سؤال أهل الذكر 24 شوال 1423 هـ ، 29/12/2002م

    تمر دردشة الساحة الخاصة بالمتصفح والموبايل بفترة صيانة دورية هذا ونعتذر للجميع على الإنقطاع المؤقت بإمكانكم المشاركة في المنتدى لحين عودتها :)

    • سؤال أهل الذكر 24 شوال 1423 هـ ، 29/12/2002م

      برنامج سؤال أهل الذكر
      حلقة الأحد 24 من شوال 1423 هـ ، 29 /12/2002 م
      الموضوع : الحج



      (1)

      سؤال :
      ما هي الآثار الروحية والسلوكية التي تطبعها فريضة الحج على المؤمن ؟


      الجواب :
      بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :
      فإن الله تبارك وتعالى خلق الإنسان خلقاً سويا ، وجعل خلقه جامعاً لجوانب شتى نفسية ، فهو كائن عاقل ، وبسبب هذا العقل كُلّف ما كلف من الواجبات لأنه بدون عقل يكون أشبه ما يكون بالكائنات التي تشاركه البقاء والوجود في هذه الأرض ولا تشاركه العقل والتكليف . ولكنه بجانب هذا فإن الله سبحانه وتعالى لم يحرمه من العاطفة ، هذه العاطفة تجعله يتشوق ويتطلع ، وهذا الشوق قد يكون شوقاً إلى خير ، وقد يكون شوقاً إلى شر ، إلا أن الله تبارك وتعالى جعل فيما شرع في الدين الإسلامي ما يتلاءم مع فطرة هذا الإنسان ، فهو يملأ جميع تطلعات الإنسان سواء ما يرجع منها إلى العقل أو ما يرجع منها إلى العاطفة . فالأشواق التي ترجع إلى عاطفته إنما هذه الأشواق يجد الإنسان ما يشفيها من خلال ما شرع الله تعالى وما أمر به .
      فلا ريب أن الإنسان وهو يؤمن بالله تبارك وتعالى ، ويؤمن برسله المصطفين الأخيار ، ويؤمن بدينه الحق الذي شرعه لجميع عباده وأرسل به جميع رسله وهو دين الإسلام ، ويؤمن بوحي الله سبحانه وتعالى ، لا ريب أن هذا الإنسان مع إيمانه بهذا كله تنطبع في نفسه انطباعات تدعوه إلى أن يرتبط بأماكن في هذه الأرض .
      والله سبحانه المعبود وهو منزه عن المكان والزمان لأنه كما قلنا أكثر من مرة قد كان قبل خلق الزمان والمكان وهو على ما عليه كان ، لا يُدرك بعين ولا يُطلب بأين ، فلذلك كان الإنسان وهو يتوجه إلى ربه سبحانه وتعالى المنزه عن الأمكنة والأزمنة لا بد له من أن يجد ما يملأ فراغ نفسه من حيث إنه يرتبط بأماكن ذات قدسية وذات مكانة ولها تاريخ وتتطلع النفوس إليها وتشتاق القلوب إلى أن تصل إلى جنباتها لتنعم بالخلود فيها ، فجعل الله سبحانه له بيتاً من أمّه أحس من أعماق نفسه أنه يؤم نحو أمر الله تبارك وتعالى ويتجه إلى ربه عز وجل ، فلذلك كان الاتجاه إلى هذا البيت اتجاه إلى الله ولا أدل على ذلك مما جاء في الحديث الصحيح عن النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام من الأمر بعدم البصاق عندما يكون الإنسان يصلي تجاه قبلته لأن الله بينه وبين قبلته أي لأنه اتجه إلى ربه باتجاهه إلى تلكم القبلة ، ولا يعني ذلك أن الله تبارك وتعالى حال فيما بينه وبين قبلته ، ولكن يحس الإنسان وهو يناجي ربه بهذه الصلاة أنه متجه إليه بروحه وبأعماق نفسه فهو سبحانه وتعالى وإن تكن لم جهة إلا توجه هذا العبد إلى مكان مقدس ومكان معظم عند الله سبحانه وتعالى وقد أُمر العبد بتعظيمه وتقديسه يحس الإنسان بأنه متجه إلى ربه فضلاً عما يرتبط به هذا المكان من تاريخ عظيم ، هذا التاريخ نحن لا نستطيع أن نبدأ من أوله لأن بدايته غير واضحة لنا ، فالله سبحانه أخبرنا بأن البيت الحرام هو أول بيت وضع للناس يقول عز من قائل )إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً ) (آل عمران:96-97) ، بين الله سبحانه وتعالى أنه أول بيت وضع للناس ، وذكر أن من الآيات العظيمة التي فيه مقام إبراهيم ، ولكن مع هذا نجد في ثنايا ما أنزل الله تعالى في كتابه ما يدل على أن هذا البيت الحرام سابق على عهد إبراهيم ، فإن إبراهيم عليه السلام عندما جاء بابنه إسماعيل وأمه هاجر عليهما السلام إلى هذا المكان المقدس كان فيما حكاه الله تعالى عنه في ضراعته وتوجهه إلى ربه أنه قال )رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) ( إبراهيم:37) ، ومعنى ذلك أن البيت الحرام كان موجوداً قبل أن يقوم بتشييده وبنائه إبراهيم عليه السلام ، لأن إبراهيم عليه السلام إنما بناه بعدما كبر إسماعيل ، وبعدما تردد مرتين من أرض الشام إلى أرض