المكتبة الإسلامية

    تمر دردشة الساحة الخاصة بالمتصفح والموبايل بفترة صيانة دورية هذا ونعتذر للجميع على الإنقطاع المؤقت بإمكانكم المشاركة في المنتدى لحين عودتها :)

    • المكتبة الإسلامية

      السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة
      نتمنى من الجميع المشاركة في هذه المكتبة
      كـــــــــــــــــــــــــــــــن مــ الله ــع ولا تبــــــــالي
      :):)
    • محاضرة إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم

      هذه محاضرة سماحة الشيخ العزيز والوالد الأعز بدر الدين أحمد بن حمد الخليلي التي تفضل مشكورا وألقاها بمسجد التوبة بالأمس الموافق 17/9/2000 بعد صلاة المغرب مباشرة . وليس بخاف عن أحد ما تخلل المحاضرة من النفحات الإيمانية ، والفيوضات الربانية فهنيئا لمن ذاق تلك النفحات ، وارتشف منها .
      وإليكم نص المحاضرة والله من وراء القصد :-

      الجزء الأول :-
      بسم الله الرحمن الرحيم

      الحمد لله ذي الأمر الرشيد والبطش الشديد الذي يبديء ويعيد ويفعل في خلقه ما يريد ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجميعن وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين ، وأشهد أن إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله أرسله الله هاديا وبشيرا ونذيرا ، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وكشف الله به الغمة ، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى أتباعه وحزبه إلى يوم الدين ، أما بعد .

      فالسلام عليكم أيها المؤمنون والمؤمنات ورحمة الله وبركاته

      أحييكم بهذه التحية الطيبة المباركة وأشكر الله سبحانه الذي هيأ لنا فرصة هذا اللقاء الميمون في هذا المسجد الشريف وفي هذه الليلة المباركة ، من أجل أن ندكر بالذكرى التي تنفع المؤمنين بمشيئة الله سبحانه وتعالى ، لا ريب أنكم تدركون أن الإنسان يتحمل تبعة كبيرة ، فوجود الإنسان وجود يختلف عن وجود كل الكائنات الأخرى ، من حيث إن وجوده يرتبط ارتباطا وثيقا بسنن كونية وقوانين جعلها الله سبحانه وتعالى ترتبط بأمره ونهيه ، فإن وجود الإنسان وجود يتحمل فيه الكثير الكثير من المسؤوليات لأن الله سبحانه وتعالى لم يخلقه هملا ولم يتركه سدى بل خلقه ليتحمل هذه الأمانة ، أمانة الخلافة في هذه الأرض ، والسيادة في هذا الكون ، وليبوء بما يفعله من خير أو شر ، فإن المنقلب إنما هو رهين ما يكون عليه الإنسان في هذه الحياة والمصير إنما هو منوط بالمسير ، وقد جعل الله سبحانه وتعالى آثار فعل الإنسان من خير أو شر ، تنعكس انعكاسا جليا واضحا في حياة الإنسان نفسه وفي البيئة التي يتقلب في أعطافها ، بل وفي هذا الكون ، وهذا واضح في الآيات الكثيرة من كتاب الله سبحانه ، فإن الله سبحانه وتعالى يقول: (( وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا لنفتنهم فيه " والله عزوجل يقول " ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكذبون )) ويقول سبحانه: (( ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس )) ولئن كان فساد الإنسان تنعكس آثاره في البر والبحر فأحرى أن تنعكس آثاره في حياته في حياته بنفسه وفي حياة جنسه ، ونحن نجد في كتاب الله سبحانه وتعالى ما يدل على أن الأمم كالأفراد تسعد بأعمالها وتشقى بها ، فإن الأمة عندما تكون مستقيمة على الطريقة السواء آخذة بحجة أمر الله سبحانه وتعالى ونهيه ، بحيث لا تتعدى على حرماته ولا تتجاوز حدوده ولا تخالف أوامره تسعد ، وعندما تكون الأمة بخلاف ذلك فإنها تشقى وتكون عبرة للمعتبرين والكيس من اعتبر بغيره والأحمق من كان عبرة لغيره ، ونجد في كتاب الله سبحانه وتعالى ما يشد انتباه الناس إلى سننه في هذا الكون من حيث سعادة الأمم وشقاوتها ومن حيث بقاؤها وفناؤها لأجل أن تكون هذه الأمة على بينة من الأمر تتحرى مرضاة الله سبحانه ، وتعمل بأمره وتزدجر عن نهيه ، فالله تعالى يقول: (( ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لهم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين )) هذه هي سنة الله تبارك وتعالى التي لا تتبدل ، ومن المعلوم أن الله سبحانه ليس بينه وبين أحدا من خلقه نسب ، وليس بينه وبين أحد من خلقه سبب إلا التقوى ، فمن اتقى الله فقد استمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها ، أما من خالف أمر الله سبحانه ، فإنه ولا ريب ينفذ فيه حكمه ، عاجلا كان أو آجلا ، والله سبحانه وتعالى عندما أمر بأوامره ونهى عن نواهيه ، ما كان بذلك إلا مريدا لمصلحة الخلق ، فإن مصلحة العباد إنما هذه بامتثال الأوامر والازدجار عن النواهي ، ومفسدتهم إنما هي بالتعدي على حرمات الله سبحانه وعدم المبالاة بما يصدر منهم ، والأفراد والأمم كما ذكرت في ذلك سواء ، فعندما تكون المعصية بين الفرد وبين ربه سبحانه وتعالى ، لا يطلع عليها غيره ، يكون أثرها راجعا إليه بنفسه ،أما عندما تكون هذه المعصية متفشية ظاهرة بينة فإن آثارها تنعكس على الجميع ، والشواهد في كتاب الله كثيرة ، ألا ترون أن الله سبحانه وتعالى يقول: (( واسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون وإذا قالت أمة منهم لم تعضون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون )) هذه هي العاقبة التي حاقت بأولئك الذين ارتكبوا ما ارتكبوا من المعاصي وأولئك الذين سكتوا عن هذه المعصية وجاملوا فيها ، ولم تمتعض قلوبهم لما يحدث من تعدي حدود الله وارتكاب نواهيه ، ويقول عزوجل " لعن الذين كفروا من بني اسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون " وحسبكم الله سبحانه وتعالى يقول: (( وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا )).

      فالله سبحانه وتعالى يهلك القرى ويبيد الأمم ويقضي على الشعوب نتيجة الإنحراف الذي يكون من طائفة من الناس فتجاملهم الطوائف الأخرى ، ولا تحاول أن تغير ذلك المنكر ، ولذلك كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، حمى الله عزوجل من دخله آوى إلى ركن وثيق أما ترك ذلك فهو يؤدي إلى الدمار والخراب والعياذ بالله تعالى ، وكما قلت سنن الله سبحانه وتعالى لا تتبدل ونظامه في الكون هو هو ، لأن الكون كله مملكة الله والخلق جميعا هم عباد الله سبحانه وتعالى ، هم متعبدون بأوامره وبنواهيه .
      أريد أن أبين لكم أنه قبل بضعة شهور من الآن اتصل بي شاب ثم جاءني بنفسه ، بعد أيام من هذا الإتصال فسمعته ونبرة الصدق تبدو في حديثه ورأيته وغرة الإيمان ترتسم على محياه ، ذكر لي أنه رأى رؤيا في منامه ، رأى رؤية منذرة ، يقول بأنه رأى طبقا طائرا أخضر ، يقوده شخصان أخضران ، وانفتح الطبق ، فبدى منه شخص عليه من الأنوار ما لم ير مثله ، وكان في قرارة نفسه أن الذي رآه هو ملك ، من ملائكة الله تعالى ، قال له إن الناس يوشك أن يأخذهم عذاب من عند الله ، بسبب خمسة أمور أولها الزنا وثانيها اللواط وثالثها مجامع الخمر ورابعها أكل الربا وخامسها عقوق الوالدين ، نعم .. هذه الكبائر التي ذكرت هم أمهات الكبائر ، أو من أمهات الكبائر وذكر بأن الذي رآه قال له أبلغ الناس بهذا ، وكنت أفكر في أمره وإذا بي بعد أيام قليلة يأتيني خمسة نفر ، جاؤوا من أجل تسجيل تلفازي في أمر مهم ، أمر
      كـــــــــــــــــــــــــــــــن مــ الله ــع ولا تبــــــــالي
      :):)
    • يقلق بال كل عاقل ، وهو انتشار المرض الجنسي الفتاك ، مرض فقدان المناعة المكتسب ، بحيث أخذ ينتشر كما تفعل النار بالهشم ، وذكروا لي أرقاما خيالية من وجود الإصابات ومن حمل هذه الأمراض وكيف تفشت في هذا المجتمع تفشيا ينذر بخطر رهيب ، ومما جاء في حديثهم أن شابة بغيا والعياذ بالله اكتشف هذا المرض الفتاك فيها ، فماذا عملت ، بعد الإكتشاف ، ذهبت إلى مكان يجتمع فيه كثير من الأوغاد الذين لا يعنيهم في هذه الحياة إلا شهواتهم ، ولا هم لهم إلانغماس في أوحال الرذيلة فأباحت نفسها لهم ، فانغمس معها في حمأة الرذيلة في ظرف أسبوع واحد مائة شاب ، ونقلت العدوى إليهم .
      هذا مثال واحد من الأمثلة الكثيرة التي نحصيها ، فضلا عما يقع من حصد الأرواح واهلاك الأنفس وتكدير صفو الحياة وكل ذلك يصيب من هم برءاء ، لا فعل لهم في ذلك ، لا سبب من قبلهم ، وإنما السبب من قبل غيرهم ، فكثير من الأزواج الذين ينغمسون في حمأة الرذيلة ، ينقلون هذه العدوى إلى نسائهم وتشقى بذلك نساؤهم ، ويشقى بذلك مجتمعهم ، وتشقى بذلك أسرهم ، لا يبالون بالنتاج التي تترتب على ارتكاب هذه الموبقات ، هذه الحرب من الله تبارك وتعالى ، جاءت مصداقا لحديث النبي صلى الله عليه وسلم عندما يقول ( وما ظهرت الفاحشة في قوم حتى يعلنوها إلا ظهرت فيهم الأوجاع والأوباء التي لم تكن في أسلافهم ) وهو أمر معهود عبر القرون ، فقبل قرون كانت حملة فرنسية إلى بلاد الشام ، هذه الحملة حرص الإمبراطور الفرنسي على تزويدها بكل ما هي تتطلع إليه من وسائل الترفيه ، ومن ذلك التزويد ، تزويد الحملة بمجموعة كبيرة من الفتيات الحسان ، لأجل قضاء مآربهم منها ، فكانت نتيجة ذلك أن تولد المرض الجنسي المعروف بالمرض الزهري ، وبما أن هذا المرض جاء من قبل هؤلاء إلى بلاد الشرق ، عرف عند العرب بمرض الإفرنج ، ولا يزال هذا الإسم باقيا إلى الآن ، وما هذا المرض الفتاك الخطير الذي ينتشر هذا الإنتشار المرهب الخطير ، إلا أثر من آثار الفاحشة والعياذ بالله ، نحن نجد في كتاب الله سبحانه وفي سنة الرسول صلى الله عليه وسلم الوقاية التامة فأنتم ترون في كتاب الله أن الله تعالى عندما حذر من الزنا ، لم يقل ولا تزنوا وإنما قال: (( ولا تقربوا الزنا ، إنه كان فاحشة وساء سبيلا )) ، وفي أي سياق حذر من الزنا ، في سياق التحذير من الكثير من الموبقات ، وقد كان التحذير من الزنا مسبوقا بتحذير من قتل الأولاد ، ثم جاء من بعده التحذير من القتل المطلق ، والله سبحانه وتعالى قال قبل هذه الآية: (( ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئا كبيرا )) ثم بعد هذه الآية قال: (( ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا )) نعم .. لم يكن الإتيان بهذا التحذير البالغ من الزنا بين التحذير من قتلين ، قتل الأولاد ومطلق القتل ، أمرا اعتباطيا ، بل هو أمر من قبل الله سبحانه وتعالى ، الذي كل شيء عنده بمقدار وما ذلك إلا لأن الزنا في حقيقته قتل ، هو قتل للأفراد ، وقتل للجماعات .
      هو قتل للأفراد من حيث إن الزنا كثيرا ما يؤدي إلى الرغبة في التخلص من آثاره ، فإن المولود غير الشرعي من يتحمل تبعته ، هل له أب يتحمل مسؤولية تربيته ويتحمل الإنفاق عليه ، تحس الأم الفاجرة بأنها تتحمل تبعته ، وهذا مما يؤدي بطبيعة الحال إلى أن ترغب في التخلص منه قبل وجوده فتسعى إلى التخلص من حملها في مصحات الإجهاض .
      وبجانب ذلك الزنا قتل للنفس أيضا للأفراد من حيث أنه سبب لوجود هذه الأمراض الفتاكة التي تفتك بالزناة رجالا ونساءا وهو قتل للجماعات من حيث أن الجماعات تتكون من الأفراد ، فإذا ضعف الأفراد ضعفت الجماعة ، ثم إن بجانب ذلك هو قتل للجماعة قتلا معنويا من حيث إنه يؤدي إلى التفكك وعدم الثقة وعدم الاستقرار ، فخطورة الزنا خطورة بالغة ، ونجد أن القرآن الكريم عالج هذه المشكلة علاجا جذريا من شتى النواحي ، فهو قبل كل شيء حذر هذا التحذير البالغ من الزنا ، وتوعد عليه ، عندما قال سبحانه قارنا بينه وبين الإشراك به ، وبين قتل النفس المحرمة بغير حق ، (( والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا )) ثم بجانب ذلك نجد أن القرآن الكريم يقطع على الشيطان الطريق من كل جانب من خلال كون توجيهاته الربانية ومن خلال القيود ، قيود الفضائل التي يأمر العباد أن يتقيدوا بها وأن يتحلوا بها ، والله سبحانه وتعالى يقول: (( قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن ، أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير ذي الأربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون )).
      نعم ..
      هذا هو التوجيه الرباني ، يقطع دابر الفساد ، ويستأصل شأفة الفجور ، يأمر الرجال أولا أن يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ، لأن البصر هو نافذة الشيطان إلى كل شر وقد أجاد الشاعر الذي قال:
      وإنك إن أرسلت طرفك رائدا لعينك يوما أتعبتك المناظر
      رأيت الذي لا كله أنت قادر عليه ولا عن بعضه أنت صابر
      وأمير الشعراء أحمد شوقي يقول :
      نظرة فابتسامة فسلام فكلام فموعد فلقاء
      النظر يؤدي إلى هذا الخطر العظيم لذلك أمر الرجال بأن يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ، ثم أمرت النساء المؤمنات بمثل ذلك مع استئصال بقية الأسباب ، أسباب الفساد .. عندما أمرن أن يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ، ويصن أنفسهن صونا بالأدب الشرعي ، وباللباس الشرعي وبالأخلاق الشرعية بحيث تكون المرأة متزنة في حركاتها في مشيتها في نظرتها في لباسها في كل شيء ، حتى لا تكون سببا للإغراء والإغواء ، ونجد كيف
      كـــــــــــــــــــــــــــــــن مــ الله ــع ولا تبــــــــالي
      :):)
    • جاءت السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام بالتوجيهات النبوية الشريفة التي تؤدي إلى المحافظة على العفة والطهارة ...

      فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( ألا لا يخلو الرجل بامرأة إلا مع ذي محرم ) ويقول عليه أفضل الصلاة والسلام: ( ما خلى رجل بامراة إلا كان الشيطان ثالثهما ) ويقول: ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامراة إلا مع ذي محرم ) ، ويقول عليه أفضل الصلاة والسلام: ( إياكم والدخول على النساء ) فقال له رجل من الأنصار أرأيت الحمو يا رسول الله فقال: ( الحمو الموت ) أي حمو المرأة الذي هو أخ زوجها دخوله عليها في خطورته كالموت الذي يتصور بأنه أخطر شيء ، ولئن كان حمو المرأة هو كالموت فما بالكم بسائر الناس ، ما بالكم بسائر الرجال ونجد كيف يوجه القرآن الكريم هذه الأمة إلى الآداب التي تحفظ لها عفتها وطهارتها ونزاهتها بل وطهارة الوجدان والفكر بجانب طهارة الجوارح واللسان ، فالقرآن الكريم يوجه عباد الله سبحانه وتعالى إلى آداب الإستئذان فالله تعالى يقول: (( ياأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلك خير لكم لعلكم تذكرون فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم )) ، هكذا يوجه عباد الله سبحانه وتعالى إلى ما يقطع دابر هذا الفساد ويستأصل شأفته ، ونجد أيضا فيما شرعه الله سبحانه وتعالى من العقوبات ما يؤدي إلى قطع دابر الفساد ، فالله سبحانه وتعالى شرع حدا للزنا عندما قال عز من قائل " الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين " .
      نعم ..
      هذه عقوبة فرضها الله سبحانه وتعالى ضد الزناة ، وأمر ألا تأخذ عباد الله رحمة فيهم أي في الزاني والزانية وأمرها أن تكون على مشهد من المؤمنين حتى يكون ذلك أردع للنفوس عن الوقوع في هذه الفحشاء ، بجانب ذلك جاءت السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام مبينة أن هذا الحكم إنما هو خاص بالزاني البكر والزانية البكر أما إن كانا محصنين فحكمهما الرجم ، وهذه العقوبة وإن بدت للناس فيها قسوة ، لا ريب أنها العقوبة المناسبة لقطع دابر هذه المفسدة العظيمة ، ومع هذه الآداب التي شرعها الإسلام وهذه العقوبات الرادعة ، هنالك توجيه من الله سبحانه وتعالى إلى ما يغني العباد عن الوقوع في هذه المفسدة ، فإن الله تعالى لم يحرم على العباد شيئا مما تتطلع إليه النفوس ، إلا وأباح لهم في مقابله ما تكون فيه العفة والطهارة والنزاهة والمصلحة للعباد ، وقد قال عز من قائل: (( وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت به أيمانكم )) وأمر سبحانه وتعالى بتيسير هذا الزواج وعدم وضع العقبات في سبيله ، عندما قال: (( وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم )) وجه الله سبحانه العباد إلى الزواج الشرعي لأجل إعفاف النفس ، وإرواء هذه الغزيرة الملتهبة وتسكين هذه العاصفة من الشهوة ، ليكون الإنسان مطمئنا وادعا يكتفي بما أحل الله عما حرم ، ونجد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم الحث على الزواج ، فهو يقول: ( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ) ولكن للنظر إلى حال الناس ، هل الناس مستمسكون بهذه التوجيهات الربانية ، نعم .. نجد من الأخبار ما يقلق من هذه الناحية فنحن نسمع عن قوافل الناس التي تخرج زرافات في أيام العطل من أجل قضاء هؤلاء مآربهم في أسواق الخنا ومجامع الفجور حيث تباع الشهوات والعياذ بالله تعالى ، أليس ذلك مما يدعو إلى سخط الله سبحانه وتعالى ، بجانب هذا نجد أن الغيرة انحسرت من قلوب الرجال ، فهم لا يغارون على نسائهم ولا يغارون على بناتهم ولا يغارون على قريباتهم ولا يغارون على بنات مجتمعهم ، وهو أمر أيضا من الخطورة بمكان ، كيف يرضى هذا الرجل أن يعرض امرأته أو أن يعرض ابنته للوقوع في هذه الفحشاء والعياذ بالله ، نحن نجد في تاريخ الرجال ما يدل على أن الغيرة كانت تتأجج في نفوس رجال لم يكونوا على شيء من الدين ولا على شيء من الفضيلة ، ولكنها الشهامة والنخوة ، وقد كان أحدهم يحوط محبوبته بهذه الغيرة ، حتى يحصنها تحصينا ويمنعها منعا ، من أن تكون عرضة لأي سوء .. ألم تسمعوا بقول الشاعر الذي يعبر عن حبه لامرأته وغيرته عليها فيقول :-
      إياك واسم العامرية إنني ****** أغار عليها من فم متكلم
      أغار عليها من أبيها وأمها ****** ومن لوحة المسواك إن لاح في الفم
      أغار عليها من رقيق ثيابها ****** إذا وضعتها فوق جسم منعم

      أين هذه الغيرة من رجال اليوم ، نجد الرجل اليوم يسمح لامرأته أن تتزين مطلق الزينة ، وتذهب لتزاحم الرجال في الأعمال تعمل معهم جنبا إلى جنب ، من غير مبالاة بما يترتب على ذلك من العواقب ، وكم من عواقب وخيمة لا نستطيع أن نتحدث عنها اطلعنا عليها من خلال هذه التصرفات الرعناء ، وكم من أب يعرض ابنته وهي في عمر الزهور لأن تكون نهبة لهؤلاء الذئاب .
      قبل فترة كتبت إلي فتاة رسالة تشكو أمرها ، تقول بأنها بلغت من العمر واحدا وعشرين عاما ، وقد دفع بها أبوها إلى أن تشتغل في شركة ، هذه الشركة فيها جماعة من الرجال ، القسم الذي هي فيه معها ثمانية من الشباب ، وكل واحد من أولئك الشباب يراودها عن نفسها ، كل واحد منهم يراودها عن نفسها ، وتقول عن نفسها بأنها تشعر بالرغبة ، لأنها فطرت على هذه الرغبة وتريد أن تقضي حاجتها من خلال زواج شرعي ، ولكن والدها يحول بينها وبين ذلك ، طمعا فيما تأتي به من الراتب ، أين هذه الشهامة ، وأين هذه الغيرة من نفوس هؤلاء ، ثم إنني بلغني أن الأسواق تعج بالفتيات الحسناوات ، التي يدفع بهن آباؤهن إلى العمل في الأسواق ليجلبن لهم شيئا من المال وليكن فتنة للناس ، وليكن مجلبة للزبائن حتى تعود المصلحة إلى أصحاب المتاجر حسبما يتوهمون ، وما هي بمصلحة ، ما هي بمصلحة تعود على أي أحد ، وإنما هي مفسدة ، فأين هذه الغيرة ، هؤلاء الفتيات يعملن بجانب
      كـــــــــــــــــــــــــــــــن مــ الله ــع ولا تبــــــــالي
      :):)
    • الرجال ، أين هذه الغيرة التي يجب أن تشتعل في نفوس الرجال ، غيرة على أعراضهم ، هل يساوم على العرض في مقابل المال ، وما قيمة المال بجانب العرض ، إن عرض الإنسان هو أسمى ما يحافظ عليه حتى أن الإنسان يفدي عرضه بنفسه ، بروحه ، ويبذل دمه رخيصا في سبيل المحافظة على العرض ..
      فما بال هؤلاء يرضون بانتهاك أعراضهم ، بل هم يعرضون أعراضهم لأن تكون نهبة لهؤلاء الذئاب ، وكم من أمور يندى له الجبين ، وتذوب منها القلوب حسرة ولوعة من خلال هذه التصرفات الرعناء ، التي لا تعود بالمصلحة على أحد ، هنالك الكثير الكثير من الآباء الذين يعضلون بناتهم عن الزواج ، يعضلون بناتهم عن الزواج في مقابل ما يتقاضونه من رواتبهن على رأس كل شهر ، وهذا أمر وقع فيه كثير من الناس الذين كنا نتصور فيهم الغيرة ، ونأمل فيهم الخير ، وهؤلاء هم في الحقيقية ليسوا من الإيمان في شيء .. قبل كل شيء .. (( (( (( ليسوا بمؤمنين )) )) )) .. لأن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه: (( فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ذلكم أزكى لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لا تعلمون )) فأي إيمان بالله واليوم الآخر في نفس هذا الذي يُعرض عن أمر الله سبحانه وتعالى في مقابل ظلم يظلمه ابنته إذ يأكل راتبها سُحتا ، وهو عليه حرام ، يجمع مظلمة مع مظلمة ، يأكل مالها بغير حق ، وهو بجانب ذلك أيضا يمنعها من حقها الشرعي في الزواج ، ويعرضها لأن تكون نُهبة لذئاب البشر ، يدفع بها دفعا إلى أوحال الشهوات والعياذ بالله ، ماذا تكون عاقبة هذا الأب ؟ ، عندما تعود إليه ابنته وهي حبلى من حرام ، ما هي الفائدة التي يجنيها من خلال ما يتقاضاه من راتبها على رأس كل شهر ، أليس في هذا ما يدعو إلى التأمل والتفكر في هذه العواقب ؟ ، إن الأمور عاقبتها خطيرة .. وكما قيل جرس الخطر قد دُق .. فعلى الناس أن يعتبروا ، فضلا عن أنواع المفاسد الأخرى .
      الخمور وتفشيها .. مما يُعجب له .. ما بلغني عن أحد المترفين المفسدين ، أنه كتب إلى جهة مختصة يطلب ترخيصا بافتتاح حانة خمر ، ومن ضمن ما كتبه وهو يلتمس هذا الترخيص ((( ولا يزال الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه ))) !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!
      أي مهزلة هذه .. أي عقل هذا .. يسعى الإنسان إلى حتفه ؟ ، وحتف بني جنسه ، وحتف مجتمعه ؟ ، بسبب هذا الطمع الدنيء في هذا المال ، مع أن حديث النبي صلى الله عليه وسلم يذكر أن ( الخمر ملعونة وملعون شاربها وساقيها ، وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه ، وبائعها ومشتريها ، وآكل ثمنها ) هؤلاء كلهم ملعونون ، لعنوا بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإذا بأحد السفهاء يطلب أن يكون الآخر في عونه ، لأن الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه ، بالترخيص له بافتتاح حانة خمر ، من أجل ما يتصوره من المصلحة ، الله تبارك وتعالى يقول: (( يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون )).
      نعم ..
      هذه هي الخمر وهذه آثارها ، من الذي يرجو من ورائها فائدة ، بعد أن صارت بهذه الحالة التي أخبر الله تعالى بها ، وبعد أن لعن بسببها كل من تلبس بها ، والناس لا يعتبرون بحوادث السير ، التي هي من جراء الخمر ، كم من شباب في عمر الزهور تلاشت حياتهم بسبب هذه الحوادث التي كان الدافع الأكبر وراءها شرب الخمور ، نعم .. كانت السبب الأكبر لهذه الدوافع شرب الخمور ، وكم من أموال تتلف بسبب ذلك ، هؤلاء الذين عيقت حياتهم وشلت أعضاؤهم وأصبحوا أشبه بالموتى وإنما يُضطرون إلى المعاناة حتى تقبض أرواحهم أصيبوا بسبب هذه الحوادث ، كم من أموال تنفق من أجل هؤلاء ، أليس ذلك مما يعود بالخسارة على الأمة والمجتمع .
      ثم بجانب ذلك تفشي الجرائم ، هذه الجرائم تتفشى وأنتم تسمعون عن هذه الحوادث المؤلمة التي تنفطر منها القلوب وتدمع من أجلها العيون ، وما أسباب هذه الحوادث إلا عدم المبالاة بأوامر الله تعالى ونواهيه عندما يُنشّأ الشباب على هذه الروح ، روح الفساد والإنحراف عن طريق الحق ، يدفع أبٌ بأفلاذ كبده وثمرات فؤاده إلى الإجرام ، في سبيل شيء من المال يتصوره فائدة لنفسه ، وفائدة لأولاده ، وإذا بالأمر ينقلب على عكس ذلك مما يؤدي إلى أن يخسر هو حياته ويخسر أولئك حياتهم . وهذه مصيبة المخدرات التي انتشرت ، ما هي إلا بسبب عدم المبالاة بأوامر الله تعالى ونواهيه.
      وأكل الربا إنما هو إحدى المصائب الكبرى ، فالله تبارك وتعالى آذن بحرب بسببه ، يقول سبحانه وتعالى: (( يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربى إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون )).
      نعم .. هو حرب من الله ورسوله ، حربٌ وأي حرب .. وأنتم ترون كيف تلاشت البركات ، وكيف فسدت الثمار ، وكيف وقع الناس في حيرة من أمرهم بسبب هذه المعاملات الربوية المحرمة والعياذ بالله ، فكل من ذلك حرب .. هذه آثار الحرب التي شاهدناها ، وما ندري ما وراءها ، لا ندري بهذا العذاب الذي تنذر به الرؤيا ، والعياذ بالله .. فإذاً على الناس أن يعتبروا جميعا ، وأن يرد عقلاؤهم سفهاؤهم ، و .. بهذه المناسبة أرى أن أقدم بعض الإقتراحات ، التي أرجو بمشيئة الله سبحانه وتعالى أن تكون بناءة بعونه عزوجل:

