه وتعالى بحيث يتجنب الوقوع في أي معصية من المعاصي ، وعندما ينتهي الشهر الكريم عندما يفرّط في هذه المكاسب بحيث يرتمي في حضن الشيطان الرجيم مسترسلاً في معصية الحق سبحانه ، متابعاً لهوى نفسه ، معرضاً عن التذكير الذي جاء في كتاب الله وجاء في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلّم يكون هذا شخصاً خاسرا ، وأي خسران أعظم من هذا الخسران كيف حرص على الصيام الشرعي في شهر رمضان ومع ذلك لم يحرز مكاسب هذا الصيام حتى يكون في جميع وقته في جميع عامه متقيداً بقيود الحق منضبطاً بضوابط الشرع .
      لا ريب أن الإنسان تقع منه الهفوات وتقع منه الزلات ولكن من هو المؤمن ؟ من هو التقي ؟ نحن نجد أن الله سبحانه وتعالى وعد الجنة المتقين ولم يعدها الفجار الله تبارك وتعالى يقول ( ولدار خير ولنعم دار المتقين جنات عدن ) هي دار المتقين ، ويقول ( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين ) هؤلاء المتقون من هم ؟ المتقون وصفوا بصفات هذه الصفات تجدها في كتاب الله ، فالله سبحانه وتعالى يبين أن التقوى قبل كل شيء عقيدة في النفس تسيطر على هذه النفس وتهيمن عليها ، وتتغلغل في أعماق مشاعرها ، ثم بجانب ذلك إنعكاس لهذه العقيدة في تصرفات الإنسان وأعماله حتى تكون هذه التصرفات والأعمال متجاوبة مع هذه العقيدة فنحن نرى أن الله تبارك وتعالى يقول ( هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون ) ، ويقول سبحانه عندما ذكر البر ( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ) أي الذين جمعوا بين هذه الصفات جميعاً هم الذين صدقوا وهم المتقون . كذلك يقول الله سبحانه وتعالى ( قل أأنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار ) ، ثم نجد أن الله تعالى أيضاً أيضاً (أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على فعلوا وهم يعلمون ) ، فهم وإن وقعوا في معصية يتراجعون ويتوبون إلى الله ويندمون على تلك المعصية ، كذلك يقول الله تبارك وتعالى ( إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ) ، فهؤلاء سرعان ما يدّكرون ويعودون إلى الله وينقلبون عن المعصية إلى الطاعة تاركين لتلك الهفوات التي وقعوا فيها .
      على أي حال شأن المتقي أن يكون حريصاً على أن يتراجع لا يسترسل في هواه ، لو وقع في معصية هو سرعان ما يتوب إلى الله ، لا يستلذ تلك المعصية ويستمرئها ويستمر عليها إنما يتراجع عنها ويرى أن سعادته في تركها ، أما الذي يستمرئ المعصية ولا يبالي بها فذلك هو المصر على معصية الله سبحانه وتعالى .
      هؤلاء المصرون هم أبعد ما يكونون عن رحاب المتقين ، فوقوع المعصية على أي حال من شأن الإنسان ، وليس ذلك بغريب على الإنسان لأن الإنسان جبل على النسيان وجبل على الضعف ، هو ضعيف ، وتيارات كثيرة تؤثر عليه ولكن الله من فضله فتح له باب التوبة ، وهذه التوبة إنما تكون بتراجع هذا الإنسان وندمه على ما فرط ، ولا يعني ذلك أن يستمرئ تلك المعصية ويستمر عليها فإن هذا مما يتنافى كل التنافي مع ما يتصف به المتقون ، بل ذلك مما يتنافى مع الإيمان الذي هو ركيزة التقوى وهو ركيزة النجاة فإن الله تبارك وتعالى قال في المؤمنين ( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون ) ، فهؤلاء هم المؤمنون الذين توجل قلوبهم من هيبة الله سبحانه وتعالى ومن خشيته فلا يمكن أن يستمروا على معصية الله .