الحجاز ليزور إسماعيل عليه السلام ولم يره كما دل على ذلك الحديث الذي أخرجه البخاري من طريق ابن عباس رضي الله عنهما وهذا مما يدل دلالة واضحة على أن بناء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام للبيت العتيق كان بعد هذا الدعاء الذي توجه به إبراهيم عليه السلام إلى ربه عندما أسكن إسماعيل عليه السلام في ذلك المكان المقدس . فإذن بداية بناء هذا البيت الحرام أمر غير معروف عندنا ولكن بُني بأمر الله ، وبناه من بناه من صفوة خلقه الله سبحانه الذين اختارهم الله تعالى على علمه ليكونوا حملة لمشعل الهداية بين الناس ، ويكفينا أن من أمّ هذا البيت الحرام يستذكر تلكم العهود ، يستذكر إبراهيم عليه السلام وهو يجأر إلى ربه سبحانه وتعالى بالدعاء )رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ) ( إبراهيم:37) ، ويستذكر أيضاً ما كان من أمر إسماعيل عليه السلام وأمه هاجر عليها السلام وقد تركهما إبراهيم منفردين في ذلك المكان وإسماعيل لا يزال صبيا ، وكيف اشتد الأمر بهاجر وبابنها إسماعيل عندما كان إسماعيل يكابد ما يكابد من الظمأ حتى تداركتهما عناية الله ففجّر الله تبارك وتعالى لهما العين التي لا تزال بركتها باقية إلى الآن ، وكان ذلك سبباً لأن يأتي إليهما من يأتي من قبيلة جرهم ليسكنوا في ذلك المكان الذي كان متروكاً ومهجورا ، هذا كله مما يستذكره الإنسان ، وإيمانه بأن عناية الله تبارك وتعالى هي التي تداركت الطفل الصغير وهو في ذلك الموقف الحرج وتداركت أمه وهي أيضاً في تلكم الحالة العصيبة كيف كانت تشاهد ولدها يقاسي ألم العطش ، هذه العناية يرجوها المسلم في كل مكان ، فعندما يتوجه إلى ذلك المكان ويأتي إليه ويطوف بذلك البيت لا ريب أنه يشعر بهذه العناية التي يحوط الله تبارك وتعالى بها عباده المؤمنين فيرجو أن يكون له نصيب وافر من هذه العناية الربانية ليشق طريق حياته غير لاو على شيء من تحدياتها ، ويمتثل أمر ربه سبحانه وتعالى كيفما كلفه ذلك من المشقة والتعب .
      هذا وبجانب هذا أيضاً فإن الدعوة التي انبعثت من ذلك المكان على يدي عبدالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلّم ليجلجل صداها في أنحاء العالم بأسره حتى يمتد هذا الصدى عبر الأجيال المتعاقبة والقرون المتتابعة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، هذه الدعوة انطلقت من النبي صلى الله عليه وسلّم في ذلكم المكان ، فعندما يأتي الإنسان بعد طوافه بالبيت الحرام إلى الصفا ليبدأ السعي بين الصفا والمروة تتفاعل في نفسه أحاسيس متنوعة فهو يذكر كما قلنا مأساة إسماعيل وهاجر عليهما السلام وكيف كانا يكابدان المشقة حتى تداركتهما عناية الله ولا سيما عندما يبدأ السعي فيستذكر كيف كانت هاجر تتردد في ذلك المكان ذاهبة وآئبة وهي ترجو رحمة الله تعالى بها وبابنها ، وكذلك يتذكر ما كان من دعوة النبي صلى الله عليه وسلّم عندما جاء إلى الصفا بعدما أنزل الله تبارك وتعالى عليه )وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ) (الشعراء:214) فصعد على الصفا ونادى في قريش واصباحاه فاجتمعت حوله وقال لهم : أرأيتم أن لو أخبرتكم أن خيلاً وراء هذا الجبل مغيرة عليكم أكنتم مصدقي ؟ فقالوا له : ما جربنا عليك كذبا . فقال لهم : إني لكم نذير بين يدي عذاب شديد . فابتدرته عمه أبو لهب قائلاً له : تباً لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا ؟ فكان ذلك سبباً لنزول الوعيد الشديد الذي تضمنته سورة بأسرها أنزلها الله تبارك وتعالى من أجل توعد أبي لهب في مقابل هذا العنت وهذا الشقاق إذ كان إمام الكافرين فكان هو الرائد لهم في تكذيب النبي صلى الله عليه وسلّم ، وعلى أي حال هذا مما يبعث في نفس الإنسان الأمل فإن تلك الدعوة مع ما واجهته من التحديات من أقرب الأقرباء وأخص الخاصة الذين كانوا حول النبي صلى الله عليه وسلّم هذه الدعوة آتت ثمارها ولو بعد حين وأخذت تنتشر وسط أنواع التحديات فهكذا الدعوة إنما هي دعوة إلى الحق هي دعوة تحتاج إلى تضحية وإلى فداء طريقها غير مفروش بالياسمين والورود وإنما هو مفروش بأشواك القتاد فلا بد للمسلم أن يصبر ويصابر حتى تؤتي هذه الدعوة ثمارها بمشيئة الله تعالى ، والله المستعان .



