مجموع فتاوى العلماء في صيام يوم عرفة

    تمر دردشة الساحة الخاصة بالمتصفح والموبايل بفترة صيانة دورية هذا ونعتذر للجميع على الإنقطاع المؤقت بإمكانكم المشاركة في المنتدى لحين عودتها :)

    • مجموع فتاوى العلماء في صيام يوم عرفة

      بسم الله الرحمن الرحيم

      إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

      { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}

      { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}

      { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً}

      أما بعد؛ فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

      إن من علامات إيمان المرء، أن يقدم رضا الله على هواه، حتى يصبح هواه في ترك شهوته لله. فإن للصوم شأناً عظيماً عند الله جل جلاله، فعن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – قال: "كل عمل ابن آدم له؛ الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله عز وجل: إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به..." [متفق عليه] وبهذا علمنا بأن للصائم عند الله شرفاً وفضلاً عظيماً.

      ومن علامات كمال الإيمان أن يحرص المؤمن على إتقان أي عباده؛ ولاسيما الصيام، على وجه الكمال. وعبادة الله على وجه الكمال، لا تكون إلا بعبادته في دينه؛ لا بالبدع. فما من بدعة يتقرب بها الإنسان إلى ربه من عقيدة أو قول أو فعل، فإنه بلا شك تقود إلى الضلال؛ لقول رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم –: "كل بدعة ضلالة" [رواه مسلم] وهذه كليه عامة لا يستثنى منها شيء أبداً.

      فإن من نعم الله أن أيد الله الدين بعلماء صادقين مخلصين بينوا أحكام الدين وأشهروا رايات الحق، كلما كثر الاختلاف وانتشرت البدع والأهواء. ومن هنا كان الاهتمام بتقديم فتاوى العلماء في صوم يوم عرفة وعشر من ذي الحجة ميسرة مفصلة للمسلمين من الأمور الهامة؛ ولذا رأينا أن نقدم هذا الفتاوى لعلماء مجتهدين تخص صوم يوم عرفة، وخصوصاً إن هذا اليوم العظيم على الأبواب.

      وقد اجتهدت في جمع هذه الفتاوى من سالكاً مسلك الاختصار؛ سائلاً المولى جل جلاله أن ينفع به المسلمين والمسلمات، وأن يجعله عدة لي بعد الممات، وطريقاً موصلاً للجنات.

      سئل الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ:
      عن صيام يوم عرفة؟
      فأجاب: إذا كان الإنسان حاجاً وكان بعرفة فإنه لا يصومه. لحديث أبي هريرة – رضي الله عنه - عن النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم –: "نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة" [رواه أبو داود]. وإذا كان غير حاج أو كان حاجاً وليس بعرفة بل لم يأت إليها إلا متأخراً كبعد المغرب فلا يدخل في النهي. وقد روى أبو قتادة – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – أنه قال: " صيام يوم عرفة إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله، والسنة التي بعده، وصيام يوم عاشوراء إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله" [رواه الترمذي وابن ماجه وابن حبان]. والحديث الأول خاص، والثاني عام، فيخرج الخاص من العام. والسلام عليكم.
      المصدر: مجموع فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم، جمع وترتيب وتحقيق محمد بن عبد الرحمن قاسم، ج4 ص204، ط: مطبعة4 الحكومة – مكة المكرمة.

      وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز:
      سماحة الشيخ، كثير من الناس يعتقدون أن صوم يوم عرفة مقرون بصيام اليوم الثامن، فما توجيه سماحتكم؟
      فأجاب: صوم يوم عرفة مستقل، وله فضل عظيم يكفر الله به السنة التي قبله والسنة التي بعده أما الحاج فلا يجوز له أن يصوم يوم عرفة؛ لأن النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – وقف في ذلك اليوم وهو مفطر.
      المصدر: مجموع فتاوى ومقالات متنوعة عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن بن باز، جمع وترتيب وإشراف: محمد بن سعد الشويعر، ج15 ص405، ط: دار بلنسية – الرياض.

      وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز:
      ما حكم من صام يوم عرفة وهو حاج؟ ولو صادف يوم عرفة يوم جمعة فماذا يعني ذلك؟
      فأجاب: الحاج ليس عليه صيام يوم عرفة وإن صام يخشى عليه الإثم؛ لأن رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة ولم يصم. فالحاج لا يصوم. وإن تعمد الصيام وهو يعلم النهي يخشى عليه الإثم؛ لأن الأصل في النهي هو التحريم.
      المصدر: مجموع فتاوى ومقالات متنوعة عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن بن باز، جمع وترتيب وإشراف: محمد بن سعد الشويعر، ج15 ص405-406، ط: دار بلنسية – الرياض.

      وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:
      ما حكم من صام يوم عرفة بقصد التطوع وعليه أيام من رمضان؟
      فأجابت: من صام يوم عرفة بقصد التطوع وعليه أيام من رمضان فصيامه صحيح، والمشروع له أن لا يؤخر القضاء؛ لأن نفسه بيد الله ولا يدري متى يأتيه الأجل، ولو صام يوم عرفة عن بعض أيام رمضان لكان أولى من صيامه تطوعاً؛ لأن الفرض مقدم على النافلة، وهو أولى بالعناية.
      المصدر: فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، جمع وترتيب أحمد بن الرزاق الدويش، فتوى رقم 2187، ط: دار العاصمة – الرياض.

      وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:
      أفطرت يوماً من رمضان لشدة المرض، فهل يجوز لي أن أقضيه يوم عرفة يوم الحج؟ علماً بأني قد صمته؟
      فأجابت: إذا كنت صمت يوم عرفة قضاء عن اليوم الذي أفطرته من رمضان فإنه يجزئك قضاء عن اليوم الذي أفطرته، لكن الأفضل أن يقضي الإنسان ما عليه من الصوم في غير يوم عرفة؛ ليتفرغ فيه للذكر والدعاء ونحوها من النسك إذا كان حاجاً، ويصومه تطوعاً إذا كان غير حاج فيجمع بذلك بين فضيلة التطوع بالصوم يوم عرفة، وفريضة القضاء في يوم آخر، وخروجاً من الخلاف في كراهة القضاء في تسعة الأيام الأولى من شهر ذي الحجة. وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
      المصدر: فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، جمع وترتيب أحمد بن الرزاق الدويش، فتوى رقم 2174، ط: دار العاصمة – الرياض.

      وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية:
      عن أهل مدينة رأى بعضهم هلال ذي الحجة، ولم يثبت عند حاكم المدينة: فهل لهم أن يصوموا اليوم الذي في الظاهر التاسع. وان كان في الباطن العاشر؟
      فأجاب: نعم. يصومون التاسع في الظاهر المعروف عند الجماعة، وان كان في نفس الأمر يكون عاشراً، ولو قدر ثبوت تلك الرؤية. فإن في السنن عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - إنه قال: "صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون واضحاكم يوم تضحون" [أخرجه أبو داود وابن ماجه والترمذي وصححه] وعن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: قال رسول الله: "الفطر يوم يفطر الناس والأضحى يوم يضح الناس" [ رواه الترمذي] وعلى هذا العمل عند أئمة المسلمين كلهم. فإن الناس لو وقفوا بعرفة في اليوم العاشر خطأ أجزأهم الوقوف بالاتفاق، وكان ذلك اليوم يوم عرفة في حقهم. ولو وقفوا الثامن خطأ ففي الأجزاء نزاع. والأظهر صحة الوقوف أيضاً، وهو احد القولين في مذهب مالك، ومذهب أحمد وغيره. قالت عائشة - رضي الله عنها -: "إنما عرفة اليوم الذي يعرفه الناس" وأصل ذلك أن الله سبحانه وتعالى علق الحكم بالهلال والشهر فقال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} والهلال اسم لما يستهل به: أي يعلن به، ويجهر به فإذا طلع في السماء ولم يعرفه الناس ويستهلوا لم يكن هلالا. وكذا الشهر مأخوذ من الشهرة، فإن لم يشتهر بين الناس لم يكن الشهر قد دخل، وإنما يغلط كثير من الناس في مثل هذه المسألة، لظنهم انه إذا طلع في السماء كان تلك الليلة أول الشهر، سواء ظهر ذلك للناس واستهلوا به أولا. وليس كذلك؛ بل ظهوره للناس واستهلالهم به لابد منه؛ ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: "صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون" : أي هذا اليوم الذي تعلمون انه وقت الصوم، والفطر، والأضحى. فإذا لم تعلموه لم يترتب عليه حكم. وصوم اليوم الذي يشك فيه هل هو تاسع ذي الحجة؟ أو عاشر ذي الحجة؟ جائز بلا نزاع بين العلماء؛ لأن الأصل عدم العاشر. كما أنهم لو شكوا ليلة الثلاثين من رمضان؛ هل طلع الهلال؟ أم لم يطلع؟ فإنهم يصومون ذلك اليوم المشكوك فيه باتفاق الأئمة. وإنما يوم الشك الذي رويت فيه الكراهة الشك في أول رمضان؛ لأن الأصل بقاء شعبان. وإنما الذي يشتبه في هذا الباب مسألتان: أحداهما: لو رأى هلال شوال وحده، أو اخبره به جماعة يعلم صدقهم: هل يفطر؟ أم لا؟ والثانية: لو رأى هلال ذي الحجة، أو أخبره جماعة يعلم صدقهم، هل يكون في حقه يوم عرفة، ويوم النحر هو التاسع، والعاشر بحسب هذه الرؤية التي لم تشتهر عند الناس؟ أو هو التاسع والعاشر الذي اشتهر عند الناس؟ فأما المسألة الأولى: فالمنفرد برؤية هلال شوال، لا يفطر علانية، باتفاق العلماء. إلا إن يكون له عذر يبيح الفطر كمرض وسفر، وهل يفطر سراً على قولين للعلماء أصحهما لا يفطر سراً، وهو مذهب مالك، واحمد في المشهور في مذهبهما. وفيهما قول انه يفطر سراً كالمشهور في مذهب أبي حنيفة، والشافعي، وقد روى أن رجلين في زمن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - رأيا هلال شوال، فأفطر أحدهما، ولم يفطر الآخر. فلما بلغ ذلك عمر قال للذي افطر: "لولا صاحبك لأوجعتك ضرباً". والسبب في ذلك أن الفطر يوم يفطر الناس، وهو يوم العيد، والذي صامه المنفرد برؤية الهلال ليس هو يوم العيد الذي نهى النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - عن صومه، فإنه نهى عن صوم يوم الفطر، ويوم النحر وقال: "أما أحدهما فيوم فطركم من صومكم، وأما الآخر فيوم تأكلون فيه من نسككم" فالذي نهى عن صومه هو اليوم الذي يفطره المسلمون وينسك فيه المسلمون. وهذا يظهر بالمسألة الثانية، فانه لو انفرد برؤية