      أولا: تربية النشأ على الاستقامة في الدين ، وتعويدهم معاني الأمور ، وتجنيبهم سفاسفها ، وتعويدهم أن يربأوا بأنفسهم عن كل الرذائل الظاهرة والباطنة ، وذلك مما يتوقف على أن يتفقهوا في دين الله سبحانه وتعالى ، وأن تنغرس قبل كل شيء العقيدة الصحيحة في نفوسهم ، بحيث تكون خشية الله تبارك وتعالى ملء قلوبهم ، وهذا مما يجب أن يكون منتشرا في جميع أوساط النشء من الذكور والإناث ، فإن فساد الذكور يؤدي إلى فساد الإناث ، وفساد الإناث يؤدي إلى فساد الذكور ، فلا بد من أن تكون التربية على الاستقامة والحق والرشد والصلاح والمعرفة الصحيحة والعقيدة الحقة ، شاملة للجنسين جميعا .
      الأمر الثاني: أن يربى الجنسان جميعا على الحياء ، فإن الحياء شعبة من الإيمان ، كما جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: ( الإيمان بضع وستون شعبة ) وفي رواية: ( بضع وسبعون شعبة أعلاها كلمة لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى من الطريق والحياء شعبة من الإيمان ).
      الأمر الثالث: أن يحرص الكل على تنشأة أولادهم على الغَيرة ، فإن فقدان الغَيرة هو المصيبة الكبرى ، والغيرة محمودة فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه هو أغير الناس ، وأن الله تبارك الله وتعالى أغير منه ، ولم يشرع الله تعالى ما شرع من الحدود ولم يأمر بما أمر به من الأوامر ، ولم ينه عن ما نهى عنه ، ولم يعد ويتوعد إلا بسبب غَيرته ، فإذاً الغيرة محمودة ويجب أن يربى عليها النشء ، ومن فقد الغيرة فهو ممسوخ والعياذ بالله .
      الأمر الرابع: إعفاف الشباب من الجنسين جميعا ، بالزواج الشرعي والمسارعة إلى ذلك ، وتذليل جميع العقبات التي تقف في سبيل ذلك ، فأولئك السفهاء الذين يريدون أن يعضلوا مولياتهم من أجل رغبات أنفسهم في الأموال يجب أن يوضع لهم حد عن هذا الفساد الذي هم آمونه ومتوجهون إليه ، ويجب أيضا أن ييسر الزواج من حيث التقليل من الصَدُقات ، بحيث تكون المهور أبسط ما تكون ، ومع هذا أيضا التقليل من المؤن ، مؤن الزواج من أنواع النفقات التي تنفق من أجله ، ومما ينبغي أن يسارع إليه إنشاء صناديق للزواج ، فإن لم يمكن أن يكون هنالك صندوق عام يشترك فيه أهل الوطن جميعا ، يمكن لأهل كل ولاية ، أو أهل كل مدينة أو أهل كل قرية ، أن ينشأوا لأنفسهم صندوقا ، يتبرع كل أحد بقدر ما يتيسر له ، لينفق كل ذي سعة من سعته ، ومن قـُـدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله ، حتى ولو استطاع الإنسان أن يوفر في كل شهر ريالا واحدا من أجل إمداد هذا الصندوق فذلك خير كبير ، وأصحاب اليسر مطالبون بأن يبسطوا أيديهم ، وأن ينفقوا مما آتاهم الله سبحانه وتعالى ، ومما ينبغي أن يوضع في الإعتبار أيضا أن الحفلات ، حفلات الزواج ينبغي أن تكون حفلات جماعية ، يشترك فيها أكبر عدد ويحمل الموسرون المعسرين فيه ، بحيث ينفق أصحاب اليسار في هذه الحفلات بما يكفي أصحاب العسر مؤونة الإنفاق ، ومما ينبغي أن يوضع أيضا في الإعتبار أن الزواج تذلل العقبات الإجتماعية التي سادت عند الكثير من الناس ، وهي أن الزوج يشترط أن يكون مالكا لبيت وأن يكون مالكا لسيارة وأن يكون مالكا لكذا وكذا ، هذا كله مما ينبغي أن ينفى ، وأن يكون الزواج ميسرا حتى تروى هذه الشهوة بما يطفؤوها بمشيئة الله سبحانه وتعالى .
      والأمر الخامس: أن يمسك على أيدي هؤلاء السفهاء الذين يلهثون وراء هذه الشهوات ، ويُرَدوا إلى الحق ويُبصَروا بمغبة هذا الأمر ، وأن يُشاع هذا الأمر في جميع الأوساط ، ليكون الناس على بينة من أمرهم ، فالأمر خطير جدا ، ونحن علينا أن نعتبر كما قلنا بالقرون الخالية ، أليس في شأنها عبرة لأولي الألباب ، (( لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون )) ، كم أنزل القدر النفاذ هؤلاء المغرورين من علياء كبريائهم إلى حضيض الذلة والمهانة بسبب ما عملوا من معاصي الله سبحانه وتعالى ، ثم بجانب هذا التوعية بمختلف الوسائل ، سواء عبر أجهزة الإعلام أو في هذه المساجد أو في الأندية أو في أي مكان آخر ، حتى يكون الناس جميعا على بينة من الأمر ، والنصيحة الفردية لها أثر كبير ، فأقترح أن يعنى بهذا كله ، وأرجو أن يتم ذلك في إطار العناية بالحياء ، والعناية بالمجتمع والعناية بالجيل الناشيء وأسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق وأن يدرأ عنا كل الشرور وأن يحفظنا من كل سوء ، وأن يحمينا من كل مكروه .
      ربنا لا تهلكنا بما فعل السفهاء منا ، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ، وأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ، واجعل اللهم الغَيرة في قلوب رجالنا ، والحياء في وجوه نسائنا ، وارزق الجميع العفاف والطهر والنزاهة ، إنك على كل شيء قدير وبالإجابة جدير ، نعم المولى ونعم النصير ، وصلي اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين .
      أشكركم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
      ((((( تم رفع الآذان )))))
      هذه أسئلة متعددة فالظاهر أنها تأتي زرافات ، ولكن نجيب بقدر الإستطاعة إن شاء الله .
      بسم الله الرحمن الرحيم
      الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

      السائل يقول: إنه مما لوحظ في الآونة الأخيرة ظاهرة نفوق الأسماك على الشواطيء العمانية ، وقد قدر عدد الأسماك التي وجدت على الشواطيء بعشرة آلاف طن ، ومما يثير العجب أن ينسب بسبب تلكم الظاهرة إلى نقص
      كـــــــــــــــــــــــــــــــن مــ الله ــع ولا تبــــــــالي
      :):)
    • الأوكسجين في البحر ، فهل تعتبر تلك الظاهرة الخطيرة سببا في الفساد المنتشر ، لتكون عبرة وعظة للناس ، نرجوا أن تبينوا لنا الحق في هذه الظاهرة.
      الجواب/.. هذا مما أجاب عليه القرآن الكريم .. قبل أن أجيب عليه أو يجيب عليه أي أحد (( ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس )) ، فهذا من الفساد الذي ظهر في البحر ، هذا مما نُص عليه ، ولا يبعد أن يكون هو من ضروب العذاب والعياذ بالله ، فالتوبة إلى الله هي التي تقي هذه المخاطر ، ولو قدرنا هذا من الأوكسجين ، من الذي دبره ، من الذي خلقه ، من الذي يصرفه ، من الذي يرتب آثاره ، كل ذلك إنما يكون من عند الله سبحانه وتعالى ، ولله جنود السماوات والأرض .

      السائل يقول: نجد بعض الآباء يرخصون لبناتهم للعمل في الشركات ويكون فيه الإختلاط بين الرجال والنساء ، وذلك بسبب الفقر الذي هو فيه ، ولا يوجد عنده أولاد إلا البنات ، وهو لا يقوى على العمل ، فما قولكم لهؤلاء الآباء ، وما نصيحتكم لهم .
      الجواب/ .. أولا قبل كل شيء عليهم أن يتقوا الله ، فإن الله عزوجل يقول: (( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب )) ، عليهم أن يتقوا الله ، ثم على المجتمع أن يتعاونوا ونحن ندعوا المجتمع .. أولا وقبل كل شيء أن يعطي زكاة ماله ، آداء الزكاة ، إيتاء الزكاة من الفروض الواجبة ، وهي تسد جانبا من هذه الحاجة وتقضي على جانب كبير من هذه المشكلات ، ثم بجانب ذلك النفقات الأخرى التي هي في سبيل الله سبحانه ، فإن النفقات ليست محصورة في الزكاة ، فالله تعالى عندما ذكر البر ، قال: (( وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب )) ثم قال: (( وأقام الصلاة وآتى الزكاة )) وهو دليل على أن هذا الحق ليس محصورا في الزكاة ، فالعطف يدل على التناوب بين المعطوف والمعطوف عليه .

      السائل يقول: ما قولكم في إنشاء جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكي يستقيم الضال ، ويرشد الشباب إلى الطريق المستقيم ، أنا شاب أرى ما أراه من الفواحش ، لكن ليس من مقدوري فعل شيء حيال ذلك ، لأني لا توجد لدي سلطة .
      الجواب/ .. طبعا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرضه الله تعالى على الأمة (( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر )) ولكن إنشاء هذه الجماعة لا يتم إلا بالتنسيق مع الجهات المسؤولة ، لتكون الجهات المسؤولة في الدولة هي التي ترتب هذا الأمر ، وتنظمه ليتم التعاون بين القاعدة والقمة بمشيئة الله .

      السائل يقول: ما تفسير الآية الكريمة: (( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ))؟
      الجواب/ .. نعم ، الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان بشرا سويا ، وأنعم عليه بالآلاء الظاهرة والباطنة ، ولا يغير شيئا من ذلك بحيث يعود الإنسان إلى الذلة وإلى الفساد ، وإلى وإلى .. الخ ، إلا بسبب ما كسبت يداه .

      سؤال/ .. هل يجوز التحدث مع فتاة في الهاتف ، وذلك من أجل تقديم النصح والإرشاد لها ، وذلك لأنها تعاني من مشكلة وأحاول أن أعينها على تجاوز هذه المشكلة ، مع العلم أنها أجنبية ؟
      الجواب/ .. مع أمن الفتنة ، مع أمن الفتنة وكون الحديث بريئا ، حديث حق .. لا يمنع ذلك ، فأمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهن مع ما فرض الله سبحانه وتعالى عليهن من مضاعفة القيود في معاملتهن مع الناس ، كن يتحدثن إلى المؤمنين من وراء حجاب ويتلقون عنهن العلم.

      السائل يقول: بيت ، في مكان ذكره .. نحن لسنا بحاجة إلى ذكر الأمثلة ، لا نريد أن نشهر ، لا بمكان ولا بأحد .. يقول توجد فيه نساء زانيات يأتي الشباب إلى هذا البيت ويدخلون عليهن بدون إذن ، ولا يوجد لهذه النساء راع يرعاهن ، حتى أنهن يأتونهن بالصبح إلى منتصف اليوم ، ومن المغرب حتى الفجر .. فهل يجوز طرد هؤلاء النساء من هذه المنطقة ؟
      الجواب/ .. الإنسان عندما يتعفن عضو من أعضائه ، يبتره .. يفصله عن جسمه ، حتى لا يسري فساد ذلك العضو إلى سائر الجسم ، فكيف بطرد نساء فاسقات باعرات من مجتمع ليبقى ذلك المجتمع طاهرا ونظيفا .
      سائل يسأل: عن رؤيا .. حقيقة الأمر .. لا أدري ما المراد بهذه الرؤيا ، ولكن أرجو خيرا إن شاء الله ، لأن فيها إشارة إلى ضربة لطفل .. ضربة خفيفة بين منكبه ، لعل ذلك إن شاء الله إيقاظ لضمير ذلك الطفل .
      السائل يقول إنني ألاحظ كثيرا من الناس ، يسمحون لبناتهم بالخروج إلى بلدان بعيدة وقريبة من غير محرم ، معنى مقصدهم من ذلك حصولهن على شهادة في مجال ما ، فهل فعلهم في هذا محمود ؟
      الجواب/ .. هذه من المفاسد الكبرى والعياذ بالله ، من المفاسد الكبرى .. آثارها نحن لا نريد أن نشهر بالناس ونتحدث عنها جميعا ، آثارها وخيمة ، والعياذ بالله . فعلى أي حال هؤلاء هم أقرب إلى الدياثة ، الذين يسمحون لبناتهم بهذا هم أقرب إلى الدياثة ، والديوث لا يروح رائحة الجنة ، كما جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم .

      سؤال/ .. ظهر في الآونة الأخيرة أن النساء يقدن سيارات الأجرة ، ونقل الطلبة إلى المدارس ، فهل من نصيحة لهن ؟
      الجواب/ .. نصيحتي لهن ولأوليائهن ولأزواجهن أن يتقوا الله تعالى جميعا .

      يقول رجل رشح امرأته لمنصب بعد أن فقده هو ، حتى لا يغيب المال .. فما القول في ذلك ؟
      الجواب/ .. هذا أمر لا يحتاج إلى تعليق ..

      السائل يقول: انتشر اللواط في المجتمع وبطرق مختلفة وبظواهر متعددة ، ومن ضمنها زفاف الرجل إلى رجل ، على مرآى ومسمع من الناس .. أليس من واجب الدولة والمجتمع ردعهم ، وما هي توبة من يرتكب تلك الفاحشة ؟
      الجواب/ .. هذه الفاحشة هي من أكبر الفواحش ، وأخطرها .. وقد جاء في كتاب الله سبحانه وتعالى ما أصاب أصحابها من عذاب الله الذي عجله في دنياهم قبل آخرتهم ، ثم بعدما ذكر هذا العذاب قال: (( وما هي من الظالمين ببعيد )) ، وأي ظلم أخطر من هذا الظلم ، وأي فاحشة أسوأ من هذه الفاحشة ، وعند ظهورها وبروزها إلى حد هذا المستوى المذكور ، فإن الأمر ينذر بخطر شديد . نسأل الله العافية ، وعلى الكل التعاون من أجل القضاء على هذه المفسدة ، على الكل .. على الحكومة وعلى الشعب .. الجميع عليهم أن يتعاونوا على أجل القضاء على هذه المفسدة ، وأما التوبة من هذه الفاحشة ومن غيرها من الفواحش ، فالله سبحانه وتعالى يسرها ، قال: (( يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم وأنيبوا إلى ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون )) ، على أي حال إن الله يغفر الذنوب جميعا لمن تاب ، لمن .. لمن
      كـــــــــــــــــــــــــــــــن مــ الله ــع ولا تبــــــــالي
      :):)
    • تاب ، الله تعالى قيد ذلك وبيّن ذلك ، حيث قال: (( وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى )) .

      السائل يقول: بخصوص ما ذكرته من وجود فتيات بالأسواق والمحلات ، يقمن بالبيع والمحاسبة فإذا كان أصحاب المحلات قد وظفوهن بمحلاتهم من أجل إغراء الناس وجلب الشباب ، وتشجيعهم للشراء من عندهن ، فهل يمكن أن توجه كلمة لأصحاب المحلات الطامعين في المكسب المادي ، ولو بمسلك من ذلك ، يدخلون في تجارتهم المكسب الحرام ، والتأكيد حول ما شابه ذلك ؟
      الجواب/ .. هؤلاء أولا لا يغارون على حرماتهم بأنفسهم ، لأن الفساد يسري ، فمن أفسد ابنة غيره ، سرى الفساد إلى ابنته ، الفساد يسري ، هذه سنة الله تعالى في خلقه ، فآثارها لا تتوقف عند حد معين ، وأول من يصلى النار موقدها ، أول من يصلى النار موقدها .. هؤلاء يتلاعبون بالنار فعليهم أن يتقوا الله سبحانه وتعالى في هذا الأمر وما يجنونه من المال فهو ((((( حرام حرام حرام ))))) لأنه جاء إليهم بوسيلة محرمة ، وبطريقة إفساد المجتمع .

      سؤال: ما قولكم في الزواج المبكر ؟
      الجواب/ .. هو الخير والرحمة ، فيه تحصين للجنسين جميعا ، لا ينبغي أن يؤخر زواج الفتى بعد بلوغه ، مع تيسره ، ولا زواج الفتاة بعد بلوغها مع تيسره .

      سؤال آخر: ما قولكم في تعدد الزوجات ، وهل يعد من باب (( وتعاونوا على البر والتقوى )) في وقتنا الحالي ؟
      الجواب/ .. تعدد الزوجات مع القيام بجميع المسؤوليات ، ومع العدل بينهن والقيام بحقوقهن من غير تقصير في ذلك ، يعد بطبيعة الحال من العمل الصالح الذي يؤجر عليه المرء ، لأنه بذلك تحل مشكلات جما .

      سؤال/.. كثيرا ما نشاهد في حياتنا اليومية الرجال متشبهين بالنساء ، فهل يجوز السلام عند رؤيتهم والرد على سلامهم والكلام معهم ؟
      الجواب/ .. (((( تباً لهم ولأمثالهم )))) لعنهم الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ، بئست الحالة أن يفطر الإنسان رجلا ، فيحرص على أن يتحول إلى أنثى ، بحيث ينافس الإناث في خصائصهن ، وبئست الحالة أيضا أن تفطر المرأة إمرأة ، وتحرص على أن تتحول إلى رجل بحيث تحاول أن تنافس الرجال في خصائصهم ، ولذلك جاء اللعن في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم للمتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال ، كل أولئك ملعونون والعياذ بالله .

      سؤال/.. مما هو معلوم أن كثيرا من المعاصي قد باتت تمارس أمام أعين الناس ، وقد يقع أن طائفة أو جماعة من المتسمين بالصلاح ، يشاهدون تلك الطوائف وتتلكء أنفسهم عن النصح باللسان ، مكتفين بإنكارهم القلبي ، ويوقعون اللوم كله على المسؤولين والقائمين على الأمر ، فهذا هذا من مداخل الشيطان التي يحاول بها صرف الصالح عن إنكار المنكر بلسانه . أرجو منكم توضيح ذلك ؟
      الجواب/.. نعم ، حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ) ، لا يصار إلى التغيير بالقلب فقط إلا مع العجز عن التغيير باللسان ، كل مرحلة إنما تأتي بعد مرحلة التي سبقتها .

      سؤال/.. كيف تكون الغَيرة ونحن الآن نقوم بتدريس أولادنا مختلطين ؟
      الجواب/.. عليكم أن تجنبوا أولادكم وهم أفلاذ أكبادكم ، كل مضرة ، الأولاد هم أفلاذ الأكباد وقد أجاد الشاعر الذي يقول :-
      وإنما أولادنا بيننا أكبادنا تمشي على الأرض *** لو هبت الريح على بعضهم لامتنعت عيني عن الغمض
      فإذا كان هبوب الريح على الأولاد يؤذي الآباء ، فما بالكم بتعريضهم لعذاب النار والعياذ بالله تعالى .

      السائل يقول: أنه مما انتشر بين الشباب أنه تعاطي الشيشة ، فما حكم تعاطيها ؟
      الجواب/.. بئس من تعاطاها وبئس من تسبب لذلك ، كل أولئك إنما يتعرضون لسخط الله سبحانه وتعالى ، الشيشة هي من أنواع التدخين ، والتدخين ((((( حرام حرام حرام ))))) ، حرام لأن الله تبارك وتعالى منع على الإنسان أن يتعاطى أي شيء يؤدي إلى الإضرار بنفسه ، يحرم شرعا تعاطي كل ما يضر بالدين أو يضر بالعقل أو يضر بالنسب أو يضر بالحياة ، بالصحة .. بالنفس ، أو يضر بالمال ، أو يضر العرض . هذا كله مما يحرم ، ونحن نعرف أن التدخين من ضمنه الشيشة ، مما يؤدي إلى الضرر .. كم من ضحايا التدخين في هذا العالم ، كم من ضحايا التدخين .. الآن الرقم وصل إلى أكثر من ثلاثة ملايين وهو في تزايد مستمر في كل سنة ، في كل سنة ضحايا التدخين أكثر من ثلاثة ملايين ، والله تبارك وتعالى يقول: (( ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا )) ، وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ( من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ، ومن رمى نفسه من شاهق فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ، ومن تعاطى سما فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ) ، هؤلاء الذين يدخنون يتعاطون سم ، السم الزعاف ، فتعاطي الشيشة من المحرمات ، ويجب على الآباء أن يصونوا أبنائهم عن ذلك .

      نسأل الله العفو والعافية ونسأل الله أن يخلصنا من مشكلات الدنيا والآخرة إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير نعم المولى ونعم النصير ، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

      ملاحظة/ .. لقد حرصت على طباعة كل ما قاله سماحة الشيخ لسببين ، الثاني أني وددت أن يعيش القاريء جو المحاضرة قلبا وقالبا ، أما الأول فلأني أحب هذا الشيخ العزيز حبا عظيما ، ويعز عليّ أن أغادر حرفا قاله دون أن أورده . والعذر للقاريء على كثرة الأخطاء اللغوية والمطبعية ، التي كان جهلي سببا فيها .. كما أعتذر لإيراد باقي المحاضرة كاملة وذلك لكوني مرتبط ببعض الأعمال . بارك الله في الجميع ، وجعلنا الله ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه .

      الكاتب / محب سماحة الشيخ
      كـــــــــــــــــــــــــــــــن مــ الله ــع ولا تبــــــــالي
      :):)
    • الإسلام بين محن ثلاث