      يتبع بإذن الله تعالى
    • (2)

      سؤال :
      تدور على ألسنة خصوم الإسلام شبه منها يقولون بأن في الحج بقايا من الوثنية من حيث تقديس الأحجار والطواف حولها والازدحام من أجلها ، فكيف يرد على مثل هذه الشبهة ؟


      الجواب :
      أعوذ بالله ، هذه شبه أهل الجاهلية ، نحن وجدنا هذه المقالة قالها من قالها من الملاحدة وقالها من قالها من النصارى من أمثال زويمر الذي حاول أن ينتقد الإسلام بسبب ما كان يعتمل بين جوانحه من حقد على الإسلام والمسلمين وكان هو يطمح إلى تنصير الجزيرة العربية بأسرها والقضاء على الإسلام في مهده كان من ضمن ما انتقد به الإسلام أن الإسلام لا تزال فيه بقايا وثنية ومن بين هذه البقايا تعظيم البيت الحرام . هذا ولا ريب أن البيت الحرام أولاً قبل كل شيء تعظيمه ليس تعظيماً ناشئاً من فكر الإنسان القاصر المحدود ، هنالك فارق بين أن يكون الإنسان معظماً لشيء أُمر بتعظيمه من قبل ربه سبحانه وتعالى ، وبين أن يكون معظماً لشيء تعظيمه أخترع تعظيمه من تلقاء نفسه ، فإن الله تبارك وتعالى تعبد عباده بما تعبدهم به ، تعبدهم بأمور يعرفون غاياتها ويعرفون حكمها وأبعادها فهذه الأمور هي أمور كما يعبر عنها العلماء معقولة المعنى لأن حكمها واضحة ونتائجها وثمارها ظاهرة ، وهنالك أمور أخرى هي بخلاف ذلك ، أمور تعبدنا الله تبارك وتعالى من غير أن نعرف الحكمة فيها مثال ذلك الصلوات الخمس ، الصلاة من حيث العموم هي على أي حال معقولة المعنى والغاية لأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر ولأجل هذا اُمرنا بإقامتها ( وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)(العنكبوت: من الآية45) ، ولكن هل معنى هذا أن كل ما تنطوي عليه هذه الصلاة هو معقول المعنى ندرك أبعاده وغايته ؟ . لا ، فهنالك فارق بين صلاة الظهر وصلاة العصر وصلاة المغرب وصلاة العشاء وصلاة الفجر ، ففرض الظهر والعصر والعشاء أربع ركعات ، وفرض المغرب ثلاث ركعات ، وفرض الفجر ركعتان لماذا كان ذلك ؟ ذلك أمر لا ندريه ، كذلك نفس هذه الصلاة بعض الأعمال تتكرر فيها في كل ركعة ، وبعضها لا تتكرر ، الركوع في كل ركعة هو متكرر ، الركوع يتكرر في كل ركعة ولكن مرة واحدة بينما السجود يتكرر في كل ركعة مرتين ، كذلك تكبيرة الإحرام هي تكبيرة واحدة وإن كان التكبير يتكرر في جميع الانتقالات ولكن هو غير تكبير الإحرام ، التشهد يتكرر مرتين في الرباعية والثلاثية ويكون مرة واحدة في الصلاة الثنائية لماذا ذلك ؟ هذه أمور لا ندريها إنما علينا أن نسلّم بأمر الله تبارك وتعالى لأننا لو حاولنا أن نتكلم فيها فإننا ننطلق في حديثها عن التخمين والظن ، وليس لنا أن نقطع في هذه الأمور بمجرد ما يعتمل في نفوسنا من ظنون لأن هذه الظنون كثيراً ما تكون خاطئة . فهذه أمور تعبدية علينا أن نتقبلها ولو كنا لا نعرف الحكمة منها فليس لنا نتساءل لماذا يتكرر السجود ولا يتكرر الركوع ، بل علينا أن نمتثل أمر الله وبهذا يتبين الفارق بين المطيع والعاصي وبين المؤمن والكافر وبين البر والفاجر .
