انـــــصـح... ولا تفـــــضـــــح....؟؟؟
هناك حكمة تقول
(طوبى لمن أهدى إلي عيوبي)
باقة ورد أهديها لكل من بحث عن الجديد ليكون سعيدا بما يقدمه ليسعدبه الآخرين ..
هنالك مهارات وأساليب يجب أن يلم بها من يتصدى لنصح الأخرين وإرشادهم ..
وذلك بغية الوصول للهدف المنشود ،،
أولا .. النصيحة بالسر
فالإنسان بطبعه يكره التشهير ويعتبر النصيحة أمام الناس فضيحة ..
لهذا يحاول الدفاع عن نفسه ..
ولقد حث الشرع على النصيحة بالسر ..
(المؤمن يستر والفاجر يهتك) ..
لأن الهدف من النصيحة أن يقلع الشخص عن الخطأ ..
وليس الغرض إشاعة عيوبه أمام الأخرين ..
ثانيا .. إستخدام أسلوب الحكمة
الشدة من غير عنف واللين من غير ضعف ..
ثالثا .. إنتقاء الأسلوب
الأسلوب الأمثل في العرض ومحاولة الترغيب والترهيب والثناء الشرعي بما فيه ..
ومحاولة ضرب الأمثلة الماضية والحاضرة .
رابعا .. التلميح دون تصريح
أحياناً يكون التلميح بالنصيحة أفضل من التصريح ..
أي محاولة النصح بطريقة غير مباشرة ..
كما يفضل البعد عن النقد المباشر وأسلوب الأمر ..
فهذا أدعى للقبول .
خامسا ..الكلمة الطيبة
للكلمة الطيبة والإبتسامة سر لقبول النصيحة..
فكلمة لينة رقيقة و إبتسامة ساحرة هي خير .
الشيخ : يونس الزلاوي
بعد الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين أقول ..... لقد قرأت العديد من المقالات في المدة الأخيرة فآلمتني وأحزنتني لما وجدت فيها من التعيير والتشهير والفضح والكشف عن العورات فأحببت أن أقدم هذه الكلمات لعلها تكون بابا للنصح والإرشاد لا للطرد والإبعاد ، وبابا لتقويم والتعديل لا للكسر والتهديم .
( أمور متفق عليها)
أولا : ذكر الإنسان أين كان بما يكره ، إذا كان المقصود منه مجرد الذم والعيب والنقص ، محرم ، وأما إن كان فيه مصلحة لعامة المسلمين أو خاصة لبعضهم ، وكان المقصود منه تحصيل تلك المصلحة ، فليس بمحرم ، بل مندوب إليه ، وقد قرر هذا العلماء في كتبهم ومن أراد المزيد فليرجع إليها في مظانها من كتب الجرح وتعديل .
ثانيا : أن الناس عامة وخاصة معترفون ومتفقون بأن الإحاطة بالعلم كله من غير شذوذ شيء منه ليس هو مرتبة أحد منهم ، ولا ادعاه أحد من المتقدمين ولا المتأخرين ، لأن هذا من اختصاص رب العالمين ، فلهذا كان أئمة السلف المجمع على علمهم وفضلهم وتباعهم يقبلون الحق ممن أورده عليهم وإن كان صغيرا ، ويوصون أصحابهم وأتباعهم بقبول الحق إذا ظهر في غير قولهم ، وعلى ذلك أمثلة كثيرة وشواهد لا تعد ولا تحصى ، وأذكر لك طرفا منها : كما قال : عمر رضي الله عنه في مهور النساء ، وردت عليه امرأة بقوله تعالى : " وآتيتم إحداهن قنطار " فرجع عن قوله ، وقال: أصابت امرأة ورجل أخطأ . وروي عمه أنه قال : كل أحد أفقه من عمر .
(أحسن المحامل)
من عُرف منه بتصنيفاته ومقالاته النصح لله ورسوله والمؤمنين فإنه يجب أن يعامل بالإكرام والاحترام والتعظيم ومن حمل كلمه على غير ذلك فهو ممن يظن بالبرئ ظن السوء ، وذلك من الظن الذي حرمه الله تعالى ، وهو داخل في قوله سبحانه وتعالى : " ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا " فإن ظن السوء ممن لا يظهر منه أمرات السوء مما حرمه الله ورسوله فقد جمع هذا الظان بين اكتساب الخطيئة والإثم ورمي البرئ بها ويقوى دخوله في الوعيد إذا ظهرت منه قلة الورع وإطلاق اللسان ، وكثرة الغيبة والبهتان ، والحسد للناس على ما آتاهم الله من فضله .
