لقي الحجاج بن يوسف الثقفي أعرابياً في فلاة فسأله : يا أعرابي! ما تقول في الحجاج؟!.. فقال : ظالم متعسف.. فنسأل الله أن يرفع عنا ظلمه وجوره.. وأن يخلفنا منه غيره.. فقال : ويحك أنا الحجاج! فقال الأعرابي : إنك لكذلك.. وفوق ذلك ولا كرامة.. فساقه إلى السجن.. ولم يكن الرجل ينتظر بعد ذلك إلا حكم الإعدام يقضي به عليه.. وإلا خيط رقبته يكفر به عن سيئته في عرف الناس وقانون الحجاج.. وجاء أهله يزورونه ويراودونه على أن يتراجع عن قوله.. ويزعم أنه مجنون تصيبه لوثه.. فأبى ذلك عليهم أشد الإباء.. ودُعيَ أمام الحجاج.. ووُوْجِهَ بهذا الدفاع.. فقال الأعرابي: معاذ الله أن أنكر نعمة العقل.. وقد حباني بها الله.. أو لأسلك نفسي من الكاذبين.. وقد حماني الله من هذا الخلق الذميم.. وما شهدت إلا بما علمت.. وما نطقت إلا بما عرفت.. وليفعل الوالي ما يشاء!..
وتأثر الحجاج بهذا الخلق القويم المتين.. وأخذ منه الموقف كل مأخذ.. فلم يملك إلا أن قال : يا أعرابي إن فيك لموضعاً للصنيعة.. وقد عفونا عنك لصدقك.. خلوا عنه يذهب حيث يشاء..
ويحكى أيضاً أن أبا يزيد البسطامي الصوفي.. أراد الذهاب إلى بغداد لطلب العلم.. فأعطته أمه أربعين ديناراً هي ميراثه من أبيه.. وقالت له: ضع يدك في يدي وعاهدني على إلتزام الصدق فلا تكذب أبداً.. فعاهدها على ذلك.. وخرج مع قافلة يريد بغداد.. وفي أثناء الطريق.. خرج عليهم لصوص ونهبوا كل ما في القافلة.. ورأوا البسطامي رث الثياب.. فقالوا : هل معك شيء؟!.. فقال : معي أربعون ديناراً.. فسخروا منه وحسبوا أنه أبله وتركوه.. ورجعوا إلى كهف كان به كبير اللصوص.. ينتظر ما يأتون به.. فلما رآهم قال : هل أخذتم كل ما في القافلة؟ قالوا : نعم.. إلا رجلاً سألناه عما معه فقال : معي أربعون ديناراً.. فتركناه احتقاراً لشأنه.. ونظن أن به خبلاً في عقله.. فقال : علي به.. فلما حضر بين يديه قال كبير اللصوص للبسطامي: هل معك شيء؟! قال : نعم.. معي أربعون ديناراً.. فقال : أين هي؟! فأخرجها وسلمها له.. فقال كبير اللصوص : أمجنون أنت يا رجل؟!! كيف ترشد عن نقودك وتسلمها باختيارك؟! قال البسطامي : لما أردت الخروج من بلدي عاهدت أمي على الصدق.. فأنا لا أنقض عهد أمي.. فقال كبير اللصوص : لا حول ولا قوة إلا بالله.. أنت تخاف أن تخون عهد أمك.. ونحن لا نخاف أن نخون عهد الله.. ثم أمر برد جميع ما أخذ من القافلة.. وقال : أنا تائب على يديك يا رجل.. فقال من معه : أنت كبيرنا في قطع الطريق.. واليوم أنت كبيرنا في التوبة.. تبنا جميعاً إلى الله.. وتابوا وحسنت توبتهم..
من هذين المثالين يتضح لنا مصداقاً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم عن منصور قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: << تحروا الصدق وإن رأيتم أن فيه الهلكة فإن فيه النجاة.. واجتنبوا الكذب وإن رأيتم أن فيه النجاة فإن فيه الهلكة>> (مكارم ا|لأخلاق [137] ص51)..
وقد قال بعض الحكماء : "الصدق ينجيك وإن خفته.. والكذب يرديك وإن أمنته".. وقد قال أحدهم :"عجبت من الكذاب المشيد بكذبه.. وإنما هو يدل الناس على عيبه ويتعرض العقاب من ربه.. فالآثام له عادة.. والأخبار عنه متضادة.. إن قال حقاً لم يصدَّق.. وإن أراد خيراً لم يوفق.. فهو الجاني على نفسه بفعاله.. الدال على فضيحته بمقاله.. فما صح من صدقه نسب إلى غيره.. وما صح من كذبه نسب إليه.. ويكفي في ذم الكذب قوله تعالى : { إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَأُوْلـئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ } (النحل: 105).. وقول الرسول صلى الله عليه وسلم فعن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: << إن الصدق يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة وإن الرجل ليصدق حتى يكتب صديقا وإن الكذب يهدى إلى الفجور وإن الفجور يهدى إلى النار وإن الرجل ليكذب حتى يكتب كذابا>> ( صحيح مسلم [2607] ج4 ص2012)..