      كذلك بالنسبة إلى أعمال الحج هناك أعمال هي غير معقولة المعنى وإنما هي أعمال تعبدنا بها فعلينا أن نمتثل أمر الله سبحانه وتعالى ، قد تكون هنالك أسباب نتصور ونعتقد أنها هي من وراء مشروعية بعض هذه الأحكام ولكن ليس لنا أن نقطع بهذه الأسباب إذ هذه أمور ظنية لا يقطع بها ما لم يكن هنالك دليل قطعي نصي يدل عليها ، مثال ذلك السعي بين الصفا والمروة ذلك أمر نحن لا نستطيع أن نقطع بأن سببه كذا وإنما قيل بأن سببه ما كان من قصة هاجر عليها السلام ولكن لماذا خلد الله تبارك وتعالى هذا الأمر وجعله عبادة تجب على العباد ؟ ذلك أمر لا ندريه . الهرولة التي تكون في السعي كذلك نفس الشيء أمر نحن لا نستطيع أن نقطع بسببها وإن كان قيل بأننا نهرول حيث كانت هاجر تهرول ، كذلك بالنسبة إلى الوقوف بعرفات ولماذا خص باليوم التاسع دون غيره من الأيام ، والبقاء في منى لمدة ثلاثة أيام ورمي الجمار فيهن كل ذلك من الأمور التي علينا أن نسلم تسليماً لها من غير أن نخوض في أعماقها .
      أما بالنسبة إلى تعظيم الكعبة وتعظيم الحجر الأسود فإن هذا أمر فرضه الله تبارك وتعالى علينا ، ونحن نرى فيما جعله الله سبحانه وتعالى من أعراف العباد ما فيه مقنع لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ، نحن نرى أن خرقة تعلق فتكون تلك الخرقة لها شأن عند الناس بسبب أنها علم لدولة من الدول ، أصحاب تلك الدولة يحرصون على ألا تمس بسوء قط مع أنها مجرد خرقة ليست لها ميزة دون غيرها من الخرق ولكن صارت رمزاً لتلك الدولة .
      فالكعبة البيت الحرام إنما هو رمز لامتثال دين الله والانصياع لأمر الله . وهنالك تلتقي وفود الله تبارك وتعالى التي تأتي من بقاع الأرض كما قال سبحانه وتعالى ( لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ)(الحج: من الآية28) ومن بين هذه المنافع ما يحصل ما بينهم من التعارف وما يحصل ما بينهم من التآلف وما يحصل ما بينهم من الانسجام وما يحصل بينهم من التعاون على البر والتقوى فإن وفود الحق سبحانه تأتي من بقاع الأرض إلى تلكم الأماكن المقدسة على اختلاف أحوالها وهم كلهم يأمون كلهم تلكم الكعبة وهم جميعا يرددون شعاراً واحداً قائلين جميعاً : لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك ، هم يرددون هذا الكلام نفسه على اختلاف ألسنتهم ، والكل أيضاً يتجرد في ثوبين مع ما يكون بينهم من التمايز عندما يكونون في حالاتهم العادية بحيث يكون هذا متميزاً هذا بزيه وذاك متميزاً بزيه إلا أن كل واحد يترك زيه ليتجرد في ثوبين ، ثم مع هذا يحصل أيضاً تلاقي أصحاب المهارات وأصحاب الخبرات على اختلاف أنواعها وفي هذا ما يجعلهم يتعارفون ويبحثون قضاياهم ومشكلاتهم المتنوعة ويعطون الحلول فيكون في ذلك تعاون على البر والتقوى بمشيئة الله وينطلقون من هنالك وكل واحد منهم أخذ شحنة إيمانية في نفسه من خلالها يتمكن بأن يشق طريق الخير داعياً إلى الله سبحانه وتعالى ممتثلاً لأمره متجرداً من جميع ما يعوقه عن السعي إلى الخير والدعوة إليه ، هذا كله من حكمة مشروعية الحج كما قال سبحانه وتعالى ( لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ....)(الحج: من الآية28) .