      يتبع بإذن الله تعالى
    • (3)
      سؤال :
      أحد الأخوة من بريطانيا يقول أحياناً يمسك الوضوء لثلاث صلوات نظراً لشدة البرد هناك ، فهل يصح له ذلك ؟


      الجواب :
      إذا لم يحدث الإنسان وقد توضأ فإنه ولو صلى بوضوئه ذلك خمس صلوات أو أكثر من خمس صلوات لا تؤثر هذه الصلوات على وضوئه شيئاً وليس عليه أن يجدد وضوئه .


      سؤال :
      ما حكم صائم يعاني من وجود البلغم في حلقه طوال النهار ، ليس نخامة غليظة ولا ريقاً كالذي يخرج من حلق الإنسان إذا تنحنح ، وإذا حاول إخراجه كل مرة سيقع في حرج كبير إذ يكون ذلك همه طول النهار ، وماذا يلزمه إذا ابتلعه مع إمكانية أن يطرحه ؟


      الجواب :

      أولاً قبل كل شيء ينبغي أن نفرق بين حالة الشدة وحالة الرخاء ، أو بين حالة الضيق وحالة السعة ، فهذه المسألة هي مختلف فيها من أساسها ، لأن العلماء اختلفوا في ما إذا عارض الإنسان وهو في صلاته أو وهو في صيامه شيء من ذلك ، فمنهم من قال بأن كل ما نزل من الرأس أو صعد من الصدر ينقض الصلاة والصيام جميعا إذا ابتلعه أي إذا بلع شيئاً من ذلك وقد كان قادراً على إخراجه ثم بلعه متعمداً فإنه ينقض صلاته إن كان في صلاته لأن المصلي ليس له أن يتناول شيئاً مما يدخل جوفه وهذا أدخل جوفه غير الريق الطبيعي وكذلك إن كان في صيامه من غير أن يفرق بين ما نزل من الرأس أو ما صعد الصدر .
      ومنهم من قال بأن ما صعد هو الناقض بخلاف النازل من الرأس .
      ومنهم من قال بعكس ذلك أي ما نزل من الرأس هو الناقض .
      ومنهم من قال بأن ما نزل من الرأس ينقض الصلاة دون الصيام ، وما ارتفع من الصدر ينقض الصيام دون الصلاة .
      ومنهم من قال عكس هذا فهناك أقوال متعددة ، ولكن على أي حال أنا ما وجدت دليلاً من هذه الأقوال ما عدا أن الإنسان في الأصل يمنع في صيامه وللصلاة حكم الصيام أن يولج إلى جوفه شيئاً مما لا يضطر إليه ، يضطر إلى أن يولج الريق ولا يستطيع أن يتخلص منه أما لو كان الريق مشوباً بدم فإنه في هذه الحالة ليس له أن يولجه إلى جوفه ، ولو كان مشوباً أيضاً بمادة أخرى من دواء أو غير ذلك لما كان له أيضاً أن يبتلعه ، فعلى أي حال بناء على هذا نحن نرى أنه في حالة السعة ينبغي التشديد في هذا أما في حالة الضيق فإن المشقة تجلب التيسير ، ومن القواعد الفقهية عند بعض الفقهاء أن الأمر إذا ضاق اتسع وإذا اتسع ضاق ، والله تعالى أعلم .


      يتبع بإذن الله تعالى
    • (4)

      سؤال :
      يقول النبي صلى الله عليه وسلّم ( فإذا غم عليكم فاقدروا له ) ، على التسليم بهذا الحديث ألا يفسره الحديث الآخر وهو قول النبي صلى الله عليه وسلّم ( نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب ) فلو كان علم الفلك متطوراً في زمن النبي صلى الله عليه وسلّم وبهذه الدقة التي عليها اليوم أما يعوّل عليه النبي صلى الله عليه وسلّم بدلاً من الرؤية ؟


