قمة العرب الطارئة

    تمر دردشة الساحة الخاصة بالمتصفح والموبايل بفترة صيانة دورية هذا ونعتذر للجميع على الإنقطاع المؤقت بإمكانكم المشاركة في المنتدى لحين عودتها :)

    • قمة العرب الطارئة

      قبل عشرة أيام فقط أعلن الرئيس حسني مبارك أن العرب لا يستطيعون منع الحرب المقبلة علي العراق أو تأجيلها، ولهذا لا توجد أي فائدة من عقد قمة عربية طارئة أو حتى عادية.
      قبل خمسة أيام دعا الرئيس مبارك إلى عقد قمة عربية طارئة في مقر الجامعة في القاهرة لبحث الملف العراقي، وجري الإيعاز لوزير الخارجية المصري احمد ماهر للدعوة لعقد مؤتمر عاجل لوزراء الخارجية العرب للتمهيد لهذه القمة وتحديد موعد لها، وهذا ما حصل يوم الأحد.
      موعد انعقاد القمة الطارئة كان موضوع خلاف، وكذلك جدول أعمالها، وانفض اجتماع وزراء الخارجية بعد إصدار بيان سياسي هزيل يعكس حال الهوان والهزال الذي وصل أليه النظام العربي الرسمي.
      البيان تضمن فقرة تحتاج إلى كل خبراء النفاق والحلول الوسط ومنظري الاستسلام لتوظيف خبراتهم وألاعيبهم البهلوانية اللغوية من اجل تفسيرها، تقول إن الدول العربية تعارض أي عدوان علي العراق، مثلما تعارض أي عدوان علي الكويت.
      خمسة عشر مليون متظاهر من ذوي العيون الزرقاء والبشرة الشقراء خرجوا في شوارع العواصم والمدن الأوروبية والأمريكية لمعارضة الحرب ضد العراق، ولم نر متظاهرا واحدا، حتى في الكويت نفسها، يعارض أو حتى يحذر من عدوان علي الكويت. فمن أين اخترع لنا وزراء الخارجية العرب، هذا العدوان علي الكويت، وكيف يرونه هم وحدهم، ولا يراه خمسة مليارات مواطن في العالم بأسره؟
      في عام 1990، تعرضت الكويت إلى عدوان واحتلال، وجرت الإطاحة بنظامها، وتعيين حكومة ثورية مكانه، ثم استقر الرأي علي ضمها وتحويلها إلى المحافظة التاسعة عشرة، وازيلت من الخريطة كدولة عضو في الجامعة والأمم المتحدة ومنظمة المؤتمر الإسلامي وكل الدورات الرياضية، هذا الوضع لم يدم إلا سبعة اشهر فقط، وعادت الكويت إلى صورتها السابقة، وعادت حكومتها وبرلمانها وصحافتها وخدمها وحشمها.
      اليوم الكويت هي المعتدية علي العراق وهي القاعدة الرئيسية التي ستنطلق منها القوات الأمريكية لاحتلال البصرة والناصرية والحلة والسماوة وبغداد. وجري إغلاق ثلثي أراضيها وتحويلها إلى منطقة عسكرية مغلقة تحتوي مطارات ومستودعات أسلحة ومهاجع طائرات ومنصات صواريخ وثكنات لاستيعاب 115 ألف جندي أمريكي باعتراف وزير الدفاع الكويتي.
      فبعد وجود كل هذه القوات، وما يدعمها من دبابات وست حاملات طائرات وغواصتين نوويتين، تسبحان في
      مؤتمر القمة العربي، الطارئ منه أو العادي، يمكن أن ينعقد من اجل أحد هدفين رئيسيين لا ثالث لهما: الأول مباركة العدوان الأمريكي المقبل علي العراق ودعمه عسكريا وماليا، مثلما حدث في قمة القاهرة الطارئة في اب (اغسطس) عام 1990 تجاه العدوان العراقي علي الكويت. والثاني معارضة هذا العدوان قولا وفعلا، وإرسال قوات عربية إلى بغداد لمواجهته تماما مثلما حدث عندما أرسلت مصر وسورية ودول الخليج الست قوات إلى الكويت لاخراج الجنود العراقيين منها.