      يتبع بإذن الله تعالى
    • (3)

      سؤال :
      بالنسبة للإحرام هل تلزم له ركعتان تسميان بركعتي الإحرام ؟


      الجواب :

      أما اللزوم فلا ، ولكن على أي حال الإنسان إن أراد الإحرام ينبغي له إما أن يحرم على أثر صلاة صلاها كأن يحرم على أثر صلاة الظهر أو صلاة العصر أو صلاة المغرب أو صلاة العشاء أو صلاة الفجر ، أو أن يحرم بعد أن يركع ركعتين ليكون قد أحرم بعد صلاة كما أحرم النبي عليه أفضل الصلاة والسلام بعد الصلاة .


      سؤال :
      الحاج الذي يريد الإفراد يأتي من المدينة ويحرم من ذي الحليفة مثلاً هل يلزمه أن يأتي مباشرة ويبيت في مكة ثم في صباح اليوم الثاني يحرم من مكة وينطلق إلى منى ؟


      الجواب :
      بما أنه قصد الحج وأمّ وجهه نحو البيت الحرام لأجل أداء شعيرة الحج فإنه لا يجوز له أن يتعدى الميقات إلا وهو محرم فإن النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام عندما حدد المواقيت قال ( هن لهن ولمن أتى عليهن ممن أراد الحج أو العمرة ) ، ( هن لهن ) : أي هذه المواقيت لهذه الأماكن المخصصة المعلومة . ( ولمن أتى عليهن ) لمن أتى من هذه الأماكن ، لمن أتى من بلاد بعيد ولكن دخل من هذه الأماكن كأن يدخل من طريق المدينة المنورة فإنه يحرم من ذي الحليفة أو يدخل من الجهة التي تمر على قرن المنزل كأن يكون آتياً من منطقة بعيدة من نجد ويمر على نجد ثم إلى قرن المنازل فإنه يحرم من ذلك المكان ، أو يكون آتياً من العراق فيحرم من ذات عرق ، أو يكون آتياً من اليمن فيحرم من يلملم ، أو يكون آتياً من الشام أو من مصر فيحرم من الجحفة . قال ( هن لهن ولمن أتى عليهن ممن أراد الحج أو العمرة ) .
      فمن أراد الحج أو أراد العمرة لا يجوز له أن يتجاوز الميقات إلا وقد أحرم بالنسك الذي أراد من حج أو عمرة . ثم إن النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة قال : خذوا عني مناسككم . وقد ذهب إلى حيث ذهب ، من الناس من كان محرماً بالحج ، ومن الناس من كان قارناً بين الحج والعمرة ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلّم بعد ذلك أن كل من كان محرماً أن يتحلل بعمرة إلا من كان سائقاً للهدي وقال : لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة . ومعنى هذا أن من الناس من كان مهلاً بالحج ومن الناس من كان مهلاً بعمرة وحجة معا ، ولربما كان بعضهم من أول الأمر متمتعا قد يكون هكذا ، ولكن لم يتجاوز أحد منهم الميقات إلا وهو محرم ، فلا يجوز لأي أحد أن يتجاوز الميقات وهو يريد الحج أو العمرة إلا وقد أحرم ، والله تعالى أعلم .


      سؤال :
      إذا أتى رجل من جهة المدينة أو من جهة قرن المنازل وأحرم في اليوم الخامس من ذي الحجة هل يذهب ويمكث في مكة دون أن يطوف ودون أن يؤدي شيئاً من المناسك ؟

      الجواب :
      أما الطواف فمختلف فيه قيل يطوف طواف القدوم من غير أن يسعى لأنه إن سعى كانت عمرة ، وقيل يكره ليس له أن يطوف إلا إذا أراد أن يتحلل بعمرة . وهو لا ريب يجوز له أن يتحلل بعمرة ذلك أن النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام أمر عندما جاءوا محرمين أمر كل من كان محرماً ولم يسق الهدي أن يتحلل بعمرة ، أن يجعل إحرامه إحرام عمرة إلا إن كان سائقاً للهدي ذلك لأن الله تبارك وتعالى يقول ( وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّه)(البقرة: من الآية196) وللهدي ميقاتان ميقات زماني وميقات مكاني ، فالميقات المكاني هو الحرم لا يجوز أن ينحر الهدي في غير الحرم ، والميقات الزماني هو بعد أن يؤدي الإنسان فريضة الحج ويرمي جمرة العقبة لأن هذا الميقات بيّنه النبي صلى الله عليه وسلّم بفعله وقال : خذوا عني مناسككم . ولذلك من الخطأ ما يفعله كثير من الناس من التهاون بحيث إنهم يتمتعون بالعمرة إلى الحج ولكنهم يؤدن هدي التمتع ما بين العمرة والحج مع أن الموجب لهذا الهدي إنما هو الإحرام بالحج ولا يقاس على ذلك الصوم صوم الثلاثة أيام التي تكون في الحج لأن هذه الثلاثة الأيام يجوز صيامها قبل الإحرام بالحج بسبب أن من الأغلب من الصوم هو سبعة أيام يصومها الإنسان بعد فراغه من الحج فلذلك كان تقديم ثلاثة أيام لا حرج فيه فمن هنا كان لا بد من أن يمنع أن ينحر قبل أن يؤدي الإنسان فريضة الحج ، والله تعالى أعلم .


      سؤال :
      الذي يتمتع بالعمرة إلى الحج عندما ينتهي من العمرة ينطلق مباشرة إلى منى فيبيتون فيها ويحرمون في اليوم الثامن من منى ، هل يصح ذلك ؟


      الجواب :
      لا مانع من ذلك ، ما المانع من هذا ‍؟


      سؤال :
      الوقوف على الصفا يبدأ الارتفاع ويوجد بلاط بقايا الجبل يوجد في الأعلى أين بالتحديد يجزي المسلم أن يقف ؟

      الجواب :
      يؤمر الإنسان أن يرتفع مقدار ما يشاهد البيت الحرام ويقابل البيت الحرام هذا بالنسبة إلى الرجل وأما المرأة فلا عليها إن بقيت في الأسفل قبل أن تصعد .