      الجواب :
      قبل كل شيء علينا أن ندرك أن الدين يسر ، ومن يسر الدين أن الله تبارك وتعالى ناطه بما هو معروف عند جميع الناس بحيث لا يكلف الإنسان عسرا ، فكما ناط الله تبارك وتعالى صلاة الظهر بزوال الشمس وزوال الشمس أمر معروف عند جميع الناس يعرفه الصغير والكبير والمرأة الرجل والشيخ والشاب والمتعلم وغيره لا فرق بين المتعلم والأمي في ذلك فكذلك أمر الصيام ، نيط الصيام برؤية الهلال لأن رؤية الهلال مما يشترك فيه الكل ، يشترك فيه الذكور والإناث والصغار والكبار والأميون والعلماء الكل مشترك في ذلك فلا فرق بين هذا وذاك بخلاف الحساب الفلكي فإن حساب الفلك إنما هو خاص بأناس ، نحن نقدر شعباً مقدار سكانه مليون شخص كم من الذين يتقنون الفلك ما بين هؤلاء ؟؟ لا ريب أنه لا يوجد إلا النزر اليسير اليسير ، بل الشاذ ما بين هذا الجمع الكبير من هو متقن لعلم الفلك ، مع أنه هذه العبادة تُعبد بها الجميع تعبد بها الصغير والكبير والغني والفقير والمتعلم والجاهل كل متعبد بعبادة الصيام ، فلذلك كان من فضل الله تعالى أن نيطت هذه العبادة بأمر معروف عند الكل بخلاف لو كان ذلك منوطاً بحساب الفلك لكان أمراً فيه عسر بالغ .
      هذا والنبي صلى الله عليه وسّلم عندما قال ( فإن غم عليكم فاقدروا ) بيّن معنى ذلك في رواية أخرى عندما قال : ( فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين ) . فإنه في هذا الحديث بيّن المراد بقوله ( فاقدروا ) ولم يبق هنالك شك في معنى ذلك ، وقول النبي صلى الله عليه وسلّم ( نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب ) إنما ذلك بالنظر إلى الجمهور إلى الدهماء والكل متعبد ، فلذلك كما قلنا نيط هذا الأمر بقضية معروفة عند الجميع .
      أما ما يشكك الناس من أجله أو أن يكون الهلال مرتفعاً أو أن يكون الهلال كذا أو كذا فهذا أيضاً أمر محسوم في السنة النبوية كما جاء رواية مسلم من طريق ابن عباس أنهم كانوا في سفر إلى مكة فلما كانوا بذات نخلة رأوا هلال ذي الحجة ، فمنهم من قال هو لليلتين ومنهم منى قال هو لثلاث يعني رأوه مرتفعاً جداً فقال بعضهم هو لليلتين وقال بعضهم هو لثلاث ، فقال ابن عباس : هو لليلة رأيتموه فإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلّم يقول : إن الله عظّمه لكم لتروه . ومعنى هذا أن النبي صلى الله عليه وسلّم بقوله هذا أراد أن يقطع دابر الشك حتى لا يدخل الناس في التخمينات التي من خلالها يكونون مغالين في أمر دينهم إذ الغلو غير محمود ، ونحن لا نشك أن هنالك دقة في الحساب الفلكي في وقتنا هذا ولكن لا ينبغي الخروج عن مقتضي السنة ، بل ينبغي الجمع بين هذا وذاك ، بين معطيات العلم الحديث وبين السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ، والجمع إنما هو بالأخذ بالحديث في الصوم برؤية الهلال والإفطار برؤية الهلال ومع الغيم يكون الإكمال كما أمر الحديث ، وفي نفس الوقت يؤخذ بالحساب الفلكي في دفع شهادة الشهود عندما يدّعون رؤية الهلال مع استحالة أن تتحقق هذه الرؤية ، فإنه مع كونه غير مولود أو ولد ولا يمكن أن يُرى لأجل أنه مع الشمس أو وراءها بالمرة وقد خفي بسبب ضوء الشمس في هذه الحالة يتعذر أن يُرى الهلال في هذه الحالة فينبغي أن يجمع بين هذا وذاك وبهذا نأخذ وعليه نعول ، والله تعالى المستعان .


      سؤال :
      هل هناك مسافة معتبرة فلكياً تفصل بين بلدة وأخرى بحيث أنها تعني اختلافاً في المطالع ؟