ومن عرف منه هذه الصفات ، والتي لا يرضى بها أهل العلم والإيمان ، فإن يحمل تعرضه للعلماء والرد عليهم على من عرف أنه أرد بتصنيفاته ومقالاته التنقيص والذم وإظهار العيب ، فإنه يستحق أن يقابل بالهوان ، ومن لم تظهر عليه أمرات بالكلية تدل على شيء ، فإنه يجب أن يحمل كلامه على أحسن محملاته ، ولا يجوز حمله على أسوأ حالاته ، وقد قال عمر رضي الله عنه (( لا تظن بكلمة خرجت من أخيك المسلم سوءا وأنت تجد لها في الخير محملا (( . .
(فرّق بين النصح والتعيير)
قال الفضيل رحمه الله تعالى : المؤمن يستر وينصح ، والفاجر يهتك ويعير . فهذا الذي ذكره الفضيل من علامات النصح والتعيير وهو أن النصح يقترن به الستر ، والتعيير يقترن به الإعلان ، وكان يقال : من أمر أخاه على رءوس الملأ فقد عيره .
وكان السلف يكرهون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على هذا الوجه ، ويحبون أن يكون سرا فيما بين الآمر والمأمور ، فإن هذا من علاما ت النصح ، فإن الناصح ليس له غرض في إشاعة عيب من ينصح له ، وإنما غرضه إزالة المفسدة التي وقع فيها .
وأما الإشاعة وإظهار العيوب فهو مما حرمه الله ورسوله ، قال تعالى : " إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا " وقال بعض العلماء لمن يأمر بالمعروف " اجتهد أن تستر العصاة ، فإن ظهور عوراتهم وهن في الإسلام ، وأحق شيء بالستر : العورة . فلهذا كان إشاعة الفاحشة مقترنة بالتعيير ، وهما من خصال الفجار ، ولأن الفاجر لا غرض له في زوال المفاسد ولا في اجتناب المؤمن للمعايب والنقائص ، إنما غرضه في مجرد إشاعة العيب في أخيه المؤمن ، وهتك عرضه ، فهو يعيد ذلك ويبديه ، ومقصده تنقص أخيه المؤمن في إظهار عيوبه ومساوئه للناس ليدخل عليه بذلك الضرر في الدنيا .
وأما الناصح فغرضه بذلك إزالة عيب أخيه المؤمن باجتنابه له ، وبذلك وصف الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم فقال : " لقد جاءكم رسول من أنفسكم .... " وقال : في وصفه أصحباه : محمد رسول الله والذين نعه أشداء على الكفار رحماء بينهم ...." .
وأما الحامل للفاجر على إشاعة السوء وهتكه فهي القسوة ومحبة إيذاء أخيه المؤمن ، وإدخال الضر عليه ، وهذا صفة الشيطان الذي يزين لبني آدم الكفر والفسوق والعصيان ليصيروا بذلك من أهل النيران .
فأخي وقرة عيني : إذا قلت لأحد في وجهه ما يكره ، فإن كان هذا على وجه النصح فهو حسن ، وقد قال بعض السلف لبعض إخوانه : لا تنصحني حتى تقول في وجهي ما أكره . فإذا أخبر ت أخاك بعيبه ليجتنبه كان ذلك حسنا ، ويحق لمن أُخبر بعيب من عيوبه ، يعتذر منها ، إن كان له منها عذر ، وإن كان ذلك على وجه التوبيخ والذنب فهو قبيح مذموم ، قيل لبعض السلف : أتحب أن يخبرك أحد بعيوبك ؟ فقال : إن كان يريد أن يوبخني فلا .
فالتوبيخ والتعيير بالذنب مذموم ، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يثرب الأمة الزانية مع أمره بجلدها ، فتجلد حدا ، ولا تعير بالذنب ولا توبخ به . وفي الترمذي مرفوعا من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه (( من عيّر أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله )). فهل رأيت أخي شتان بين من قصده النصيحة وبين من قصده الفضيحة ، ولا تلتبس إحداهما بالأخرى إلا على من ليس من ذوي العقول الصحيحة .