كان لربعي بن خراش ابنان وكان الحجاج بن يوسف الثقفي الظلوم الغاشم يطلبهما ليقبض عليهما لمخالفتهما له في أمر ما فاختبأ الابنان في بيت والدهما ربعي فلما عجز الحجاج عن القبض عليهما استشار من حوله في أمرهما فقال له بعض خواصه : إنَّ أباهما لم يكذب قط!! فلو أرسلت إليه فسألته عنهما!! فأرسل إليه فقال : أين ولداك؟!! فقال ربعي : هما عندي في البيت!! فقال الحجاج حينها : قد عفونا عنهما بصدقك!!
لاشك أن الكذب يعتبر من كبائر الذنوب.. وأصل الرذائل.. وأسُّ المعايب.. به يتصدع المجتمع.. وتنهار الأخلاق والقيم.. وهو من صفات الجبناء والمنافقين.. حيث وصف الرسول صلى الله عليه وسلم المنافق بأنه : << إذا حدث كذب >> (مسلم: [58]).. فعن عبدالله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :<< أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانت فيه خلة منهن كانت فيه خلة من نفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب.. وإذا عاهد غدر.. وإذا وعد أخلف.. وإذا خاصم فجر>>( صحيح مسلم [58] ج1 ص78).. وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: << آية المنافق ثلاث>>(مسلم: [59]) وفي رواية: << من علامات المنافق ثلاثة: إذا حدث كذب.. وإذا وعد أخلف.. وإذا ائتمن خان>>(مسلم: [59]) وفي رواية: << وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم>>(صحيح مسلم [59] ج1 ص78).. وعن عبدالله بن عمرو رضي الله عنه قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ما عمل أهل الجنة؟ قال : << الصدق إذا صدق العبد بر وإذا بر أمن وإذا أمن دخل الجنة >> قال : يا رسول الله ما عمل أهل النار؟ قال : << الكذب إذا كذب العبد فجر وإذا فجر كفر وإذا كفر دخل النار>> (مسند أحمد [6641] ج2 ص176).. عن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : << عليكم بالصدق.. فإن الصدق يهدي إلى البر.. وإن البرَّ يهدي إلى الجنة.. وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق.. حتى يكتب عند الله صديقاً.. وإياكم والكذب.. فإن الكذب يهدي إلى الفجور.. وإن الفجور يهدي إلى النار.. وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب.. حتى يكتب عند الله كذاباً >>(صحيح مسلم [2607] ج4 ص2013).. فقد أوضح النبي صلى الله عليه وسلم بأن خصلة الصدق تهدي إلى البر والخيرات والعمل الصالح وتوصل إلى أكثر من ذلك وإذا كان الصدق يوصل إلى ما ذكرنا كله فإنه لا محالة يهدي إلى الجنة ويوصل إليها لأنه يوصل إلى الخيرات التي تجمعها كلمة البر والبر هو الطريق الموصل إلى الجنة وليس هذا فقط ما تفعله صفة الصدق وما تجمعه من خير بل قد أشار الرسول صلى الله عليه وسلم إلى منزلة الصادق الذي يتحرى الصدق دائماً ويتبعه فإنه سيكتب عند الله في سجل الصديقين المقربين الذين كتبت لهم الجنة جزاء أعمالهم الطيبة وصدقهم المتكرر في الأعمال والأقوال ويكون الإنسان محبوباً مألوفاً بين الناس.. تؤمن غوائله.. وتتبع أفعاله.. ويؤخذ بأقواله.. وتسلم إليه مقاليد الأمور.. ونهى النبي صلوات الله وسلامه عليه عن الكذب لأنه مجلبة للشر والدمار وطريق موصل إلى الفجور والفساد والنار.. فهو جماع كل شر.. وأصل كل ذم.. لسوء عواقبه.. وخبث نتائجه.. لأنه ينتج البغضاء.. والكاذب مبغوض من الناس.. بعيد عن رحمة الله.. مذموم في الدنيا.. معذب في الآخرة.. خسر دنياه وآخرته.. وذلك هو الخسران المبين.. وكتب عند الله في سجل الكذابين..