      بسم الله الرحمن الرحيم

      الحمد لله ، أحمده واستعينه واستهديه ، وأعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله ،أرسله بدعوة الحق إلى الخلق فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وكشف الغمة ، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته وسار على نهجه ودعا بدعوته إلى يوم الدين .. اما بعد .
      فإن الذي يتدبر التاريخ الإسلامي المجيد يجده منذ تنفس صبحه وارتفاع صوته ، بدا يواجه سلسلة من المحن والتحديات ، واستمرت هذه السلسلة إلى وقتنا هذا ، وسوف تستمر إلى أن تقوم الساعة لأن تلك هي سنة الله في خلقه { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب }..
      ولقد أخبرنا الله سبحانه وتعالى أن حلقات الأمر إذا استحكمت صعوبتها جاء الفرج من الله سبحانه وتعالى وأنفرج الضيق وزالت الصعوبة { وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى ، أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ، ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون ، حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فننجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين ، لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ، ما كان حديثاً يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يعلمون } .
      إن في المرسلين عبرة لأولي الألباب ، ولكن بجانب ذلك كله لا اعرف محنة رزئ بها الإسلام كمحن ثلاث ، وهي تآمر أعدائه ، وجهل أبنائه ، وعجز علمائه ، ولقد اجتمعت هذه المحن الثلاث في هذا القرن المنصرم ، وبسبب اجتماعها زلزلت العقيدة في نفوس المسلمين وارتاب المسلمون في أمر دينهم وصدقوا ما يجب تكذيبه وكذبوا ما يجب تصديقه ، وإذا نظرنا إلى تآمر أعداء الإسلام على الإسلام نجده أمراً ملازماً لسير الدعوة الإسلامية منذ بدايتها ، فمنذ أن رفع النبي صلى الله عليه وسلم صوت الدعوة إلى الإسلام بمكة المكرمة داعياً إلى الله ، معلناً توحيد الله ، بادره قبل كل شيء من هو أقرب الناس إليه وقال له : تباً لك ألهذا جمعتنا. ولا يزال الإسلام منذ ذلك الوقت يلقى مزيداً من التآمر من أعدائه ، ولكن التآمر الخفي أصعب بكثير من التآمر الظاهر ، والغزو الخفي أخطر بكثير من الغزو الجلي ، وإذا كان بجانب هذا التآمر عجز من قبل أبناء الإسلام وعدم إدراك لهذا التآمر من قبل علمائه ، كان الأمر أصعب بكثير ، ولقد رزئ المسلمون في عقيدتهم وارتج اليقين في صدورهم عندما واجهوا الغزو وهم عزل عن السلاح ، فاستسلموا له وتقبلوا كل ما جاء به.
      إننا لنجد أن من أخطر ما اصيب به المسلمون هو قلب المفاهيم وتغيير المقاييس عندهم . وإذا كانت الكلمات تقاس بقدر معطياتها ، فإن كلمة قالها فيلسوف من فلاسفة الشرق في العصور السحيقة لجديرة بالتقدير والإكبار ، فقد قال : ( لو كنت أملك من أمر الناس شيئاً لبدأت قبل كل شيء بوضع الأسماء الصحيحة في مقابل المسميات ، لأن التسمية تصور المسمى على حقيقته ولكن التسمية إذا كانت مقلوبة كان المسمى خفياً بحيث لا تدركه القلوب ولا تستطيع أن تحكم عليه العقول ).
      ومن مخاطر الغزو الجديد الذي رزئ به الإسلام من قبل أعدائه ، هو قلب الأسماء بحيث لا تصور المسميات على حقيقتها ، ونجد أمثلة لهذا القيد متقبلة عند جميع الناس يلوكونها بألسنتهم بدون تفنيد بين ما هو صحيح أو ليس بصحيح ) ، فمن ذلك أن أعداء الإسلام أرادوا أن يحببوا إلى المسلمين الخمر فسموه ( المشروب الروحي ) وإن الذي يسمع الألسنة تردد هذا الإسم للخمور ليتصور ذلك الموقف الذي وقفه الرسول صلى الله عليه وسلم ليعلن عن هذا التحريف قبل أربعة عشر قرناً ، فالإمام الربيع رحمه الله قد روى عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( ليستحلن آخر أمتي الخمر بأسماء يسمونها بها )). وروي هذا الحديث من طريق عبادة رضي الله عنه أيضاً الإمام أحمد وابن ماجه بلفظ (( لتستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه )). وفي رواية ابن ماجه (( ليشربن طائفة من أمتي الخمر )). وروى الإمام أحمد وأبو داود من طريق أبي مالك الأشعري رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( ليشربن أُناس من أمتي الخمر ويسمونها بغير اسمها )). وفي حديث أخرجه ابن ماجه عن أبي أمامة رضي الله عنه أن الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام قال : (( لا تنتهي الليالي والأيام حتى تشرب طائفة من أمتي الخمر ويسمونها بغير اسمها )). وجاء في رواية عن أبي محيرث عن أحد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أخرجها النسائي أنه قال : (( يشرب أُناس من أمتي الخمر ويسمونها بغير اسمها )). فالذي يسمع تردد كلمة المشروب الروحي أو المشروبات الروحية إطلاقاً على الخمر ، ليتصور ذلك التحذير الذي حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم أمته ، ويدلنا هذا التحذير منه عليه أفضل الصلاة والسلام أن هذا الإطلاق نفسه حرام ، فإطلاق اسم المشروب الروحي على الخمر من ضمن المحرمات كما أن شربها وبيعها وسقيها وعصرها واعتصارها وحملها وإهداءها وتقبلها ممن أهداءها كل ذلك حرام .
      ومن ضمن قلب الأسماء تسمية الربا بالفوائد ، والله تعالى يقول : { يمحق الله الربا ويربي الصدقات } فالربا الذي يتصوره الناس سبباً للزيادة والنمو هو من أسباب محق البركة وزوال فائدة المال ، ولقد حذر الله تعالى من الربا أيما تحذير فقد قال عز من قال : { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله فإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تُظلمون } . وبين قبل ذلك سبحانه وتعالى خطورة الربا حيث قال : { الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فأنتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأُولائك أصحاب النار هم فيها خالدون }.والذين يماحكون في تحريم الربا ويجادلون إنما يتوجه إليهم هذا الوعيد الشديد الذي آذن به الله سبحانه وتعالى به أُولائك الذين يأكلون الربا أو أُولائك الذين يستحلونه حيث يقولون إنما البيع مثل الربا . ولقد ظن بعض الناس أن الربا سبب للنمو والزيادة حتى قال كثير منهم أن البنوك التي تتعامل بالربا سبب لازدهار الاقتصاد وتعلموا أنها سبب لمحق البركة وسبب للقضاء على نمو المال وسبب لاستشراء الفساد في الثمار والزروع لأن الله تعالى يقول : { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله }.
      ومن قلب الأسماء تسمية الزنا ومقدماته بالحب ، مع أن الله سبحانه حرم الزنا وحذر من إتيان مقدماته ، فقد قال عز من قائل : { ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا } . وفرض الله تعالى العقوبات الرادعة على الزنا ، فرض الجلد عليه في كتابه العزيز ، وفرض الرجم إن كان الزاني محصناً بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم القولية والتطبيقية ، يقول الله تبارك وتعالى : { الزاني والزانية فاجلدوا كل منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله }. يحذرنا الله تعالى من أن تأخذنا رأفة بالزناة لأنهم يهدمون الأسر ويفسدون البيوت ويطمسون النسل ومغبة الزنا مغبة خطيرة ، ولكن بدلاً من أن يسمى الزنا باسمه الصحيح وضع له هذا الاسم البراق ، فسمي حباً عند كثير من الناس.
      ومن ذلك أيضاً تسمية الغناء والرقص وضروب المجون بالفن ، فإن ذلك كله من ضمن الغزو الخطير الذي يترتب على قلب الأسماء عن حقيقتها وإعطاء المسميات أسماء غير أسمائها ولا شك أن هؤلاء يقصدون بمثل ذلك إضفاء ثوب المحاسن على المقابح وتصوير الرذائل في صورة الفضائل وتحبيب الشهوات إلى النفوس ويحاولون من وراء ذلك كله أن تجهل هذه الأمة عقيدتها وأن تجهل واجباتها لأنها سكعت في شهواتها واستسلمت لعدوها إذ لا يعود لها هم في هذه الدنيا غير الشهوات وذلك الذي تلتقي عليها مؤسسات أعداء الإسلام كلها ، فالصهيونية والتبشير الصليبي والشيوعية ، كلها تتضافر جهودها على ذلك ، ومما يدل على ذلك ما قاله أحد القسيسين المبشرين وهو زويمر حيث قال في مؤتمر القدس: ( إن مهمة التبشير التي لأجلها ندبتكم الدول المسيحية للقيام بها في البلاد المحمدية ليست في تنصير المسلمين ، فإن ذلك هداية لهم وتكريماً ، وإنما هي في إخراج المسلم من الإسلام وجعله مخلوقاً لا صلة له بالله وبالتالي لا صلة له بالأخلاق التي تعتمد عليه الأمم في حياتها وبهذا تكونون بعملكم هذا طليعة الفتح الاستعماري في الممالك الإسلامية ). ثم بعد ذلك وجه خطابه إلى إخوانه القسيسين فقال: ( إنكم قد ظفرتم ونجحتم أيما نجاح في مهمتكم ذلك لأنكم أعددتم جيلاً لا همة له إلا بالشهوات ، فإن سما إلى أعلى المناصب ففي سبيل الشهوات ، وإن جمع المال فلأجل الشهوات ).
      وهذا هو الذي وقعت فيه هذه الأمة ، عندما كان اللورد كرومر بمصر يقف في وجه المنصرين الذين يريدون أن يختطفوا أبناء المسلمين ، عندما كان يفعل ذلك قدم المنصرون شكاية عنه إلى بلاده فنوقش فقال : إن هؤلاء يريدون أن يستفزوا مشاعر المسلمين بينما طريقتي هي أنجح طريق ، طريقتي أني دسست السم في العسل وذلك لأنني دسست المباديء الخطيرة على الإسلام والمسلمين في المناهج التعليمية ، لقد أمرت بإعداد المناهج التعليمية أكبر قس في الشرق وهو زويمر وإنني لواثق أن أبناء المسلمين سوف يتلقون الأفكار الغربية بكل ما فيها من فساد إذا تقبلوا هذه المناهج . وذلك الذي وقعت فيه هذه الأمة ، فقد أضفى ثوب المحاسن على القبائح وسميت معاصي الله سبحانه وتعالى بأسماء براقة وأخذ الناس يحببون إلى أبنائهم الأعمال المنكرة والأحوال الدنيئة بسبب جهلهم بالإسلام وبسبب انطفاء جذوة الغيرة على هذا الدين الحنيف في قلوبهم ، لقد أخذ المسلمون أنفسهم يترجمون المناهج التعليمية التي أعدها لهم أعداؤهم ، إلى لغاتهم ومنها اللغة العربية لغة القرآن ومع ذلك فإنهم لم يحاولوا أبداً أن يفندوا بين الصحيح والسقيم وبين الحق والباطل ، بل تقبلوا تلك المناهج بما فيها من فساد وبكل ما فيها من تحريف.
      ومن ذلك أن كتاباً من كتب الحساب وجدته منذ سنوات يشتمل على أسئلة توجه إلى الطلبة ومن ضمن هذه الأسئلة التي توجه إليهم ( رجل أودع في البنك ثمانين ألفاً ، وتدر عليه هذه الثمانون ألفاً أرباح بنسبة خمسة في المائة كل عام ، فكم يجتمع له الربح كل عام ؟ ) إن هذه محاولة لتخفيف الكراهية من الربا ، بل هي محاولة لتحبيب الربا إلى القلوب بحيث يسمى الربا ربحاً ، ومحاولة لجعل التعامل الربوي من ضمن التعامل المألوف بين المسلمين ، وقد قلت غير مرة أن البديل عن ذلك أن يوضع سؤال آخر مقابل هذا السؤال فيحل محله ، مثل أن يقال ( رجل يملك من النقود ثمانون ألفاً وتلزمه فيه زكاة بنسبة 2,5 % فكم يلزمه من الزكاة في العام عن هذه الثمانين ألفاً ).
      وسؤالاً آخر وجدته أيضاً في نفس الكتاب ( وهو أن رجلاً وامرأته وابنهما وابنتهما دخلوا السينما وكان على كل من الابن والابنة نصف تذكرة ودفعوا أربعة وعشرين دينار أو جنيهاً عن كل التذاكر ، فكم تكون قيمة التذكرة الواحدة). مع أن هناك سؤالاً بديلاً عن هذا السؤال يحل محله وينمي روح الفضيلة في الطالب ، وهو أن يقال بدلاً من هذا السؤال : ( رجل وامرأته وعندهما كذا من الأولاد مروا على عدد من الفقراء وتصدقوا عليهم بعدد كذا من الدنانير أو الدراهم ، إذاً كم ينوب كل واحد من هؤلاء وكم يكون لكل واحد من الفقراء ).
      وهذا إن دلنا على شيء فإنما يدلنا على جهلنا بحقيقة الإسلام والعلم والتربية. إن التربية هي تنمية روح الفضيلة ، فالتربية بمعنى الإصلاح والتنمية وكلمة الرب مشتقة أيضاً من كلمة التربية أو هي قريبة منها تؤدي معناها وذلك لأن الله سبحانه وتعالى يصلح عباده وينميهم بفضله وإذا كانت هي التربية فيجب أن ترتكز التربية على الإصلاح وعلى تنمية الفضائل وعلى غرس الأخلاق وعلى بعث الهمم إلى الخير وعلى بعث العزائم إلى ما فيه عز المسلمين وخيرهم.
      ونحن إذا ما عدنا إلى ما يقوله انفسهم عن التربية وجدنا أن فلسفة التربية عند الغربيين لم ندركها نحن حيث أخذنا القشور من مناهجهم التربوية ولم ندرك فلسفة التربية التي تقوم عليها التربية عند الغربيين ، فأحد خبراء التربية عند الأمريكان يقول : ( إن عملية التربية ليست عملية تعاط أو عملية بيع وشراء أو استيراد إلى الداخل وتصدير إلى الخارج ).ثم يقول ( وفي فترات من التاريخ خسرنا أكثر مما ربحنا باستيراد نظرية التربية الإنجليزية والأوروبية إلى البلاد الأمريكية ).
      وإذا كان هذا الرجل تبلغ به الحساسية هذا المبلغ فيتأسف لفترات من التأريخ يرى أن شعبه خسر فيها أكثر مما ربح باستيراد نظرية التربية الإنجليزية والأوروبية إلى البلاد الأمريكية مع أن القاسم المشترك بين الأمريكان والأوروبيين عامة والإنجليز بصفة خاصة أشياء متعددة ، منها الدين ، فالجميع ينتمون إلى النصرانية ، ومنها اللغة فلغة الأمريكان هي لغة الإنجليز ، ومنها الاتجاه السياسي ومنها العادات والأخلاق ومنها العنصر النسبي وذلك أن الأمريكان من الأوروبيين.
      ويقول البروفيسور كلاري : ( مهما قال الناس في شرح التربية أو في تفسير التربية فإن كل ذلك يعود إلى أن التربية هي إثبات نظرية سبق الأيمان بها ) ويعني ذلك أن تكون التربية متقبلة عند الشعب المربي وذلك لأن التربية تنمي عقيدة سبق الإيمان بها وترسخ مبادئ قد سبق أن وافق ذلك الشعب الذي ترسخ فيه تلك المباديء عيها وآمن بها وصدق بها. وعندما كان الإنجليز يؤلفون دائرة المعارف طلبوا من أحد خبراء التربية في بريطانيا وهو السير بيرسي ناين طلبوا منه أن يكتب في بند التعليم عن التربية فقال : ( لقد سلك الناس مسالك متعددة في التعريف بالتربية ولكن الفكرة الأساسية التي تسيطر عليها جميعاً أن التربية هي الجهد الذي يقوم به أباء شعب ومدربوه لإنشاء الأجيال القادمة على أساس نظرية الحياة التي يؤمنون بها ، إن وظيفة المدرسة أن تمنح القوى الروحية فرصة التأثير في التلميذ ، تلك القوى الروحية التي تتصل بنظرية الحياة وتحفظ مقومات الشعب وتمد يدها إلى الأمام ). وإذا كان هذا الرجل يتحدث عن قيمه التي ترتبط بالوحل والتراب والتي لا تتجاوز المادة ، فكيف بالأمة الإسلامية التي نزلت قيمها من السماء، فقد جاء بها كتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
      إن هذا ليدلنا أن على أن الواجب على هذه الأمة أن تدرك خطورة التربية ، وأن تدرك واجباتها في محو كل صورة علقت بأذهان أبنائها لا تتفق مع مبادئها وقيمها وأخلاقها.
      كـــــــــــــــــــــــــــــــن مــ الله ــع ولا تبــــــــالي
      :):)
    • لقد جاء القرآن الكريم كتاباً يشمل كل نواحي الحياة فلا يغادر شيئاً مما تتطلبه حياة الإنسان. فيجب أن يكون هو الأصل الأول للتربية ويجب أن تكون السنة النبوية هي الأصل الثاني ذلك لأن السنة هي التي تشرح القرآن وتبين ما أنبهم منه وتوضح ما خفي منه وتفصل ما أجمل من أحكامه ، وبناء على ذلك فإن واجب الأمة أن تجعل تربيتها تدور حول القرآن وحول سنة الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام ، وهذه مسئولية كبرى يتحملها كل فرد من أفراد هذه الأمة ، فكل فرد من أفرادها مسئول عنها ولكن تتضاعف المسئولية على العلماء ، علماء الشريعة الإسلامية ، فيجب على العلماء أن يكونوا ذوي خبرة وإدراك لحقائق العالم الذي يعيشون فيه ومتطلباته وأن يتصوروا كل ظروفه وملابساته حتى يضعوا حلولاً في مواجهة جميع المشكلات والمعضلات التي ترزح هذه الأمة تحت نيرها وتتلمس حلولها من قبل أعدائها ، إن علماء الفقه الإسلامي بإمكانهم لو تعمقوا في دراسة أحكام الله سبحانه وتعالى في كتابه الخالد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وتعمقوا في دراسة سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وتعمقوا في فهم القواعد الأساسية التي نطق بها القرآن وجاءت بها السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام وفهموا مع ذلك واقع هذه الأمة ، وواقعها الأدبي وواقعها الاقتصادي وواقعها الثقافي وواقعها الاجتماعي وواقعها السياسي ، استطاعوا أن يضعوا الحلول لهذه الأمة حتى لا تحتاج هذه الأمة إلى حل من قبل أعدائها. وهذا ينبني قبل كل شيء على الفهم الدقيق والإدراك العميق وذلك لايتأتى أبداً إلا بعد بذل الجهد في عدم {} ما بين المواد الثقافية التي تدرس وما بين التربية الدينية النابعة من كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ويترتب ذلك على تضافر الجهود وتناسقها بين أصحاب التخصصات المختلفة ، فالذي يدرس الثقافة الدينية يجب أن يكون عنده من الثقافة الأخرى بقدر ما يتصور واقع هذه الأمة ، والذي يدرس الإقتصاد مثلاً يجب أن يكون عنده من الوعي الإسلامي والفهم الديني بقدر ما يدفعه لوضع الحلول الإقتصادية النابعة من كتاب الله ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم مع التعاون مع الذين درسوا الشريعة الإسلامية وتخصصوا فيها .. وهكذا في كل مجال من المجالات.
      ومن ضمن الأمور التي حاول بها أعداء الإسلام صرفنا عن الدين الحنيف أنهم رسخوا في نفوس أبنائنا التفرقة بين الدين والعلم ولأجل ذلك سموا الجاهلية الحديثة التي هي نبذ الدين ورفضه والتخلص منه ، سموا هذه الجاهلية بالعلمانية إشتقاقاً من العلم وذلك لأنهم يبنون نظرياتهم على التفرقة بين العلم والدين ، وإذا كانت هناك تفرقة بين العلم والدين عند غير المسلمين ، ويدل على ذلك ما دار من حروب بين العلماء المكتشفين وبين الذين يسمون عندهم برجال الدين ، فإن الإسلام على خلاف ذلك ، الدين الإسلامي يقوم على العلم والفهم والإدراك والعقل والتفكير ، فالله سبحانه وتعالى يقول : { وكذلك نصرف الآيات لقوم يتفكرون } ويقول : { إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون }.. ونحو ذلك.
      ذلك كله يدل على أن الدين الإسلامي ليس بينه وبين العقل تصادم وليس بينه وبين التفكير تصادم ، هذه الأشياء كلها يجب أن يتصورها الشباب وأن يدركوا حقيقتها وأن يدركوا أبعادها وأن يدركوا أن الدين الإسلامي أمانة في عنق كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر فليس في الدين الإسلامي طبقة تسمى رجال الدين ، إن كل من يشهد أن لا إله إلا الله ويشهد أن محمداً رسول الله ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويصوم رمضان ويحج البيت ويلتزم واجبات الإسلام ، هو من رجال الدين ، ومسئولية هذه الواجبات ليست على فرد دون فرد فالله سبحانه وتعالى قد شرع العبادة لكل واحد ولم يشرع العبادة لطبقة من الطبقات ، والدين الإسلامي يفرض مراقبة الله سبحانه وتعالى في كل الأحوال ، بفرض على العبد أن يراقب الله في أخذه وعطائه ، في رضاه وغضبه ، في بيعه وشرائه ، في سلمه وحربه.
      فكما أن الدين الإسلامي يوجه العبد المسلم وهو يتجه إلى القبلة ساجداً راكعاً لله سبحانه وتعالى منيباً إليه يلتمس مرضاته ، كذلك يوجهه وهو في متجره ، ويوجهه وهو في مزرعته ، ويوجهه وهو في مصنعه ، ويوجهه وهو في مكتبه ، ويوجهه وهو في ميدانه يدافع عن حمى الدين الحنيف ويدافع عن حظيرة الأمة الإسلامية ، وبذلك يدعو جميع المسلمين إلى الفهم الدقيق لهذا الدين وإدراك أبعاده وإدراك طواياه وغسل الصور من كل تلك الصور الشائنة التي تعلقت بكثير بأذهان كثير من الطلاب والتي ما فتى أعداء الإسلام يحاولوا أن يلطخوا بها التأريخ الإسلامي وأن يغرسوها في قلب كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر للحيلولة بينه وبين إسلامه.
      ولأجل ذلك فإنني أُهيب بالطلبة كلهم ، على إختلاف الدروس التي يدرسونها ، أن يخصصوا وقتاً من أوقاتهم لدراسة أحكام الله سبحانه ، لدراسة كتاب الله إذ هو المصدر الأول من مصادر التشريع في الإسلام ، ودراسة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ودراسة ما دونه علماء السلف الصالح {} من أقوال فسروا بها كتاب الله وشرحوا بها سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ودراسة القواعد الأساسية التي إستخرجت من كتاب الله ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ودراسة الفكر الإسلامي السليم المستخرج من كتاب الله ومن سنة رسوله محمد عليه أفضل الصلاة والسلام ليواجهوا الفكر بالفكر والعلم بالعلم ويواجهوا القوة بالقوة ويواجهوا النظام بالنظام.
      كما إنني أيضاً أدعوا جميع المدرسين لبذل جهدهم في هذا الأمر وإدراكهم العبء الذي يقع على عاتقهم حول تخليص هذه الشبيبة من هذه الأفكار التي أصبح كثير منهم أسرى فيها يرزحون تحت نيرها ولا يستطيعون الخلاص منها إلا بمعونة أساتذتهم ، وبذل الجهود لذلك.
      والله سبحانه وتعالى أسأل أن يوفق الجميع لما فيه الخير وأن يعز الإسلام والمسلمين وأن يذل الشرك والمشركين وان يرزقنا فهم هذا الدين وأن يرزقنا تطبيقه في كل ما نأتيه وما نذره وهو تعالى ولي التوفيق وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
      سماحة الشيخ أحمد الخليلي
      كـــــــــــــــــــــــــــــــن مــ الله ــع ولا تبــــــــالي
      :):)
    • نظرات حول المذهب الإباضي

      مقدمة الناشر :
      بسم الله الرحمن الرحيم

      الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، والحمد لله الذي هدانا للإسلام وأنار عقولنا بالقرآن فعرفنا الحلال والحرام والصلاة والسلام على خير الأنام وبدر التمام الداعي إلى التمسك بما جاء في الكتب من أصول وأحكام سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم التمام .
      وبعد ،

      فقد اطلعت على البحث الذي أعدته الأخت مريم بنت سعيد القتبية ( نظرات حول المذهب الأباضي ) فرأيته بحثاً جيداً يستحق النشر وهو البحث الأول للأخت مريم القتبية لعل الله ينفع به وتعم فائدته وتشارك جميع الأخوات المسلمات في الكتابات والبحوث الإسلامية لأن المرأة نصف المجتمع فعليها أن تدعو إلى لم شعث الأمة وتوحيد صفوفها والرجوع التام إلى تعاليم الإسلام السمحة .
      هذا وقد أشادت الأخت بالمذهب الإباضي ، فبينت نشأته وذكرت بعض مبادئه وأصوله وقادته ورواده ومدى تمسكهم بكتاب الله عز وجل وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
      أخي القارئ أختي القارئة :
      وإن كان هذا البحث صغير في مبناه فهو كبير في مضمونه وفحواه فلله در الأخت الباحثة ونفع الله بها الأمة الإسلامية ، فادعو الله أن تسير على هذا الطريق وستجد من ينشر جميع مؤلفاتها المستقبلية.
      فعلى جميع الأخوة والأخوات أن يتخذوا من الأخت مريم قدوة لهم فيبحثوا ويكتبوا حول الإسلام وتعاليمه وعن المجتمع الإسلامي ونهجه وكيف ينبغي أن يستظل المسلم بتعاليمه ويستنير بأنواره .
      وصلى الله على خير خلق الله أجمعين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

      مكتبة الضامري للنشر والتوزيع

      مقدمة البحث
      بسم الله الرحمن الرحيم

      الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وكل من تبعه ووالاه وبعد : -
      فسأتحدث في هذا البحث بإيجاز عن المذهب الإباضي وأحاول قدر الإمكان الإلمام بجميع جوانب الموضوع بالرغم من تشعبه وتفرعه وقد أخذت عن كتب بعض المؤلفين العمانيين في هذا المجال.
      وسأجعل ترتيب البحث كما يلي : -

      1. لمحة عن الإباضية وموطنهم .
      2. مؤسس المذهب الإباضي جابر بن زيد .
      3. إتهام الإباضية بأنهم خوارج ورد هذا الإتهام .
      4. أهم أئمة المذهب الإباضي .
      5. المبادئ التي يقوم عليها المذهب الإباضي .

      والله ولي التوفيق

      مريم بنت سعيد بن علي القتبية

      المذهب الإباضي:

      1- من هم الاباضية ؟

      الأباضية أمة من أمم الإسلام إمامهم عبدالله بن أباض التميمي المعروف زعيم ديني وإمام أباضي شهر مقامه بين الرجال وخاصة رجال الحق وزعماء الرشد لم يزل داعياً إلى الله جاداً مجداً هماماً مرشداً ولياً لأولياء الله رضياً في دينه لا يهاب الجبابرة ولا يحابي الظلمة ولا يداهن في الدين ولا يميل إلى أهل الأهواء والبدع وهذه لهجة أهل الحق في الإسلام وسيرة الأتقياء الأعلام فلما فشى خبره بهذا في الأمة الإسلامية وشاع نبأه في أقطار الإسلام وعوالمه أضيف إليه من كانوا كذلك من الأمة ونسبوهم إليه وهو كما ترى لم يكن إماماً له مذهب خاص ولا مسألة واحدة في الدين (1) .

      2- أين هم ؟

      الأباضية في عمان أعرق منهم في غيرهم من بلاد الإسلام ، وفي بلاد العراق إذا كان ابن أباض عراقياً ، وفي أرض اليمن وبالأخص في حضرموت إلى نهاية القرن السابع ، وفي المغرب أشهر من نار على علم وأرسى من رضوى على الثرى ، وفي زنجبار من أفريقيا وفي أمكنة متعددة من بلاد الله (2) .


      ---------------------------------------------------------
      (1) أصدق المناهج في تميز الأباضية من الخوارج – سالم بن حمود السيابي – ص: 20
      (2) المرجع السابق ص: 20

      3. نسبة الأباضية إلى جابر بن زيد:

      إمام الأباضية أبو الشعثاء جابر بن زيد الأزدي ولد سنة 21 للهجرة وتوفي سنة 93 هـ على أرجح الأقوال وعلى هذا الاعتبار فهو أول المذاهب المعتدلة نشوءاً.
      نسب أتباع هذا المذهب إلى عبد الله بن أباض التميمي أحد رجالهم المشهورين نسبة غير قياسية أطلق ذلك عليه بعض ولاة الدولة الأموية في عهد (( عبد الملك بن مروان )) فيما يبدو بسبب المراسلات والمناقشات الطويلة التي جرت بين عبد الله وعبد الملك ولحركته النشطة في نقد سلوك الحكم الأموي بابتعاده عن منهج الخلفاء الراشدين السابقين ودعوته الصريحة لحكام الدولة إلى الاعتزال أو اعتزال أمور الناس ثم لمواقفه الجدلية المتصلبة ضد الخوارج بحيث ظهر عند العامة بمظهر الزعيم . أما الأباضية أنفسهم فقد كانوا يسيمون أنفسهم " أهل الدعوة " و " جماعة المسلمين " و " أهل الاستقامة " ولم يعرفوا بالأباضية إلا بعد موت جابر بن زيد بزمان ولم يعترفوا بهذه التسمية إلا عندما انتشرت على ألسنة الجميع فتقبلوها تسليماً بالأمر الواقع عند الآخرين .
      الإمام الثاني للإباضية هو أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة أخذ العلم عن جابر وغيره وعن طلابهما انتشر المذهب الأباضي في أغلب بلاد المسلمين وقد اشتهر من أولئك الطلاب حملة العلم إلى المشرق وحملة العلم إلى المغرب (3) .
      وقد ابتدأ التأليف والتدوين عندهم مبكراً فقد ألف (( جابر )) ديواناً ضخماً جمع فيه روايته وآراءه على ما تقول كتب التاريخ ولكنه ضاع في العهد العباسي و ألف ((( الربيع بن حبيب )) صحيحه في القرن الثاني الهجري ولا يزال هذا الكتاب معتمد الأباضية في السنة مع غيره من الصحاح وهو أعلى درجة من صحيحي البخاري ومسلم لأنه ثلاثي السند وألف (( عبد الرحمن بن رستم )) تفسيراً للقرآن وألف (( هود بن محكم الهواري )) أيضاً تفسيراً للقرآن وألف (( أبو اليقظان محمد بن أفلح )) عدة كتب في الاستطاعة كل هذا في القرنين الأول والثاني بل هناك عدة مؤلفات أخرى في تلك الفترة ثم توالى التأليف في فروع الثقافة الإسلامية في كل عصر من العصور التالية .
      ---------------------------------------------------------
      (3) سير الشماخي ج1 ص : 78

      3. الاباضية في قفص الاتهام :

      إن وضع الاباضية بالنسبة إلى اخوتهم من المذاهب الأخرى وضع غريب فبرغم أنهم يعيشون في بعض البلاد مندمجين مختلطين بإخوانهم من المذاهب الأخرى يتعاملون معهم في جميع شؤون الحياة كما يتعامل بعضهم مع بعض وتربط الكثير منهم علاقات مودة وصداقة أوثق كثيراً مما تربطه أهل المذهب الواحد ويتصرف أولئك الإباضيون في المجتمع تصرف المسلم الطبيعي لا يخفى ولا يشذ بشئ من سلوكهم الديني أو المدني ولا ينقم عليهم إخوتهم أولئك الذين يعيشون معهم في السراء والضراء بدعة يعرفونها أو انحرافا يرونه أو خلافا يدعو إلى سوء الظن رغم كل هذا فإن تلك الكلمة التي أطلقتها عليهم فئة مغرضة مجهولة في فترة كانت السياسة تلعب فيها أهم الأدوار في توجيه الفهم لمن ينتقد انحرافها عن نهج العدول من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم منذ ذلك التاريخ في العصر الأموي فيما يبدو والإباضية يقفون في قفص الاتهام يقاسون ألم الجفاء من إخوانهم لأنهم فيما تزعم تلك التهمة الظالمة ((خوارج)) ومن المؤسف أن أكثر الكتب يتبعون مجاري الأحداث السياسية وقفوا بالنسبة إلى الإباضية موقف المدعي العام الذي يعتقد أن نجاح مرافعته يتوقف على إثبات التهمة أو قاضي التحقيق الذي يهمه أن يضع أوزار الجريمة على من ساقته الظروف إليه ووضعته التحريات بين يديه (4).

      فهم يضعون هذا المذهب وأتباعه في قفص الاتهام أولا . ويحكمون عليهم بأنهم مخطئون لأنهم خوارج وبعد ذلك قد يبحثون عن الأدلة ولكن لإثبات هذه التهمة لا لمعرفة الحقيقة . وعندما يتقدم الإباضية بعرض آرائهم والأدلة الشرعية التي استندوا إليها ويبينون سيرتهم وسلوكهم يعتبر كل ذلك منهم كلاما في موقف الدفاع لا يجوز على القاضي الذكي فهو لا يسمعه ولا ينظر فيه وإذا استمع إليه فلكي يلتقط منه جملا تعزز التهمة وقد يحرفها قليلا حتى تكون صالحة كدليل للإثبات .
      والمشكلة أن رافعي الإتهام لا يحاولون أبدا أن يبحثوا عن الحقيقة ولا أن يرجعوا في تحقيقهم إلى مصادر الإباضية وإنما ينتاقلون التهمة بنصها من جيل إلى جيل دون اعتبار لصراخ المتهم الموجود في القفص أو الإهتمام به أو سماع دفاعه .
      وفي عصرنا هذا اهتم عدد من كتاب المقالات ومحققي الكتب بشؤون الفرق الإسلامية وعرض بعضهم فيما عرض للإباضية وبين يديه كتب قيمة لهم يستطيع أن يتخذها مراجع يستقي منها أقوالهم ويستطيع أن يعرف أصول ديانتهم وفروعها ويصحح متأكدا ما يجده من أخطاء عنهم في غيرها وإلى جانبه علماء فضلا منهم في إمكانهم أن ييسروا له الوصول إلى الحق ولكنه في الواقع يزور عن ذلك ولا يرجع إلى تلك الكتب ولا إلى أولئك العلماء وإنما يعود بالتفتيش إلى كتب ليست لهم وإنما كتبها غيرهم عنهم في ظروف مجهولة وهي غالبا لا تسلم من الأخطاء عن حسن النية إن سلمت من سوء النية بل هي عرضة للأخطاء من عدة جوانب منها :

      1- عدم توافر النزاهة الكاملة في الكاتب .
      2- سيطرة آراء معينة على الكاتب تجعله غير مستعد لفهم غيرها أو حتى مجرد مناقشتها .
      3- كفاءة الدراسة والتحقيق قد لا تكون عنده بالدرجة التي يفرق بها بين الصواب والخطأ .
      4- المصادر التي يستقى منها ويعتمد عليها سواء كانت كتبا أم بشرا قد تكون مغرضة وقد تكون مستغلة وقد تكون جاهلة لحقيقة ما تثبت .
      5- وسائل الاتصال التي تساعد على البحث والوصول إلى الحقيقة بالإتصال الشخصي المباشر كانت غير سهلة ولا ميسورة .
      6- النفرة بين اتباع المذاهب المختلفة وسوء الظن وشدة التعصب وتمسك كل بما عنده والحكم مسبقا على الآخرين بالخطأ والضلال .
      7- الإشاعات الكاذبة والدعايات المضللة التي تنطلق عن دوافع سياسية غالبا فتصل إلى ناس موثوق بهم فتجري على ألسنتهم أو أقلامهم فتتلقفها من الآذان دون معرفة مصدرها الحقيقي والدوافع السياسية الماكرة إلى الأيحاء بها (5).

      ---------------------------------------------------------
      (4) الاباضية بين الفرق الإسلامية ص 15- 16 ، مكتبة أبي الشعثاء.
      (5) المرجع السابق ، ص16-17-18.


      4. الاباضية ليسوا خوارج:

      لقد ظلمهم كتاب المقالات في العقائد فاعتبروهم من الخوارج وهم أبعد الناس عن الخوارج فالصقوا بهم عدداً من الشنائع والمنكرات لا علاقة بهم بها وقسموهم إلى عدد من الفرق ثم جعلوا لكل فرقة منها إماماً ثم نسبوا إلى كل إمام منهم جملة من الأقوال كافية لإخراجه من الإسلام ولا أصل لتك الفرق ولا لأولئك الأئمة ولا لمقالاتهم عند الأباضية بل يبرأون ممن يقول بذلك .

      ومن تلك الفرق فرقة (( الحفصية )) وفرقة (( الحارثية )) وفرقة (( اليزيدية )) ثم فروعها . ومن الأئمة الذين ينسبونهم إلى الاباضية أئمة هذه الفرق وفروعها . وكل ذلك لا صحة له . ومن الأمثلة على المقالات المنكرة (6) :
      1- ليس بين الشرك والإيمان إلا معرفة الله وحده فمن عرف الله وحده ثم كفر بما سواه من رسول أو جنة أو نار فهو كافر برئ من الشرك .
      2- إن الله سيبعث رسولاً من العجم وينزل عليه كتاباً من السماء جملة واحدة .
      3- من شهد لمحمد بالنبوة من أهل الكتاب وإن لم يدخلوا في دينه ولم يفعلوا بشريعته فهم بذلك مؤمنون .

