حصاد السنين

    • حصاد السنين

      حصاد السنين

      ذات يوم كنت في زيارة إحدى صديقاتي...
      ابنة السابعة عشر.. أمها تصرخ وتشتكي من عدم طاعتها وعدم برها.
      الابنة تدير وجهها وترمي حقيبتها على جنب وتذهب بكبريائها إلى حجرتها.
      صوت الأم وهي تصرخ:
      أما تريدين أن تسمعي كلامي، لقد أصبح عمرك سبع عشرة سنة.........
      فكرت في كلماتها.........سبعة عشر سنة!إنني لا ألوم البنت على كبريائها..ولا يعني ذلك أنني أؤيدها على ذلك فعلاجها غير... لكن اللوم ليس علاجها...
      نعم لقد كبرت البنت وأصبح عمرها سبعة عشر سنة ولكن كيف كبرت؟ وماذا أثمرت ؟
      هي أو ابنها الذي يلحقها في السن وتشتكي منه في أحيان كثيرة بسهره أو صحبته السيئة أو عدم بره..
      أبدت لي فرحتها بزيارتي لها ،وبأنها كانت في همٍّ قد لحق بها ،همُّ أبنائها الذين كبروا،بعد أن ترعرعوا في أحضانها...
      سألتها:لماذا الهمُّ؟فالهمُّ لا يأتي إلا بالتعلق، قد تكونين قد علقت بهم آمالا كبيرة ؟!!!
      قالت لي :وهل هذا سؤال،ألا أعلق بهم آمالي وهم أبنائي؟
      قلت لها:هنا يكمن منشأ الخطأ .....أن نعلق آمالنا بأبنائنا بدلا من أن نعلقها بإلهنا....
      قالت لي : ماذا؟!!!!! نعلقها بإلهنا
      قلت لها: نعم ، نعلق آمالنا بإلهنا ،ويكون هو ملجأنا من يوم حمل الأم بهم إلى ما شاء الله ...
      فيكون الدعاء أول وسيلة نتخذها لصلاحهم ،والاستعانة والتوكل والإنابة ،هكذا كان نهج الأنبياء والصالحين ..
      قالت :نعم وكأنني أذكر ..."ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين لنا واجعلنا للمتقين إماما".
      "رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء"
      قلت لها:وأيضا يظهر مبدأ الإخلاص .... أن نخلص تربيتنا لهم من كل ما يتعلق بها من شوائب الهوى،وأن نعلقها بكل ما يبدي فيه مراقبة الله عز وجل لينشئوا على مبدأ الإخلاص لله كما ينبغي ويراقبوا الله كما ينبغي...
      قالت لي : يعني تقصدين أننا غير مخلصين والله إننا مخلصين ..!!
      قلت لها :قليلا من التمعن يظهر لنا أنحن مخلصين أم أننا غير مخلصين !! ونستطيع أن نحصر شوائب الهوى ........
      قالت لي: وكيف ذلك،ماذا تعنين بشوائب الهوى؟
      قلت لها :في كثير من الأحيان آثرنا راحتنا على تقويمهم ،والتضحية لهم ،وبذل الجهد..
      فإيثار الراحة على بذل الجهد شائبة من الشوائب
      ،فمثلا أما وكلنا أمرهم إلى الخدم والسائقين ؟
      قالت لي: أراك دائما تنقدين الخدم والسائقين وكأنه لم يبقى لك غيره من الموضوع
      قلت لها: لقد جاء في الحديث :"إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه.." هل نستطيع الإتقان في عمل ونحن لا شرف عليه ولا ندري ما الذي يحصل لهم وبهم وفيهم ..قتل حرق اغتصاب
      ومثال آخر أما تركناهم ضحية الشاشات ...
      هذه شائبة أخرى من شوائب الهوى..
      وهل تحرمين الشاشات أيضا ؟
      قلت لها وفيم التعقيد،إن قمتما بالضبط والتوجيه بضع الحدود والأهداف
      أتذكرين ذلك اليوم الذي كنت لا تبالين تركهما منفردين مع الخادمة أو السائق،وأنت لا تدركين خطورة ذلك....أو تتركيهم مع الهاتف ،أو تتركيهم يقضون ساعات طويلة خارج المنزل وأنت أو والدهم لا تباليان بذلك
      اللامبالاة شائبة من شوائب الهوى
      أتذكرين ذلك اليوم الذي كنت تفتخرين فيه بجمال ابنتك وتختارين لها ما تشائين من اللباس الذي ينافي الحياء الحشمة.
      الافتخار والإعجاب شائبة من شوائب الهوى
      ثم أتذكرين ذلك اليوم الذي كنت تفتخرين بتدليل ابنك وتلبية جميع الرغبات له وأن والداهما لا ينقصه شيء ..
      فالمظاهر شائبة ثالثة من شوائب الهوى
      وذلك كله نشأ عن قلة مراقبتنا لله عز وجل في تربيتنا لهم،وتحديد الهدف الصحيح ،فنشئوا على قلة مراقبة الله في عملهم معنا أو مع غيرنا،ونشئوا تائهين ليس لهم وجهة يتوجهون إليها ويعملون من أجلها ..
      أما قرأت :"كما تدين تُدان".
      إنهم حصاد السنين
      نعم...
      هي وهو / شجرة الآن لكنك أنت التي غرستها وسقيتها على مر السنين.
      وكل يوم من هذه السنين السبعة عشر هي بمثابة قضم شربتها ابنتك أو ابنك بما رويتهما أنت وزوجك
      حينا أخلاق وحينا عبادات وحينا آخر معاملات وحينا رابع توجهات.........ولا تنسيا أنكما أحطتما ذلك بـ: العلاقات،والعواطف والمشاعر......
      قالت لي:عواطف ،مشاعر، علاقات..؟!!!
      قلت لها : نعم إشباعهم العواطف بمحبتهم ،واحتواؤهم بالمشاعر بذكرها لهم ،وتحسين العلاقات علاقتكما بهم وعلاقتهم بكما... بالجلوس معهم والتحدث معهم
      والإشباع العاطفي له دور كبير في لجوئهم إليكما في كل شيء، وكونهم كتابا مفتوحا أمامكما في كل حين يساعدكما على التحكم في سلوكهم بكل سهولة ويسر.
      وضرورة الاهتمام بهم في نعومة أظفارهم كان من أهم ما كان يشغل بالكما..
      الانضباط في تلبية رغبات البنين والبنات لا يعني نقص شيء من المال أو الجاه لديك..
      والحزم لتضبيط السلوك لديهم لا يعني الاعتداء عليهم
      والجدية لتوجيههم ومحاسبتهم لا ينافي محبتكما لهم
      وكل ذلك يعني تقويم الذات ..وغرس الصفات..
      و من جهة أخرى كنت لا تبالين بأوقات نوميهما واستيقاظهما،وبكيفية تدريسهما ودراستهما سوى شراء متطلبات المدرسة..
      قالت لي:وما دخل النوم والاستيقاظ الآن ..
      قلت لها : كل أمر حلقة تتصل بالأمر الذي يليه،فاحترام المواعيد والنظام من أهم الأمور التي تقوم تصرفاتهم
      عزيزتي..
      أتعتقدين أن الشجرة التي لا راعي لها تثمر؟
      تأوهت......ووضعت اللوم على أبيهما حينا وعلى الصحبة حينا آخر وعلى الزمن حينا ثالث... وكأنها أدركت خطئهما في سنين الزرع ..
      قلت لها: نحن لسنا بحاجة إلى دواء اللوم .... نحن بحاجة إلى عمل يدوم...
      وكل ذلك يكمن في تحسين علاقتنا بالباري، فاللجوء إلى الله بصدق وعزيمة هو الخلاص الوحيد مما وقعنا فيه كلنا ..
      الشعور بالمسئولية- الاهتمام- الحرص- الانضباط –الحزم – الجدية-النظام-الاحترام