ومـا شـيء فكــرت فيه
بأذهب للمروءة والجمـال
من الكذب الذي لا خير فيه
وأذهب بالبهاء من الرجال
والإسلام يحث على مكارم الأخلاق الفاضلة والتخلق بالصفات النبيلة.. ورأس هذه الصفات الصدق.. وهو قولة الحق المطابقة للواقع البعيدة عن الكذب ومساوئه..
ولن يكون المؤمن كذاباً أبداً.. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : << يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب >> (مسند أحمد [22224] ج5 ص252).. يقول الله تعالى : { إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَأُوْلـئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ } (النحل: 105).. وعن صفوان بن سليم أنه قال : قيل : لرسول الله صلى الله عليه وسلم أيكون المؤمن جباناً؟ فقال : <<نعم >>. فقيل له : أيكون المؤمن بخيلاً ؟ فقال :<< نعم >>. فقيل : أيكون المؤمن كذاباً؟ فقال : <<لا>> (الموطأ [1799] ص700)..
وإن أقبح ما يكون الكذب.. إذا نصب الكاذب نفسه ليكون موضع ثقة الناس.. ويستمعون إليه.. ويأخذون عنه.. وهو في حقيقة الأمر يكذب ويخادع.. عن النواس بن سمعان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : << كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثاً هو لك مصدق وأنت له كاذب >> (مسند أحمد ج4 ص183)..وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :<< لا يؤمن العبد الإيمان كله حتى يترك الكذب في المزاحة والمراء وإن كان صادقا>> (مسند أحمد [8615] ج2 ص352)..
ومما يؤسف إليه في الآونة الأخيرة شيوع هواية من نوع غريب.. ففي أول أبريل من كل عام.. يتلذذ كثير من الناس.. بترويج الأكاذيب.. واختلاق النكات.. وتأليف القصص.. وفبركة المواقف.. بإتقان شديد.. وعمل يدعو إلى التصديق.. وتجدهم يتلذذون أكثر حينما يرون من حولهم يصدق كذبتهم.. ويتأثر ويتوتر بعد سماعه لتلك الأكذوبة المسماة " كذبة أبريل "..
أنلهــو وأيامنــا تذهـــب
ونلعــب والمـوت لا يلعـب
عجبـت لـذي لعـب قـد لهـى
عجبـت ومالــي لا أعجـب
أيلهــو ويلعـب مـن نفسـه
تمــوت ومنــزله يخـرب
وقد ينسى هؤلاء أن تلك الأكاذيب قد تسبب للإنسان أذى نفسي وجسدي.. ولا ذنب له إلا أنه صدقهم.. وقد يحدث له مكروه.. فقد يكون مصاباً ببعض الأمراض التي يجب معها عدم الانفعال.. أو تسبب له حادث مرور.. أو قد تعطله عن عمل مهم.. إلى جانب أنها تسبب تصديع بنيان المجتمع.. وخراب البيوت.. وقطع أواصر الصلة والرحم بين الناس.. ويختل سير الأمور.. ويسقط صاحبه في عيون الناس.. فلا يصدقونه بعد ذلك في قول.. ولا يثقون به في عمل..
حسـب الكـذوب من البلية
بعـض ما يحكـى عليـه
مـا إن سمعـت بكذبــه
من غيـره نسبـت إليـه
وقد شاعت الكذبة الأبريلية من قديم الزمان حسب ما ذكرت بعض الكتب.. فقد اقترنت بشهر أبريل دون غيره من الشهور.. واختلف المؤرخون في أصل هذه البدعة..
فقال بعضهم : سبب انتشار الكذب في ذلك اليوم بأن أول أبريل هو أول أيام العيد في بعض البلاد التي تشتهر بالصيد ولقد لاحظوا أن الصيد دائماً يكون غير موفق في ذلك اليوم فلذلك قاموا بإطلاق الأكاذيب للمزاح والتغلب على تلك المشكلة..
ويرى البعض : أن هذه العادة من الكذب بدأت وانتشرت في أواخر القرن السادس عشر حيث كان أبريل هو أول شهور السنة ولما كان من عادة الناس التهادي في أوائل السنة فقد غيروا شكل الهدية لتصبح بمرور الوقت " كذبة " تختار بطريقة متقنة بحيث يصدقها الشخص لدرجة كبيرة وبعدها يتم إخباره بالحقيقة وتثار الضحكات فأصبحت هذه الطريقة أفضل لديهم من تقديم الهدية .. ثم انتقلت هذه العادة إلى الشعوب الأخرى حتى خرجت إلى الشعوب العربية والإسلامية وأصبح الكثير يستخدمها ويرددها وأصبح شهر أبريل ملتصقاً بتلك الأكذوبة دون مبرر له..