      هذا وإن الاباضية يحكمون على من يقول بهذا وأمثاله بالشرك لأنه رد على الله وتكذيب لما علم من الدين بالضرورة .
      ويبدو أن كتاب المقالات نظروا إلى جميع ما ينسب إلى الخوارج بحق أو بباطل فنسبوه إلى الأباضية باعتباره زعمهم أنهم منهم دون ترو أو تمحيص ومن الأمثلة :
      1- ينكرون الإجماع .
      2- ينكرون الرجم .
      3- ينكرون عذاب القبر .
      بينما الاباضية لا ينكرون الإجماع بل يرونه الأصل الثالث من أصول التشريع ولا ينكرون الرجم وإنما يقولون أنه ثبت بالسنة القولية و العملية وليس بقرآن منسوخ ويثبتون عذاب القبر وسؤال الملكين إستناداً إلى أحاديث كثيرة ثبتت في الموضوع .
      كـــــــــــــــــــــــــــــــن مــ الله ــع ولا تبــــــــالي
      :):)
    • وقد لاحق كتاب المقالات الاباضية حتى في مجال الحرب فحاولوا التشنيع عليهم بقدر الإمكان ومن الأمثلة :
      1- يستحلون غنيمة أموال المسلمين من السلاح والكراع ويحرمون ما عدا ذلك .
      2- حرموا دماء مخالفيهم في السر واستحلوها في العلانية .
      3- تجب استتابة مخالفيهم في تنزيل أو تأويل فإن تابوا وإلا قتلوا سواء كان ذلك الخلاف فيما يسع جهله أو مالا يسع جهله .
      4- من زنى أو سرق أقيم عليه الحد ثم استتيب فإن تاب وإلا قتل.

      وكتاب المقالات فيما نسبوه إلى الاباضية من جميع ما ذكرناه مخطئون ولهم من أشباهها كثير .

      وكما ظلم الاباضية عند كتاب العقائد ظلمهم المؤرخون أيضاً فاعتبروهم كذلك فرقة من الخوارج ثم الصقوا لهم كل ما الصقه الإعلام الأموي والإعلام الشيعي بحق أو باطل ، وبصدق أو كذب ونسبوا إليهم كل ما ينسب إلى أولئك من أعمال العنف وغلاظة الطبع وجفاء البداوة وشذوذ المعاملة وجمود الفهم رغم أن الاباضية لم يقوموا بأي عمل من أعمال العنف طوال تاريخهم في غير حالات الدفاع وحتى عندما استطاعوا أن يغيروا بعض أنظمة الحكم فإنما قام عملهم على الدعوة والإقناع وتم لهم ما أرادوا دون أن يجردوا سيفا أو يزهقوا روحاً .
      ومع ذلك فإن المؤرخين لا يرحمونهم وينسبون إليهم أفعال العنف والشغب ومحبة القتال ويرددون مع كتاب المقالات عباراتهم المألوفة التي لا يكاد يخلو منها كتاب .
      ويضيف إليها أحد المؤرخين المعاصرين قوله : (( ولن تغمد السيوف ويتوقف القتال من الأمة الإسلامية ما دام لهم وجود ولهم أنصار )) . ولعل كراهة الاباضية لإراقة الدماء وهروبهم من الفتن جرأ عليهم مخالفيهم فشددوا عليهم الهجوم ولاحقوهم باستمرار واستحلوا منهم ما لم يستحلوا من غيرهم فكان ذلك سبباً في تناقص عددهم وانحصارهم في أماكن محدودة ضيقة .

      ------------------------------------------------------
      (6) الأباضية مذهب إسلامي معتدل ص20


      5- من هم الخوارج إذا كان الاباضية ليسوا منهم:

      الخوارج في الأصل جمع خارجة وهي طوائف تخرج في الإسلام ضالة ومحقة ومن عرف الفقهاء فرق من فرق الإسلام رأسهم نافع بن الأزرق ونجدة بن عامر وعبدالله الصفار وأتباعهم خرجوا على أهل الحق في زمن التابعين وتابعيهم وحكموا على مرتكب الكبير من الذنوب بالشرك وفرّعوا عليه حلية ماله فيغنم ودمه فيسفك ورأوا أن ذلك هو الحق واشتدوا على الناس وثقلت وطأتهم على من تسلطوا عليه واشتدت شوكتهم وعظمت محنتهم على الأمة الإسلامية ابتلاء من الله لا يمثل هؤلاء وتعلقوا بتأويلات خالفوا فيها غيرهم من سائر الأمم الإسلامية ولم يصفوا على قول غيرهم من أهل الحق فاستعرضوا الناس بالسيف وقتلوا من لم يحل قتله ونهبوا الأموال واستعبدوا النساء والرجال لأنهم في نظرهم مشركون فكان لهم خطب جسيم في الإسلام واستحلوا ما حرم الله بالمعصية متأولين قوله تعالى: (( وإن أطعتموهم إنكم لمشركون )) سورة الأنعام . آية 12 .

      وكان معنى الآية وإن أطعتم المشركين في القول بتحليل الميتة فأنتم مشركون مثلهم . ولكن هؤلاء تأولوها على غير وجهها فإن معناه معهم وإن أطعتموهم في أكل الميتة فأخطأوا بذلك في تأويل الآية وجه الحق ولا يخفى أن استحلال ما حرم الله رد على الله عزّ وجل وهو شرك محض لا يرتاب فيه من له تمييز بين الحق والباطل .
      ولما عظم خطب الخوارج وتكاثف فلهم (7) أثار الله لهم القائد الكبير المهلب بن أبي صفرة سارف بن ظالم بن صبح بن كندة بن عمرو بن عدي بن الوائل بن الحارث بن العتيك بن الأسد بن عمران بن عامر ماء السماء الأزدي العماني المشهور فاضرم بينهم نيران الحرب والدهاء حتى دقهم دق العصف وأبادهم حتى عرفت البصرة به فقيل (( بصرة المهلب )) وكان هؤلاء الخوارج من جملة منكري التحكيم وكان الاباضية أيضاً كذلك أدمجوهم في إعداد الخوارج ليشوهوا بذلك سمعة الاباضية ظلماً وعدواناً وحسداً منهم للإباضية أرادوا أن يلطخوا بذلك طهارتهم من الأسواء حتى لا يرتفع لهم صوت في عالم الأمم الإسلامية ولا يقوم لهم بناء دين مهما كان يقوم على منهاج الخلفاء الراشدين ويعرف بين الأمم بالعدالة المحضة فتؤيده رجال الحق رغم العراقيل .
      ------------------------------------------------------
      (7) أي هم يقولون ما قتله الله أحل مما قتله الإنسان فإن أطعتموهم في ذلك أشركتم مثلهم .


      6. أهم أئمة المذهب الأباضي :

      جابر بن زيد – أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة – الامام الربيع بن حبيب رضي الله عنهم .

      أ – جابر بن زيد رضي الله عنه (8):

      ولد أبو الشعثاء جابر بن زيد 21 هـ وتوفي سنة 93 منها وهو وإن كان عمانياً إلا أنه عاش في العراق فقد أمضى عمره المبارك في البصرة إحدى عواصم العراق العلمية في ذلك الحين عاش في البصرة كما عاش أكثر زملائه من كبار التابعين .
      عاش – أي جابر بن زيد – ينشر العلم في المساجد والمجامع ويبث الخلق الحميد بين الناس ويدعو إلى التمسك المتين بالدين القويم والمحافظة على أصوله وفروعه ويفتي في المشاكل التي تعرض للناس حتى قال ترجمان القرآن ابن عباس رضي الله عنه (( عجبأ لأهل العراق كيف يحتاجون إلينا وفيهم جابر بن زيد )) وقد شهد له بالفقه والعلم والدين وسماحة الخلق غير هؤلاء كثير من الصحابة والتابعين وكثير من تابعي التابعين غير أنني اكتفي بشهادة عبد الله بن العباس وأنس بن مالك وعائشة أم المؤمنين وهم من أخص أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم وأعرفهم بحقائق الدين وأسراره وأعلمهم بمعاني القرآن الكريم ومواقع السنة وقد قال جابر أدركت سبعين بدرياً فحويت ما عندهم من العلم إلا البحر وكان يقصد بالبحر ابن عباس رضي الله عنهم .
      وكان يندد في دروسه ومجتمعاته بأولئك الذين انحرفوا عن دين الله فحكّـموا أهوائهم وأرضوا شهواتهم واتبعوا سبيل الشياطين وكان يبارك الثورة التي تطيح بالظلم وتنزع الحكم من أيدي الخونة لتضعه في أيد أمينة عليه حريصة على قداسة الأحكام الشرعية .
      وكما كان جابر بطلاً من أبطال الإسلام يحرص على تعريف المسلمين بدينهم وبالعزة والكرامة التي يريدها الله لهم ويكافح في صبر وعزيمة طغيان الظالمين وأضاليل المبتدعين كان بطلاً في ترويض نفسه وحملها على سلوط الصراط السوي لا تغره شهرة العلم ولا تخدعه ثقة الناس به ولا تزدهيه نشوة الفوز بالإنتصار على الخصوم .
      كما اشتهر عنه أنه لا يماكس في ثلاث : في كراء إلى مكة وفي عبد يشتري ليعتق وفي شاة للأضحية . كما أن جابر بن زيد قام بكتابة أو تأليف " ديون جابر " ولهذا الكتاب الضخم القيم رنة في صدر الإسلام وكان موضع تنافس في دور الكتب الإسلامية عليه ولكن أضيع هذا التراث العظيم من مكتبة بغداد عنما أحرقن تلك المكتبة العظيمة .

      ب- أبو عبيدة مسلم بن كريمة رضي الله عنه:

      من أتباع الإمام جابر بن زيد رحمه الله أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي بالولاء المعروغ بالقفاف رحمه الله ورضي عنه .وهو الحلقة الثالثة لسلسلة المذهب الإباضي .
      كما أنه أشتهر بالقفاف لأنه كان يشتغل بصنع القفاف وهي حرفه حرة شريفة . كما أن بعض المصادر كانت تقول 91) أن أبا عبيدة كان زنجيا أسود اللون أعور فقيرا وكان يقتات بعمل السعف يصنع منها قفافا فلقب بالقفاف ولكنه في رأي هو سيد البيض بعلمه وعقله وفقهه .
      ولقد تولى التدريس بعد الإمام جابر بن زيد فأخذ عنه العلم خلق كثير رغم ما ابتلى به من مضايقة الطغيان وتشديد الرقابة عليه ومنعه من نشر العلم وبث الروح المتحررة التي لا ترضى بالسقيم ولا تسكت عن الهوان وقد اضطر تحت ضغط الظالمين أن يقوم بالتعليم مستتراً وأن يخفي مدرسته القيمة عن أنظار الحجاج وأعوانه ، ذلك الطاغية الذي لم يكد يسلم من جبروته وطغيانه مؤمن بربه مخلص لدينه مع زميله وصديقه ضمام بن السائب الندبي العماني رحمه الله .
      وكما وصف العلامة الشماخي رحمه الل (( أبا عبيدة )) فقال (( تعلم العلوم وعلمها ورتب روايات الحديث واحكمها وهو الذي يشار إليه بالأصابع بين أقرانه وبزدهم لاستماع ما يفرع الأسماع من زواجر وعظة وقال : وقد اعترف مع ذلك بضيق الباع مع ما عليه من الاتساع )) (10)
      كما أن أبا عبيدة أخذ العلم عمن لقيه من الصحابة وهم كثيرون وأكثر ما أخذ عن جابر بن زيد بحر العلوم وسراج الأمة وأخذ عن جعفر بن السماك وكان من حملة العلم أقاموا أبي عبيدة خمس سنين فلما أرادوا روج عنه إلى أوطانهم سأله إسماعيل بن درار عن ثلاثمائة مسئلة من مسائل الحكم فقال له أبو عبيدة : أتريد أن تكون قاضياً يا ابن درار ؟ قال : أرأيت أن أبتليت بذلك وقال أبو عبيدة رحمه الله : لا تفت بما سمعت مني وبما لم تسمع فمنعه من الفتوى كلية (11) .
      كما كانت لأبي عبيدة رضي الله عنه كرامات ذكرها العلماء من تاريخه ولا ريب أن لله من خلقه ظنائن يختصهم بفضله وكرمه وإذا لم تكن لأهل العلم والتقوى كرامات الله العزيز فلمن تكون أنهم لأهل لإكرام الله إياهم . وناهيك بكرامة مريم ابنة عمران رضي الله عنها (( كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً قال يا مريم أنّـى لك هذا قالت هو من عند الله )) سورة آل عمران آية 37 .

      ج – الإمام الربيع بن حبيب رضي الله عنه :

      ابن عمر الأزدي الفراهيدي العماني البصري الفقيه المشهور كان طود المذهب الأشم وبحر العلم الخضم . كان من أهل العلم من الباطنة من عمان من غضفان خرج إلى البصرة لطلب العلم من رجالها الأجلاء وأصحابها العلماء إذ كانت البصرة إذ ذاك عمانية بأولئك الرجال الفطاحل فإن أهل عمان استوطنوا البصرة من أول تخطيطها فإن الركب الذين خرجوا مع عمرو بن العاص رسول الرسول صلى الله عليه وسلم نزلوا بالبصرة وزادوا لما صارت البصرة بصرة المهلب وهو عماني أزدي .
      كما أن الإمام الربيع بن حبيب صاحب أبا عبيدة فنال وأفلح وتصدر بعده على الأفاضل فأنجح نزل البصرة فتعلم وعلم ثم انتقل إلى عمان وسكن غضفان من أرض الباطنة وقال أبو عبد الله (( الربيع من غضفان )) وهذا القول إنما يدل على أن الربيع من عمان . كما أن الربيع أدرك جابر بن زيد وهو شاب أي أن الربيع كان شاباً عند إلتقائه بجابر بن زيد رحهما الله ولعله أكثر ما حمل الربيع عن ضمام بن السائب الأزدي عن جابر بن زيد قال أبو سفيان : وكان الربيع يقول : أخذت الفقه من ثلاثة أبي عبيدة – وأبي نوح – وضمام بن السائب . وحمل عن الربيع من أهل عمان العلم من البصرة ونقلوه إلى عمان المشايخ الخمسة فانتشر في عمان وأشرق فجر الإسلام من مطالعهم وعادت لعمان حياة علمية غبطهم عليها مجاوروهم حتى أصبحت عمان مناخ العلم حيث شبهوا العلم بطائر طار من المدينة وفرخ في البصرة وطار إلى عمان فكانت مقره ذلك . وحملة العلم إلى عمان كان أولهم أبو المنذر النزواني من أهل عقر نزوى – منير بن النير الجعلاني موسى بن أبي جابر الأزكوي – محبوب بن الرحيل – محمد بن المعلى الكندي (12) .

      ------------------------------------------------------
      (8) سير الشماخي ج1 ص67 ، الأباضية بين الفرق الاسلامية، مختصر تاريخ الأباضية، ص27 مكتبة الضاوي؛ اللمعة المضيئة من تاريخ الأباضية ص8 مكتبة الضاوي؛ الفكر السياسي عند الأباضية ص33 مكتبة الضاوي؛ فقه الإمام جابر بن زيد الغرب الإسلامي / صالح الصوافي الإمام جابر بن زيد.
      (9) راجع عن أبي عبيدة مسلم محمد على دبوز المغرب الكبير ج3 ص150 -152 ، سير الشماخي ج ص78.
      (10) سير الشماخي ج1 ص78 تحقيق أحمد بن سعود السيابي.
      (11) إزالة الوعثاء عن أتباع أبي الشعثاء ص33 - 34 - 35 - 36 .
      (12) المصدر السابق ، ص 40 - 41.


      7. بعض مبادئ الإباضية :

      أ- أسس الحكم عند الأباضية :

      أسس الحكم عند الاباضية الكتاب والسنة والإجماع وعلى هذه الثلاثة المعتمد فحلالها حلال وحرامها حرام لا هوادة في ذلك ولا إختيار لأحد بعدما جاء في هذه الأصول الثلاثة ثم القياس ثم الإستدلال ومن القدح الكبير في الاباضية قولهم أن الاباضية لا يقولون بالإجماع وأنت خبير أن الإجماع أحد الأصول الثلاثة فكيف لا يقول به الاباضية وهذا أمر قد تداوله مؤرخوهم وكاتبوهم ونشروه في صحائفهم وقد علم القصد منه والاباضية منهم في معزل فهو إفتراء عليهم والله على لسان كل ناطق .

      ب- أعمالهم في الأمور العملية :

      أعمال الأباضية في الأمور العملية أعمال الرسول عليه الصلاة والسلام لم يفارقوها قيد شعرة وأعمال الإمامين الراشدين بعده أبي بكر وعمر فما كان لهما فتراه الاباضية وما مشيا عليه مشى عليه الاباضية أيضاً في كل لحظة وهكذا ولا يرون القرشية في الإمامة لأن ذلك يخالف المعقول . ولم يجعل الله النبوة في قوم خاصين فكيف يجعل الإمامة كذلك مع أن القرآن لا يدل على ذلك بل يدل على أن (( أكرمكم عند الله أتقاكم )) سورة الحجرات آية 13 .
      ومن الجرائم التي يعدها الاباضية على مخالفيهم تسميتهم إياهم خوارج غمزاً لهم وطعناً في الدين . ومن نزاهة الاباضية نقاشهم لعمر بن عبد العزيز المذكور في إبطال أعمال بني أمية وتشددهم عليه وكان ولده معهم وهو (13) عبد الملك بن الخليفة عمر ولما مات تولوا جهازه ودفنة والصلاة عليه إذ كان معهم وعلى طريقتهم . ومن أكبر دليل على نزاهة الأباضية معاملتهم لأعدائهم في الحرب حين تكون لهم السلطة فلا تراهم ينأون عن أوامر الكتاب والسنة قيد شعره حتى في مثل تلك الأزمات فلا يغنمون أموال أهل القبلة ولا يجهزون على جريح ولا يتبعون مدبراً ولا يمثلون بقتيل مهما كان ومن هذا دليل على أدب الحرب عند الاباضية . وكما أن الاباضية يجيزون مناكحة مخالفيهم من بقية مذاهب الإسلام وتجيز متهم خلافاً للخوارج فإنهم لا يجيزون شيئاً من ذلك لأن مخالفيهم مشركون كسائر اليهود والنصارى .
      ج- من أصولهم في العقيدة :

      الأصل العام في عقيدة الاباضية هو التنزيه المطلق للباري جل وعلا وكل ما أوهم التشبيه من الآيات القرآنية الكريمة أو الأحاديث النبوية الثابتة يجب تأويله بما يناسب المقام ولا يؤدي إلى التشبيه .

      1- الإيمان يتكون من ثلاث أركان لا بد منها وهي الإعتقاد والإقرار والعمل .
      2- صفات الباري جل وعلا ذاتيه ليست زائدة على الذات ولا قائمة بها ولا حالة فيها .
      3- الله تبارك وتعالى صادق في وعده ووعيده .
      4- الخلود في الجنة أو النار أبدي .
      5- كلمة التوحيد هي أن تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله وإن ما جاء به الحق وإنكار من أقسامها الثلاثة شرك .
      6- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان .
      7- من سعد في الآخرة لا يشقى أبداً ومن شقى لا يسعد أبداً ولن تجتمع السعادة والشقاوة لشخص واحد أبداً .
      8- الاستطاعة مع الفعل ليست قبله ولا بعده .
      9- القرآن كلام الله نقل بالتواتر وإنكار شئ منه شرك .
      10- حجة الله تقوم على الخلق بالرسل والكتب .
      11- الحسن ما حسنه الشرع والقبيح ما قبحه الشرع .
      12- إنكار المعلوم من الدين بالضرورة شرك .
      13- الإنسان حر في إختياره مكتسب في عمله ليس مجبراً عليه ولا خالقاً لفعله .
      14- التوبة أساس المغفرة فلا تغفر كبيرة بدون توبة .
      15- شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ثابتة وهي قسمان الشفاعة الكبرى يوم القيامة لبدء الحساب ولدخول المؤمنين الجنة وهي المقام المحمود الذي يختص به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم والشفاعة الصغرى ولا تكون إلا للمؤمنين الموفين بزيادة الدرجات .
      16- إذا اطلقت كلمة الكفر للموحد فالمقصود بها كفر النعمة لا كفر الشرك من باب سباب المسلم فسوق وقتاله كفر و (( لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض )) والرشوة في الحكم كفر (14).

      ------------------------------------------------------
      (13) تذكر بعض المصادر الاباضية أن عبدالملك ابن الخليفة عمر كان أباضيا. راجع سير الشماخي
      (14) الكفر ينقسم الى قسمين : كفر شرك و كفر نعمة وهنا يقصد كفر النعمة و ذهب إلى ذلك كل من الإمام البخاري و الإمام مسلم و النووي وابن العربي و ابن حجر العسقلاني راجع كذلك جواهر التفسير للشيخ أحمد الخليلي ج2 ص299


      8. أخلاق الاباضية :

      لا يخفى أن أخلاق الأباضية أخلاق الأنبياء والرسل أخلاق أهل العلم والعمل أخلاق أهل الصفا والوفاء أخلاق أهل الحق والعدل أخلاق أهل الزهد والورع أخلاق أهل الجود والكرم أخلاق أهل الدين من المؤمنين لا طيش ولا نزق ولا غلظة ولا توحش ولا تمرد ولا سخرية ولا غدر ولا غش ولا ظلم ولا جور ولا جبروت إذا عاهدوا وفوا وإذا ةعدوا كذلك وإذا قالوا صدقوا وإذا قاموا بحقٍ أعطوه من أنفسهم كل ما يتطلبه لا يحابون الظالم ولا يهشون للمظالم ولا يتبعون كل ناعق ولا يؤيدون أهل الضلال ولا يسعون في مناصرة الجبابرة ولا يرضون بغير ما يرضى الله ولا يحكمون الأهواء المضلة ولا يقلدون دينهم الرجال ولا يعرفون الحق بالرجال بل يعرفون الرجال بالحق ولا يقبلون إلا الدين الخالص ولا يطمئنون بغيره يبيعون النفس والنفيس في رضى الله عز وجل ولو كلفهم الحال حمل الأثقال .
      إن الاباضية أتقى الناس وأصدقهم في الأقوال والأفعال وأثبتهم على طاعة ذي الجلال . يقولون الحق وإن كان مراً ويعملون به .
      ويرى الاباضية بقية أهل المذاهب مسلمين لا يتعرضون لعقائدهم بشئ ولا يقدحون في أعمالهم مما لا يخالف دليلاً قطعياً ولا يخرج عن أقوال أهل العلم وله احتمال للصحة فإن الله لم يأمر بنقض ما جاء عن الله في كتابه الكريم أو جاء على لسان نبيه العظيم أو أجمع عليه المسلمون .
      وأرى أن الاباضية هم على الحق الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وأنهم لم يحيدوا عنه قيد شعرة وإنهم هم الفرقة الصالحة من ثلاث وسبعين فرقة التي ورد بها الحديث الصحيح ولهم على ذلك أدلة معقولة ومنقولة كما أن سائر الفرق تدعي كذلك ولديها من الأدلة في نظرها ما يبرر مدعاها ومن حيث إن الأمر في ضمير الغيب الذي لا يدركه إدراكاً مقطوعاً بصحته إلا الأفذاذ من علماء الأمة وغير مستحيل أن يمنح الله رضاه أمةً من الأمم التي بثها الله في هذا الكون وإذا كان المسلمون كلهم إلى الجنة فلا يضر الأباضية ذلك وهم على أصلهم ثباتاً لا يتزعزعون عنه في وقار يبهر الرائي ورزانة تعجب الكريم ودماثة يحيا معها السقيم . وهذه هي أخلاقهم التي يمتاز بها الاباضية عن غيرها من المذاهب الأخرى .
      خاتمة:

      لقد رأينا في هذا البحث أن الاباضية فرقة معتدلة وأمة من أمم الإسلام ليس في عقائدها شطط ولا في سلوكها انحراف ولا في أعمالها هزل ولا سخرية من الغير ولا تمت إلى الخوارج بصلة سوى اشتراكها في رفض التحكيم أصولها في العقيدة والتشريع والأخلاق والكتاب والسنة والإجماع وكل ما ينسب إليهم من كتاب الفرق والمقالات هم منه براء ولهم أئمة رفعوا راية الإسلام وساهموا في نشره بالسيف والقلم والكلمة الحسنة وهم هكذا إلى يومنا هذا وبالله التوفيق

      مريم بنت سعيد بن علي القتبية

      المراجع :

      1- أصدق المناهج في تمييز الإباضية : سالم بن حمود بن شامس السيابي .
      2- الاباضية بين الفرق الإسلامية : علي بن يحيى معمر
      3- الاباضية مذهب إسلامي معتدل : علي يحيى معمر
      4- إزالة العثاء عن أتباع أبي الشعثاء : سالم بن حمود بن شامس السيابي .
      5- طلقات المعهد الرياضي في حلقات المذهب الاباضي : سالم بن حمود السيابي .
      كـــــــــــــــــــــــــــــــن مــ الله ــع ولا تبــــــــالي
      :):)
    • محاضرة إعادة صياغة الأمة

      محاضرة ألقاها :

      سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام لسطنة عمان

      يوم السبت

      25 من ربيع الثاني 1422هـ

      6 يوليو مــ2002ــــ

      بمسجد التوبة بالغبرة

      ----------------------------------------------

      بسم الله الرحمن الرحيم

      مقدمة

      والحمد لله والصلاة على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد :

      سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة

      أصحاب الفضيلة الحضور الكرام

      السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

      أضاعت هذه الأمة وقتاً طويلاً وهي تحمّل أعدائها أسباب إخفاقها في التدافع الحضاري ، وفوتت فرصاً كبيرة كان يمكن عبرها أن تقوم بواجبها في الشهود الحضاري ، فنشأت الحضارة الحديثة مشوهة جائرة بمعزل عن إسهام المسلمين وعانى الإنسان والكون وباءته .

      من وهدة الهزيمة تبحث الأمم لنفسها عن سبيل الحياة ، وتتفحص حالها بلهفة وإلحاح باحثة عن أسباب الهزيمة وعوامل الانكسار ، ومع اشتداد مأزق أمتنا ، ومع استمرار تهميشها عن مجال التأثير في الحياة ، وحين وضعتنا الأحداث شئنا أم أبينا على حافة صراع حضارات فإن النظر إلى الذات أصبح أولى من النظر إلى الآخر ( أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم ) ، وفي حالة أمة كأمتنا لم تشد حضارتها إلا على هدي من الدين ، ولم يعرف لها التاريخ أي إسهام حضاري بمعزل عنه ، ولم تتميز إلا حين آمنت به وتمثلته ، فإن البحث في أسباب مأزقها يقتضي منا أن نتفحص بعناية علاقتها بالمكون الحضاري الأول لحضارتها أي علاقتها بدينها وبدون ذلك يبدو البحث عبثاً وتجديفاً في اليبس ، ومن المنطقي أن يمر البحث بمناطق أخرى تابعة يخالها البعض ثانوية وهي مع ذلك حسّاسة وخطرة من قبيل العلاقة بين الخلف والسلف بين الحاضر والماضي التي وصفها بعضهم خطأ أو صواباً لا أدري بأنها علاقة يحكم فيها الأموات الأحياء ، عالم من الأحياء يحكمه الأموات على حد عبارته ، أو من قبيل تجديد المناهج ، مناهج الاستنباط والاجتهاد أو إعادة النظر في سلم الأولويات المختل أو دراسة تبادل التأثير بين تصور المسلمين لدينهم وتطور تاريخهم السياسي والاجتماعي . هذه كلها مناطق يشعر كثير من الباحثين أمامها بالرهبة إما لضخامة المهمة أو خوفاً من التهم المعلبة الجاهزة التي تنتظر كل من يغامر بالدخول إلى مناطق حرمها البعض على البحث ممن أعفى نفسه من فريضة التفكير وألزم الآخرين بذلك ، وبالجملة فإن الأمة كما يلخص سماحة شيخنا العلامة الخليلي في حاجة إلى إعادة صياغة من جديد حتى تستطيع أن تنهض بمهمتها الحضارية شاهدة على العالمين ، ونحن هنا اليوم أيها الأخوة لنستطلع رؤية الشيخ التي عبّر عنها في أكثر من مناسبة والتي أصبحت عنصراً رئيسياً يلح عليه دائماً وباتت سمة واضحة لخطاب سماحة الشيخ في الآونة الأخيرة .

      سماحة الشيخ لتسمح لي : تردد كثيرا في أحاديثكم ومحاضراتكم في الآونة الأخيرة في محاضرتكم مثلا في مناسبة الهجرة المشرفة ، في الاحتفال بمناسبة المولد النبوي الشريف ، في حلقات برنامج سؤال أهل الذكر ، تردد كثيراً في خطابكم عبارة ( إعادة صياغة الأمة ) .

      سيدي سماحة الشيخ : سؤالي بشكل مباشر ما الذي يعنيه سماحتكم بـ ( إعادة صياغة الأمة من جديد ) تفضلوا .