(لاتعير بالذنب فتُعاقب به)
إن عقوبة من أشاع السوء على أخيه المؤمن ، وتتبع عيوبه وكشف عوراته ، أن يتتبع الله عورته ويفضحه ولو في جوف بيته ، من حديث وثلة بن الأسقع رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تظهر الشماتة بأخيك فيعاقبه الله ويبتليك . وقال ابن مسعود رضي الله عنه : البلاء موكل بالمنطق فلو أن رجلا عيّر رجلا برضاع كلبة لرضعها . ومن أعجب ما قرأت في ذلك ما حكاه ابن سيرين عليه رحمة الله عن قصته لما ركبه الدين وحبس به قال : إني أعرف الذنب الذي أصابني هذا عيرت رجلا منذ أربعين سنة فقلت له : يا مفلس . فأصابه الله بالدين والحبس ، سبحان الله من هذه المقالة التي قالها في أخيه ، فكم من مقالات قلناها ونقولها أعظم وأشنع من ( يا مفلس ) .
(لا تكن منافقا أو شبيها به)
بحمد الله أن السرائر مطلع عليها ربنا ، ولو أطلعنا عليها لما كان هناك عيش على الأرض .... اعلم رحمك الله أنه من أخرج التعيير وأظهر السوء وأشاعه في قالب النصح وزعم أنه إنما يحمله على ذلك العيوب ، إما عاما أو خاصا ، وكان في الباطن إنما غرضه التعيير والأذى ، فهو من إخوان المنافقين الذين ذمهم الله في كتابه ، فإن الله تعالى ذم من أظهر فعلا أو قولا حسنا وأراد به التوصل إلى غرض فاسد يقصده في الباطن ، وعد ذلك من خصال النفاق كما في سورة براءة قال تعالى : " والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون * لا تقم فيه أبدا ....... "وقال تعالى : " لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم " الآية قيل إن هذه الآية نزلت في اليهود والمنافقين وهي خصالهم ، وهو أن يظهر الإنسان في الظاهر قولا أو فعلا ، وهو في الصورة التي أظهره عليها أحسن ، ومقصوده بذلك توصله إلى غرض فاسد الذي هو أبطنه ، ويفرح بحمده على ذلك الذي أظهر أنه حسن وهو في الباطن سيئ ، على توصله في الباطن إلى غرضه السيئ ، فتتم له الفائدة تنفذ له الحيلة بهذا الخداع .
ومن كانت هذه صفاته فهو داخل في هذه الآية ولا بد ، فهو متوعد بالعذاب الأليم ، ومثال ذلك أن يريد الإنسان ذم رجل وتنقصه وإظهار عيبه لينفر الناس عنه ، إما محبته لإيذائه لعدوا ته أو مخافته من مزاحمته على مال أو رياسة أو غير ذلك من الأسباب المذمومة ، فلا يتوصل إلى ذلك غلا بإظهار الطعن فيه بسبب ديني ، مثل أن يكون قد رد قولا ضعيفا من أقوال عالم مشهور فيشيع بين من يعظم ذلك العالم ، أن فلانا يبغض هذا العالم ويذمه ويطعن عليه فيغر بذلك كل من يعظمه ، ويوهمهم أن بغض هذا الراد وأذاه من أعمال القرب ، لأنه دب عن ذلك العالم ، ودفع الأذى عنه ، وذلك قربة إلى الله عز وجل وطاعة ، فيجمع هذا المظهر للنصح بين أمرين قبيحين محرمين .
أحدهما : أن يحمل رد هذا العالم القول الآخر على البغض والطعن والهوى وقد يكون إنما أراده به النصح للمؤمنين ، وإظهار ما لا يحل له كتمانه .
والثاني : أن يظهر الطعن عليه ليتوصل بذلك إلى هواه وغرضه الفاسد في قالب النصح والذب عن علماء الشرع .
( احسبها صح ، فلن تمكن حتى تصبر)
فمن بلي بشيء من هذا الأذى والمكر فليتق الله ويستعين به ويصبر ، فإن العاقبة للتقوى ، وكما قال تعالى بعد أن قص قصة يوسف وما حصل له من أنواع الأذى بالمكر والمخادعة (( وكذلك مكنا ليوسف في الأرض )) الآية .