إذا عرف الكـذاب بالكذب لم يكن
يصدق في شيء وإن كان صادقاً
ومن آفة الكـذاب نسيـان كذبـه
وتلقـاه ذا حفـظ إذا كان صادقا
يجوز الترويح عن النفس بالمزاح الذي لا يدخل في باب الغيبة أو النميمة أو الكذب الذي يضيع حقاً أو يطمس حقيقة أو يضر إنساناً أو المساس بدين أو خلق أو عرض أو كيد.. فالنفس لتمل كما تمل الأبدان.. ولا يعيد إليها نشاطها إلا أن يخرج بها من الجد إلى الهزل.. ومن حكمة طريفة ونادرة لطيفة.. وكان الصحابة رضوان الله عليهم إذا طال بهم مجلس العلم والمذاكرة قالوا : هاتوا من أشعاركم وأخباركم ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة فقد كان يمزح ولا يقول إلا صدقاً.. فعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: << إني لأمزح ولا أقول إلا حقاً>>(مجمع الزوائد ج8 ص89)..
أما حكم الإسلام في " كذبة إبريل" خاصة وفي الكذب عامة حكم واضح لا لبس فيه فقد حرمة مطلقاً ولم يبحه إلا في مواطن محددة في ثلاث حالات فقط للمصلحة التي تترتب عليه وعدم وجود وسيلة أخرى تقوم مقامه من الوسائل التي هي في الأصل مباحة.. وقد أوضحها النبي صلى الله عليه وسلم فعن أسماء بنت يزيد أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يقول : << يا أيها الذين آمنوا ما يحملكم أن تتابعوا في الكذب كما يتتابع الفراش في النار كل الكذب يكتب على ابن آدم إلا في ثلاث خصال : رجل كذب على امرأته ليرضيها أو رجل كذب في خديعة حرب أو رجل كذب بين أمرأين مسلمين ليصلح بينهما >>(مسند أحمد [27611] ج6 ص454)..
فيجوز أن يكذب الرجل على زوجته حين يقول لها أنت أجمل من رأت عيني وأنت أحلى من كل النساء في العالم فهذا الكذب يجوز لإشاعة المحبة والمودة بينهم ولا يجوز أن يكذب عليها إذا ترتب على ذلك إضاعة حقوق أو تساهل في واجب أو التستر على معصية.. كذلك يجور الكذب في الحرب فالحرب خدعة والنيل من العدو بالكذب يجيزه الشرع إن لم يساعد الصدق في ذلك.. كذلك الإصلاح بين متخاصمين حيث يأتي الشخص ليقول بالكذب ما يجعل المياه تعود لمجاريها بين المتخاصمين..
أما كذبة إبريل فهو من الكذب غير الجائز.. فعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :<< إن الرجل ليحدث بالحديث ما يريد به سوء إلا ليضحك به القوم فيجر به أبعد من السماء>>(مجمع الزوائد ج8 ص89)..
وهو نوع من الهزل المذموم لأن صاحب هذه الخصلة لا يعرف بعد ذلك صدقه من كذبه فيذهب بهاء الرجل ويسقط مروءته ويحط من قيمته ويدعو إلى مهانته ويجرئ عليه السفهاء والغوغاء.. وبفعله ذلك يحقر من نفسه ويهينها مع أن من حقها عليه أن يضعها في موضع العزة والكرامة..
إذا أنت لم تعرف لنفسك حقها
هواناً بها كانت على الناس أهونا
وهو تقليد للغرب وقد نهينا عند تقليدهم فلا يجوز الكذب وإن كان للترفيه والمزاح والضحك ويختلف الإثم في الكذب على حسب نوعه وخطورته.. { قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ } (يونس: 69، 70).. { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ } (التوبة: 119).. عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : << بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له.. وجعل رزقي تحت ظل رمحي.. وجعل الذل والصغار على من خالف أمري.. ومن تشبه بقوم فهو منهم>> (مسند أحمد [5667] ج2 ص92)..
ولقد ذكر الصدق في القرآن في أكثر من تسعين موضعاً ولقد لخص الماوردي قي كتابه "أدب الدين والدنيا" دواعي الصدق في أربع نقاط حيث قال:
1ـ العقل : حيث كونه موجباً لقبح الكذب.
2ـ الشرع : حيث ورد بوجوب اتباع الصدق وحظر الكذب والله سبحانه لم يشرع إلا كل خير.
3ـ المروءة : لأنها مانعة من الكذب باعثة على الصدق .
4ـ حب الاشتهار بالصدق : فمن يتمتع بهذا الاشتهار بين الناس لا يرد عليه قوله ولا يلحقه ندم.