      الشيخ الخليلي :

      بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ونبينا محمد الذي أرسله الله رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد :

      فالسلام عليكم إخوة الإيمان ورحمة الله وبركاته وبعد : فإن الأمم إنما تقوم - أول ما تقوم - على التصور الصحيح ولذلك كان هدم التصورات الباطلة وتشييد التصورات الصحيحة أول شيء يضطلع به المرسلون ، فما من رسول من رسل الله سبحانه إلا وقد واجه تصورات باطلة عششت في الأذهان واستحكمت في النفوس وسيطرت على الألباب وقادت الأمم إلى حافة الانتحار ، فكان أول شيء يدعون إليه بين أممهم هو أن تعرف هذه الأمم من أين جاءت وإلى أين تنتهي وماذا عليها أن تعمل فيما بين المبدأ والمنتهى لتقوم حياتها على التصور الصحيح ، ونحن نرى أن سيدنا ونبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام عندما جاء بالدعوة الحقة دعا أول ما دعا إلى التصور الصحيح ، دعا إلى الإعتقاد الحق بأنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، هذا التصور هو الذي شيدت عليه دعائم حياة هذه الأمة الفكرية والحضارية والاجتماعية حتى كانت خير أمة أخرجت للناس ، فهي أدركت تمام الإدراك أنه لا إله إلا الله ، وأن الحكم المطلق إنما هو لله سبحانه الذي أوجد هذا الكون ، والذي أفاض على الوجود ما أفاض من تجلياته العظيمة التي تشاهد في كل ذرة من ذرات الوجود بحيث صارت كل ذرة من ذرات هذا الكون تعرب بلسان حالها عن افتقارها إليه سبحانه وتعالى وأنه هو الغني الذي لا يحتاج إلى أي شيء سواه . وأن كل ما في الكون إنما يسعد بالخضوع لأمره والاستجابة لداعيه والوقوف عند حدوده ولذلك تناغى هذا الكون مع هذه الحقيقة كما يعرب بذلك القرآن الكريم عندما قال في وصفه سبحانه ( تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن ، وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليماً غفورا ) . والإنسان هو واحد من هذه الكائنات آتاه الله سبحانه وتعالى ما ميّزه به عليها من الإرادة والتفكير والقدرة على التأثير في نفسه والتأثير فيما حوله ، فلذلك نيطت به مسئولية عظيمة ، فهو إن تجاوب مع هذا الكون ودار في فلكه بحيث كان مستجيباً لأمر الله ، قائماً بحكم الله سبحانه وتعالى سعد وانعكس أثر سعادته على الوجود ، وإن شذ كان شذوذه داعياً إلى التنافر بينه وبين الكون وكان سبباً للفساد كما يعرب عن ذلك قوله سبحانه وتعالى ( ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ) .

      ومع هذا أيضاً فإن طريق التلقي عن الله سبحانه وتعالى هو طريق واحد وهو ما يدل عليه الاعتراف والشهادة بأن محمداً رسول الله فهذا هو طريق التلقي عن الله سبحانه وتعالى بحيث يتلقى الإنسان المسلم المؤمن بالله وبنبيه عليه أفضل الصلاة والسلام من هذا الطريق عن الله سواء كان هذا الذي يتلقاه وحياً ظاهراً وهو القرآن الكريم أو كان وحياً باطناً وهو السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام .

      شيدت دعائم حضارة هذه الأمة على أساس هذا التصور الصحيح والفكر الناصع ، ولكن هل ظلت الأمة مستمسكة بهذا الأمر ناهجة هذا النهج ؟؟ كلا . فقد دخلت التصورات الباطلة التي تنقض هذا التصور وإن كانت هي لا تزال تحت مظلته حسبما يزعم الكثير الكثير ، وذلك بسبب التأويلات الباطلة وبناء الفكر على غير قواعد ثابتة من كتاب الله سبحانه ومن هدي رسوله عليه أفضل الصلاة والسلام .
      كـــــــــــــــــــــــــــــــن مــ الله ــع ولا تبــــــــالي
      :):)
    • ونحن إذا نظرنا إلى ما ورثته هذه الأمة بسبب أن هنالك طوائف من البشر دخلوا الإسلام وهم يحملون أوزاراً مما كانوا يعتنقونه من قبل من الأفكار ، وبسبب تأثير السياسة إذا نظرنا إلى ما رزأت به هذه الأمة من ذلك نرى أن بعض ذلك يعود إلى عدم الفهم الصحيح للإيمان بالله ، وبعضها يعود إلى عدم الفهم الصحيح للإيمان باليوم الآخر ، وبعضها يعود إلى عدم الفهم الصحيح للعلاقة التي يجب أن تكون بين البشر حكامهم ومحكوميهم في هذه الأرض .

      أما العنصران الأولان فهما يرجعان كما قلت إلى كون كثير من الأمم دخلت في الإسلام وهي تحمل أوزاراً من مواريثها الفكرية السابقة ، والعنصر الأخير إنما يرجع إلى انحراف الذين أخذوا بزمام القيادة الدينية السياسية في هذه الأمة منذ تلك المرحلة المبكرة بعدما انتهت الخلافة الراشدة .

      أما الأمران الأولان فأولهما كما قلت عدم الفهم الصحيح لحقيقة الإيمان بالله ، عدم الفهم الصحيح لحقيقة الإيمان بالله أدّى بكثير من الناس إلى أن يسلكوا مسلكين متناقضين عجيبين أولهما : تشبيه الخالق بمخلوقاته ، وثانيهما تشبيه المخلوقات بخالقها .

      أما تشبيه الخالق بمخلوقاته فهو أن يوصف الله سبحانه وتعالى كما يوصف الخلق بأنه محدود متحيز متحرك يذهب ويجيء ويفرح ويحزن وتعرض له العوارض التي تعرض للبشر حتى أنهم قالوا بأنه ينسى نسياناً حقيقياً يليق بجلاله . وهذا على أي حال إنما هو راجع إلى نبذ المحكم واتباع المتشابه والله سبحانه وتعالى يقول ( فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ) هذا ضلال في التصور .

      أما الصورة الثانية فهي كما قلت تشبيه المخلوق بخالقه وذلك بأن يوصف المخلوقون بصفات الألوهية بحيث ينظر إلى طائفة من الناس إما لعنصرهم وإما لحالهم بأن ينظر إليهم أنهم يتصرفون في هذا الكون تصرفاً مطلقا ، فهم بيدهم البسط والقبض ، والعطاء والمنع ، والرفع والخفض والقبول والرفض ، يدخلون الجنة من يشاءون ، ويحرمون من يشاءون منها ، ويلقون في النار من يريدون لأن الأمر كله راجع إليهم وتصريف الكون بأيديهم ، وهذا أمر في منتهى الخطورة ، هذه العقيدة جاء الإسلام لاجتثاثها فلو صيغت الأمة صياغة قرآنية من حيث تصورها لكانوا أبعد ما يكونون عن هذا التصور كما أنهم يكونون أبعد ما يكون عن التصور الأول . ذلك لأننا نرى أن الله سبحانه وتعالى يبين لنا أن أي أحد من خلقه ليس له من الأمر شيء فالله سبحانه وتعالى يخاطب عبده ورسوله محمد عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام إذ يقول ( ليس لك من الأمر شيء ) ويقول له صلوات الله وسلامه عليه ( قل إنما أنا بشر مثلكم ) ، وكذلك يقول له سبحانه وتعالى ( قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير) ، فإذن ما معنى هذا التعلق بأفراد بسبب عنصرهم أو بسبب حالهم وهم أحياء أو أموات ، مع أن النبي صلوات الله وسلامه عليه على عظم شأنه ومنزلته العليا عند الله سبحانه وتعالى لا يملك من الأمر شيئاً وهو في حياته يملأ ثيابه ويملأ السمع والبصر ، فكيف هذا التمسك بالأموات والتعلق بالماضين واعتبار أن هؤلاء يقدمون ويؤخرون وينفعون ويضرون ، أو التعلق بالأحياء ممن تضفى عليهم صفة القداسة . ونجد أن الله سبحانه وتعالى ينعى على المشركين مثل هذا المعتقد كثيراً في كتابه عندما يقول عز من قائل ( قل من رب السموات والأرض قل الله أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار ) والقرآن الكريم يصور لنا التصوير الصحيح لهذه الحقيقة في مواضع شتى فالله تعالى يقول ( قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) ويقول ( وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم ) ويقول سبحانه وتعالى ( ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم ) ويقول ( ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون ) .

      قد يتساءل الإنسان ما علاقة هذا بنهوض الأمة أو عثرتها ؟؟

      الجواب عن هذا العلاقة في هذا ظاهرة ذلك بأن الله سبحانه وتعالى عندما يوصف بصفات المخلوقين تذهب هيبة الربوبية التي له سبحانه وتعالى في قلوب عباده ، فعندما يوصف هذا الخالق العظيم بأنه يؤتى به محمولاً على سرير من ذهب تحمله أربعة ملائكة ، أو أنه يذهب ويجيء ويفرح ويحزن ، إلى غير ذلك من هذه الصفات هل تبقى في قلوب عباده هيبة كما يحسون بذلك عندما يعتقدون اعتقاداً جازماً أنه تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، وأنه عز وجل لا يشبه شيئاً من مخلوقاته ، ولا يشبهه شيء من مخلوقاته ، وأنه منزه عن كل شبه بأي شيء من هذه الكائنات فهو لا تعرض له العوارض ولا تبدو له البدوات ، ولا تكتنفه الأقطار ، ولا تحيط به الجهات ، هو الخالق المصور المبدئ المعيد ، قد كان قبل خلق الزمان والمكان ، وهو الآن على ما عليه كان ، لا يدرك بعين ، ولا يطلب بأين .

      أما الأمر الذي يتعلق بالإيمان باليوم الآخر ، فإن الإيمان باليوم الآخر يأتي قرين الإيمان بالله في كتاب الله سبحانه وتعالى ، فنحن نرى أن الله سبحانه وتعالى يذكر الإيمان باليوم الآخر مع الإيمان به سبحانه وهو يعني أن من آمن بالله واليوم الآخر فكأنما أمسك حبل الإيمان من طرفيه ، واكتنف الإيمان من قطريه ، ذلك لأن الإيمان بالله إنما هو الإيمان بالمبدئ العظيم الذي خلق فسوى وقدر فهدى ، الذي أسبغ على العبد نعمه ظاهرة وباطنة ، والذي تتجلى عظمته وكبرياؤه في كل مشهد من مشاهد هذا الكون ، في كل ذرة من ذرات هذا الوجود ، فهذا الإيمان يحفز صاحبه إلى أن يتفاعل معه تفاعلاً تاما ، وذلك بأن يضبط جميع أعماله وفق أمر من خلقه فسواه وأنعم عليه بهذه النعم الظاهرة والباطنة ، ولكن مع ذلك تعرض للإنسان عوارض يعرض له الذهول وتعرض له الشهوات ، وتتحرك في نفسه الغرائز ، وذلك مما يؤدي به إلى الوقوع في مخالفة أمره سبحانه وتعالى إلا أن ذلك كله يمكنه أن يتحكم فيه وأن يضبطه ضبطاً متقناً عندما يكون مؤمناً باليوم الآخر لأن إيمانه باليوم الآخر إنما هو إيمانه بالمعاد ، والإيمان بالمعاد يقتضي أن يكون الإنسان مفكراً تفكيراً عميقاً في ذلك المعاد ، فإن هذا المعاش الذي يمر بمرحلته لا يوازي شيئاً بجانب ذلك المعاد ، فالمعاد أبدي والمعاش إنما هو لفترة محدودة ، المعاد أمر حقيقي والمعاش إنما هو حياة وهمية إذ لا يدري الإنسان متى تنصرم هذه الحياة ، فلذلك يتحكم الإنسان في رغباته ونزواته ونزغاته عندما يرسخ الإيمان باليوم الآخر رسوخاً في نفسه على أن يكون تصوره لذلك اليوم تصوراً صحيحاً ، تصوراً مستلهماً من القرآن الكريم ومن الصحيح الثابت عن النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والتسليم ، لا من الأماني الفارغة فإن الله سبحانه وتعالى يقول ( ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيرا ) والله سبحانه وتعالى يقول في وصف ذلك اليوم ( وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله ) ، ويقول عز وجل ( من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون ، ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون ) ويقول تعالى ( من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون ) ويقول سبحانه ( من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها )
      كـــــــــــــــــــــــــــــــن مــ الله ــع ولا تبــــــــالي
      :):)
    • عندما يرسخ هذا الاعتقاد في النفس فإنه ولا ريب يؤدي ذلك إلى أن تتفاعل هذه النفس تفاعلاً تاماً فتصاغ حياتها وفق هذا المعتقد ، ولكن عندما تَفرّغ هذه النفس من هذا المعتقد ويكون هناك تبث بالأماني والآمال الباطلة لا ريب أن الحياة تتحول تحولاً جذرياً من الخير إلى الشر ومن الصلاح إلى الفساد ، فإن النفس البشرية جبلت على الطمع ، والإنسان يحب العاجلة وينسى الدار الآخرة عندما تحيط به شهوات نفسه وتدفعه دفعاً إلى الوقوع في الكثير من المخالفات الشرعية ، ولا ريب أن الإيمان بأن الحق سبحانه وتعالى يجزي كل نفس بما عملت يؤدي بالإنسان كما قلنا إلى أن يتحكم في هواه ويسيطر على رغباته ويصوغ حياته صياغة شرعية ، ولكن نرى من أجل ذلك كيف جاء القرآن الكريم بما يدلنا على أن القول بوعيد الله سبحانه وتعالى هو الذي يمكن للإنسان بسببه أن يتحكم في نزغاته ونزعاته وأن يسيطر على أهواءه وأن يقود نفسه قيادة سليمة إلى خير الدنيا وسعادة الآخرة ، فالله تعالى يقول ( فذكر بالقرآن من يخاف وعيد ) ومعنى ذلك أن الذي لا يخاف وعيد الله سبحانه وتعالى لا يجديه التذكير بالقرآن ، فعندما يرسخ في نفس الإنسان أن الله سبحانه وتعالى إذا وعد وفى وإذا توعد عفا ، لا بد من إن تهتز نفس هذا الإنسان وأن يؤدي به هذا المعتقد إلى الوقوع في الكثير من المخالفات الشرعية ، ولذلك نحن نجد كيف يصف الله سبحانه وتعالى اليهود بالانحراف بسبب رسوخ هذا المعتقد في نفوسهم فهو تعالى يقول ( فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا ) ، وكذلك نجد أن الله سبحانه وتعالى يذكر أن إعراض اليهود عن الكتاب الذي أنزل عليهم إنما كان بسبب اعتقادهم أنهم لن تمسهم النار إلا أياماً معدودات فقد قال سبحانه وتعالى ( ألم تر إلى الذين أوتوا نصباً من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم يظلمون ) ، هذه المعتقدات انتقلت كما قلنا إلى هذه الأمة وأورثها ذلك ما أورثها من اتباع الأهواء وتشتت الكلمة وذهاب ريحها وأن تصبح أمة هزيلة .

      فعقيدة الإرجاء إذن لها أثر كبير في تدمير هذه الأمة ، وفي تدمير أخلاقها ، وفي القضاء على معنوياتها ، وفي الكبوة بها بعدما كانت أمة ناهضة قوية عزيزة يحسب لها بين الأمم جميعاً كل حساب .

      ولا ريب أن مثل هذه المعتقدات أخذت تنخر في جسم هذه الأمة نخراً ، وليس ذلك وليد اليوم والأمس وإنما ذلك منذ بدأ هذا الانحراف ، أخذت هذه المعتقدات تنخر في جسم هذه الأمة نخراً حتى أصبح مفهوم الإيمان عندها مفهوماً نظرياً شكلياً لا أثر له في الحياة كأنما الناس تعبدوا بأن يعتقدوا أن هذا كذا وأن هذا كذا وألا يتأثروا بهذا المعتقد في حياتهم ، ومن غريب ما يذكره الإمام محمد عبده من أمثلة ذلك أن أحد الكبراء في وقته كان يقول : أنا لا أنكر أنني آكل الربا ولكنني والحمد لله مسلم أدين بأن الربا حرام . أي تناقض هذا هو يعتقد أنه يكفيه أن يعتقد أن الربا حرام ولئن اعتقد ذلك فحسبه هذا المعتقد سبباً لنجاته من النار . قال الإمام محمد عبده تعليقاً على ذلك : وقد فات هذا أنه يلزمه بناء على هذا المعتقد أن يعتقد أنه من الذين يحاربون الله ورسوله ، وأن يعتقد أنه من أهل الوعيد على أكل الربا .

      ولكن بما أن هؤلاء الناس يعتقدون ما ذكرته من أن هذا الوعيد يطرأ عليه التبديل والتغيير بسبب عفو الله سبحانه وتعالى كما قالوا ( إذا وعد وفى وإذا توعد عفا ) ، وأنهم لا يرون لهذا الوعيد أثراً في سلوكهم فلذلك يجترأون على محارم الله تعالى غير مبالين بها .

      ونحن نرى أن تفريغ الإيمان من معناه الحقيقي وهو الأثر على هذه النفس البشرية حتى تكون نفساً ......يعتدي على ذلك ، وهذا يتحين الوقت من أجل أن يحتال على ذلك ، كل واحد منهم لا يشتغل إلا بمصلحة نفسه بخلاف ما إذا كان العقيدة راسخة لأن كل واحد مجزي بعمله ( من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون ) هذا المعتقد هو الذي يجعل هذه الأمة متواصلة الحلقات أمة قوية . ونحن وجدنا كيف أصاب هذه الأمة الوهن ، وجدنا شيخاً معمما يقود حركة جهادية وينتصر على الأعداء ، ويمكن الله تعالى له ثم بعد ذلك يتنازع هو مع الآخرين من أجل السلطة ومن أجل الوصول إلى المراكز القيادية ، وعندما يهمش ويتولى القيادة غيره ، ويأتي العدو بعد ذلك ليضرب هذا الغير يبدي راحة بسبب ما يصيب أبناء ملته وأبناء بلدته وأبناء جلدته ما يصيبهم من الدمار ، يبدي الراحة ويقول بأن ضميره مرتاح من هذا . لا يبالي بعدوان العدو على أبناء ملته وأبناء جلدته وأبناء بلدته ، وما يصيب بلاده ، وما يصيب شعبه من الدمار ، ذلك كله راجع إلى تحكيم الهوى . ما منشأ تحكيم الهوى ؟؟ منشأ ذلك عدم التصور الصحيح ، عدم إدراك ما للإيمان من أثر في نفس الإنسان حتى تتفاعل هذه النفس تفاعلاً تاماً مع مرضاة ربها سبحانه وتعالى ، ومع مصلحة أمتها ، وتتفانى في ذلك . فلذلك قلت بأن هذه الأمة هي بحاجة إلى صياغة جديدة ، صياغة قرآنية ليكون تصورها تصوراً صحيحاً مبنياً على دعائم من أدلة القرآن الكريم ومن أدلة السنة الثابتة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام .

      ومن هذه التصورات الباطلة الناشئة عن ما ذكرته من قبل من إعطاء المخلوق صفات الخالق ، وما وَلِي ذلك من كون الإنسان لا يؤمن بوعيد الله وعيداً جازماً ، ما شاهدناه في سلوك كثير من الناس ، وما سجله كثير من العلماء من الأمثلة الظاهرة التي تؤيد هذه المشاهدات التي شاهدناها ، أنا بنفسي مما شاهدته في بعض البلاد الإسلامية أن أهل ذلك البلد ، ولا أعني جميعهم ولكن الكثير منهم ، يقع أحدهم في ارتكاب جريرة ، ويطالبه صاحب الحق بحقه ، ولكن لا يبالي بهذا كله يخوف من الله تبارك وتعالى ولا يخاف ويذكّر باليوم الآخر ولا يتذكر ، ولكن إن قال له صاحب الحق سيتوسل بأسماء أهل بدر حتى يستوفي حقه لا يكاد يقول له هذه الكلمة حتى ينهار ويرجع ليسلّم تسليماً ، ذلك لأنهم يعتقدون أن لأهل بدر رضي الله تعالى عنهم تأثيراً في هذه الحياة ليس هو لرب العالمين ، كأنما أهل بدر هم الذين يميتون ويحيون ، ويعطون ويمنعون ، ويرفعون ويخفضون ، بيدهم كل شيء ، لا يبالون بسلطان الله ولكن يبالون بأولئك ، مع أن أولئك رضي الله عنهم مع ما لهم من المنزلة والقدر والشأن أفضوا إلى ربهم سبحانه وتعالى ، فهذا يرجع إلى عدم التصور الصحيح للإيمان والإسلام ، أولئك أفضوا إلى الله هم بحاجة إلى أن نقول كلمة دعاء في حقهم أن نقول رضي الله عنهم وأن نقول أدخلهم الله تعالى الجنة وأن نقول بوأهم الله مبوأ الرحمة وأن نقول رفع الله منازلهم يوم الدين إلا أن هذا التصور عشش في نفوس كثير من الناس ، ومما يؤسف له أن نجد كثيراً من العلماء يغذّون هذا التصور الباطل . وقلنا كذلك أمر آخر يتعلق بعلاقات الناس أنفسهم بالحياة السياسية التي تحكم أفراد الناس عندما جاء النبي صلى الله عليه وسلّم قائداً هذه الأمة إلى الخير آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر داعياً إلى الله ، وكان على رأس الدول الإسلامية ، كان الأمر مع كون الوحي ينزل على النبي صلوات الله وسلامه عليه شورى بين المسلمين ، وكان القرآن ينزل ليثبت مبدأ الشورى ، فالحق تبارك وتعالى يقول لنبيه صلى الله عليه وسلّم في مقام حسرة هذه الأمة على ما أصابها من الوهن والضعف والنكسة بسبب مخالفة الكثير للنبي صلى الله عليه وسلّم في السياسة الحربية وذلك في غزوة حنين ، ينزل القرآن مع ذلك ليثبت مبدأ الشورى فيقول لله تعالى له ( وشاورهم في الأمر ) ذلك لأنهم وإن وقعوا في الخطأ إلا أن هذا الخطأ خطأ عارض ، أما قضية الشورى فهي من الثوابت ، ولذلك لا يهدم الثابت من أجل العارض . وعندما كانت الخلافة الراشدة كان الأمر شورى ما بين المسلمين كان الخليفة كواحد من المسلمين يعرض الأمر عليهم ويطلب منهم مناصحته ، وكان الخليفة يعلن على الملأ : أيها الناس إذا رأيتم فيّ اعوجاجاً فقوموني . فيقوم أحد من عامة الناس فيقول له لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناه بسيوفنا فما يكون من الخليفة إلا أن يحمد الله تعالى على هذه النعمة لئن يجد في رعيته من يقوّم اعوجاجه بسيفه . وكان الناس يتصورون جميعاً أن سياسة الأمة لا تقوم إلا على العدل ، أن يكون الخليفة خليفة عادلا ، وأن يحاسب من جميع طوائف الأمة لأنه أجير قائم على راس هذا الأمر ، أجيراً لهذه الأمة وهو مسئول فيما بينه وبين الله كما أنه مسئول فيما بينه وبين الأمة ، للبشر أن يحاسبوه في الحياة ، كما أن الله سبحانه وتعالى يحاسبه في الدار الآخرة . وعندما أفضى الأمر إلى بني أمية اجتثوا هذه القواعد من أساسها ، وأتوا على هذا الأمر من قواعده وأقاموا سياسة مبنية على الاستبداد بالرأي والرغبة في التحكم ، وأشاعوا في الناس بأن هذا قدر مقدور من الله ، وأن على الجميع أن يسلّم له ، ومن لم يسلّم له فهو شاذ عن أمر المسلمين ، خارج عن جماعتهم ، حرب على المسلمين .

      وقد رأينا في كلام العلامة الكبير السيد أبي الأعلى المودودي في كتابه ( التجديد لهذا الدين ) تصويراً رائعاً لهذا الأمر عندما وصف الحالة في عهد النبي صلى الله عليه وسلّم كانت تمثل قمة الإسلام ، ثم جاء بعد ذلك أبو بكر ، ثم جاء بعده عمر رضي الله عنهما ، وكان الأمر في عهدهما امتداداً لما كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلّم ، ثم جاء بعد ذلك الخليفة الثالث وقد كان بلغ من الكبر عتيا ، ومع هذا كانت المواهب التي أوتيها العظيمان اللذان قبله لم تتوافر فيه ، فدخل بعض الناس الذين هم استغلوا هذه الحالة التي كان عليها الخليفة في آخر سنه من أجل شق صف هذه الأمة ، ومن أجل محاولة الاستئثار والبلوغ إلى الرغبات ، وفي مقدمة هؤلاء مروان بن الحكم الذي هو معروف ابن طريد رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، فأدى الأمر إلى الفتنة والشقاق ، ثم جاء الخليفة الرابع الإمام علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه ووجد الأمر فيه شيء من التداعيات ، فلم يستطع أن يصلح ما تقدم بسبب هذه التداعيات وتغلغل هؤلاء الذين أرادوا أن يستبدوا بسياسة الأمة ، وبعد ذلك انقلب الأمر إلى جاهلية متحكمة في حياة الناس ، جاهلية يقول فيها السيد أبو الأعلى المودودي هي أخطر من الجاهلية الأولى ، ذلك لأن هذه الجاهلية تلبس لبوس الإسلام ، فكل من أراد مقاومتها حورب باسم الإسلام . ونجد من المفكرين الإسلاميين من يقول بأن ذلك العصر كانت الحياة تدور فيه حول شخص واحد وهو شخص الخليفة ، من أجله يكدح الكادح ، ويزرع الزارع ، ويحصد الحاصد ، وتحمل الحامل ، وتلد الوالدة ، من أجله تخرج الأرض خيراتها ، وحوله تدور حياة الأمة بأسرها ، قال بأن هذا العصر إنما هو عصر شبيه بعصر القياصرة والأكاسرة وليس هو من الإسلام في شيء ، وهو في حكم الإسلام ليس حرياً أن يبقى يوماً واحداً . ولكن مع الأسف كان هذا هو النهج الذي اختطه هؤلاء لأنفسهم وأثروا به على العامة فأصبحت العامة تتفاعل به تفاعلاً تاماً مع هذا النهج ، وأن كل من خرج هذا النهج أو حاول أن يصلح الأمر فهو إذن باغ خارج عن سبيل المسلمين ، محارب للخلافة الإسلامية ، متنكر لهذه الخلافة إلى آخر ما كانوا يرددونه . وأخذت الأبواق التي تدعو إلى هذه السياسة يتردد صداها هنا وهناك ، وتوضع الأحاديث الكثيرة بأن لهؤلاء الطاعة المطلقة وإن ضرب أحدهم ظهرك أو أخذ مالك ما عليك إلا أن تخضع وتنقاد .
      كـــــــــــــــــــــــــــــــن مــ الله ــع ولا تبــــــــالي
      :):)
    • إذن كلمة لا إله الله بناء على هذا إنما هي وسيلة للاستبداد والظلم والتسلط على رقاب الناس ومن التناقضات العجيبة والمفارقات الغريبة أن نجد الذين يروجون لهذا الأمر يقولون بان القيام على هؤلاء حجر محجور لا يجوز أبداً ، لكن لو وجد من يقوم عليه أو من يقوم على خليفة عادل مبايع بيعة شرعية بصفة شرعية على نهج كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلّم ، ثم بعد ذلك يتغلب هذا القائم على الخليفة العادل المؤمن الوفي التقي الصالح ويستبد بالأمر دونه فإن طاعته تصبح واجبة ، وتصبح خلافته شرعية ، وتصبح بيعته في جميع رقاب الأمة ، وعلى الناس جميعاً أن يطيعوا وأن يخضعوا وأن ينقادوا . فإذن مثل هذه التصورات جميعاً هي لا بد من إعادة النظر فيها ، ولا بد من بيان أن المنهج الصحيح الذي جاء به الإسلام هو العدل . النبي صلى الله عليه وسلّم يقول ( لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتقبضن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا أو ليخالفن الله بين وجوهكم ) فإذن ما معنى هذا الحديث الذي يلزمنا أن نقبض على يد الظالم ونأطره على الحق أطرا ومع ذلك يقال بأن هذا الظالم تجب له الطاعة كما يطاع الله تبارك وتعالى ، تعطف طاعته على طاعة الله سبحانه وتعالى .

      هذا التصور الذي ساد في نفوس هذه الأمة وساد في واقع هذه الأمة هو الذي انحرف بهذه الأمة كما قلنا عن المنهج الصحيح .