      ثم:



      من أجل الأمور التي على كل واحد وكل واحدة منا تفهمها
      ويأتي ذلك كله في الحديث الذي رواه ابن عمر- رضي الله عنهما-عن النبي- صلى الله عليه وسلم- :" كلكم راع و مسئول عن رعيته الإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها[وفي رواية مسلم:في بيت بعلها وولده...]، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته ، والرجل راع في مال أبيه ومسئول عن رعيته ، وكلكم راع ومسئول عن رعيته" رواه البخاري .
      قالت لي: سأتوب إلى الله وأنيب إليه،وألجأ إليه..
      قلت لها :ذلك الذي ينقصنا الصدق مع الله ،ثم مع النفس والآخرين.
      ودعتني وأبدت لي فرحتها وبأنها أحست بفرحة يغمرها وكأن شمسا جديدا أشرقت لمستقبل مشرق
      وودعتها بكل حب واحترام.......... على أمل أن أودع آلام الأمة قريبا..
      إذا أيتها الأم وأيتها الأب:
      عليكما أن تشعرا بالمسئولية تجاه فلذات أكبادكما.
      عليكما أن تهتما بهم اهتمام بالغا، بجميع الجوانب التربوية، ولا تهتما فقط بجانب تلبية الرغبات.
      عليكما الحرص على تربيتهما وتنشئتهما.
      عليكما أن تنضبطا وتضبطاهما في مبادئ وقيم
      إنكما بحاجة إلى حزم وجدية لتحقيق ما تريدانه
      علماهم النظام في الحياة.
      ولا تنسيا أن تغرسا "الاحترام"في قلوبهما و عقولهما . فهو مفتاح نجاح الإنسان في كل مجال.
      مع تحياتي

      القويم يعني خطوة خطوة نحو المثالية
      alqaweem@hotmail.com