وفي ختام مقالنا نتذكر قول الرسول صلى الله عليه وسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :<< كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع>> ( صحيح مسلم [5] ج1 ص10).. وفي رواية: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم << كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع>> (المستدرك على الصحيحين [381] ج1 ص195).. وعن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: << أنا زعيم ببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً>>(الترغيب والترهيب [4313] ج3 ص311).. وعن الحسن بن علي قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم : << دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة>> (سنن الترمذي [2518] ج4 ص668)..
عود لسانك صـدق القول تحفظ بـه
إن اللسـان لمـا عـودت منقـاد
مـوكل بتقاضـي مـا مننـت لـه
في الخير والشر فانظر كيف ترتاد
وتأثر الحجاج بهذا الخلق القويم المتين.. وأخذ منه الموقف كل مأخذ.. فلم يملك إلا أن قال : يا أعرابي إن فيك لموضعاً للصنيعة.. وقد عفونا عنك لصدقك.. خلوا عنه يذهب حيث يشاء..
ويحكى أيضاً أن أبا يزيد البسطامي الصوفي.. أراد الذهاب إلى بغداد لطلب العلم.. فأعطته أمه أربعين ديناراً هي ميراثه من أبيه.. وقالت له: ضع يدك في يدي وعاهدني على إلتزام الصدق فلا تكذب أبداً.. فعاهدها على ذلك.. وخرج مع قافلة يريد بغداد.. وفي أثناء الطريق.. خرج عليهم لصوص ونهبوا كل ما في القافلة.. ورأوا البسطامي رث الثياب.. فقالوا : هل معك شيء؟!.. فقال : معي أربعون ديناراً.. فسخروا منه وحسبوا أنه أبله وتركوه.. ورجعوا إلى كهف كان به كبير اللصوص.. ينتظر ما يأتون به.. فلما رآهم قال : هل أخذتم كل ما في القافلة؟ قالوا : نعم.. إلا رجلاً سألناه عما معه فقال : معي أربعون ديناراً.. فتركناه احتقاراً لشأنه.. ونظن أن به خبلاً في عقله.. فقال : علي به.. فلما حضر بين يديه قال كبير اللصوص للبسطامي: هل معك شيء؟! قال : نعم.. معي أربعون ديناراً.. فقال : أين هي؟! فأخرجها وسلمها له.. فقال كبير اللصوص : أمجنون أنت يا رجل؟!! كيف ترشد عن نقودك وتسلمها باختيارك؟! قال البسطامي : لما أردت الخروج من بلدي عاهدت أمي على الصدق.. فأنا لا أنقض عهد أمي.. فقال كبير اللصوص : لا حول ولا قوة إلا بالله.. أنت تخاف أن تخون عهد أمك.. ونحن لا نخاف أن نخون عهد الله.. ثم أمر برد جميع ما أخذ من القافلة.. وقال : أنا تائب على يديك يا رجل.. فقال من معه : أنت كبيرنا في قطع الطريق.. واليوم أنت كبيرنا في التوبة.. تبنا جميعاً إلى الله.. وتابوا وحسنت توبتهم..
من هذين المثالين يتضح لنا مصداقاً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم عن منصور قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: << تحروا الصدق وإن رأيتم أن فيه الهلكة فإن فيه النجاة.. واجتنبوا الكذب وإن رأيتم أن فيه النجاة فإن فيه الهلكة>> (مكارم ا|لأخلاق [137] ص51)..
وقد قال بعض الحكماء : "الصدق ينجيك وإن خفته.. والكذب يرديك وإن أمنته".. وقد قال أحدهم :"عجبت من الكذاب المشيد بكذبه.. وإنما هو يدل الناس على عيبه ويتعرض العقاب من ربه.. فالآثام له عادة.. والأخبار عنه متضادة.. إن قال حقاً لم يصدَّق.. وإن أراد خيراً لم يوفق.. فهو الجاني على نفسه بفعاله.. الدال على فضيحته بمقاله.. فما صح من صدقه نسب إلى غيره.. وما صح من كذبه نسب إليه.. ويكفي في ذم الكذب قوله تعالى : { إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَأُوْلـئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ } (النحل: 105).. وقول الرسول صلى الله عليه وسلم فعن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: << إن الصدق يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة وإن الرجل ليصدق حتى يكتب صديقا وإن الكذب يهدى إلى الفجور وإن الفجور يهدى إلى النار وإن الرجل ليكذب حتى يكتب كذابا>> ( صحيح مسلم [2607] ج4 ص2012)..