      من الواضح إن القمة العربية الطارئة التي دعا إليها الرئيس مبارك، ولا نعرف كيف تغير موقفه من عدم فائدتها إلى ضرورة التعجيل في عقدها في اقل من خمسة أيام، هذه القمة لن تبحث كيفية دعم العراق في مواجهة العدوان، كما أنها لن تتخذ قرارا بإرسال قوات مصرية وسورية وسعودية إلى بغداد لتتخندق مع أهلها دفاعا عنها في مواجهة الإرهاب الأمريكي الزاحف. فالدلائل لا توحي بذلك علي الاطلاق، والا لشاهدنا تعبئة إعلامية وسياسية ومن ثم عسكرية في عواصم هذه الدول تمهد لهذا الخيار.
      القمة العربية المقبلة ستحاول إخراج الولايات المتحدة من أزمتها الحالية، وإنقاذ ماتبقي من دماء الحياء في وجه النظام الرسمي العربي، وهي قليلة جدا علي أي حال، وذلك بإلقاء اللوم كله علي النظام العراقي، وتحميله وحده مسؤولية العدوان، إذا لم يستجب إلى نصائح أشقائه العرب، بالتنحي عن الحكم، وتسليم مفاتيح بغداد، علي باقة من الزهور، إلى الجنرال تومي فرانكس قائد القوات الأمريكية، والرحيل إلى مكة لقضاء ما تبقي من عمره متهجدا في مسجدها الحرام، ساجدا لله حمدا علي نعمته، وشاكرا للزعماء العرب مشاعرهم الوطنية المشرفة تجاهه، وتجاه هذا العراق العظيم، وإذا كان يفضل القاهرة، تعطشا لمياه نيلها العذبة، فعلي الرحب والسعة، فالقاهرة التي فتحت أبوابها لشاه إيران، لن تغلقها في وجه زعيم عربي يمكن أن تساعد مغادرته في تحقيق حلم أمريكي تصبو إليه من خلال احتلال العراق والمنطقة بأسرها دون حرب.
      الكويت تطلب من الدول الخليجية تطبيق معاهدة الدفاع الخليجية المشتركة، فتبادر دول الخليج إلى إرسال قوات درع الجزيرة فورا لحمايتها من العدوان العراقي الوهمي، تري ماذا لو طلب العراق من الدول نفسها الالتزام بقرارات معاهدة الدفاع العربي المشترك، وإرسال قوات مماثلة إلى بغداد هل تستجيب هذه الدول، ودول أخرى غير خليجية، مثل مصر وسورية والأردن، إلى هذا الطلب؟
      الإجابة قطعا لا كبيرة، لأن القوات العربية لم تعد تتحرك إلا بموافقة أمريكية، مباشرة أو ضمنية، والشيء نفسه يقال أيضا عن عقد القمم العربية ومواعيدها. وأمريكا تريد أن تتحرك القوات العربية نحو بغداد، ليس للدفاع عنها، وانما للمشاركة في احتلالها وتسليمها للإدارة العسكرية الأمريكية الجديدة.
      قمة القاهرة الطارئة، ستكون استكمالا لقمة القاهرة الطارئة الأولي التي شرعت العدوان علي العراق عام 1990، ومن اجل الهدف نفسه، أي تحرير العراق، بالطريقة نفسها التي تم فيها تحرير الكويت، واعادة رسم خريطة المنطقة وفق المصالح الأمريكية، أي تنصيب إسرائيل وزعيمها شارون حاكما عاما علي المنطقة، ونقل مقر جامعة الدول العربية إلى تل أبيب.


      منقــــــــول عن جريدة القدس العربي
      بقلم الأستاذ/ عبد الباري عطوان