      سؤال :

      شكراً سماحة المفتي على هذه الاقاضة في مفهومكم لإعادة صياغة الأمة وقد فهمنا من ذلك أن إعادة صياغة الأمة من جديد تقوم على هدم التصورات الباطلة ، وتصحيح المفاهيم الثلاثة وهي الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر والعلاقة بين الحاكم والمحكوم لتكون مفاهيم قرآنية ، ومع هذا التفصيل نقول : سماحة المفتي : هذا المشروع النهضوي الضخم من أجل إعادة صياغة الأمة من جديد لا شك أنه يتطلب خطوات كثيرة فما خطوات الإعادة في تصور سماحتكم ؟؟

      الشيخ الخليلي :

      الجواب : كل أحد مطالب بأن يؤمن بكتاب الله وأن يؤمن بالسنة الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، وأن لا يؤثر هوى نفسه على ما جاء كتاب الله سبحانه وعلى ما جاءت به سنة نبيه صلى الله عليه وسلّم والله عز وجل يقول ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبينا ) ، ونحن أمرنا أن تستهدي بالكتاب العزيز الله تبارك وتعالى يقول ( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ) ، ويقول سبحانه ( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ) ، ويقول تعالى فيه ( ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين )، ويقول فيه ( هدى ورحمة للمحسنين ) ، ويقول فيه ( هدى وبشرى للمسلمين ) ، القرآن أنزله الله سبحانه وتعالى ليكون هداية للعالمين ، والسنة الثابتة الصحيحة الثابتة عن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام هي المصدر الثاني للتشريع ، والمصدر الثاني للفكر عند هذه الأمة ، فإذن لجوء هذه الأمة إلى الكتاب العزيز وإلى السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام أساس هذا الخير كله ، ولكن كيف ؟ يمكن لهذه الأمة أن تتغلب على موروثاتها الفكرية التي عششت في أذهانها وسادت ردحاً من الزمن ، وغذيت بما غذيت به من دعوات الدعاة وترويج المروجين ، حتى صار رسوخها كرسوخ الجبال الرواسي في نفوس هذه الأمة ، كيف يمكن لذلك أن يؤتى عليه ؟

      الجواب على أي حال ذلك سهل لمن سهله الله تبارك وتعالى له ، ومن المعلوم أن المعتقدات التي كانت سائدة في الأمم عندما بعث النبيون كان رسوخها رسوخاً عجيباً ، وكان التعصب لها تعصباً مقيتاً ، وكانت تعتبر جزءاً من حياة تلكم الأمم بحيث لم يكد لهم فكاك عنها ، إلا وضوح الحجة وسطوع البرهان وطريقة الإقناع أدى إلى هدم تلكم المعتقدات جميعاً ، واجتثاثها من أصولها ، وإقامة حياة نظيفة قائمة على التصور الصحيح والفكر السليم . ويمكن لأي أحد أن يتغلب على هذه الأفكار عندما يتجرد تجرداً تاماً كأنما لم يغذ بأي فكر من قبل ، يأتي إلى كتاب الله سبحانه موقناً أن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ، وأن الاحتكام يجب أن يكون إليه ( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ) عندما يكون الرجوع إلى الكتاب العزيز وإلى الفهم الصحيح للقرآن الكريم يمكن لهذه الأمة أن تتغلب على كل هذه العراقيل وأن تذلل هذه العقبات . وعلى أي حال يلزم قبل كل شيء تشويق النفوس إلى التجرد والاحتكام إلى القرآن وإلى السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ، عندما تكون هذه الدعوة قائمة في أوساط هذه الأمة لا ريب أنها ستعطي ثمراً يانعة وستحقق نتائج محمودة بمشيئة الله وهذا ما نرجوه بعون الله ، وأنا عندما ذكرت ما يجب أن تتجرد منه هذه الأمة ذكرت قضايا هي الموروثات القديمة لأن الموروث القديم له أثر أكبر ، و إلا فهناك الكثير الكثير من الأمور التي استجدت على الساحة ، ومن بين القضايا التي استجدت للأسف الشديد انبهار هذه الأمة بالحضارة الغربية ، بحيث أدى بهم هذا الانبهار إلى قبولها على علاتها ، وعدم التفريق بين النافع والضار منها ، وذلك نتيجة ما أصاب هذه الأمة من الهزيمة النفسية ، وما أصابها من الشعور بمركب النقص فإن ذلك أدى بها إلى أن تكون أمة تخضع كل الخضوع لأعدائها ، و على أي حال هذا أمر يكون مقدور عليه عندما يكون الاحتكام إلى القرآن بحيث تعرف الأمة مصدر عزتها ومصدر هاديتها ، عندما يكون الاحتكام إلى القرآن الكريم كل هذه الأمور يمكن للأمة بمشيئة الله تعالى أن تتخلص منها .



      سؤال :

      سماحة الشيخ : يقول البعض بأن مسيرة الفكر الإسلامي هي سلسلة من ردود الأفعال ، فربما يقول قائل وأخذاً من الفقرة الأخيرة في حديثكم ربما يقول قائل أن هذه الدعوة يميلها الشعور بالخطر الداهم والمأزق الحرج الذي تعبره الأمة الآن . فهل هذه الدعوة فعل ، أم رد فعل ؟ هل هي نتاج يسير في سياق حركة تطور الفكر الإسلامي في سياقها الطبيعي ، أم هو رد فعل للشعور بالخطر الداهم الذي تواجهه الأمة الآن ؟؟

      الشيخ الخليلي :

      الجواب : هذه الدعوة ليست إلا تفاعلاً مع عقيدة الأمة الراسخة ، عقيدة الإيمان التي جاء بها القرآن ، وجاءت بها السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام . هي دعوة إلى عودة الأمة إلى أصولها واكتشاف هويتها ، ومعرفة عقيدتها ، ومعرفة الصحيح والباطل من مسلكها ، ومعرفة الصواب والخطأ في نهجها ، إذن ليس هذا رد فعل وإنما هو عين الواجب الذي تفرضه على هذه الأمة عقيدتها ، فنحن علينا أن ننظر هل الإسلام الذي جاء به النبي عليه أفضل الصلاة والسلام بل جاء به المرسلون من قبل ، هل هذا الإسلام أنزل من قبل الله سبحانه وتعالى ليكون أمراً شكلياً لا أثر له في حياة الأمة ؟ هل هذا الإسلام أنزل ليكون نظريات تدغدغ أذهان هذه الأمة من غير أن يكون لها تأثير عليها في حياتها ؟ لا . إن الإسلام هو منهج حياة ، ولما كان منهج حياة ، فإن هذا الإسلام يجب أن يكون يتجسد في كل جزئية من جزئيات حياتها ، وذلك ما لا يتم أبداً إلا عندما يكون هنالك تصور صحيح ، تصور قائم على فهم القرآن الكريم والسنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ، ونبذ العصبيات العمياء التي مزقت هذه الأمة بحيث تتعصب كل أمة منها لموروثها الفكري ، وتدع النظر في كتاب والنظر في هدي رسوله صلى الله عليه وسلّم . عندما يكون هنالك تجاوز لهذه العصبيات بحيث ينشد كل أحد الحقيقة لا بد بمشيئة الله سبحانه وتعالى من التغلب على هذه الأهواء ، والسيطرة على هذه النزعات ، والوصول إلى هذه الغاية المرجوة .



      سؤال :

      سماحة الشيخ : لكن هل ستطال إعادة الصياغة صلب مناهج الدراسات الإسلامية التفسير وأصول الفقه وعلوم الحديث مثلاً ، أم ستقتصر إعادة الصياغة على التطبيقات وستكون تكراراً للدعوات التي نسمعها دائماً ، بمعنى آخر هل دعوة إلى بعث روحي فحسب دون إعادة النظر في المنهج ، هل ترون أن علوم الشريعة وآلات الاستنباط والاجتهاد في هيئتها الراهنة الموروثة كافية للتعامل مع العصر الحديث ؟؟ ، وإذا أردنا طرح السؤال بطريقة أخرى هل نجح علم الحديث من تنقية السنة من شوائب الوضع ؟؟ ، هل سيتقدر علم التفسير بمختلف طرقه التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي ومع احتفاله الشديد بالمعنى اللغوي وخفوت عنايته بروح النص هل سيقتدر مع ذلك على تحمل التصور القرآني وأداءه للعالمين ؟؟ وهل علم أصول الفقه في طريقتيه طريقة الفقهاء وطريقة المتكلمين هو نهاية التصور لهذا المنهج إذا أردنا إعادة صياغة الأمة من جديد ؟؟

      الشيخ الخليلي :

      الجواب : هنالك فرق بين الثوابت والمتغيرات ، وهناك فرق بين الوسائل والمقاصد ، المقصد كما قلنا هو الوصول إلى هذه الغاية ، والوسائل تختلف فيها الأنظار ، والثوابت لا مساس بها ، إنما هي ثوابت ، والمتغيرات يمكن لكل أحد أن يجتهد فيها إن توافرت عنده آلة الاجتهاد وكان قادراً عليها ، وعلى أي حال أولاً وقبل كل شيء نحن ننظر في نفس هذه الموروثات من هذه العلوم ، هل هي حقائق تطبق ، أو هي نظريات ؟؟ ، نحن نرى لو جئنا إلى علم الحديث مثلاً نرى أنه مما يقوله المحدثون جميعاً بأن الحديث لا يرقى على درجة الصحة ، ولا يعتبر حديثاً صحيحاً حتى يكون غير متصادم مع القرآن الكريم ومع المتواتر من السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ، ولكن هل طبق ذلك تطبيقاً صحيحاً بحيث أنه أخذ بالحديث الذي يتفق مع مدلول القرآن ، وترك الأخذ بالحديث الآحادي الذي يتعارض مع مدلول القرآن ؟ لا . بل نجد التناقض بين علماء الحديث بين ما يؤصلونه وما يسيرون عليه ، نجد هناك تناقضاً عجيباً من أمثلة ذلك نرى أن الألباني يقول في الحديث الذي أخرجه الإمام الربيع بن حبيب رحمه الله من رواية ابن عباس ( إنكم ستختلفون من بعدي ، فإذا جاءكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله ، فإن وافقه فهو عني ، وإن خالفه فليس عني ) يقول بأن هذا الحديث حديث باطل لا يصح ، هو من وضع الزنادقة ومن وضع الخوارج و.. إلى آخره .. ثم يقول : لو جئنا وحكمّنا هذا الحديث نفسه وعرضنا هذا الحديث نفسه على القرآن لوجدناه حديثاً باطلاً لأن القرآن يأمرنا بطاعة النبي صلى الله عليه وسلّم ، ولما كان يأمرنا بطاعة النبي صلى الله عليه وسلّم فإذن علينا أن نأخذ بهذا الأمر ونرفض هذا الحديث تبين لنا بهذا المقياس أنه حديث باطل ..الخ .

      أولاً للنظر هل الحديث يقول بأنه يُرفض شيء ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلّم ، أو يقول بأن معرفة التمييز بين الصحيح وغيره من جملة طرقه أن نرجع إلى القرآن لننظر في موافقة الرواية للقرآن وعدم موافقتها ، ثم للنظر في مسلك الصحابة رضوان الله عليهم ، نحن نرى أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا مع قرب عهدهم بالمنبع بالرسول صلوات الله وسلامه عليه كانوا يحرصون كل الحرص على أن يأخذوا بالرواية التي لا تتعارض مع القرآن ، وعندما تأتيهم رواية يشتّموا منها أي معارضة للقرآن لا يقبلون ذلك ، عمر بن الخطاب رضوان الله تعالى عليه ردّ حديث فاطمة بنت قيس ، مع أن فاطمة بنت قيس صحابية وقد روت عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنها طلقت في عهده طلاقاً بائناً ولم يفرض لها نفقة ولا سكنى ، فقال عمر رضي الله عنه : لا نترك كتاب الله لقول امرأة لا ندري أذكرت أم نسيت . هذا مع أنه ليست هنالك واسطة بينها وبين النبي عليه أفضل الصلاة والسلام ، إنما تلقت الحكم من النبي صلوات الله وسلامه عليه والحكم مباشر ، لم يكن هذا الحكم حكماً في غيرها وإنما كان حكماً فيها ، وصاحب القصة هو أولى بأن يحفظ ، كذلك ما ثبت عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها ردت رواية ابن عمر بل ردت رواية عمر رضي الله عنه أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه . وقالت في عبدالله بن عمر: يغفر الله لأبي عبد الرحمن أما إنه لم يكن ليكذب على النبي صلى الله عليه وسلّم ولكنه لعله سمع النبي صلى الله عليه وسلّم يقول في المرأة اليهودية التي مر على أهلها يبكون عليها إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذب ببكائهم عليها . هي ردت الرواية فقالت : حسبكم القرآن ( لا تزر وازرة وزر أخرى ) . كذلك عندما سئل جابر بن زيد رحمه الله عن حديث تحريم ذوات الناب من السباع أو حديث الحمر الأهلية نسيت ذلك هو في صحيح مسلم قال : قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو الغفاري عندنا بالبصرة ولكن أبى ذلك البحر قال : لا نترك كتاب الله لقول أعرابي إلى آخره . فإذا كان هؤلاء الصحابة يرفضون روايات جاءت من طرق صحابة ثقات ، فهل هؤلاء في ميزان الألباني من الزنادقة الذين كانوا يردون سنة النبي صلى الله عليه وسلّم اتباعاً للهوى ؟ ، أو أنهم كانوا يحرصون على السلامة ، ثم نجد التناقض ما بين هذا الذي قاله الألباني هنا وما بين ما قاله في كتاب ( آداب الزفاف ) نجد التناقض بيناً . ففي كتاب آداب الزفاف تعرض لحرمة الذهب على النساء بناء على رأيه الذي خالف به إجماع الأمة ، حيث يقول إن الذهب حرام على النساء ، مع أن بعض العلماء نقلوا الإجماع على خلاف هذا الرأي ، ومن الذين نقلوا ذلك الحافظ ابن عبد البر والحافظ ابن حجر العسقلاني نقلوا الإجماع على إباحة الذهب للنساء ، فهو اعترض على رواية الإجماع وقال بأن رواية الإجماع لا تصح ، ونقل عن ابن القيم بأنه يجب أن ينظر في رواية الإجماع فلا تقبل أي رواية للإجماع فإنه لا إجماع إلا إن كان له أصل من السنة ، ولا سنة إلا إن كان لها أصل من الكتاب ، نجد التناقض بين ما ذهب إليه هنا وهناك . فإذن كثير من أئمة الحديث أو علماء الحديث وقعوا في الكثير من التناقضات .
      كـــــــــــــــــــــــــــــــن مــ الله ــع ولا تبــــــــالي
      :):)
    • ثم إذا جئنا إلى قضية التعديل والتجريح نجد هذه القضية شيبت بالكثير الكثير ، فلربما كان تجريح أحد من الرواة بسبب موقف سياسي ما كان يتفق مع السياسة التي كانت متغلبة في ذلك الوقت وكانت متسلطة في ذلكم العصر ، ولربما كان ذلك بسبب عدم اتفاق في قضية من القضايا مع جمهور المحدثين بحيث كان لهذا الراوي موقف معين ، وكانت العصبية تدعو إلى أن يعتبر مجروحاً ترفض روايته ولا تقبل ، فإذن قضية التعديل والتجريح يجب أن تكون مجردة من العصبيات المذهبية مجردة من الأهواء ، فأنا أعجب عندما أقرأ مثلاً في كتب نقد الرجال ما يحكيه البعض من أن عمرو بن عبيد كان عندما يصلي أمام الناس يصلي صلاة الخاشع القانت الأواه وعندما يصلي بنفسه يصلي صلاة فيها لعب وفيها تلفت وفيها وفيها ..الخ مع أن عمرو بن عبيد كان رجلاً مشهوراً بالزهد ، ولكن هذا إنما راجع إلى العصبية لأن الرجل كان معتزلياً وبسبب كونه معتزلياً أصحاب الحديث لا بد أن يقدحوا فيه وأن يرموه بهذه التهم هذا أمر يجب أن ينظر فيه ، وأن يعاد النظر في رواية الأحاديث .

      أما بالنسبة للتفسير فالتفسير على أي حال إما أن يكون مستنداً إلى أدلة ثابتة ، وإما أن يكون بخلاف ذلك ، ما كان مستنداً إلى الدليل الثابت فعلينا أن نقبله ، ولكن أن يرد حكم جاء به القرآن الكريم ، أو قضية نص عليها القرآن الكريم لأجل أن السواد الأعظم لا يرى ذلك ، هذا أمر فيه خطر كبير، ثم إن اللغة العربية هي وعاء القرآن ولا بد من فهمها فهماً دقيقاً ، وكيف ونحن نرى أنه تُصرف في هذه اللغة في تفسير القرآن الكريم كثيراً ليتوافق هذا التفسير مع أمور صارت راسخة في أذهان طائفة من الأمة حتى لا يصطدم التفسير مع ما ما رسخ أذهانها ، هذا من جملة الأمور التي ينبغي النظر فيها

      كذلك إذا جئنا إلى أصول الفقه ، لا ريب أن أصول الفقه هي قواعد هي في الأصل منضبطة من أجل ترسيخ الملكة لاستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية ، ولكن مع هذا كله هنالك فرق بين قضية وأخرى في ردها إلى قواعد هذه الأصول ، جمهور الأمة مثلاً يقولون بأن العام دلالته دلالة ظاهرة ، ليست دلالة نصية ، وأن دلالته دلالة ظنية ليست قطعية ، هذا مسلّم ، هذا مسلم في الفروع أما في الأصول الثابتة فلا يمكن أن يكون دلالة العام دلالة ظنية . في الأصول الثابتة كيف يكون دلالة العام دلالة ظنية ؟؟ هب أن كل عام خُصص ومن أجل ذلك كان دلالة أي عام دلالة ظنية ماذا عسى أن يقول القائل في قول الله تعالى ( لا تخفى عليه خافية ) ، هل يقول هذا بأن هذا العموم يخصص ؟ ، وأن بعض ألأشياء قد تكون خافية على الله سبحانه وتعالى ؟ ، وأن هذه الدلالة دلالة ظنية ؟، واعتقاد أن الله سبحانه وتعالى عليم بكل شيء هذه دلالة هل يمكن أن يؤخذ بهذا ؟ .

      قول الله تعالى ( لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحدا ) هل يمكن أن يخصص ؟؟ قوله ( لم يلد ) عام لم يلد أي أحد ، هل يمكن أن يكون ذلك مخصصا بسبب أن هذا اللفظ لفظ عام ، وأن تكون هذه الدلالة دلالة ظنية ، وأن يعذر من نسب إلى الله تعالى ولداً .

      كذلك ( لم يولد ) ، كذلك ( لم يكن له كفواً أحد ) هل يقال بأن هذه الدلالة دلالة ظنية ؟ .

      ( فاعلم أنه لا إله إلا الله ) هذا أيضاً لفظ عام ، نفي لكل إله إلا الله سبحانه وتعالى ، هل يقال بأن هذا النفي ظني ؟ وأن هذه الدلالة دلالة ظنية ؟

      إلى غير ذلك . هذه أمور يجب أن يعاد النظر فيها .

      لا بد من أن يُفرق ما بين الفروع والأصول ، الأصول الثابتة لا يمكن أن يتناولها التخصيص ، وإنما يؤخذ بعموم الأدلة فيها والله تعالى أعلم .



      سؤال

      سماحة الشيخ :

      إعادة الصياغة تحتاج إلى كوادر ينهضون لإعادة الصياغة ، إلى أشخاص يتمثلون هذه الفكرة وينادون بها ، فهل أنتم راضون سماحة الشيخ عن المؤسسات العلمية والمعاهد القائمة على تدريس علوم الشريعة ؟ هل ترون أنها قادرة في وضعها الراهن على مجاراة حركة التطور السريع ومساوقة العصر ؟ هل ترون أنها تفلح حتى الآن في تخريج الداعية الفقيه والمتزن الواعي بعالمه ؟ لاسيما وأن الدعوة إعادة الصياغة تتطلب دعاة وفقهاء من نوع خاص قلما نراهم بين أفواج التقليديين الذين تخرجهم معاهد العلوم الإسلامية في وضعها الراهن ؟؟ .

      الشيخ الخليلي :

      المعاهد والمؤسسات التربوية والعلمية إنما هي من صنع البشر ، وما كان من صنع البشر فإنه يمكن أن يتغير بين حين وآخر ، لا يلزم أن يكون على نهج واحد ودخول التعديل والتغيير فيه أمر وارد ، ولذلك كانت جميع المناهج الدراسية في هذه المؤسسات العلمية خاضعة للتجربة وخاضعة للنظر هل هي صالحة لهذا العصر أو غير صالحة ، ومن أجل هذا فإنه لا بد من إعادة النظر في هذه المناهج ، وفي هذه النظم التي تسير عليها هذه المؤسسات لنرى كيف يكون وضع الخريج الذي يحظى بالدراسة فيها .

      ومع هذا كله فإن هنالك ضرورة داعية إلى أن يربى هؤلاء جميعاً أولاً على تعظيم كتاب الله سبحانه وتعالى ، وعلى تعظيم السنة الثابتة عن النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام ، وعلى احترام السلف احتراماً لا يصل على حد القداسة ، بحيث يعتبر أن كل ما جاءوا به هو لا يجوز النظر فيه ، ولا يجوز تعديله ولا تغييره ، وأنهم مبرءون من جميع الأخطاء ، هذا أمر غير جائز ، كل أحد يؤخذ من كلامه ويرد إلا صاحب هذا القبر إلا النبي صلوات الله وسلامه عليه فإنه الذي لا يمكن أن يعترض على شيء مما جاء من قبله عليه الصلاة والسلام .

      ولكن بطبيعة الحال مرت فترة جمدت حركة الإبداع عند هذه الأمة وقل النظر والاجتهاد ، وسلّم الناس تسليماً بكل ما وجدوه عن أسلافهم . وقد وصلت المغالاة في ذلك إلى حد بعيد ، ولا أدل على هذا مما نجده من النصوص المبعثرة في كتب العقيدة وكتب التفسير وغيرها ، تلكم النصوص التي تجعلنا نحار من أمرها ومن أمر قائليها . نصوص عجيبة نجد مثال ذلك ما يقوله الصاوي في حاشيته على الجلالين أنه يجب على جميع الناس أن يقلدوا الأئمة الأربعة ومن لم يقلدهم فهو ضال مضل ، ولو أنه وافق ظاهر القرآن والأحاديث الصحيحة وأقوال الصحابة . هذا كلام في منتهى الخطورة ، يُنسف ما يدل عليه القرآن ، ويُنسف ما جاءت به السنة الصحيحة ، وتُنسف أقوال الصحابة الذين هم خير جيل من أجل قول أربعة أئمة اجتهدوا وبذلوا جهدهم من أجل الوصول إلى الحقيقة والوصول إلى الحق ، ولكن لم يدّعوا لأنفسهم العصمة ، ولم يدّعوا لأنفسهم السلامة من الخطأ في أي يوم من الأيام ، بل هم كانوا يدعون أتباعهم إلى النظر والاجتهاد مثل هذا قول الزرقاني في جوهرته :

      وواجب تقليد حبر منهم **** كما روى القوم بلفظ يفهم

      ومن أعجب الأمور أن نرى التناقضات العجيبة عند كبار العلماء المحققين أحياناً ، نرى ما نعجب منه ، على سبيل ذلك الفخر الرازي يقول بأن دلالة الألفاظ دلالة ظنية ، ذلك لأن الألفاظ تفتقر إلى نقل اللغات ومعانيها بهذه النقول هي نقول أحادية ولما كانت نقولاً أحادية والآحاد مظنون ، وما بني على الظني لا يتجاوز إلى مرتبة القطعي ، لنسكت . هذا رأي رآه لنسكت عنه . لكن ما الذي فرّع عليه فيما بعد ؟؟ عندما يأتي إلى قول الله سبحانه وتعالى ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ) يقول إن الله تبارك وتعالى تمدح هنا بنفي إدراك الأبصار له ، تمدح بنفي الرؤية عنه ، والله سبحانه وتعالى لا يتمدح بنفي مطلق إنما يتمدح بحقيقة ثابتة لا بالعبث ، ولما كان متمدحاً بنفي الرؤية ولا يمتدح سبحانه وتعالى بنفي محض ، فإذن هذا دليل على إمكان الرؤية . والأمة اختلفت منهم من قال الله تبارك وتعالى يرى فقال بجواز الرؤية وبوقوعها ، ومنهم من قال باستحالتها وبعدم وقوعها ، ولم يوجد أحد يقول بإمكانها - يقول بأنها ممكنة ولن تقع - وبناء على هذا فإن هذه الآية إما أنها إمتداح والله سبحانه لا يمتدح إلا بممكن ، وهذا الممكن من قال بإمكانه قال بوقوعه فهي دليل قطعي على إمكان رؤيته تعالى وعلى ثبوت هذه الرؤية . هو ناحية يقول بأن الدليل النقلي أي دلائل الكتاب ودلائل السنة المتواترة هي دلائل ظنية مهما كان الدليل النقلي لأنه دليل لفظي فهو دليل ظني ، ومن ناحية أخرى يجعل من دلالة الدليل على الشيء أنه دليل قطعي على عكس ذلك الشيء ، فإذن لنرجع إلى قاعدته التي أصّلها إذا أردنا أن نطبقها على قوله الله سبحانه وتعالى ( لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ) بناء على القاعدة التي طبقها فإن دلالة الآية على نفي الولد عن الله دلالة ظنية ، ودلالتها على نفي المولودية على الله أيضاً دلالة ظنية ، ودلالتها على نفي الكفء عن الله تعالى دلالة ظنية ، وبناء على النهج الذي نهجه فإن دلالة هذه النصوص على إثبات الولد ، وعلى إثبات كون الله مولوداً ، وعلى إثبات وجود الكفء له سبحانه دلالة قطعية . فيستخلص من ذلك أنه بناء على هذا الذي أصّله تكون الدلالة على إثبات الولد لله تعالى ، وعلى إثبات الوالد لله ، وعلى إثبات الكفء لله دلالة ظنية .

      كذلك إذا جئنا بناء على ما أصّله يقول الحق سبحانه وتعالى ( وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا ) دلالة الآية على نفي الصاحبة عن الله ونفي الولد دلالة ظنية ، ولكن بناء على النهج الذي نهجه يكون إثبات الصاحبة وإثبات الولد لله سبحانه وتعالى أمراً قطعيا . كذلك ( لا تأخذه سنة ولا نوم ) بناء على التأصيل الذي أصله نفي السنة والنوم عن الله أمر ظني ، وبناء على النهج الذي نهجه يكون إثبات ذلك أمراً قطعياً ، وفي إثبات السنة لله وإثبات النوم لله تعالى أمراً قطعيا .

      قول الله تعالى ( ولا يظلم ربك أحدا ) نفي الظلم هنا عن الله تعالى بناء على الأصل الذي أصّله هو أمر ظني ، وبناء على ما اتبعه في مسلك استدلاله يكون ذلك أمراً قطعيا .

      هذه الأمور هي التي يجب أن تترفع عنها الأمة ، وهي التي يجب أن تنتزع من مناهج الدراسة لتسير الأمة سيراً سليماً في اتباع الحق ، والتعويل على الدليل ، وعدم التأثير على الدليل بسبب هوى النفس .



      سؤال

      شكراً سماحة المفتي .

      هذا سؤال أعتذر عنه مقدما ولكن المقصود منه تبرئة ساحة المفكرين الذين يريدون الخير لهذه الأمة ، ثمة من يقول بأن المطالبة بالتجديد في نوعية التعليم ومناهج لتعليم الديني ظهرت في مصر في عهد الأستاذ محمد عبده في وقت الذي انتشرت فيه الماسونية والعلمانية ، وظهرت على يد محمد إقبال لأنه قدم بفلسفة أوروبية من ألمانيا ، وتظهر الآن عند كثير من المفكرين لتأتي متناغمة مع التوجه الأمريكي والضغط من أجل تغيير مناهج التعليم ، والتعليم الديني خصوصاً في البلاد الإسلامية . ألا تخشون سماحتكم من أن يفسر البعض إلى إعادة صياغة الأمة وإلى إعادة مناهج التعليم أن تفسر بمثل هذا التفسير الذي فسر به سابقاً ؟ .