كان لربعي بن خراش ابنان وكان الحجاج بن يوسف الثقفي الظلوم الغاشم يطلبهما ليقبض عليهما لمخالفتهما له في أمر ما فاختبأ الابنان في بيت والدهما ربعي فلما عجز الحجاج عن القبض عليهما استشار من حوله في أمرهما فقال له بعض خواصه : إنَّ أباهما لم يكذب قط!! فلو أرسلت إليه فسألته عنهما!! فأرسل إليه فقال : أين ولداك؟!! فقال ربعي : هما عندي في البيت!! فقال الحجاج حينها : قد عفونا عنهما بصدقك!!
لاشك أن الكذب يعتبر من كبائر الذنوب.. وأصل الرذائل.. وأسُّ المعايب.. به يتصدع المجتمع.. وتنهار الأخلاق والقيم.. وهو من صفات الجبناء والمنافقين.. حيث وصف الرسول صلى الله عليه وسلم المنافق بأنه : << إذا حدث كذب >> (مسلم: [58]).. فعن عبدالله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :<< أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانت فيه خلة منهن كانت فيه خلة من نفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب.. وإذا عاهد غدر.. وإذا وعد أخلف.. وإذا خاصم فجر>>( صحيح مسلم [58] ج1 ص78).. وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: << آية المنافق ثلاث>>(مسلم: [59]) وفي رواية: << من علامات المنافق ثلاثة: إذا حدث كذب.. وإذا وعد أخلف.. وإذا ائتمن خان>>(مسلم: [59]) وفي رواية: << وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم>>(صحيح مسلم [59] ج1 ص78).. وعن عبدالله بن عمرو رضي الله عنه قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ما عمل أهل الجنة؟ قال : << الصدق إذا صدق العبد بر وإذا بر أمن وإذا أمن دخل الجنة >> قال : يا رسول الله ما عمل أهل النار؟ قال : << الكذب إذا كذب العبد فجر وإذا فجر كفر وإذا كفر دخل النار>> (مسند أحمد [6641] ج2 ص176).. عن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : << عليكم بالصدق.. فإن الصدق يهدي إلى البر.. وإن البرَّ يهدي إلى الجنة.. وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق.. حتى يكتب عند الله صديقاً.. وإياكم والكذب.. فإن الكذب يهدي إلى الفجور.. وإن الفجور يهدي إلى النار.. وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب.. حتى يكتب عند الله كذاباً >>(صحيح مسلم [2607] ج4 ص2013).. فقد أوضح النبي صلى الله عليه وسلم بأن خصلة الصدق تهدي إلى البر والخيرات والعمل الصالح وتوصل إلى أكثر من ذلك وإذا كان الصدق يوصل إلى ما ذكرنا كله فإنه لا محالة يهدي إلى الجنة ويوصل إليها لأنه يوصل إلى الخيرات التي تجمعها كلمة البر والبر هو الطريق الموصل إلى الجنة وليس هذا فقط ما تفعله صفة الصدق وما تجمعه من خير بل قد أشار الرسول صلى الله عليه وسلم إلى منزلة الصادق الذي يتحرى الصدق دائماً ويتبعه فإنه سيكتب عند الله في سجل الصديقين المقربين الذين كتبت لهم الجنة جزاء أعمالهم الطيبة وصدقهم المتكرر في الأعمال والأقوال ويكون الإنسان محبوباً مألوفاً بين الناس.. تؤمن غوائله.. وتتبع أفعاله.. ويؤخذ بأقواله.. وتسلم إليه مقاليد الأمور.. ونهى النبي صلوات الله وسلامه عليه عن الكذب لأنه مجلبة للشر والدمار وطريق موصل إلى الفجور والفساد والنار.. فهو جماع كل شر.. وأصل كل ذم.. لسوء عواقبه.. وخبث نتائجه.. لأنه ينتج البغضاء.. والكاذب مبغوض من الناس.. بعيد عن رحمة الله.. مذموم في الدنيا.. معذب في الآخرة.. خسر دنياه وآخرته.. وذلك هو الخسران المبين.. وكتب عند الله في سجل الكذابين..
ومـا شـيء فكــرت فيه
بأذهب للمروءة والجمـال
من الكذب الذي لا خير فيه
وأذهب بالبهاء من الرجال
والإسلام يحث على مكارم الأخلاق الفاضلة والتخلق بالصفات النبيلة.. ورأس هذه الصفات الصدق.. وهو قولة الحق المطابقة للواقع البعيدة عن الكذب ومساوئه..
ولن يكون المؤمن كذاباً أبداً.. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : << يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب >> (مسند أحمد [22224] ج5 ص252).. يقول الله تعالى : { إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَأُوْلـئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ } (النحل: 105).. وعن صفوان بن سليم أنه قال : قيل : لرسول الله صلى الله عليه وسلم أيكون المؤمن جباناً؟ فقال : <<نعم >>. فقيل له : أيكون المؤمن بخيلاً ؟ فقال :<< نعم >>. فقيل : أيكون المؤمن كذاباً؟ فقال : <<لا>> (الموطأ [1799] ص700)..
