الورد. . . الاستباحة الدائمة

    • الورد. . . الاستباحة الدائمة







      يستجيب الورد لحاجات كثيرة، وإلا لما كان كليَّ الحضور كثيراً أنَّى اقتعدنا مكاناً أو اتجهنا، لكن الأهم من ذلك هو سهولة إيجاده، سهولة التعامل معه بأكثر من أسلوب، إذ لا أسهل من زراعته، لا أسهل من قطفه، لا أسهل من تحويله من هيئة إلى أخرى، لا أسهل من طرحه ـ رميه جانباً.

      ورد للحياة، ورد للموت، وعلى أو في الطريق ذاته ذي الاتجاهين المتعاكسين، يقيم الورد ويتنفس، حيث نحدد وجهته وفق ذائقة جمالية معينة ألِفناها وتوارثناها، فتعمَّمت وتأصلت في قواعد وتصورات لافتة استجابة للرغبة المزدوجة وبحسب ألوانه المختلفة، والثقافة التي تتأصَّص بها (من الأصيص)، أي بحسب ألوان رغبتنا السالفة.

      بين الحياة والموت إذاً يمكن ملاقاة الورد، تصنيف المرغوب فيه، تصريفه بالطريقة التي تعوَّدناها أو نعتادها! الورد بلونه المنتقى في اليد ومن يد لأخرى، الورد المودع في الواجهة البللورية، الموضوع في كأس ماء على طاولة العمل تحت طائلة يقين شمَّام عطر، الورد المطروح على تراب محفور حديثاً، يواري مَن نعزُّه أو نقدره، أو يتوسطنا الورد لأن علاقة ما تستجوبه ولا مهرب من ذلك، في وداع رحيله الأبدي مزروعاً أو مصنوعاً، الورد في اللوحة وهي في الردهة، في غرفة النوم،.

      في فناء البيت، الورد الذي «نتمكن» منه بيسر وغبطة لنحيل كينونته الوردية إلى عطر، نهتدي به إلى الكثير مما نريد فيما بيننا، أو الورد الذي «نصنع» موديلاً على صورته فقط، أو لنقل بدائل بلاستيكية، فيكون العطر متصوَّراً ربما أملاً بالحصول على نظير يذكّر به، إيحاء إلى وجوده بيننا، الورد المعرَّض للتلف في أول لحظة عنف.

      الورد المحتفى به في معارض له وبأمثلته، تعبيراً عن وعي حضاري، في محاولة تخلص من عنف لا يُراد له ذكرٌ، الورد المقياس للرهيف ولطهرانية معرَّف بها لا يساوَم عليها....الخ، لماذا هذا الشغف الكبير بالورد؟ لكأننا لا نستطيع التواصل في الحياة التي نعيشها دونه، هل ثمة حاجة عضوية، نفسية، ثقافية ما إلى هذا الورد الذي يشاطرنا حياتنا؟

      يستجيب الورد لحاجات كثيرة، وإلا لما كان كليَّ الحضور كثيراً أنَّى اقتعدنا مكاناً أو اتجهنا، لكن الأهم من ذلك هو سهولة إيجاده، سهولة التعامل معه بأكثر من أسلوب، إذ لا أسهل من زراعته، لا أسهل من قطفه، لا أسهل من تحويله من هيئة إلى أخرى، لا أسهل من طرحه/ رميه جانباً.

      وهذا هو الأسلوب الأكثر مدعاة للتساؤل عن هذا الارتباط بالورد، كما لو أننا نغطي على خشونتنا بنعومة مقدَّمة، نتمترس وراء طراوته أحياناً، نموّه عنفنا المستبد فينا بسكينته التي تتخلله كلياً في ملامسته، نمارس الترجمة الكلية الخطأ، الترجمة الخائنة بعبقه رائحةَ تبثها أجسادنا. نشك في عطبها الذاتي لعلَّة فينا أحياناً كثيرة، فنوكل إلى الورد بشكله وأريجه، ليضلل حاسة الشم عند الذي نتوسطه بيننا.

      أو حين نرذرذ بمائه المستخلَص من روحه، إقناعاً ضمنياً لمن نقيم علاقة معه ـ معها «أكثر»، على أن المشموم حقيقتنا في الأغلب، وأننا أيضاً نسمّي حقيقتنا الأخرى وجدانياً في عزاء ما، ونحن نصافح روح الميت الطائف في فضاء لحده، تأكيداً جازماً على أن الورد الذي نضعه على ثرى قبره دفقُ مشاعرنا نحوه... هل نقول هكذا جرى ويجري العرف؟

      فليس من حديث إلا بالإحالة، أو بالمجاز، وللورد حضوره الملحوظ، بحسب تقديرنا للأمور، نظرتنا إلى أنفسنا في سلوكنا اليومي، وكما هو المذكور والمأثور في بطون أدبياتنا التاريخية( في علم الشعراء الذوقي خصوصاً)، وفي حِمى اللوحة الفنية، وفي مساكب الورد، أو محلات بيع الورد بأنواعه: حيث الجمع المفارق بين حيّه وكومبارسه «بديله» المنزوع الروح كلياً، ليكون ملء البصر والشم هذه المرة، وتلك ميزة مركَّبة جلية في عالم المدينة اليوم هنا وهناك كما يعلم المعتنون بالورد وتجار العطور المختلفون..

      لنقل في المقابل بأن الجاري استباحةٌ دائمة للورد، كلما استعدنا أو تأملنا مشاهد حياتية تعنينا لا تخلو من توتر، أو عنف يسِم لغتنا وحركات ظلالنا المتحولة وحتى أحلامنا وأنفاسنا، فيكون الورد النقيضَ، الضحية اللامتناهية في الرقة والبذل، إذ يؤدّي هذا الكم الكبير من الأدوار الوسيطية كما يقول تاريخه المدوَّن: المرئي - الشمي حتى اللحظة.

      لا بديل عنه إذا في أداء هذه المهام التي تملأ علينا أفق حياتنا الشعورية واللاشعورية، وربما لا مناص من بقاء الورد فيما بيننا بأفانينه المختلفة، كلما كاشفنا المدينة البشرية ولو بتفاوتات بيّنة. إن روائحنا النفسية المتزاحمة تعلمنا بذلك في سرَّائنا وضرائنا، والورد خير شاهد. وأظن أن لا مجال مطلقاً للطعن في شهادة الورد هنا!