      الجواب :
      حقيقة الأمر نحن نرى حديث ابن عباس الذي رواه كريب رضي الله تعالى عنه يدل على أن المسافة إذا تباعدت كبعد الشام عن الحجاز يعتبر هذا التباعد ، وإن كان العلماء قد اختلفوا في ذلك اختلافاً كثيراً كما أوضحه الحافظ ابن حجر في فتح الباري ذكر اختلافاً للعلماء منهم من قال بأن الفرق إنما يكون باختلاف الأقاليم ، ومنهم من قال باختلاف أي البلدان بين بلد وآخر ، ومنهم من قال بقدر مسافة القصر ، ومنهم من قال باختلاف المناطق سهلاً وجبلا . الخلاف موجود بين العلماء ولكن على أي حال الاختلاف إنما يراعى الاختلاف الطبيعي الذي يترتب عليه الاختلاف في الرؤية فحديث كريب جاء فيه : أرسلتني أم الفضل بنت الحارث والدة عبدالله ابن عباس إلى معاوية بالشام فاستهل علي هلال رمضان وأنا بالشام فلما قضيت حاجتها ورجعت إلى المدينة ثم قال لي : متى رأيتم الهلال ؟ فقلت : رأيناه ليلة الجمعة . فقال لي : أنت رأيته ؟ فقلت : نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية . فقال : ولكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نرى الهلال . فقلت : أو ما تكتفي برؤية معاوية وصيامه ؟ فقال : لا ، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم . ومثل هذا القول عندما يصدر من الصحابي يعطى حكم الرفع ، إذ الصحابي لو قال كنا نؤمر أو كنا ننهى لكان ذلك بطبيعة يدل على أن الآمر أو الناهي إنما هو رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام فكيف وقد صرح بأن النبي صلى الله عليه وسلّم هو الذي أمر .
      وحقيقة الأمر أنا لا خبرة لي بعلم الفلك ، وهذا أمر ينبغي للإنسان أن لا يقحم فيه نفسه إلا بعد ما يكون به خبيرا ، ولذلك أقول دائماً بأن أصحاب كل اختصاص هم أولى باختصاصهم ، فالفلكيون هم أولى بأن يعتبر ما يقولون في هذا ، وكذلك في المجالات الاقتصادية وغيرها لا يبت فيها الفقهاء إلا بعدما يفهمون ما عند هؤلاء الخبراء في القضايا الاقتصادية وهكذا في القضايا الطبية لا بد من تتلاقح الأفكار بناء على تلاقح الخبرات في هذا . وعلى أي حال وجدت لبعض الفلكيين أن مسافة خمسمائة ميل تؤدي إلى التفاوت في الرؤية ، ولعل المراد بخمسمائة ميل خمسمائة ميل جوي لأن خمسمائة ميل أرضي تختلف باختلاف طبيعة الأرض من حيث التضاريس والجبال وغيرها فقد تكون خمسمائة أحياناً مسافتها قصيرة وقد تكون مسافتها ممتدة ولكن في ما أحسب بأن هذه مسافة خمسمائة ميل جوي أو خمسمائة بحري بحيث يكون السير مستوياً لا تعارج فيه ، هذه المسافة تؤدي إلى الاختلاف في رؤية الهلال حسب ما وجدت لبعض الفلكيين ، والفلكيون هم أولى بفنهم هذا ، والله تعالى أعلم .


      سؤال :
      فيمن يرى الهلال ويتشكك في رؤيته فلا يحمله ذلك على الإبلاغ وإنما يقول أنا لا أستطيع أن أتحمل هذه المسئولية ، فهل يجوز له ذلك ؟


      الجواب :
      لا ، لا ، لا ، هذه أمانة في عنقه فعندما يرى الهلال يجب عليه أن يبلغ المسؤولين حتى ينظروا في شهادته إما أن تكون مقبولة وإما أن تكون مردودة ولعل شهادته تتعزز بشهادة غيره ، الله تعالى أعلم .

      يتبع بإذن الله تعالى
    • (5)

      سؤال :
      ما حكم من وجبت عليه كفارة وهي صيام شهرين ولكنها الآن ترضع وتخشى الضرر إن صامت ولا تنتهي مدة الرضاع إلا بعد سنة ، هل يجب عليها الآن ، وإن أرادت أن تتعجل في أداء ما وجب عليها هل يجوز لها أن تطعم ستين مسكينا بدلاً من الصيام ؟


      الجواب :
      إن كانت الكفارة منوطة بالصيام فعليها أن تصوم ولو بعد حين وإنما تؤخر ذلك إلى فراغها من هذا الشاغل إلا عندما تكون غير راجية للفراغ من هذا الشاغل بحيث إنها لو خرجت من الرضاع تتوقع الحمل وتستمر هكذا أحوالها فلا تستطيع الصيام ففي هذه الحالة لها العذر أن تطعم ستين مسكينا فيما يجوز فيه الإطعام ، والله تعالى أعلم .