      سؤال :
      عندما تقام الصلاة في أثناء السعي يقف الناس الذين يؤدون السعي ، فهل يواصلون بعد ذلك مباشرة ؟


      الجواب :
      نعم ، يبني على ما تقدم من سعيه .


      سؤال :
      من أرهقته رجلاه وتعب هل له أن يستريح ؟

      الجواب :
      لا حرج ثم بعد ذلك يبني على ما تقدم من سعيه .



      يتبع بإذن الله تعالى
    • (4)

      سؤال :
      ما حكم الشك في السعي ؟


      الجواب :
      أنا أعجب من هذا الشك ما هو مصدر الشك ؟ من غرائب الأمور !!! لأن السعي أمره واضح ولعله أوضح من الطواف . قد يكون الشك في الطواف ولكن الشك السعي كيف يكون الشك في السعي ؟ لأنه يبدأ من بالصفا ويختتم بالمروة ، وكل شوط بين الصفا والمروة ، كل جيئة وكل تردد بين الصفا والمروة مما يعد شوطاً كاملا فيستبعد أن يكون هنالك شك ، ولو قدرنا أن هنالك شكاً فإنه يبني على الأقل إذ أمر السعي ليس بأعظم من أمرالطواف والطواف حكمه كحكم الصلاة فكما أن في الصلاة إن شك يبني على الأقل فكذلك الطواف ، والله تعالى أعلم .


      سؤال :
      هل يعفى الإنسان من الهرولة حينما يكون المسعى مزدحما بالناس ؟

      الجواب :
      ولو كان مزدحما يتحرك ، يحرك نفسه كأنما يسرع ولو لم يجد فرصة للإسراع .


      سؤال :
      بالنسبة للرمل في الأشواط الثلاثة في الطواف ، ما هو حكمه ؟

      الجواب :
      الأرجح أن يرمل الإنسان في طواف القدوم .


      سؤال :
      كنا محرمين وعندما وصلنا عند نقطة التفتيش لم يسمح لنا بالدخول إلا إذا كان الذين يسوقون السيارة يلبسون الملابس المدينة والسواقون كانوا محرمين أيضاً فلبسوا اضطراراً الملابس المدنية وبعد عبروا تلك النقطة رجعوا إلى ملابس الإحرام . فما الحكم ؟


      الجواب :
      أعوذ بالله هذا أمر غريب لأنهم لا يجوز لهم أن يصدوا أحداً عن البيت الحرام وقد أحرم ، هذا من الصد ، هذا تصرف إن ثبت وكذلك ذلك فهو تصرف ناشئ عن جهل لا يكون من مسئول يعي معنى المسؤولية ويعقل معنى المسؤولية وإنما يتصرف بجهله ، والمسئولون الذين هم على وعي وعلى معرفة بأحكام الله لا يفعلون ذلك لأنه لا يجوز لأحد بعدما أحرم أن يتخلى عن إحرامه إلا لضرر ، الضرر هو ما بيّنه الله تبارك وتعالى عندما قال سبحانه وتعالى ( فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ )(البقرة: من الآية196) ، واختلفوا في الإحصار هل الاحصار إحصار العدو فحسب وذلك بأن يصد المسلم عن الحج أو عن العمرة بعدما أحرم لهما عدو يمنعه من الوصول إلى البيت الحرام ؟ ، أو أن الإحصار يشمل العدو والمرض . فمن العلماء من قال بأن الاحصار إنما هو خاص بالعدو وهذا كما حصل للنبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام عندما صده المشركون مع من معه من الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم وكانوا نحو ألف وأربعمائة ، صدهم المشركون عن الإتيان إلى البيت الحرام وحالوا بينهم وبين البيت الحرام في الحديبية . وعلى أي حال هناك كل منهم تحلل بعدما قدم ما عنده من الهدي ، بعدما نحروا هديهم في ذلك المكان ، وبعدما نحروا الهدي تحللوا من عمرتهم تلك ، ثم بعد ذلك جاءوا معتمرين في السنة الثانية ، كما تم على ذلك الصلح بينهم وبين مشركي قريش . فبعض العلماء يحصر كما قلنا الإحصار في إحصار العدو فحسب ، ومنهم من يقول بأن الإحصار يشمل إحصار العدو وإحصار المرض ، ومنهم من يقول بأن المرض لا يقال أحصره المرض وإنما حصره المرض هناك بحث لغوي فيما يتعلق بهذا الجانب ، ولكن العلماء كثير من علماء السلف جعلوا ما يحصر الإنسان عن الوصول إلى البيت الحرام شاملاً للعدو الصاد عن البيت الحرام وللمرض المانع من ذلك ، ومعنى هذا أن المريض كذلك عليه أن يقدم ما عنده من الهدي والله تبارك وتعالى أولى بأن يعفو عنه وأن لا يؤاخذه .
      ومنهم من قال بأنه لو وقع عليه كسر أو شيء مما يمنعه من أداء مناسك الحج ولم يتمكن من السفر إلى الحج فإنه يبقى بإحرامه ولو إلى عام ، من العلماء من قال هكذا ، فهؤلاء ليس لهم أن يمنعوا أحداً . وأنا على أي كل حال أنزه المسئولين الذين هم على دراية أو على بصيرة إن كان وقع ذلك فلعل هذا وقع من قوم جهلة لا يعرفون التفرقة بين الحق والباطل وبين الهدى والضلال وبين الجائز وغير الجائز فلذلك تصرفوا ذلك التصرف إن كان ذلك حقاً وقع .
      وعلى أي حال بالنسبة إلى من صد إن لم يجد سبيلاً عليه أن يبقى حسبما ما يمكن إذا كان يرجو أن يتوصل إلى الحج والعمرة مع بقاءه بإحرامه ، وعليه أن يتصل ، كان على هؤلاء أن يتصلوا بالمسئولين الذين هم أكبر من أولئك الذين صدوهم إن كان ذلك كذلك .
      أما وقد وقعوا في هذا الأمر فإنهم في هذه الحالة عليهم أن يفتدوا بنسك وعليهم أن يتوبوا إلى الله تبارك وتعالى من فعلتهم هذه ، وعليهم أن يرجعوا إلى إحرامهم ويوصلوا نسكهم ، والله تعالى أعلم .