وإن أقبح ما يكون الكذب.. إذا نصب الكاذب نفسه ليكون موضع ثقة الناس.. ويستمعون إليه.. ويأخذون عنه.. وهو في حقيقة الأمر يكذب ويخادع.. عن النواس بن سمعان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : << كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثاً هو لك مصدق وأنت له كاذب >> (مسند أحمد ج4 ص183)..وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :<< لا يؤمن العبد الإيمان كله حتى يترك الكذب في المزاحة والمراء وإن كان صادقا>> (مسند أحمد [8615] ج2 ص352)..
ومما يؤسف إليه في الآونة الأخيرة شيوع هواية من نوع غريب.. ففي أول أبريل من كل عام.. يتلذذ كثير من الناس.. بترويج الأكاذيب.. واختلاق النكات.. وتأليف القصص.. وفبركة المواقف.. بإتقان شديد.. وعمل يدعو إلى التصديق.. وتجدهم يتلذذون أكثر حينما يرون من حولهم يصدق كذبتهم.. ويتأثر ويتوتر بعد سماعه لتلك الأكذوبة المسماة " كذبة أبريل "..
أنلهــو وأيامنــا تذهـــب
ونلعــب والمـوت لا يلعـب
عجبـت لـذي لعـب قـد لهـى
عجبـت ومالــي لا أعجـب
أيلهــو ويلعـب مـن نفسـه
تمــوت ومنــزله يخـرب
وقد ينسى هؤلاء أن تلك الأكاذيب قد تسبب للإنسان أذى نفسي وجسدي.. ولا ذنب له إلا أنه صدقهم.. وقد يحدث له مكروه.. فقد يكون مصاباً ببعض الأمراض التي يجب معها عدم الانفعال.. أو تسبب له حادث مرور.. أو قد تعطله عن عمل مهم.. إلى جانب أنها تسبب تصديع بنيان المجتمع.. وخراب البيوت.. وقطع أواصر الصلة والرحم بين الناس.. ويختل سير الأمور.. ويسقط صاحبه في عيون الناس.. فلا يصدقونه بعد ذلك في قول.. ولا يثقون به في عمل..
حسـب الكـذوب من البلية
بعـض ما يحكـى عليـه
مـا إن سمعـت بكذبــه
من غيـره نسبـت إليـه
وقد شاعت الكذبة الأبريلية من قديم الزمان حسب ما ذكرت بعض الكتب.. فقد اقترنت بشهر أبريل دون غيره من الشهور.. واختلف المؤرخون في أصل هذه البدعة..
فقال بعضهم : سبب انتشار الكذب في ذلك اليوم بأن أول أبريل هو أول أيام العيد في بعض البلاد التي تشتهر بالصيد ولقد لاحظوا أن الصيد دائماً يكون غير موفق في ذلك اليوم فلذلك قاموا بإطلاق الأكاذيب للمزاح والتغلب على تلك المشكلة..
ويرى البعض : أن هذه العادة من الكذب بدأت وانتشرت في أواخر القرن السادس عشر حيث كان أبريل هو أول شهور السنة ولما كان من عادة الناس التهادي في أوائل السنة فقد غيروا شكل الهدية لتصبح بمرور الوقت " كذبة " تختار بطريقة متقنة بحيث يصدقها الشخص لدرجة كبيرة وبعدها يتم إخباره بالحقيقة وتثار الضحكات فأصبحت هذه الطريقة أفضل لديهم من تقديم الهدية .. ثم انتقلت هذه العادة إلى الشعوب الأخرى حتى خرجت إلى الشعوب العربية والإسلامية وأصبح الكثير يستخدمها ويرددها وأصبح شهر أبريل ملتصقاً بتلك الأكذوبة دون مبرر له..
إذا عرف الكـذاب بالكذب لم يكن
يصدق في شيء وإن كان صادقاً
ومن آفة الكـذاب نسيـان كذبـه
وتلقـاه ذا حفـظ إذا كان صادقا
يجوز الترويح عن النفس بالمزاح الذي لا يدخل في باب الغيبة أو النميمة أو الكذب الذي يضيع حقاً أو يطمس حقيقة أو يضر إنساناً أو المساس بدين أو خلق أو عرض أو كيد.. فالنفس لتمل كما تمل الأبدان.. ولا يعيد إليها نشاطها إلا أن يخرج بها من الجد إلى الهزل.. ومن حكمة طريفة ونادرة لطيفة.. وكان الصحابة رضوان الله عليهم إذا طال بهم مجلس العلم والمذاكرة قالوا : هاتوا من أشعاركم وأخباركم ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة فقد كان يمزح ولا يقول إلا صدقاً.. فعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: << إني لأمزح ولا أقول إلا حقاً>>(مجمع الزوائد ج8 ص89)..