والله الموفق للصواب ، وعليه قصد السبيل ، وهو حسبنا ونعم الوكيل ، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما
تحياتي منقول للفائدة
هناك حكمة تقول
(طوبى لمن أهدى إلي عيوبي)
باقة ورد أهديها لكل من بحث عن الجديد ليكون سعيدا بما يقدمه ليسعدبه الآخرين ..
هنالك مهارات وأساليب يجب أن يلم بها من يتصدى لنصح الأخرين وإرشادهم ..
وذلك بغية الوصول للهدف المنشود ،،
أولا .. النصيحة بالسر
فالإنسان بطبعه يكره التشهير ويعتبر النصيحة أمام الناس فضيحة ..
لهذا يحاول الدفاع عن نفسه ..
ولقد حث الشرع على النصيحة بالسر ..
(المؤمن يستر والفاجر يهتك) ..
لأن الهدف من النصيحة أن يقلع الشخص عن الخطأ ..
وليس الغرض إشاعة عيوبه أمام الأخرين ..
ثانيا .. إستخدام أسلوب الحكمة
الشدة من غير عنف واللين من غير ضعف ..
ثالثا .. إنتقاء الأسلوب
الأسلوب الأمثل في العرض ومحاولة الترغيب والترهيب والثناء الشرعي بما فيه ..
ومحاولة ضرب الأمثلة الماضية والحاضرة .
رابعا .. التلميح دون تصريح
أحياناً يكون التلميح بالنصيحة أفضل من التصريح ..
أي محاولة النصح بطريقة غير مباشرة ..
كما يفضل البعد عن النقد المباشر وأسلوب الأمر ..
فهذا أدعى للقبول .
خامسا ..الكلمة الطيبة
للكلمة الطيبة والإبتسامة سر لقبول النصيحة..
فكلمة لينة رقيقة و إبتسامة ساحرة هي خير .
الشيخ : يونس الزلاوي
بعد الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين أقول ..... لقد قرأت العديد من المقالات في المدة الأخيرة فآلمتني وأحزنتني لما وجدت فيها من التعيير والتشهير والفضح والكشف عن العورات فأحببت أن أقدم هذه الكلمات لعلها تكون بابا للنصح والإرشاد لا للطرد والإبعاد ، وبابا لتقويم والتعديل لا للكسر والتهديم .
( أمور متفق عليها)
أولا : ذكر الإنسان أين كان بما يكره ، إذا كان المقصود منه مجرد الذم والعيب والنقص ، محرم ، وأما إن كان فيه مصلحة لعامة المسلمين أو خاصة لبعضهم ، وكان المقصود منه تحصيل تلك المصلحة ، فليس بمحرم ، بل مندوب إليه ، وقد قرر هذا العلماء في كتبهم ومن أراد المزيد فليرجع إليها في مظانها من كتب الجرح وتعديل .
ثانيا : أن الناس عامة وخاصة معترفون ومتفقون بأن الإحاطة بالعلم كله من غير شذوذ شيء منه ليس هو مرتبة أحد منهم ، ولا ادعاه أحد من المتقدمين ولا المتأخرين ، لأن هذا من اختصاص رب العالمين ، فلهذا كان أئمة السلف المجمع على علمهم وفضلهم وتباعهم يقبلون الحق ممن أورده عليهم وإن كان صغيرا ، ويوصون أصحابهم وأتباعهم بقبول الحق إذا ظهر في غير قولهم ، وعلى ذلك أمثلة كثيرة وشواهد لا تعد ولا تحصى ، وأذكر لك طرفا منها : كما قال : عمر رضي الله عنه في مهور النساء ، وردت عليه امرأة بقوله تعالى : " وآتيتم إحداهن قنطار " فرجع عن قوله ، وقال: أصابت امرأة ورجل أخطأ . وروي عمه أنه قال : كل أحد أفقه من عمر .
(أحسن المحامل)
من عُرف منه بتصنيفاته ومقالاته النصح لله ورسوله والمؤمنين فإنه يجب أن يعامل بالإكرام والاحترام والتعظيم ومن حمل كلمه على غير ذلك فهو ممن يظن بالبرئ ظن السوء ، وذلك من الظن الذي حرمه الله تعالى ، وهو داخل في قوله سبحانه وتعالى : " ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا " فإن ظن السوء ممن لا يظهر منه أمرات السوء مما حرمه الله ورسوله فقد جمع هذا الظان بين اكتساب الخطيئة والإثم ورمي البرئ بها ويقوى دخوله في الوعيد إذا ظهرت منه قلة الورع وإطلاق اللسان ، وكثرة الغيبة والبهتان ، والحسد للناس على ما آتاهم الله من فضله .