      يتبع بإذن الله تعالى
    • (5)


      سؤال :
      امرأة تلبس أسورة ولا يمكنها أن تنزعهما عند الإحرام إلا عن طريق القص فهل يبقى مكانه عندما تريد أن تحرم أم تقصه ؟


      الجواب :
      حقيقة الأمر أنا أعجب مما رأيته عن فقهاءنا رحمهم الله من أن المرأة تؤمر بأن تنزع ما عليها من حلي عندما تحرم ، هذا بطبيعة الحال وجدنا عليه فقهاء المذهب ، وهذا من باب الاحتياط ، ولأجل إبعاد المرأة عما يغري الرجل بها كما تبتعد ويبتعد الرجل عن الطيب ، والإحرام يتنافى مع التطيب ، جعلوا الزينة كذلك الزينة مغرية ، ولكن نحن وجدنا في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها الذي روي عنها موقوفاً عليها ومرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلّم أنه لا بأس بحلي المرأة . هذا بطبيعة الحال مع سترها لهذا الحلي ، ومع وجود رواية بهذا لا نستطيع أن نأخذ بالقياس ، فالقياس إنما يصار إليه مع عدم الدليل الشرعي أي مع عدم النص ، ولكن مع وجود النص لا يعدل عنه إلى القياس ، أنا لا أمنع من أن تتجرد المرأة من زينتها عندما تذهب إلى هنالك بل أقول بأن الخروج من عهدة الخلاف فيه خير وفيه احتياط وكما يقول بعض العلماء ينبغي للمسلم أن يخرج من عهدة الخلاف مهما أمكن ، ولكن مع هذا كله لا أشدد عليها وأقول بأن ذلك لازم عليها مع وجود هذا الدليل ، والله تعالى أعلم .



      سؤال :
      من أين يحرم المسافر عن طريق الطائرة ؟


      الجواب :
      أما إذا كان يسافر إلى المدينة ، من الممكن أن يسافر بطائرة إلى المدينة ، ومن الممكن أن يسافر بطائرة إلى جدة ثم من هناك يذهب إلى المدينة أولاً ثم يحرم من ذي الحليفة أو من أي ميقات يمر به إن كان يأتي من طريق أخرى ، أما إن كان سافر إلى جدة وهو على قصد التوجه إلى مكة المكرمة فإنه يلبس إحرامه في آخر مطار يطير منه أو في نفس الطائرة قبل أن يصل إلى الميقات ، وعندما يتحرى قرب الوصول إلى الميقات فإنه يبدأ بالإهلال بالحج أو بالعمرة ، والله تعالى أعلم .


      سؤال :
      كيف يمكن للمسلمين أن يستغلوا فريضة الحج ويستفيدوا منها في واقع حياتهم وتصليح أمورهم ؟