أما حكم الإسلام في " كذبة إبريل" خاصة وفي الكذب عامة حكم واضح لا لبس فيه فقد حرمة مطلقاً ولم يبحه إلا في مواطن محددة في ثلاث حالات فقط للمصلحة التي تترتب عليه وعدم وجود وسيلة أخرى تقوم مقامه من الوسائل التي هي في الأصل مباحة.. وقد أوضحها النبي صلى الله عليه وسلم فعن أسماء بنت يزيد أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يقول : << يا أيها الذين آمنوا ما يحملكم أن تتابعوا في الكذب كما يتتابع الفراش في النار كل الكذب يكتب على ابن آدم إلا في ثلاث خصال : رجل كذب على امرأته ليرضيها أو رجل كذب في خديعة حرب أو رجل كذب بين أمرأين مسلمين ليصلح بينهما >>(مسند أحمد [27611] ج6 ص454)..
فيجوز أن يكذب الرجل على زوجته حين يقول لها أنت أجمل من رأت عيني وأنت أحلى من كل النساء في العالم فهذا الكذب يجوز لإشاعة المحبة والمودة بينهم ولا يجوز أن يكذب عليها إذا ترتب على ذلك إضاعة حقوق أو تساهل في واجب أو التستر على معصية.. كذلك يجور الكذب في الحرب فالحرب خدعة والنيل من العدو بالكذب يجيزه الشرع إن لم يساعد الصدق في ذلك.. كذلك الإصلاح بين متخاصمين حيث يأتي الشخص ليقول بالكذب ما يجعل المياه تعود لمجاريها بين المتخاصمين..
أما كذبة إبريل فهو من الكذب غير الجائز.. فعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :<< إن الرجل ليحدث بالحديث ما يريد به سوء إلا ليضحك به القوم فيجر به أبعد من السماء>>(مجمع الزوائد ج8 ص89)..
وهو نوع من الهزل المذموم لأن صاحب هذه الخصلة لا يعرف بعد ذلك صدقه من كذبه فيذهب بهاء الرجل ويسقط مروءته ويحط من قيمته ويدعو إلى مهانته ويجرئ عليه السفهاء والغوغاء.. وبفعله ذلك يحقر من نفسه ويهينها مع أن من حقها عليه أن يضعها في موضع العزة والكرامة..
إذا أنت لم تعرف لنفسك حقها
هواناً بها كانت على الناس أهونا
وهو تقليد للغرب وقد نهينا عند تقليدهم فلا يجوز الكذب وإن كان للترفيه والمزاح والضحك ويختلف الإثم في الكذب على حسب نوعه وخطورته.. { قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ } (يونس: 69، 70).. { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ } (التوبة: 119).. عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : << بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له.. وجعل رزقي تحت ظل رمحي.. وجعل الذل والصغار على من خالف أمري.. ومن تشبه بقوم فهو منهم>> (مسند أحمد [5667] ج2 ص92)..
ولقد ذكر الصدق في القرآن في أكثر من تسعين موضعاً ولقد لخص الماوردي قي كتابه "أدب الدين والدنيا" دواعي الصدق في أربع نقاط حيث قال:
1ـ العقل : حيث كونه موجباً لقبح الكذب.
2ـ الشرع : حيث ورد بوجوب اتباع الصدق وحظر الكذب والله سبحانه لم يشرع إلا كل خير.
3ـ المروءة : لأنها مانعة من الكذب باعثة على الصدق .
4ـ حب الاشتهار بالصدق : فمن يتمتع بهذا الاشتهار بين الناس لا يرد عليه قوله ولا يلحقه ندم.
وفي ختام مقالنا نتذكر قول الرسول صلى الله عليه وسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :<< كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع>> ( صحيح مسلم [5] ج1 ص10).. وفي رواية: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم << كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع>> (المستدرك على الصحيحين [381] ج1 ص195).. وعن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: << أنا زعيم ببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً>>(الترغيب والترهيب [4313] ج3 ص311).. وعن الحسن بن علي قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم : << دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة>> (سنن الترمذي [2518] ج4 ص668)..
عود لسانك صـدق القول تحفظ بـه
إن اللسـان لمـا عـودت منقـاد
مـوكل بتقاضـي مـا مننـت لـه
في الخير والشر فانظر كيف ترتاد