      سؤال :
      عن صحة حديث أن النبي صلى الله عليه وسلّم مر على حمار قد وشم في وجهه ؟


      الجواب :
      على أي حال وجدت هذه الرواية لكنني لا أعرف مدى صحتها ، والله تعالى أعلم .


      سؤال :
      هل يشترط في بيع السلم أن يكون البائع مالكاً للمبيع ، أم يجوز السلم في شيء لم أشتره بعد ؟ وما الفرق بينه وما بين بيع ما لم تملك ؟


      الجواب :
      السلم رخصة رخصّها النبي صلى الله عليه للناس من أجل حاجتهم ، ذلك لأن أحوال الناس تقتضي أن يُسلم أحد في شيء يريده ويأخذ المستلم ذلك المبلغ إلى أن يتوفر له المبيع الذي باعه للمسلم ، فالسلم إنما هو بيع غائب بحاضر . السلم ليس هو كالبيوع الأخرى إنما هو بيع مستقل بحكمه فقد هاجر النبي صلى الله عليه وسلّم إلى المدينة المنورة ووجد أهلها يسلمون في الأطعمة التي كانت تزرع عندهم فاشترط النبي صلى الله عليه وسلّم أن يكون ذلك بكيل معلوم أو وزن معلوم إلى أجل معلوم ، وأقرهم عليه أفضل الصلاة والسلام على هذا . وعلى هذا فهذا تخصيص لعموم النهي عن بيع الإنسان ما لم يملك ، والمخصصات عندما ترد على العمومات فإنه يؤخذ بالخصوص ، ويبقى العموم حكمه فيما لم يتناوله الخصوص . والخصوص يكون بالكتاب ويكون بالسنة بل ويكون بالإجماع بل ويكون بالقياس كما هو رأي كثير من العلماء .
      وقد اختلف العلماء في السلم هل هو مقيد بالحبوب وحدها دون غيرها أو أنه يترخص في كل ما يمكن أن ينضبط بضوابط ، منهم من رأى أنه خاص بالحبوب لأن ذلك هو الذي رخّص النبي صلى الله عليه وسلّم ولأنه قيد الإباحة أن تكون بوزن معلوم أو كيل معلوم ومن المعلوم أن الوزن أو الكيل إنما هما خاصان بهذه الحبوب التي يقتات بها .
      ومنهم من رأى الإباحة مطلقا . فالذين قيدوا هذه الإباحة بمورد النص وحده قالوا بأن كل ما كان خارجاً عن القياس فإنه غيره عليه لا يقاس . لا يقاس الشيء على غيره إن كان الأصل خارجاً عن القياس ، والسلم هو خارج عن القياس .
      أما الذين رأوا الترخص في هذا والتوسع فإنه رأوا أن التوسع إنما كان لأجل حاجة الناس ، ومعنى هذا أن الحاجة ينبغي أن تراعى .
      وفي زماننا هذا أصبحت الضرورة تقتضي أن يتوسع الناس في أحكام السلم فإنه قد يحتاج أحد إلى أن يستورد من بعيد ، يحتاج التاجر مثلاً إلى أن يستورد ، أو تحتاج الدولة إلى أن تستورد ، قد تحتاج إلى استيراد أسلحة أو استيراد آلات ، أو استيراد السيارات ، أو استيراد طائرات أو استيراد أي شيء فعندما يغلق هذا الباب يصبح الأمر عسيراً بخلاف ما إذا توسع فيه وقيدت ذلك بما هو معروف الآن من ضبط هذه الآلات بضوابط معروفة ، ضوابط لا يمكن أن يخرج شيء منها عنها ، هي ضوابط في منتهى الدقة ، فلذلك نحن نرى الترخص في هذا ونأخذ لن الحديث لم يمنع من الإسلام في غير الحبوب ، وهنالك على أي حال مجال للحديث في هذا ، ولكن نظراً على ضيق الوقت نقتصر على هذا ، ونسأل الله تعالى التوفيق .


      تمت الحلقة بعون الله وتوفيقه