      الجواب :
      حقيقة الأمر الأمة الإسلامية ترزح تحت نير مشكلات متنوعة ولذلك هي بحاجة إلى الكثير الكثير في وقتنا هذا مما يمكن أن يستغل موسوم الحج من أجله .
      الأمة الإسلامية بحاجة أولاً إلى أن تتفاهم فيما بينها وأن تتدارس مشكلاتها ، وأن تستفيد من ذوي الخبرات ، وهناك خبرات متنوعة ، فهناك الفقهاء على اختلاف مذاهبهم وعلى اختلاف اجتهاداتهم يلتقون في تلكم العراص الطاهرة ومع هذا اللقاء يمكن أن يطرحوا مشكلاتهم وأن يتدارسوها فيما بينهم وأن يخرجوا برأي موحد ، رأي نير لأنه في مكان طيب طاهر في مكان مقدس وفي بقعة فاضت عليها أنوار الحق سبحانه وتعالى بما أنزل الله سبحانه وتعالى فيها من وحيه وشملها ببركاته ، وعلى أي حال أيضاً هناك الساسة يمكنهم أن يلتقوا ويطرحوا مشكلاتهم ويتدارسوا هذه المشكلات مع استعانتهم بالفقهاء وبغيرهم ، وهنالك أصحاب المهارات المختلفة التي تتعلق بالدعوة وبحياة الأمة فهؤلاء كلهم يمكنهم أن يلتقوا وأن يستفيدوا من هذا اللقاء الطيب وأن يتدارسوا مشكلاتهم وهذا من المنافع التي أشار إليها القرآن في قول الله تبارك وتعالى ( لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ)(الحج: من الآية28) .
      وأنا أعتبر أن من أعظم الفرص التي تتاح للمسلمين جميعاً في موسم الحج أن يصفوا حساباتهم فيما بينهم ذلك لأن هنالك الكثير من المشكلات التي نجمت والتي فرقت هذه الأمة وقد كان حرياً بها ألا تفترق لأنها أوتيت كتاب الله تبارك وتعالى الذي صين من التبديل والتغيير فبقي مصدر هداية لها وكان حرياً بها وهي بين يديها هذا الكتاب العزيز أن لا تفترق ، فهذه المشكلات الذي فرقت هذه الأمة وجعلتهم يتعادون ويتقاطعون ويتنابزون بالألقاب ويتراشقون بالتهم من الممكن أن تطرح على بساط البحث مع الرجوع إلى كتاب الله تعالى المنزل ومع الرجوع إلى الثابت الصحيح من سنة النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام وبهذا تنهى هذه المشكلات المتنوعة ويعود الوئام والألفة بين الأمة .
      ومن الممكن أيضاً أن يستمع كل واحد منهم إلى ما عند الآخر فلعله وهو من بعيد لم يكن قادراً على استيعاب ما عند الآخر وغير قادر على تصوره تصوراً صحيحاً وهنالك تلبيسات ولكن مع الحضور ومع الطرح من قبل صاحب الفكرة نفسها يمكن أن يتفاهم المسلمون وأن يترفعوا عن هذه الخلافات التي مزقتهم وشتتهم .
      فإذن هذا الموسم موسم فرصة ، هذا كله مما ينبغي للمسلمين ألا يفوتهم وهم في تلكم العراص الطاهرة تلتقي وفودهم من جميع أصقاع الأرض ، والله تعالى الموفق .



      سؤال :
      بالنسبة للحاج عندما يعود من الحج كيف ينبغي أن يكون ؟


      ا
      لجواب :
      الحج كغيره من العبادات شرع من أجل غرس روح التقوى في عباد الله ، ولئن كانت العبادات بأسرها تؤدي إلى هذه الغاية المطلوبة والقرآن الكريم يدل على ذلك ونبهنا على هذا مراراً ، فإننا نجد أن القرآن يؤكد اقتران الحج بالتقوى في كثير من آيات الكتاب أكثر من غيره فالله تبارك وتعالى يقول ( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ)(البقرة: من الآية196) ثم يختتم ذلك بقوله سبحانه ( وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (البقرة:196) ثم على أثر ذلك يقول : ( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) (البقرة:197) ثم يقول ()وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) (البقرة:203) ، ثم نجد أن الله سبحانه وتعالى أيضاً يقول ( وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ)(الحج: من الآية32) ويقول في البدن التي تساق إلى ذلك المكان المقدس ( لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ )(الحج: من الآية37) ، فإذن الحج هو من هذه العبادات التي تغرس روح التقوى في نفس الإنسان وتثمر في سلوكه تقوى الله تبارك وتعالى بحيث يكون هذا الإنسان حريصاً على اتباع أمر الله ، فعندما ينقلب عليه أن يقلب صفحته من الشر إلى الخير ومن الضلال إلى الهدى ومن الغي إلى الرشد ومن الفساد إلى الصلاح ومن الانحراف إلى الاستقامة ومن النفرة من إخوانه إلى التآخي معهم ومن سوء الخلق إلى حسن الخلق ومن كل شر إلى كل خير . كما أن هذا الإنسان يؤمر أيضاً وهو قد أكرمه الله سبحانه وتعالى بالوفادة إلى ربه سبحانه في تلكم الأماكن المقدسة أن يحرص على تذكر الانقلاب إلى الله تعالى في الدار الآخرة ، وأن يزن جميع تصرفاته وأعماله بموازيين الحق التي أنزلها الله سبحانه وتعالى ليكون مستعداً للانقلاب إلى ربه تبارك وتعالى وهو نظيف الجيب طاهر القلب والنفس نقي السلوك بعيد عن معاصي الله مستمسك بحكم الله تعالى المتين ناهج صراطه المستقيم ، وبهذا كان الحج ينفي الأوزار ينفي المعاصي كما جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم ( تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة ) ، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم ( والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ) ، فعلى الإنسان أن يحرص على أن يكون حجه مبروراً وعلامة بره أن يعود خيراً منه عندما ذهب ، والله تعالى الموفق .


      تمت الحلقة بعون الله وتوفيقه