      الشيخ الخليلي :

      الجواب : من أراد قدحاً في فكرة أو قدحاً في شخص لم يحجزه عن ذلك حاجز ، ولم يمنعه من ذلك مانع ، ولكن الأمر يجب أن ينظر إليه نظرة واقعية فاحصة ، لا نظرة منبعثة من هوى النفس والرغبة في الانتقاد ، فعلى أي حال قد يقول ذلك قائل ، وأنا لا أستطيع أن أمنع ألسن الناس أن تنطلق بما وقر في نفوسهم من هوى النفس ، فإن هوى النفس متحكم في حديثهم ........ إلى أن تكون هذه الأمة أمة قوية ، أمة غير خاضعة للأمم الأخرى ، أمة تعوّل على فكرها الذي جاء به دينها ، لا تعول على الأفكار المستوردة ، ولا تبني أفكارها على ما تتلقفه من هنا ومن هناك ، طالما قلت بأن هذه الأمة عليها أن تستقل ، وأن تتخلص من التبعية العمياء لغيرها ، هي أمة أرادها الله سبحانه وتعالى أن تكون أمة عزيزة ، وطالما قلت بأن هذه الأمة لا تسعد ولا تسلم ولا تتمكن من تبوأ مكانتها التي هي جديرة بأن تتبوأها إلا عندما تتخلص من هوى موالاتها لأعدائها لأن الله تبارك وتعالى يقول ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين ) ، ثم يبين سبحانه أن هذه الموالاة ناجمة عن مرض نفساني حيث يقول ( فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين ) ، و كثيراً ما قلت بأن هذه التبعية وهذه الموالاة تفضي والعياذ بالله إلى الارتداد لأن الله تعالى في معرض التحذير منها حذر من الارتداد حيث قال ( يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ) ، وقلت أكثر من مرة أيضاً بأن حصر الأمة ولاءها في ولائها لربها سبحانه وتعالى ولنبيها صلى الله عليه وسلّم وللمؤمنين هو السبب في التمكن والغلبة والانتصار وانضمامها إلى حزب الله فإن الله تعالى يقول ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون ) ، فإذن أنا دعوتي واضحة ، إنما أدعو إلى نبذ ما يكون سبباً لاتباع الهوى ، سبباً لهذه التبعية العمياء من هذه الأمة لأعدائها ، ونحن وجدنا في ظل هذا الانبهار بأعداء الإسلام في ظل غياب المفاهيم الصحيحة ، وفي انحسار الفكر الإسلامي الصحيح وجدنا كثيراً من تخبط الناس تخبطاً عجيباً ، قبل ما يقارب عقدين من السنين من الآن كان رئيس دولة صليبية يصب الويلات على رؤوس المسلمين صباً في تلكم الدولة ، وهو رجل صليبي حاقد متعصب ، ويحرص على إبادة المسلمين الموجودين هناك ، وكانوا بقدر مستطاعهم يدافعون عن شخصيتهم ، ويدافعون عن دينهم ، ويدافعون عن استقلالهم . زار زائر تلكم الدولة ورجع من هناك يتحدث عن إعجابه بما وجده هناك وقال لولا أن هنالك من المسلمين من يكدرون الصف ويثيرون الشغب فسألته أي شغب هذا ؟ فقال : هؤلاء متمردون . قلت : وكيف ؟ ما هو تمردهم ؟ من الذي عصوه ؟ قال : إنما عصوا ولي الأمر والله تعالى يقول ( أطيعوا وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) فسألته وهل فلان الصليبي هو ولي أمر المسلمين مع أن الله يقول في صدر هذه الآية الكريمة ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) أطيعوا أي منكم معشر المسلمين لا الصليبين الحاقدين ، فإذن غياب المفاهيم الإسلامية أدى بالناس إلى تخبط تخبطاً لا مثيل له ، وهذا نتيجة لانحسار الوعي الإسلامي وعدم وجود تصور الإسلامي الصحيح ، وهكذا في تلكم العصور السحيقة عندما تحكم بنو أمية وبنو العباس في حياة الأمة وصل تخبط الناس تخبطاً عجيبا في مقاومة الإصلاح ومقاومة المصلحين ، ونبذ كل من يحاول أن يرد الناس إلى المحجة البيضاء . نحن وجدنا من الفقهاء الكبار من يقول إن الحسين سبط رسول الله صلى الله عليه وسلّم قتل بسيف جده . ما معنى قتل بسيف جده ؟ معنى ذلك أنه ثار على ولي أمر المسلمين الذي تجب طاعته ويجب الخضوع له سواء بر أو فجر ، عصى أو أطاع ، عدل أو جار ، يجب أن يخضع له خضوعاً مطلقاً وأن لا يحاسب على شيء من أعماله ، ومخالف ذلك حقيق بالقتل فما أنزله يزيد بن معاوية بالحسين إنما كان ذلك تطبيقاً لما جاء به الرسول عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام . هكذا ضلال الفكر وصلت الناس إلى هذا المستوى .
      كـــــــــــــــــــــــــــــــن مــ الله ــع ولا تبــــــــالي
      :):)
    • كذلك نحن وجدنا أن الناس بسبب انبهارهم بما كان عليه المتسلطون في هذه الأرض من مظاهر الترف الذي هو سبب للدمار وسبب في تقهقر هذه الأمة ، وجدنا أولئك يقيسون حضارة الإسلام ورقي الأمة بقدر تلكم المظاهر مظاهر الترف ، قبل فترة من الزمن كنا في رحلة إلى العراق ، وذهبنا إلى سامراء ، وهناك تنقيب عن آثار العباسيين وجئنا إلى مكان حسب ما خطط لنا ، كان فيه تنقيب عن آثار من يلقب بالمتوكل ، وقد وجدوا تحت طبقات التراب التي تتراكم على المنطقة .... بركة سباحة كبيرة جداً ، وتحت هذه البركة خنادق لإيقاد النار لأجل أن يحمى الماء فيها . أحد العلماء الذين حضروا في هذا المكان ماذا قال ؟ . قال : الله أكبر ما هذه العظمة للإسلام . يعني عظمة الإسلام حيث يجلس الرجل الفاسق المخالف لأمر الله بين الجواري وهن يسبحن في هذه البركة عاريات من الثياب وفي حالة من الاستخفاف بحرمات الله . هذه عظمة الإسلام ؟ أين عظمة الإسلام من هذا ؟ .

      عظمة الإسلام عندما كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعيش في كوخ ، وعندما تخرج منه رسالة إلى كسرى يهتز كسرى ، ويهتز عرشه بسبب تلك الرسالة . هذه عظمة الإسلام ، عندما كان أهل الشرق وأهل الغرب يخشون سطوة الإسلام ، ليست عظمة الإسلام من مظاهر الترف .

      كذلك عندما نسمع الكثير من الناس يرددون بأن عظمة الإسلام تتمثل في قول هارون الملقب بالرشيد للسحابة عندما انجابت عن ذلك المكان ( أمطري حيث شئت فسيأتيني خراجك ) ، قالو هذه عظمة الإسلام ودليل عظمة الإسلام ، أين هذا مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلّم إن الله بعث محمداً داعياً ولم يبعثه جابيا ، هذا يدل على الرغبة في أخذ الضرائب ، وضمها إلى خزينة من يسمى بالخليفة لأجل أن يستمتع بها حسب هواه . أين هذه العظمة للإسلام ؟

      عظمة الإسلام عندما كانت دعوته تشق الطريق إلى نفوس الناس ويتساوق الناس إلى اعتناقه لما يرونه في القائمين عليه من العدل والإنصاف وزجر النفس عن هواها ، وضبط حياة النفوس بحسب ما يتلاءم مع جوهر الإسلام .

      كذلك عندما نسمع الكثير الكثير من الناس يقولون بأن من مظاهر الإسلام العظيمة قصر الحمراء في غرناطة وغيرها من القصور ، هؤلاء يدنسون سمعة الإسلام ، الإسلام لا يتمثل في هذه الأعمال التي قام بها هؤلاء المترفون ، وهذا جر هؤلاء جراً بسبب غياب المفاهيم الصحيحة جر هؤلاء إلى أن يمجدوا أعداء الله تعالى من الأمم التي حكم عليها القرآن بأنها أمم كفر وعتو وفساد وضلال وانحراف عن الحق ، مجّدوا الفراعنة ، وكان من بين الشعراء شاعر من ناحية يمدح الرسول صلى الله عليه وسلّم ويثني عليه ويمجد الرسول ، ومن ناحية أخرى يمجّد فرعون تمجيداً حتى يقول فيه :

      جلت ذاتك العلية عن أن **** تنالها الألقاب والأسماء

      يصل به الأمر إلى أن يؤله فرعون ، ومع ذلك محسوب على شعراء الإسلام ، هذا دليل انحراف الفكر وضلال العقيدة .



      سؤال

      سماحة الشيخ :

      كان ظهور علماء الإحياء الإسلامي الأفغاني مثلاً ومحمد عبده ورشيد رضا والسالمي وأبي مسلم ومحمد باقر الصدر ، كان ظهور هؤلاء الأعلام وغيرهم إرهاصاً لما عرف لاحقاً بالصحوة الإسلامية ، فهل هذه الدعوة التي تنادون بها الآن ( إعادة صياغة الأمة ) مؤشر لبداية عصر إحياء جديد سيرشد الصحوة التي فجرها عصر الإحياء الأول ؟ وهل يمكن عبور المرحلة القادمة دون هذا الإحياء الجديد ؟

      الشيخ الخليلي :

      الجواب : نحن علينا أن نستفيد من كل تجربة ولا نحصر دعوتنا هذه في إطار ضيق في تجربة خاصة دون غيرها ، علينا أن نستفيد من كل تجربة من هذه التجارب . وعلى أي حال لهؤلاء العلماء جهد مشكور قاموا بدورهم وبذلوا جهدهم وحاولوا الإصلاح ، نحن إذا جئنا إلى المدرسة الإصلاحية التي أرسى بمصر دعائمها السيد جمال الدين الأفغاني ، ثم قام بتشييد مبانيها تلميذه العملاق الشيخ محمد عبده نرى أنها مدرسة آتت أكلها ، وكانت لها ثمار طيبة ، ولكن مع ذلك لا نستطيع نبرأها من كل خطأ ، لا بد من أن نأخذ الصواب وندع الخطأ ، وكل أحد معرض للخطأ ، الدعوة التي قام العلامة الإمام محمد عبده في مصر كانت في وسط وجود كثير من العلماء الذين يتبنون الخرافات ، ووصل الأمر كما قلنا بكثير من الناس إلى أن يضفوا على المخلوقين صفات الألوهية ، وهذا أمر في منتهى الخطورة وهذا أمر لم يكن محصوراً في مصر نفسها ولكن كان في كثير من بقاع الأرض ، نحن وجدنا على سبيل المثال أحد الكاتبين يكتب عن عالم من العلماء ويترجم له ويضفي عليه من القداسة الشيء العجيب العجيب الذي ينبو عنه العقل السليم فضلاً عن رفض النصوص القاطعة لمنطقه فكان مما قاله ( ولما كانت حياته حياة الرسل والملائكة المقربين ، كانت تتجلى له الأشياء على حقائقها ومعرفة الشقي والسعيد ومعرفة الآجال ومداها ، وكان تزوره الملائكة والأموات والأنبياء يقظة ويستمد منهم المدد ... الخ ) ، وجدت هذه الأفكار ولا تزال موجودة إلى الآن . والإمام محمد عبده قاوم هذا الفكر بشدة وبعنف ، كما أنه أيضاً استطاع أن يتحرر من كثير من التقاليد التي أصر عليها الكثير من العلماء ، مسألة الوعد والوعيد هذه قال فيها كلمة جازمة في أكثر من موضع من دروسه التفسيرية ، قال بأن وعيد الله تبارك وتعالى لا يتبدل وأن ما توعد الفسقة المجرمين من هذه الأمة لا يختلف عما توعد به غيرهم ، فليست هنالك محاباة من الله تبارك وتعالى لهذه الأمة دون غيرها ، هي كغيرها من الأمم هذا مما قاله كثيراً .

      مسألة الشفاعات التي يتشبث بها الكثير الكثير تحدث عنها بإسهاب في مواضع متعددة من تفسيره ، وقال بأن ما تشبث به المتشبثون من شفاعات الأنبياء والصالحين يوم القيامة إنما ذلك تشبث بأوهام إلا عندما يكون الإنسان من الصالحين عمل عملاً صالحاً وتاب توبة نصوحاً فكان حقيقاً بأن يُشفع له من قبل النبيين وإلا فهذه الأوهام هي الأوهام التي كانت عند أهل الكتاب تحدث عن ذلك في تفسير قول الله تبارك وتعالى ( يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون ) كما تحدث عن ذلك في تفسير قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة ) إلى غير ذلك وقال إن الشفاعة لله وحده وذكر بأن هؤلاء إنما يتشبثون بما وجدوا الناس فمن عادتهم أنهم وجدوا أصحاب المصالح المتسلطين في هذه الأرض قد يتنازل أحدهم عن الوعيد الذي يتوعده مجرماً بسبب ما يراعي من مصلحته ينثني عن عزمه ويترك ذلك المجرم فقاسوا حال الخالق الله سبحانه وتعالى على حال الخلق . هكذا ذكر في كثير من المواضع ، ولكن مع هذا نجد كان كما قلنا بين تيارين ، بين تيار هؤلاء الذين من الخرافة دينا ، وتيار الذين جاءوا من الغرب بأفكار بعيدة عن الفكر الإسلامي وصاروا لا يؤمنون بما وراء المادة لا يؤمنون إلا بما وقع تحت طائلة الحواس ، فأراد أن يسلك مسلكاً بين هؤلاء وهؤلاء ، وأراد أن يقنع الناشئين بالإسلام وبمعتقدات الإسلام ، فلذلك حاول يضيّق نطاق الغيبيات في كثير من تفسيره كتفسيره لقصة آدم عليه السلام بأن المراد بآدم الجنس البشري ، وأن المراد بالشجرة الشر ، وأن المراد بالملائكة ملكات الخير ، وأن المراد بالشياطين ملكات الشر إلى غير ذلك الكثير هذا تفسير غير مسلّم وقد تأثر به تلميذه السيد محمد رشيد رضا وإن كان أقل منه في هذا ولكنه تأثر به ، هذا مع أن السيد رشيد رضا أيضاً من بعد أستاذه محمد عبده تأثر بما سمي بالمدرسة السلفية من بعد فوجد شيء من النقائض في كثير من كلامه ، وقد نبهت على بعض الأشياء فيما دونته ، ونبهت على بعض هذه النقائض التي وجدت في كلام السيد رشيد رضا ، وهذا لا يمنع أن نستفيد منه وأن نكبر جهده ، ونحذو حذوهم في كثير من الأمور التي هي متفقة مع المنهج الصحيح .

      أما بالنسبة إلى الإمام السالمي رحمه الله تعالى فإنه كان امتداداً لفكر تأصل منذ الصدر الأول منذ الرعيل الأول ، لم يأت بحاجة جديدة ، فمنهجه الذي سلكه هو منهج أسلاف سلفوه منذ فترة طويلة ، وقد عُني الإمام أبو الشعثاء جابر بن زيد بوضع الخطة السليمة لهذا المنهج ، ثم اعتنى بتنفيذ هذه الخطط ونهج هذه المسالك تلميذه العملاق الإمام أبو عبيدة ، ونهج من بعدهم هذا المنهج . فهذا المنهج على أي حال إنما هو كان منهج تاريخي ، منهج من الممكن أن يفيد الأمة لكثير إذا بلور ووضح وضوحاً جيداً وصور تصويراً يتلاءم مع أفهام بني العصر ، وهذا ما قامت به بحمد الله أقلام معاصرة ، ومن أمثلة ذلك ما كتبه الدكتور حسين غباش في كتابه ( عمان الديموقراطية الإسلامية ) فإن هذه الخطوة خطوة إيجابية جداً ، ونرجو من الكثير أن يحذو حذوه في ذلك .

      وعلى أي حال دعوتنا دعوة عامة لا تنحصر في إطار طائفة معينة ، وهناك الكثير من العلماء الذين قدموا خدمة جليلة لهذه الأمة من خلال مؤلفاتهم ومن خلال محاضراتهم ، كما ذكرت الإمام أبو الأعلى المودودي قدم خدمة جليلة للأمة من خلال مؤلفاته ، ذلك كله مما يمكن أن يستفاد منه ، كذلك السيد أبو الحسن الندوي وغيرهم من العلماء الأجلاء ، هؤلاء أفادونا فائدة كبيرة فيمكن أن نستفيد من هذه التجارب جميعا .

      سؤال

      بهذه الخاتمة سماحة المفتي تكون قد أجبت على سؤالنا الموالي الذي كنا نود أن نطرحه عليكم وهو أن هذه الدعوة تتزامن مع حركات إعادة نظر أخرى لكن في نطاقات مذهبية مثل حركة إعادة نظر على المستوى السنى التي تمثلت سابقاً في كتب الشيخ محمد الغزالي وعلى نحو ما الآن في كتاب ( السلطة في الإسلام ) لعبد الجواد ياسين ، وتتزامن أيضاً مع بروز تيار الإصلاح على المستوى الشيعي في إيران وصدور كتاب أحمد الكاتب ( الفكر السياسي الشيعي من الشورى إلى ولاية الفقيه ) ، ولكن هذا يعنينا بشكل آخر أن دعوتكم سماحة الشيخ لإعادة صياغة الأمة بأكملها على مختلف توجهاتها ومذاهبها الفقهية والفكرية هل ستطال إعادة النظر المذهب الإباضي كذلك أم لا ؟

      الشيخ الخليلي :

      على أي حال نحن كما قلنا بأن أي أحد يؤخذ من كلامه ويرد ، نحن لا ندّعي العصمة لأي أحد كان ، إنما الحكم في ذلك الكتاب العزيز والسنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام فما وجدناه منسجماً مع دليل الكتاب العزيز والسنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام أخذنا به ، وما كان مخالفاً لهما فإن ذلك مرفوض ممن جاء به ، نحن قد نرى أن كثيراً من الإباضية ربما سرى بعض الأشياء التي وجدت عند غيرهم كبعض الأوهام قد يكون ذلك في العامة أكثر مما هو في الخاصة في الجهلة أكثر مما هو في العلماء ولكن وجدت فتاوى لبعض أهل العلم تبرر ما يفعله العامة من الذهاب إلى المقابر وتقديم القرابين وتقديم النذور هذه وإن كانت أشياء شاذة والجمهور جمهور أهل العلم إنما يرفضونها ولكن وجدت من بعض الناس انسجاماً مع هوى العامة فمثل هذه الأشياء لا بد من أن تقتلع من جذورها ولا تتبع بأي حال من الأحوال .

      سؤال :

      حقيقة سررنا يا سماحة الشيخ وسعدنا كثيراً بأطروحاتكم القيمة وبمنهجكم الذي كنا وما زلنا ،ونرجو أن نستمر بإذن الله تعالى على أن نتلقى منه إلى أن نلقى ربنا سبحانه وتعالى ، ولكن سرورنا وسعادتنا يكتملان حقيقة باختلاف طريقتنا في منهج التلقي من مشايخنا حفظهم الله تعالى ، وقد أعجبني كثيراً أحد الأخوة الذين كتبوا حينما نشر الإعلان عن هذه الندوة ( إعادة صياغة الأمة ) فقال بأن منهجنا ينبغي أن يختلف في التلقي فكثير من الناس حينما يسمعون الدعوات أو يسمعون دعوة إلى النهوض الحضاري يتصورون أن المخاطب هم سكان القمر أو المريخ أو أن الدعوة إنما تطال جميع الناس إلا أنا فكل واحد منا يبرئ ساحته ويبرئ نفسه ولكن الأولى بنا والأحرى بنا أن نعيد منهجنا بحيث يعتقد كل واحد منا أنه هو المخاطب وأن الأمة إنما تخلفت وتقهقرت وتراجعت بسبب قصوره وتقصيره .

      وفي خاتمة هذا اللقاء نجدد لكم الشكر ونبث لكم البشرى بأن سماحة الشيخ حفظه الله تعالى مع هذه التفصيلات الكثيرة التي أدلى بها إلا أنه ينوي بعون من الله سبحانه وتعالى أن يفصل كثيراً من هذه الأمور كل نقطة منها في محاضرة وندوة مستقلة بها ، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يمد في عمره وأن يبارك في حياته وعلمه وعمله ، ونرجو من سماحته أن يختم جلستنا هذه بدعائه المبارك .



      الشيخ الخليلي :

      اللهم لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك ، سبحانك ربنا لا نحصي ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك نستغفرك ربنا ونتوب إليك ، ونعول في إجابة دعائنا عليك ، ونشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك ، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمد عبدك ورسولك ، اللهم صل وسلّم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ، اللهم إنا نسألك بأنا نشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ، نسألك ربنا أن لا تدع لنا في مقامنا هذا ذنباً إلا غفرته ، ولا عيباً إلا أصلحته ، ولا غماً إلا فرجته ، ولا كرباً إلا نفسته ، ولا ديناً إلا قضيته ، ولا مريضاً إلا عافيته ، ولا غائباً إلا حفظته ورددته ، ولا ضالاً إلا هديته ، ولا دعاء إلا استجبته ، ولا رجاء إلا حققته ، ولا بلاء إلا كشفته ، ولا سائلاً إلا أعطيته ، ولا محروماً إلا رزقته ، ولا جاهلاً إلا علمته ، ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة هي لك رضا ولنا صلاح ومنفعة إلا قضيتها ويسرتها في يسر منك وعافية ، اللهم اجعل الموت خير غائب ننتظره ، والقبر خير بيت نعمره ، واجعل ما بعده خير لنا منه ، اللهم إنا نسألك أن تهب كلاً منا لساناً صادقاً ذاكرا ، وقلباً خاشعاً منيبا ، وعملاً صالحاً زاكيا ، وإيماناً خالصاً ثابتا ، ويقينا صادقاً راسخا ، وعلماً نافعاً رافعا ، ورزقاً حلالاً واسعا ، ونسألك ربنا أن تهب لنا إنابة المخلصين ، وخشوع المخبتين ، ويقين الصديقين ، وسعادة المتقين ، ودرجة الفائزين يا أفضل من قصد وأكرم من سئل وأحلم من عصي يا الله يا ذا الجلال والإكرام . اللهم أعز الإسلام والمسلمين ، وأذل الشرك والمشركين واقطع دابر أعداء الدين واستأصل شافتهم ولا تدع لهم من باقية ، اللهم شرّد بهم في البلاد ، وأفعل بهم كما فعلت بثمود وعاد وفرعون ذي الأوتاد الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد ، اللهم صب عليهم سوط عذاب ، وحل بينهم وبين ما يشتهون وافعل بهم كما فعلت بأشياعهم من قبل ، واجعل بأسهم بينهم شديدا ، وخلص اللهم عبادك المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها من قهر أعدائك الكافرين ، اللهم خلص عبادك المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها من قهر أعدائك الكافرين ، اللهم خلص عبادك المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها من قهر أعدائك الكافرين ، اللهم ربنا استخلفنا في أرضك كما استخلفت من قبلنا من عبادك المؤمنين ، ومكن لنا ديننا الذي ارتضيته لنا ، وأبدلنا بخوفنا أمنا ، وبذلنا عزا ، وبفقرنا غنى ، وبتشتتنا وحدة ، واجمعنا على كلمتك ، وألف بين قلوبنا بطاعتك يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام
      كـــــــــــــــــــــــــــــــن مــ الله ــع ولا تبــــــــالي
      :):)
    • الإٍسراء والمعراج

      بسم الله الرحمن الرحيم

      المقدمة

      الحمد لله رب الذي هو على كل شيء قدير ،وبكل شيء خبير ،سبحانه أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بارك حوله ليريه من آياته الكبرى ، وليبوأه المناصب العلا ، وليجزيه في مقامات الزلفى . أحمده تعالى بما هو له أهل من الحمد وأثني عليه ، وأستغفره من جميع الذنوب وأتوب إليه ، وأومن به وأتوكل عليه ، من يهده الله فلا مضل له ،ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ، أرسل رسله تترى ،وأنزل كتابه تتلى ،ليهلك من هلك عن بينة ، ويحيا من حي عن بينة . وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله ، أرسله اللّه رحمة للعالمين ،وسراجاً للمهتدين ،وإماماً للمتقين ، فبلغ دعوة اللّه ونصح عباده وجاهد في سبيله حتى أتاه اليقين صلوات اللّه وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ، وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين .

      أما بعد ،،

      فما الإعتناء بشخصية الرسول – صلى الله عليه وسلم –والرغبة الزائدة في الإطلاع على
      سيرته واقتناء أخباره ، إلا رمز الوفاء له عليه أفضل الصلاة والسلام ، ودليل محبته والشغف بالإطلاع على سيرته – صلى الله عليه وسلم –والإستفادة منها ،وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ليست كَسِيَر سائر البشر ، لأن الله سبحانه وتعالى بوأه منزلا رفيعا ، إذ شرفه بأن جعله سبحانه وتعالى رحمة للعالمين ،فهو في كل ما يأتي وما يذر يجسد هذه الرحمة من قبل اللّه تبارك وتعالى .
      وقت وقوع الإسراء والمعراج

      وقد اعتاد الناس أن يعتنوا بذكرى الإسراء والمعراج وذلك للشهرة التي استفاضت بين الناس بأن الإسراء به – صلى الله عليه وسلم – ومعراجه كان في ليلة السابع والعشرين من رجب . هذه الشهرة هي في واقعها لم تبن على دليل يعتمد عليه ، ولذلك نجد السلف مختلفين في تحديد هذه الواقعة مع عدم الشك في وقوعها .
      فمنهم من قال بأنها وقعت في ليلة السابع عشر من شهر ربيع الأول ، ومنهم منه من قال في ليلة السابع والعشرين منه ،ومنهم من قال في ليلة السابع والعشرين من شهر ربيع الثاني ، ومنهم من قال في ليلة التاسع والعشرين من شهر رمضان المبارك . ومنهم من قال في ليلة السابع والعشرين من شهر رجب ، ومال إليه الحافظ المقدسي وقال (( وعمل الناس عليه )).
      ذكر الإسراء والمعراج في القرآن الكريم

      والقرآن الكريم قد أخبرنا عن هذا الحدث التاريخي العظيم . في عبارة قصيرة محدودة في فاتحة سورة الإسراء السورة التي سميت بهذا الحدث نفسه ، يقول سبحانه وتعالى فيها :

      بسم الله الرحمن الرحيم
      (( سبحن الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من ءاياتنآ إنه هو السميع البصير )) (الإسراء آية 1).
      ثم إن في فاتحة سورة النجم أيضا إشارات إلى حدث المعراج من غير تصريح به .

      ذكر الإسراء والمعراج في السنة النبوية

      وفي الروايات المستفيضة عن العدد الكثير من أصحاب الرسول –صلى الله عليه وسلم –الحديث بشيء من التفصيل والبيان عن هذا الحدث التاريخي العظيم ،ولكن هذه الروايات جاء ت على وتيرة واحدة ،كان مفادها متحداً ، ولذلك وقع الخلاف بين الأمة في طبيعة هذا الحدث ،كما وقع الخلاف أيضا بين الأمة في الوقت الذي وقع فيه ذلك ،لأن بعض الروايات عن الرسول –صلى الله عليه وسلم –التي جاءت من طرق بعض الصحابة
      كأنس رضي اللّه عنه مفادها أن الرسول –صلى الله عليه وسلم –جيء في حالة منام وهو نائم في حجر إسماعيل ،وهناك روايات أخرى تدل دلالة صريحة على أنه عليه –أفضل الصلاة والسلام –أسرى به يقظة .

      ورواية أنس وغيرها من الروايات تفيد أن بداية هذا الحدث أي بداية هذه الرحلة كانت من حول الكعبة المشرفة من حجر إسماعيل .ورواية أم هاني –رضي اللّه تعالى عنها –تفيد أن بداية هذه الرحلة كانت من بيتها ،وأنه صلى الله عليه وسلم خرج من بيتها ،ولم
      يبرد فراشه حتى عاد إليه ،وهناك بعض الروايات التي تدل على أن سقف بيته –صلى الله عليه وسلم – انفرج فنزل عليه جبريل ،وتفيد هذه الرواية أن بداية الرحلة كانت من بيته عليه أفضل الصلاة والسلام . ثم أن في رواية أنس التي رواها عنه شريك ما يدل على ذلك
      كان قبل أن يوحى إليه صلوات اللّه وسلامه عليه .

      هذا الاختلاف في الروايات أدى إلى اختلاف الناس في أشياء كثيرة من ذلك : الاختلاف في طبيعة هذه الرحلة هل كانت منامية أو كانت يقظة ،وهناك طائفة قالت :إن هذه الرحلة كانت منامية وقد عزي ذلك إلى بعض الصحابة رضوان الله عليهم وممن عزي إليه ذلك أم المؤمنين عائشة وحذيفة ومعاوية .

      وروي ذلك عن الحسن البصري هذه المقولة وهي تتفق مع الروايات التي دلت على أنه - صلى الله عليه وسلم - رأى كما يرى النائم في نومه ،وتتفق أيضا مع حمل قوله سبحانه وتعالى : (( وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس )) (الإسراء 60).على هذا الحدث ،وأن المراد به رؤيا منامية .

      وتحدث ابن القيم حول ما روي عن الصحابة في هذه القضية وما قيل عن هؤلاء الذين ذكرناهم أنهم ذهبوا إلى أنه صلى اللّه عليه وسلم كانت رحلته هذه منامية فحسب . ورد الاستدلال على ذلك بما نسب إلى الصحابة من حيث إن هؤلاء الصحابة إنما نسب إليهم أنه صلى اللّه عليه وسلم لم تفارق روحه جسده ،وليس في هذا ما يدل على أن هذه الرحلة كانت منامية ،وإنما غاية ما تدل عليه هذه المقولة عنهم أنه عليه أفضل الصلاة والسلام كان لروحه إشعاع في جسده مع أن هذه الروح سمت وارتقت إلى السماوات العلي وكوشفت بما كوشفت به من غير أن يموت عليه أفضل الصلاة والسلام . وهي خصيصة خصه اللّه سبحانه وتعالى بها ،لأنه صلوات الله وسلامه عليه أوتي من المواهب الإلهية ما لم يؤته غيره.
      ومن شأن الأرواح البشرية الأخرى ألا ترقى إلى أوج السماوات إلا بعد موت أهلها ،ومفارقتها لهذه الأجساد ،ومن شأن الأرواح البشرية الأخرى أيضا أن تكاشف به مناما ،ولا يحصل ذلك في اليقظة ،والنبي صلى الله عليه وسلم حصل له ما حصل في هذه الحادثة في اليقظة واختلفوا أيضا في هذا الحدث هل كان مرة واحدة أو تكرر ،لأجل الإختلاف في الروايات منهم من قال بأنه كان مرتين : مرة قبل بعثته صلى الله عليه وسلم ،ومرة أخرى بعد بعثته ،ومنهم من قال بأنه كان ثلاث مرات وهؤلاء القائلون بهذا الرأي نظروا إلى اختلف الروايات المأثورة فحاولوا الجمع بينها بحملها على تعدد القصة .
      (( قالوا وقع هذا الحدث مرات ،مرة يقظة ومرة مناما ،أو مرتين مناما ومرة يقظة .وقالوا بتعدده ايضا قبل البعثة وبعدها …الخ ما ذهبوا إليه . وقد أُنتُقد ذلك بأن هذه ظاهرية بينة في الاعتماد على النقول المتضاربة من غير محاولة للتمحيص والبحث حتى يتوصل إلى ترجيح الراجح وتصحيح الصحيح من هذه النقول .