ومن عرف منه هذه الصفات ، والتي لا يرضى بها أهل العلم والإيمان ، فإن يحمل تعرضه للعلماء والرد عليهم على من عرف أنه أرد بتصنيفاته ومقالاته التنقيص والذم وإظهار العيب ، فإنه يستحق أن يقابل بالهوان ، ومن لم تظهر عليه أمرات بالكلية تدل على شيء ، فإنه يجب أن يحمل كلامه على أحسن محملاته ، ولا يجوز حمله على أسوأ حالاته ، وقد قال عمر رضي الله عنه (( لا تظن بكلمة خرجت من أخيك المسلم سوءا وأنت تجد لها في الخير محملا (( . .
(فرّق بين النصح والتعيير)
قال الفضيل رحمه الله تعالى : المؤمن يستر وينصح ، والفاجر يهتك ويعير . فهذا الذي ذكره الفضيل من علامات النصح والتعيير وهو أن النصح يقترن به الستر ، والتعيير يقترن به الإعلان ، وكان يقال : من أمر أخاه على رءوس الملأ فقد عيره .
وكان السلف يكرهون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على هذا الوجه ، ويحبون أن يكون سرا فيما بين الآمر والمأمور ، فإن هذا من علاما ت النصح ، فإن الناصح ليس له غرض في إشاعة عيب من ينصح له ، وإنما غرضه إزالة المفسدة التي وقع فيها .
وأما الإشاعة وإظهار العيوب فهو مما حرمه الله ورسوله ، قال تعالى : " إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا " وقال بعض العلماء لمن يأمر بالمعروف " اجتهد أن تستر العصاة ، فإن ظهور عوراتهم وهن في الإسلام ، وأحق شيء بالستر : العورة . فلهذا كان إشاعة الفاحشة مقترنة بالتعيير ، وهما من خصال الفجار ، ولأن الفاجر لا غرض له في زوال المفاسد ولا في اجتناب المؤمن للمعايب والنقائص ، إنما غرضه في مجرد إشاعة العيب في أخيه المؤمن ، وهتك عرضه ، فهو يعيد ذلك ويبديه ، ومقصده تنقص أخيه المؤمن في إظهار عيوبه ومساوئه للناس ليدخل عليه بذلك الضرر في الدنيا .
وأما الناصح فغرضه بذلك إزالة عيب أخيه المؤمن باجتنابه له ، وبذلك وصف الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم فقال : " لقد جاءكم رسول من أنفسكم .... " وقال : في وصفه أصحباه : محمد رسول الله والذين نعه أشداء على الكفار رحماء بينهم ...." .
وأما الحامل للفاجر على إشاعة السوء وهتكه فهي القسوة ومحبة إيذاء أخيه المؤمن ، وإدخال الضر عليه ، وهذا صفة الشيطان الذي يزين لبني آدم الكفر والفسوق والعصيان ليصيروا بذلك من أهل النيران .
فأخي وقرة عيني : إذا قلت لأحد في وجهه ما يكره ، فإن كان هذا على وجه النصح فهو حسن ، وقد قال بعض السلف لبعض إخوانه : لا تنصحني حتى تقول في وجهي ما أكره . فإذا أخبر ت أخاك بعيبه ليجتنبه كان ذلك حسنا ، ويحق لمن أُخبر بعيب من عيوبه ، يعتذر منها ، إن كان له منها عذر ، وإن كان ذلك على وجه التوبيخ والذنب فهو قبيح مذموم ، قيل لبعض السلف : أتحب أن يخبرك أحد بعيوبك ؟ فقال : إن كان يريد أن يوبخني فلا .
فالتوبيخ والتعيير بالذنب مذموم ، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يثرب الأمة الزانية مع أمره بجلدها ، فتجلد حدا ، ولا تعير بالذنب ولا توبخ به . وفي الترمذي مرفوعا من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه (( من عيّر أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله )). فهل رأيت أخي شتان بين من قصده النصيحة وبين من قصده الفضيحة ، ولا تلتبس إحداهما بالأخرى إلا على من ليس من ذوي العقول الصحيحة .