ذي الحجة لم يكن له أن يقف قبل الناس في اليوم الذي هو في الظاهر الثامن، وان كان بحسب رؤيته هو التاسع، وهذا لأن في انفراد الرجل في الوقوف، والذبح، من مخالفة الجماعة ما في إظهاره للفطر. وأما صوم يوم التاسع في حق من رأى الهلال، أو اخبره ثقتان أنهما رأيا الهلال، وهو العاشر بحسب ذلك، ولم يثبت ذلك عند العامة، وهو العاشر بحسب الرؤية الخفية، فهذا يخرج على ما تقدم. فمن أمره بالصوم يوم الثلاثين الذي هو بحسب الرؤية الخفية من شوال، ولم يأمره بالفطر سراً، سوغ له صوم هذا اليوم، واستحبه؛ لأن هذا هو يوم عرفة، كما أن ذلك من رمضان، وهذا هو الصحيح الذي دلت عليه السنة والاعتبار. ومن أمره بالفطر سرا لرؤيته، نهاه عن صوم هذا اليوم عند هذا القائل، كهلال شوال الذي انفرد برؤيته. فإن قيل قد يكون الإمام الذي فوض إليه إثبات الهلال مقصراً، لرده شهادة العدولً إما لتقصيره في البحث عن عدالتهم. وإما رد شهادتهم لعداوة بينه وبينهم، أو غير ذلك من الأسباب، التي ليست بشرعية، أو لاعتماده على قول المنجم الذي زعم انه لا يرى. قيل: ما يثبت من الحكم لا يختلف الحال فيه بين الذي يؤتم به في رؤية الهلال، مجتهداً مصيباً كان أو مخطئاً، أو مفرطاً، فإنه إذا لم يظهر الهلال ويشتهر بحيث يتحرى الناس فيه. وقد ثبت في الصحيح إن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - قال في الأئمة: "يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم". فخطؤه وتفريطه عليه، لا على المسلمين الذين لم يفرطوا، ولم يخطئوا. ولا ريب أنه ثبت بالسنة الصحيحة واتفاق الصحابة انه لا يجوز الاعتماد على حساب النجوم، كما ثبت عنه في الصحيحين إنه قال: "إنا امة أمية لا نكتب، ولا نحسب، صوموا لرؤيته؛ وأفطروا لرؤيته". والمعتمد على الحساب في الهلال، كما أنه ضال في الشريعة، مبتدع في الدين، فهو مخطىء في العقل، وعلم الحساب. فإن العلماء بالهيئة يعرفون أن الرؤية لا تنضبط بأمر حسابي، وإنما غاية الحساب منهم إذا عدل أن يعرف كم بين الهلال والشمس من درجة وقت الغروب مثلاً؛ لكن الرؤية ليست مضبوطة بدرجات محدودة، فإنها تختلف باختلاف حدة النظر وكلاله، وارتفاع المكان الذي يتراءى فيه الهلال، وانخفاضه، وباختلاف صفاء الجو وكدره. وقد يراه بعض الناس لثمان درجات، وآخر لا يراه لثنتى عشر درجة؛ ولهذا تنازع أهل الحساب في قوس الرؤية تنازعاً مضطرباً، وأئمتهم: كبطليموس، لم يتكلموا في ذلك بحرف، لأن ذلك لا يقوم عليه دليل حسابي. وإنما يتكلم فيه بعض متأخريهم، مثل كوشيار الديلمي، وأمثاله. لما رأوا الشريعة علقت الأحكام بالهلال، فرأوا الحساب طريقا تنضبط فيه الرؤية، وليست طريقة مستقيمة، ولا معتدلة، بل خطؤها كثير، وقد جرب، وهم يختلفون كثيراً: هل يرى؟ أم لا يرى؟ وسبب ذلك: أنهم ضبطوا بالحساب ما لا يعلم بالحساب، فأخطأوا طريق الصواب، وقد بسطت الكلام على ذلك في غير هذا الموضع، وبينت أن ما جاء به الشرع الصحيح هو الذي يوافقه العقل الصريح، كما تكلمت على حد اليوم أيضاً، وبينت أنه لا ينضبط بالحساب؛ لأن اليوم يظهر بسبب الأبخرة المتصاعدة، فمن أراد أن يأخذ حصة العشاء من حصة الفجر، إنما يصح كلامه لو كان الموجب لظهور النور وخفائه مجرد محاذاة الأفق التي تعلم بالحساب. فأما إذا كان للأبخرة في ذلك تأثير، والبخار يكون في الشتاء والأرض الرطبة أكثر مما يكون في الصيف والأرض اليابسة. وكان ذلك لا ينضبط بالحساب، فسدت طريقة القياس الحسابي. ولهذا توجد حصة الفجر في زمان الشتاء أطول منها في زمان الصيف. والآخذ بمجرد القياس الحسابي يشكل عليه ذلك، لأن حصة الفجر عنده تتبع النهار وهذا أيضاً مبسوط في موضعه، والله سبحانه اعلم. وصلى الله على محمد.
      المصدر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد العاصمي، ج25 ص202-208، ط: دار عالم الكتب – الرياض.

      وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:
      هل نستطيع أن نصوم هنا يومين لأجل صوم يوم عرفة؛ لأننا هنا نسمع في الراديو أن يوم عرفة غداً يوافق ذلك عندنا الثامن من شهر ذي الحجة؟
      فأجابت: يوم عرفة هو اليوم الذي يقف الناس فيه بعرفة، وصومه مشروع لغير من تلبس بالحج، فإذا أردت أن تصوم فإنك تصوم هذا اليوم، وإن صمت يوماً قبله فلا بأس، وإن صمت الأيام التسعة من أول ذي الحجة فحسن؛ لأنها أيام شريفة يحتسب صومها؛ لقول النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم –: "ما من أيام العمل الصالح فيهن خير وأحب إلى الله من هذه الأيام العشر" قيل: "يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: "ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله، ثم لم يرجع من ذلك بشيء" [رواه البخاري]. وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
      المصدر: فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، جمع وترتيب أحمد بن الرزاق الدويش، فتوى رقم 4052، ط: دار العاصمة – الرياض.

      وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية:
      عن عشر ذي الحجة، والعشر الأواخر من رمضان. أيهما أفضل؟
      فأجاب: أيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام العشر من رمضان، والليالي العشر الأواخر من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة. قال ابن القيم: وإذا تأمل الفاضل اللبيب هذا الجواب. وجده شافياً كافياً، فإنه ليس من أيام العمل فيها أحب إلى الله من أيام العشر ذي الحجة، وفيها: يوم عرفة، ويوم النحر، ويوم التروية. وأما ليالي عشر رمضان فهي ليالي الإحياء، التي كان رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – يحييها كلها، وفيها ليلة خير من ألف شهر. فمن أجاب بغير هذا التفصيل، لم يمكنه أن يدلي بحجة صحيحة.
      المصدر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد العاصمي، ج25 ص287، ط: دار عالم الكتب – الرياض.

      وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز:روى النسائي في سننه عن أم المؤمنين حفصة – رضي الله عنها – أن رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – كان لا يدع ثلاثاً: صيام العشر، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتين قبل الغداة. وروى مسلم في صحيحه عن عائشة – رضي الله عنها – قولها: ما رأيت رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – صائماً في العشر قط. وفي رواية: لم يصم العشر قط. وقد ذكر الشوكاني في الجزء الرابع ص324 من نيل الأوطار قول بعض العلماء في الجمع بين حديثين، حديث حفصة وحديث عائشة، إلا أن الجمع غير مقنع، فلعل لدى سماحتكم جمعاً مقنعاً بين الحديثين؟
      فأجاب: قد تأملت الحديثين وأتضح لي أن حديث حفصة فيه اضطراب، وحديث عائشة أصح منه. والجمع الذي ذكره الشوكاني فيه نظر، ويبعد جداً أن يكون النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – يصوم العشر ويخفى ذلك عن عائشة، مع كونه يدور عليها في ليلتين ويومين من كل تسعة أيام؛ لأن سودة وهبت يومها لعائشة، وأقر النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – ذلك، فكان لعائشة يومان وليلتان من كل تسع. ولكن عدم صومه – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – العشر لا يدل على عدم أفضلية صيامها؛ لأن النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – قد تعرض له أمور تشغله عن الصوم. وقد دل على فضل العمل الصالح في أيام العشر حديث ابن عباس المخرج في صحيح البخاري، وصومها من العمل الصالح. فيتضح من ذلك استحباب صومها في حديث ابن عباس، وما جاء في معناه. وهذا يتأيد بحديث حفصة وإن كان فيه بعض الاضطراب، ويكون الجمع بينهما على تقدير صحة حديث حفصة أن النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – كان يوم العشر في بعض الأحيان، فاطلعت حفصة على ذلك وحفظته، ولم تطلع عليه عائشة، أو طلعت عليه ونسيته. والله ولي التوفيق.
      المصدر: مجموع فتاوى ومقالات متنوعة عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن بن باز، جمع وترتيب وإشراف: محمد بن سعد الشويعر، ج15 ص417-418، ط: دار بلنسية – الرياض.

      وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز:
      ما رأي سماحتكم في رأي من يقول صيام عشر ذي الحجة بدعة؟
      فأجاب: هذا جاهل يُعلم، فالرسول – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – حض على العمل الصالح فيها والصيام من العمل الصالح؛ لقول النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم –: "ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر" قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله. قال: "ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ولم يرجع من ذلك بشيء" [رواه البخاري في الصحيح]. ولو كان النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – ما صام هذه الأيام، فقد روي عنه – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – أنه صامها، وروي عنه أنه لم يصمها؛ لكن العمدة على القول، القول أعظم من الفعل، وإذا اجتمع القول والفعل كان آكد للسنة؛ فالقول يعتبر لوحده؛ والفعل لوحده، والتقرير وحده، فإذا قال النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – قولاً أو عملاً أو أقر فعلاً كله سنة، لكن القول أعظمها هو أعظمها وأقواها ثم الفعل ثم التقرير، والنبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – قال: "ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام" يعني العشر فإذا صامها أو تصدق فيها فهو على خير عظيم، وهكذا يشرع فيها التكبير والتحميد والتهليل؛ لقوله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم –: "ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه من العمل فيهن من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد" وفق الله الجميع.
      المصدر: مجموع فتاوى ومقالات متنوعة عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن بن باز، جمع وترتيب وإشراف: محمد بن سعد الشويعر، ج15 ص419-420، ط: دار بلنسية – الرياض.


      وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:
      اختلف الناس هنا في صوم يوم عرفة لهذا العام، حيث صادف يوم السبت فمنهم من قال إن هذا يوم عرفة نصومه لأنه يوم عرفة وليس لكونه يوم السبت المنهي عن صيامه، ومنهم من لم يصمه لكونه يوم السبت المنهي عن تعظيمه مخالفة لليهود، وأنا لم أصم خذا اليوم وأنا في حيرة من أمري، وأصبحت لا أعرف الحكم الشرعي لهذا اليوم، وفتشت عنه في الكتب الشرعية والدينية فلم أصل إلى حكم واضح قطعي حول هذا اليوم، أرجو من سماحتكم أن ترشدني إلى حكم الشرعي وأن ترسله لي خطياً ولكم من الله الثواب على هذا وعلى ما تقدموه للمسلمين من العلم النافع لهم في الدنيا والآخرة.
      فأجابت: يجوز صيام يوم عرفة مستقلاً سواء وافق يوم السبت أو غيره من أيام الأسبوع لأنه لا فرق بينها؛ لأن صوم يوم عرفة سنة مستقلة وحديث النهي عن يوم السبت ضعيف؛ لاضطرابه وخالفته للأحاديث الصحيحة. وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
      المصدر: فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، جمع وترتيب أحمد بن الرزاق الدويش، فتوى رقم 11747، ط: دار العاصمة – الرياض.

      وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز:
      هل حديث النهي عن صوم يوم السبت إلا فيما افترض علينا صحيح؟
      فأجاب: الحديث المذكور غير صحيح؛ لاضطرابه وشذوذه كما نبه على ذلك الكثير من الحفاظ؛ لأنه قد صح عن النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – أنه قال: "لا تصوموا يوم الجمعة إلا أن تصوموا يوماً قبله أو يوماً بعده" متفق على صحته. واليوم الذي بعده هو يوم السبت. والحديث المذكور صريح في جواز صومه نافلة مع الجمعة. وصح عنه – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – أنه كان يصوم يوم السبت ويوم الأحد، ويقول: "إنهما يوما عيد للمشركين وأنا أريد أن أخالفهم" [رواه أحمد والنسائي وصححه ابن خزيمة].
      المصدر: مجموع فتاوى ومقالات متنوعة عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن بن باز، جمع وترتيب وإشراف: محمد بن سعد الشويعر، ج15 ص411، ط: دار بلنسية – الرياض.

      وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:
      قد احتدم النقاش بين طلاب العلم فضلاً عن العامة في صوم يوم الجمعة، وإن وافق يوم عرفة؛ فهل يجوز صومه منفرداً إن جاء يوم (جمعة) أم يجب صوم يوماً قبله أو بعده علماً بأنه إن جاء يوم جمعة تعارض مع أحاديث النهي عن صوم يوم الجمعة، فنرجو من فضيلتكم إزالة الالتباس وتوضيح الحكم الشرعي الصحيح ولكم من الله خير جزاء.
      فأجابت: يشرع صوم يوم عرفة إذا صادق يوم جمعة ولو بدون صوم يوم قبله؛ لما ثبت عن النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – من الحث على صومه وبيان فضله وعظيم ثوابه. قال رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم –: "يوم عرفة يكفر سنتين، اضية ومستقبلة وصوم يوم عاشوراء يكفر سنة ماضية" [رواه أحمد ومسلم وأبو داود]. وهذا الحديث مخصص لعموم حديث: "لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم يوماً قبله أو بعده" [رواه البخاري ومسلم]. فيكون عموم النهي محمولاً على ما إذا أفرده المسلم بالصوم؛ لكونه يوم جمعة، أما من صامه لأمر آخر رغب فيه الشرع وحث عليه، فليس بممنوع بل مشروع، ولو أفرده بالصوم. لكن إن صام يوماً قبله كان أولى لما فيه من الاحتياط بالعمل بالحديثين ولزيادة الأجر. وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
      المصدر: فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، جمع وترتيب أحمد بن الرزاق الدويش، فتوى رقم 6655، ط: دار العاصمة – الرياض.

      وفي الختام فهذا جهد المقل أقدمه، فما كان فيه من صواب فمن الله وهو المحمود على توفيقه، وما كان فيه من خطأ فمني ومن الشيطان. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. والله أعلم، وصلى الله علي نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

      وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

      أخوكم الفقير إلى الله الغني المنان/ أبو إبراهيم أحمد الرئيسي.
      8 من ذي الحجة 1423هـ.