(لاتعير بالذنب فتُعاقب به)
إن عقوبة من أشاع السوء على أخيه المؤمن ، وتتبع عيوبه وكشف عوراته ، أن يتتبع الله عورته ويفضحه ولو في جوف بيته ، من حديث وثلة بن الأسقع رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تظهر الشماتة بأخيك فيعاقبه الله ويبتليك . وقال ابن مسعود رضي الله عنه : البلاء موكل بالمنطق فلو أن رجلا عيّر رجلا برضاع كلبة لرضعها . ومن أعجب ما قرأت في ذلك ما حكاه ابن سيرين عليه رحمة الله عن قصته لما ركبه الدين وحبس به قال : إني أعرف الذنب الذي أصابني هذا عيرت رجلا منذ أربعين سنة فقلت له : يا مفلس . فأصابه الله بالدين والحبس ، سبحان الله من هذه المقالة التي قالها في أخيه ، فكم من مقالات قلناها ونقولها أعظم وأشنع من ( يا مفلس ) .
(لا تكن منافقا أو شبيها به)
بحمد الله أن السرائر مطلع عليها ربنا ، ولو أطلعنا عليها لما كان هناك عيش على الأرض .... اعلم رحمك الله أنه من أخرج التعيير وأظهر السوء وأشاعه في قالب النصح وزعم أنه إنما يحمله على ذلك العيوب ، إما عاما أو خاصا ، وكان في الباطن إنما غرضه التعيير والأذى ، فهو من إخوان المنافقين الذين ذمهم الله في كتابه ، فإن الله تعالى ذم من أظهر فعلا أو قولا حسنا وأراد به التوصل إلى غرض فاسد يقصده في الباطن ، وعد ذلك من خصال النفاق كما في سورة براءة قال تعالى : " والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون * لا تقم فيه أبدا ....... "وقال تعالى : " لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم " الآية قيل إن هذه الآية نزلت في اليهود والمنافقين وهي خصالهم ، وهو أن يظهر الإنسان في الظاهر قولا أو فعلا ، وهو في الصورة التي أظهره عليها أحسن ، ومقصوده بذلك توصله إلى غرض فاسد الذي هو أبطنه ، ويفرح بحمده على ذلك الذي أظهر أنه حسن وهو في الباطن سيئ ، على توصله في الباطن إلى غرضه السيئ ، فتتم له الفائدة تنفذ له الحيلة بهذا الخداع .
ومن كانت هذه صفاته فهو داخل في هذه الآية ولا بد ، فهو متوعد بالعذاب الأليم ، ومثال ذلك أن يريد الإنسان ذم رجل وتنقصه وإظهار عيبه لينفر الناس عنه ، إما محبته لإيذائه لعدوا ته أو مخافته من مزاحمته على مال أو رياسة أو غير ذلك من الأسباب المذمومة ، فلا يتوصل إلى ذلك غلا بإظهار الطعن فيه بسبب ديني ، مثل أن يكون قد رد قولا ضعيفا من أقوال عالم مشهور فيشيع بين من يعظم ذلك العالم ، أن فلانا يبغض هذا العالم ويذمه ويطعن عليه فيغر بذلك كل من يعظمه ، ويوهمهم أن بغض هذا الراد وأذاه من أعمال القرب ، لأنه دب عن ذلك العالم ، ودفع الأذى عنه ، وذلك قربة إلى الله عز وجل وطاعة ، فيجمع هذا المظهر للنصح بين أمرين قبيحين محرمين .
أحدهما : أن يحمل رد هذا العالم القول الآخر على البغض والطعن والهوى وقد يكون إنما أراده به النصح للمؤمنين ، وإظهار ما لا يحل له كتمانه .
والثاني : أن يظهر الطعن عليه ليتوصل بذلك إلى هواه وغرضه الفاسد في قالب النصح والذب عن علماء الشرع .
( احسبها صح ، فلن تمكن حتى تصبر)
فمن بلي بشيء من هذا الأذى والمكر فليتق الله ويستعين به ويصبر ، فإن العاقبة للتقوى ، وكما قال تعالى بعد أن قص قصة يوسف وما حصل له من أنواع الأذى بالمكر والمخادعة (( وكذلك مكنا ليوسف في الأرض )) الآية .
والله الموفق للصواب ، وعليه قصد السبيل ، وهو حسبنا ونعم الوكيل ، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما
تحياتي منقول للفائدة