      القول الراجح

      والقول الراجح الذي يمكننا أن نعتمد عليه هو أن هذا الحدث لم يتكرر إنما كان مرة واحدة إذ القرآن الكريم لم يشر من قريب ولا من بعيد إلى تكرره ،ولا بد من طرح الروايات التي لا تخلو من اضطراب وشذوذ ،والتعويل على الروايات الصحيحة الثابتة التي
      تتفق مع دلالة القرآن .كما أننا أيضا نميل إلى قول من قال :بأن الإسراء نفسه كان بالجسد وبالروح ولم يكن بالروح وحدها بدلالة قول الله سبحانه وتعالى :(سبحان الذي أسرى بعبده ))ولفظة العبد تطلق في الحي على روحه وجسمه مجتمعين ،لا على الروح وحدها وبدلالة استنكار المشركين بما أخبرهم به الرسول الله صلى الله عليه وسلم ولو كان ذلك مجرد رؤيا منامية لما استنكروا من ذلك شيئا لأنهم ألفوا الرؤى الـمنامية .وأن يرى الإنسان في منامه الأماكن الشاسعة البعيدة عنه فكيف يفضي بهم الإستنكار إلى أن يعلنوا تكذيبه عليه أفضل الصلاة والسلام .

      بل قيل في السير واللّه أعلم بصحة ما قيل إن بعض ضعفاء الإيمان إرتد نتيجته لعدم تصديقه بهذه الحادثة التي أخبر بها الرسول –صلى اللّه عليه وسلم –ولا ريب أنه –صلى اللّه عليه وسلم –أري من آيات الله تعالى ما أري ،وأتي ما أتي من المواهب اللدنية في هذه الرحلة الميمونة والدليل قول الله تعالى((لنريه من آياتنا )) ولكن هل كان ذلك بمجرد مكاشفة حصلت للرسول صلى الله عليه وسلم وهو في هذه الأرض لم يغادرها جسده ،أو أن ذلك حصلت بالعروج بجسمه صلى الله عليه وسلم إلى السماوات العلي .ذلك أمر نقف عن الترجيح فيه ونكله إلى الله سبحانه وتعالى ،وإنما يتبين لنا بيانا واضحا أن روح النبي -صلى الله عليه وسلم – ارتقت إلى تلك المقامات الرفيعة ووصلت الى ما وصلت إليه ونسكت عن القول بأنهها في هذه الحالة كانت مفارقة للجسد أو غير مفارقة ،مع قطعنا بما قاله ابن القيم بأنها لو قدرنا مفارقتها فإن لها إشراقا في الجسد كما أن الشمس مع ارتفاعها وبعدها عن الأرض جعل الله –سبحانه وتعالى –للطاقة الحرارية التي فيها تأثيرا على الأرض ونباتها ،والأجسام ا لموجودة فيها .والطاقة الروحانية أقوى من الطاقة المادية بكثير ،والعالم الروحاني له غرائب وعجائب لا يمكن أن نكتهنها ،وإنما علينا أن نقف في حدود ما وصلنا إلية من المعرفة .
      التكريم الإلهي للنبي –صلى الله عليه وسلم

      إنما الغاية التي يمكننا أن نستفيدها أو نصل إليها من خلال دراستنا لهذا الحدث التاريخي العظيم أن الله سبحانه وتعالى أراد بما حدث للرسول –صلى الله عليه وسلم –في هذه الواقعة العظيمة إكرام النبي –صلى الله عليه وسلم –في وقت أظلمت فيه الدنيا أمام ناظريه ،واحلولكت فيه الأيام .

      واشتد عليه الصلاة والسلام فيه الخناق عندما فقد النبي-صلى الله عليه وسلم –عمه أبا طالب الذي كثيراًِ ما كان يشد أزره ،ويقف بجانبه ـ صلى اللّه عليه وسلم ـ في مواجهة تحديات قريش .وفقد النبي صلى الله عليه وسلم السيدة خديجة الكبرى ـ رضي اللّه عنها ـ التي كان قلبها يتدفق بالحنان ،والمحبة لشخصه صلوات الله وسلامه عليه وكانت تؤازره ،وتنسيه الهموم التي كان يحملها من جراء عنت المشركين ،وتحديهم عندما يجد في حضنها دفء الحنان والمودة .وتوجه الرسول –صلى اللّه عليه وسلم ـ في هذه الظروف الحالكة إلى الطائف رجاء أن يجد ـ هنالك من يناصره فرجع صلى الله عليه وسلم وهو جريح الفؤاد مكلوم الجسد ،مسبل الدمع ،متدفق الدم من إيذاء أهل الطائف له .فأراد الله –سبحانه وتعالى –أن يكرمه بما لم يكرمه به غيره ،وأن يبين أن اللّه –سبحانه وتعالى ـ ما ودعه ولا قلاه وأنه بعين الله – عز وجل –وأن عناية الله ترعاه في أي مكان كان
      فكان هذا الحدث ،وكانت بداية الإنطلاق هو المسجد الحرام حيث الكعبة المشرفة أول بيت وضع للناس جعل الله سبحانه وتعالى فيه البركة وفيه الخير ،وجعل الله عز وجل نهاية الرحلة الأرضية وبداية الرحلة إلى السماوات العلى المسجد الأقصى المبارك ،الذي بارك الله تعالى حوله بما تنزل هناك من وحي الله ،وما كان هناك من انطلاق للدعوة إلى الله سبحانه من أفواه النبيين الذين بعثهم الله في تلك الأرض المقدسة الطاهرة .وفي هذا رمز كون هذه
      الأمة التي بعث فيها الرسول -صلى اللّه عليه وسلم –هي أمة ترث الأمم السابقة ،ومواريث النبوات المتقدمة .فإن الله –سبحانه وتعالى –جمع للرسول –صلى الله عليه وسلم –في هذه الرحلة بين المسجدين الكريمين الشريفين ،بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى .وآتاه الله سبحانه وتعالى من التكريم أن مكنه من إمامة النبيين في المسجد الأقصى ،وفي هذا أيضا ما يرمز إلى أن هذه الدعوة مرتبطة بعبادة الله –سبحانه وتعالى وما يرمز إلى أن هذه الأمة التي بعث فيها الرسول –صلى الله عليه وسلم – محور أمرها العبادة الاتصال بالملأ الأعلى ،من خلال عبادة الله سبحانه وتعال ىالذي تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم .

      فهذه الأمة أمة عبادة ،ولذلك كانت رحلة الرسول _صلى الله عليه وسلم _الذي بعث فيها من مقر عبادة إلى مقر عبادة .إذن رسالة هذه الأمة ودعوة هذه الأمة في جعل الحياة كلها خاضعة لأمر الله سبحانه وتعالى ،بحيث تكون الحياة كلها عبادة (( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين )) {الأنعام آية 162-163}.
      هذا هو الإسلام ، أن تكون الصلاة للّه وأن يكون النسك للّه وأن تكون الحياة للّه وأن يكون الممات للّه سبحانه وتعالى .
      ما يستفاد من هذا الحدث العظيم


      فإذن نحن نستفيد من هذا الحدث العظيم أنه كان إكراما للرسول صلى الله عليه وسلم من قبل الله ، وأنه إيذان بعهد جديد ، عهد تتحول فيه الدعوة من الضيق إلى السعة ، ومن الجمود إلى الإنطلاق ، ومن الضعف إلى القوة .وقد حصل ذلك فعلاً فإن هذا الحدث كما يقول أكثر الكتاب في السير والتاريخ كان قبل سنة من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم ، فشاء الله سبحانه وتعالى بعد هذا الحدث أن يأتي نصر الله بمآواة الأنصار لهذه الدعوة .
      فانطلقت هذه الدعوة في أرجاء الأرض ولم يقبض الله تعالى رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلا والدعوة الإسلامية تغمر أرجاء الجزيرة العربية كلها ، اصبحت الجزيرة العربية تخفق على رباها ألوية الإسلام في مشرقها ومغربها وشمالها وجنوبها ،وأصبح صوت الدعوة الإسلامية يرن في مسامع الأكاسرة والقياصرة ، وكان ما كان من المعارك التي حصلت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم بين هذه الأمة وبين الدولة القيصرية .وفي هذه المعارك تمهيد للفتح المبين الذي تحقق بعهده صلى الله عليه وسلم حيث فتح أصحابه ـ رضي الله عنهم ـ مشارق الأرض ومغاربها ،وأتوا على الأمبر اطورية الكسروية ، وكادوا يأتون على الامبرا طورية القيصرية فكان نصر الله تعالى المبين .

      إذن هذه الواقعة كانت إيذانا للفرج وإيذانا بنصر الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ، مع بيان منزلته عليه أفضل الصلاة والسلام وما على المسلمين اليوم إلا أن يعتصموا بحبل الله المتين , ويتبعوا نهجه القويم وصراطه المستقيم ، ويستنيروا بنوره المبين ,ويصغوا وينقادوا لذكره الحكيم . وعندئد يفرح المؤمنيون بنصر الله (( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فاولئك هم الفاسقون )) {النور آية 55 }.

      اللهم إنا نسألك أن تحقق لنا نصرك الذي وعدتنا ، وأن تمكن لنا في أرضك كما مكنت لمن قبلنا من عبادك المؤمنين ، وأن تمكن لنا ديننا الذي ارتضيته لنا ، وأن تبدلنا بخوفنا أمنا , وبذلنا عزا , وبفقرنا غنى , وبتشتتنا وحدة , وأن تجمعنا تحت لواء الحق أجمعين إنك ربنا على كل شيء قدير. اللهم طهر بيت المقدس أولى القبلتين ، وثالث الحرمين ، ومسرى سيد الثقلين من رجس اليهود, وخلصه من أيديهم واجعله في أيد عبادك الصالحين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر .

      وصلى الله وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد , وعلى آله وصحبه أجمعين سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحدلله رب العالمين" .

      تمت بحمد الله وبركاته

      اللهم أجعل ما نكتبه في ميزان حسناتنا وميزان حسنات إخواننا الذين ساعدونا إلى إخراج هذا العمل على الوجه الذي ترضاه منّا , إنك على كل شيء قدير وبالإجابة لمن دعاك جدير ، وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين.
      والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
      لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي
      كـــــــــــــــــــــــــــــــن مــ الله ــع ولا تبــــــــالي
      :):)
    • حقيقة الإرهاب

      لسماحة الشيخ العلامة:
      أحمد بن حمد الخليلي حفظه الله ومتعنا بحياته وعلمه

      المفتي العام لسلطنه عمان


      بسم الله الرحمن الرحيم

      الحمد الله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، أحمده تعالى بما هو له أهل من الحمد وأشكره، وأتوب إليه من جميع الذنوب وأستغفره، وأؤمن به ولا أكفره، وأعادي من يكفره.
      وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، أرسله الله بالهدى بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، صلى الله وسلم عليه ، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
      أما بعد ؛؛؛
      فقد سبق في الدرس الماضي...
      أن الإنسان مطالب بأن يزكي نفسه ولا يدسيها، لأن فلاحه منوط بتزكيتها، بينما تدسيتها سبب للخيبة، هذه الخيبة تكون في الدنيا، وتكون في الآخرة.
      ومن المعلوم أن الله سبحانه وتعالى الذي أرسل رسله مبشرين ومنذرين، وأنزل معهم الكتاب بالحق، وأمرهم بما أمرهم به من دعوة الناس إلى الخير، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، أرسلهم بما فيه سعادة هذا الإنسان في عقباه وسلامته في دنياه، لأن الأخذ بأسباب هذه الرسالات سبب لنجاة هذا الإنسان، وسيره سيرا سليما في هذه الحياة، ولا ريب أن المصير إنما هو رهن المسير، فبحسب ما يكون الإنسان عليه في حياته الدنيا تكون عاقبته يوم القيامة عندما يختم له بذلك.
      هذا؛ ومن المعلوم أن الإنسان المسلم الذي شرفه الله سبحانه وتعالى بهذا الفضل العظيم، وهذه النعمة الجسيمة، وبوأه هذا المقام العالي، وأنزلـه هذه المنزلة السامقة، هو جزء من المجتمع البشري في هذه الحياة، ولذلك كان لزاما عليه أن يفكر كثيرا فيما يدور حوله في هذا المجتمع، وهذا ما وجه إليه القرآن الكريم الأمة المسلمة، منذ كانت أفرادا في مرحلة تكوينها الأولى، فإن الله سبحانه وتعالى أنزل في كتابه الكريم ما يتلى إلى قيام الساعة، لأجل إنباء المؤمنين بحالة صراع كان داميا بين دولتين كبريين في ذلك الوقت؛ دولتي الروم والفرس، وما انتهى إليه الصدام المسلح بينهما، وما سوف ينقلب إليه في المستقبل، مع أن المسلمين في ذلك الوقت كانوا محصورين في المجتمع المكي، وكان مجتمعا جاهليا تغمره الكثرة الكاثرة من أهل الجاهلية، وما كان المؤمنون في ذلك الوقت إلا أفرادا، ولكن الله سبحانه أراد بهذا أن يهيأ هذه الأمة في أول تكوينها، بأن تكون أمة عالمية، أمة تتابع ما يجري في هذه الحياة، لأنها المسؤولة عن هذا العالم وتوجيهه إلى الخير، فلذلك كان لزاما على المسلم أن يكون حريصا على تتبع ما يجري في هذا العالم؛ ليأخذ العبرة من كل شيء، فإن لله سبحانه وتعالى سننا في هذه الحياة لا تتبدل، وقد جاء القرآن الكريم ليأكد على هذه السنن، ومن أجل ذلك دعا إلى الاعتبار؛ دعا القرآن الكريم إلى الاعتبار بالأمم الخالية، وما أصابها من خير وشر، ونفع وضر، فالله سبحانه وتعالى يقول: (( ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين )) ويقول سبحانه وتعالى: (( وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا )) ونجد أن الله سبحانه وتعالى ينبئ البشر عن كون ما يصيبهم إنما هو بسبب ما كسبت أيديهم، فالله سبحانه وتعالى يقول: (( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير )) ولا ريب؛ أن العبرة إنما تنفع المؤمنين، العبد الموصول بالله سبحانه وتعالى ينتفع بالعبرة، ويستفيد من العظة، ويقف عند حدود سنن الفطرة، والمؤمن دائما يكون موصولا بربه يرد كل شئ إلى الله سبحانه وتعالى، لأنه يوقن أن هذا الكون بأسره ما هو إلا مملكة الله سبحانه وتعالى، وأن كل ما يجري فيه؛ من رفع وخفض، وعطاء ومنع، وإعزاز وإذلال، وإحياء وإماتة، وجميع تصريفات هذا الكون، كل من ذلك إنما هو راجع إلى الله، فلذلك يقف المؤمن عند هذه الحدود، ويعتبر اعتبارا بكل ما يجري في هذا الكون، فقد قيل: من لم يعتبر بغيره كان معتبرا لغيره.
      ومن المعلوم أن العالم شهد أحداثا في هذه الأيام الأخيرة هزت هذا العالم من أقصاه إلى أقصاه، ولا ريب أن للمسلم بسبب عقيدته الإيمانية وصلته بالله سبحانه وتعالى قلب ينبض بالرحمة ويفيض بالحنان، ولذلك يتألم المسلم أن يصاب البريء أيا كان، فإن ذلك إنما يرجع -في الحقيقة- إلى هذا الخلق المستوحى من عقيدة المسلم الموصول بالله سبحانه وتعالى، وهو هاجس يفتعل في نفس المسلم، فيمتزج بوجدانه ومشاعره، وهذا أمر معهود، إذ الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم أمر بالعدل، ونهى عن الحيف والجور، ووجه المؤمنين إلى العدل في كل شيء، فالله سبحانه وتعالى يقول: (( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين )) ويقول في مقابل ذلك أيضا: (( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى )) فالعدل -إذاً- مطلب من مطالب هذا الدين، وذلك أمر يشترك في منفعته الجميع، إذا ليس هو حكرا على طائفة من الناس دون طائفة، العدل مطلب إسلامي إيماني يجب على المسلم أن ينهج نهجه، وأن يستمسك بعروته، وأن لا يفرط في شيء منه، وحسبنا أن نجد في كتاب الله سبحانه -والله سبحانه هو أحكم الحاكمين- ما يبرئ يهوديا -مع عداوة اليهود- من تهمة ألصقت به، وأمر أريد له من ورائه أن تكون له عاقبة غير حسنة، نزلت آيات في كتاب الله: (( وأنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما، واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما، ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما، يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبتون ما لا يرضى من القول وكان الله عليما حكيما )) إلى آخر الآيات التي جاءت تبرئة لساحة يهودي، فإذاً نحن لا نستغرب أن نرى الهيئات الرسمية والمؤسسات الدينية تستنكر وقوع هذا الأمر الذي شمل الأبرياء، وكذلك عندما ننظر إلى القرآن الكريم في توجيهه للمؤمنين في الحرب نجد أنه يوجههم إلى حرب نظيفة، حرب لا ظلم فيها ولا حيف على أحد، إذ الله سبحانه وتعالى يقول: (( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين )).
      ولكن مع هذا كله هل تفيد أحدا رحمة أحد به إن لم يكن راحما لنفسه، أولا: قبل كل شيء على الإنسان أن يكون راحما لنفسه حتى يستفيد برحمة غيره له، ومن المعلوم أن من رحم نفسه عليه أن يسلك المسلك السليم، مسلك العدل، مسلك الحق، وأن لا يحيف على أحد، إذ من جرّع غيره كأسا جرعها، وهذه هي سنة الله تعالى في خلقه، فإن الله تعالى بسبب عدله بين عباده يحول سبحانه وتعالى الغالب إلى مغلوب، والمنتصر إلى منتصر عليه، والقوي إلى ضعيف، ومن حاف على غيره حيف عليه، فإذاً نحن مهما تألمنا لما يصيب الأبرياء لا يفيد أولئك المصابين، ولا الذين جنوا عليهم، من رحمتنا شيء، ما لم يكونوا راحمين لأنفسهم، وما لم يكونوا عارفين الحقوق الواجبة -الحقوق الإنسانية- التي جعلها الله سبحانه وتعالى مشتركة ما بين الجنس البشري، نحن كما قلنا نجد الإسلام الكريم؛ كيف يوجه المسلمين إلى كل ما فيه عدل، وإلى كل ما فيه خير، وإلى كل ما فيه سلامة، فكما أننا نجد في القرآن الكريم توجيه عباد الله تعالى المؤمنين عندما ينزلون في ساحات القتال إلى أن يكونوا عادلين راحمين، نجد مثل ذلك في السنة النبوية على صحابها أفضل الصلاة والسلام، ونجد مثل ذلك في هدي الخلفاء الراشدين، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان عندما يعقد راية أو يبعث سرية يأمر بالعدل، يأمر أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم، أن لا يقتلوا وليدا، وأن لا يقتلوا شيخا هرما، وأن لا يتعرضوا للرهبان في صوامعهم، وأن لا يغلوا، وأن لا يمثلوا، إلى غير ذلك، وهذا مما شاع في السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، ونجد ذلك أيضا في عهود الخلفاء الراشدين، حتى أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه كان ينهي جيشه عن أن يرتكب أي شيء من هذه الحماقات، إلى حد أن يأمر جيشه حتى بالرفق بالحيوانات، فلا يعقروا حيوانا، لا يعقروا بعيرا ولا شاة إلا من أجل الأكل، وكذلك ينهاهم عن قطع الشجر، ينهاهم عن كل ما فيه الإضرار بهذه الإنسانية، وهذا هو منهج المسلمين في حياتهم، وهل عومل المسلمون بما عاملوا به غيرهم؟!!!.
      هذه الأحداث -كما قلنا- هي غير خارجة عن سنن هذه الحياة، فإن سنن الحياة سنن تدعو إلى التدبر والتأمل والتفكر، وتدعو إلى الاعتبار والاستعبار، ولكن أنى ذلك؟ إنما الذكرى للمؤمنين: (( فذكر إن نفعت الذكرى، سيذكر من يخشى، ويتجنبها الأشقى، الذي يصلى النار الكبرى، ثم لا يموت فيها ولا يحيى )) فهذه الأحداث مسبوقة بأسبابها، وإن مما يشدّ كل من له فكر؛ ذلك النطق السامي الذي نطقه عاهل البلاد المفدى حفظه الله تعالى عند افتتاحه "مجلس عمان" حيث قال بضرورة مكافحة الإرهاب، ولكن مع تتبع أسبابه، ومعرفة هذه الأسباب.
      فما هي هذه الأسباب؟.
      لو تأمل الإنسان الأحداث السابقة، وحسبنا أن نبدأ من عهد إلقاء القنبلة الذرية في اليابان التي حصدت مئات الألوف من الأبرياء، ثم ما تبع ذلك من الطغيان، وتأييد الطاغين والوقوف وراءهم مع أنهم يقتلون الأبرياء؛ يقتلون الأطفال، ويقتلون النساء، ولا يبالون بما يقعون في هذه الدنيا، هل هذه أسباب غير كافية لأن تنتج مثل هذه الثمار المرة التي يتجرعها من يتجرعها بمرارة؟ فكم من نساء رملت؟ وكم من أطفال يتموا؟ وكم من أطفال قتلوا؟ وكم من نساء قتلت؟ وكم من أناس شردوا؟ تأتي الجرافات الصهيونية لأجل هدم مساكن المسلمين في فلسطين وإخراجهم من بيوتهم، وإلقاء النساء والأطفال في العراء من غير مبالاة، والقوة الكبرى تقف وراء ذلك وتؤيد هذا كله، فكيف يكون هذا إرهابا ولا يكون هذا إرهابا؟ ومع هذا أيضا؛ كم من برئ قتل في العراق؟ تأتي الطائرات لتقذف المدنيين الأبرياء الذين لا ذنب لهم، ولم يرتكبوا أي سبب من الأسباب، ومع هذا يتمادى أولئك في هذا الطغيان، ويرتكبون هذه الأحداث، أليس ذلك كله داعيا إلى مثل هذه الأحداث بغض النظر عن مصدرها، إذ الله تبارك وتعالى يسلط من يشاء على من يشاء، قد يسلط على الإنسان من هو من بني جنسه، قد يسلط عليه أقرب قرابته وأخص خاصته، ليفعل فيه فعلته بسبب ما ارتكب من إجرام، والله سبحانه وتعالى يقول: (( وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون ))
      هذه هي سنة الله تعالى في خلقه، ثم مع هذا كله أيضا؛ ما هي النتيجة؟ هل هنالك ارعوى أو ازدجار أو مراجعة للحسابات؟ أو أن بدلا من ذلك ازداد طغيان أولئك وتماديهم في الفساد، الله تبارك وتعالى يبين لنا سننه في الخلق فيما فعل بالأمم السابقة، يقول عز من قائل: (( ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون، فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون، فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون، فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد الله رب العالمين )) هذه سنة لا تتبدل، ونحن عندما ننظر إلى أحوال هؤلاء، نجد أنهم أخذوا بالبأساء والضراء، ولكنهم لم يتضرعوا، فكم من آيات الله تبارك وتعالى التي تجلت لهم؟ وكم من مصائب أصابتهم بما ارتكبوه من ذنوبهم؟ انتشار الأمراض الجنسية الفتاكة التي أصبحت ترعبهم وتقلقهم ولم يستطيعوا احتواءها والسيطرة عليها من جملة أخذهم بالبأساء والضراء، والزلازل هي من جملة البأساء والضراء؟ والأعاصير من جملة أخذهم بالبأساء والضراء؟ والحرائق هي من جملة أخذهم بالبأساء والضراء، ثم ما وقع أخيرا هو من جملة بالبأساء والضراء، ولكن مع هذا الطغيان فإن الله سبحانه وتعالى فتح عليهم أبواب كل شيء، وكان من هذا تسابق الكثير الكثير من المتسابقين في إرضائه والانضمام إلى لوائهم وتحميل من حملوه عاقبة هذا الأمر، هذا كله مما يفرحهم ويجعلهم يخلدون إلى ما هم عليه، ولكن ما هي عاقبة ذلك: (( فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون، فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين )).
      ولننظر إلى ما حصل؟ ما الذي كان منهم بعد الذي حدث أن حدث؟ ما كان منهم إلا أن ساقوا هذه التهم للأبرياء، ويتكشف يوما يعد يوم كذبهم فيما يقولون، فإنهم كثيرا ما يريدون أن يضللوا الرأي العام بوسائل الإعلام المضللة، أنهم اكتشفوا ما اكتشفوا، وأنهم وصلوا إلى حقائق وأمسكوا الخيوط، وسيبينون هذه الحقيقة للناس، ولكن عندما يأتي ميقات تبيينها حسب مواعيدهم بأنفسهم، يتهربون؛ تارة يقولون بأنهم إنما يحاذرون؛ ولأسباب أمنية يتركون الأمور في الخفاء إلى أن يحين ميقات إبدائها، وتارة يقولون كذا، و تارة يقولون كذا، إلى غير ذلك من التضليل للرأي العام، وهم وجهوا تهما إلى أناس؛ منهم من تبين أنه ميت قبل سنتين، ومنهم من تبين أنه حي في بلاده، وقد قالوا بأنهم من ضمن المجرمين الذين ركبوا هذه الطائرات وفعلوا فعلتهم هذه، وتارة يقولون بأنهم وجدوا ورقة لم تحترق، وهل من المعقول أن تبقى ورقة في طائرة لا تحترق مع احتراق الطائرة بكل من فيها، وبكل ما فيها، وبكل ما اصطدمت به؟ هل ذلك من المعقول؟ أو أن هذا من التدجيل والتضليل، الله المستعان، وتارة يقولون بأنهم وجدوا حقيبة فيها جوازات أولئك الذين يحملونهم مسؤولية هذا الأمر في غرفة في الفندق، فإذاً كيف استطاعوا أن يركبوا الطائرة وأن يتخطوا الإجراءات التي في المطارات حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه، مع أنهم تركوا جوازاتهم من خلفهم؟ هذه أمور كلها إنما تدل على أن هؤلاء في نفوسهم حاجة، وهم يحملون حقدا على الإسلام والمسلمين، ويريدون إلصاق هذه التهمة بالمسلمين مهما كلفهم الأمر.
      على أن هناك الكثير الكثير من الدلائل التي تدل على أن اليهود من وراء هذا الأمر، ولكن لم تشر أصبع من أصابعهم إلى اتهام اليهود، وهذا كما يقول الشاعر:-
      وإذا الحبيب أتى بذنب واحد***جاءت محاسنه بألف شفيع
      من ذلك...
      قبل كل شيء؛ اليهود لهم تآمر على العالم ، وهذه التآمر ليس هو وليد اليوم والأمس، بل أسفر عنه "مؤتمر بال" الذي أنعقد في هذه المدينة "مدينة بال" بسويسرا في عام 1897م، وهو المؤتمر الذي أسفر عن "بروتوكولات حكماء صهيون" وفيها تخطيط لاحتلال العالم بأسره في ظل مائة عام، وهم يطمحون إلى أن تكون عاصمة مملكتهم التي تسود العالم هي روما، وقدر الله سبحانه وتعالى أن فشلوا في الوصول إلى هذه الغاية التي يسعون إليها، فشلوا في الوصول إلى هذه الغاية إذ لم يستطيعوا أن يحكموا العالم، وإن كانوا تحكموا في كثير من أموره بسب توصلهم إلى القيادات الكبرى واحتوائهم لها، وبسبب إمساكهم بأزمة القضايا الاقتصادية حتى اغرقوا هذا العالم في حمأة الربا، وصاروا هم الذين يجنون ثمار هذا الربا المشؤوم.
      وكذلك من خططهم إغراق الناس في الفساد على اختلاف أنواعه، وهذا أمر أيضا نجحوا في كثير من جوانبه، ولهم الكثير الكثير من الخطط، وهم شكلوا لجنة منذ انعقاد هذا المؤتمر لتتبع جميع قراراته وتوصياته، ولا يموت أحد من أعضاء هذه اللجنة إلا ويبدل بغيره، واللجنة مستمرة إلى هذا الوقت، فإذاًً ألا يقال بأن هؤلاء لا ينزهون ولا يبعدون ولا يبرؤون من أن يكونوا هم الذين دبروا هذا الأمر، على أن القرآن الكريم واضح في وصفهم، فالله تبارك وتعالى يقول: (( كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا )) هذه هي طبيعة اليهود.
      وكذلك من المعلوم أن الرئيس الأمريكي الحالي كان منافسا من قبل رئيس آخر، وقد كان اليهود يطمحون إلى أن يتوصلوا إلى رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية من خلال نجاح الرئيس المنافس لهذا الرئيس الحالي أي الرئيس بوش، وهو آل جور، كانوا يطمحون أن يتوصلوا إلى حكم الولايات المتحدة الأمريكية من خلاله، وبما أنهم لم يتوصلوا إلى إيصال ذلك الرئيس إلى منصة الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية؛ ألا يقال بأنهم دبروا ما دبروه من أجل زعزعة الأمن والاستقرار، ومن أجل تحطيم هذه القوة الكبرى مهما كانت هذه القوة تتقرب إليهم وتساندهم، وتقف وراءهم وتشد من أزرهم، وتمكن لهم من تدمير بلاد الإسلام، وإفساد بلاد الإسلام، وإزهاق أرواح المسلمين، وفعل ما يفعلون.
      ومما يقوي ذلك أن أربعة آلاف يهودي -فيما يقال- هم موظفون في هذه العمارة نفسها؛ في المركز التجاري العالمي ؛ وفي ذلك اليوم لم يحضر العمل أحد منهم ، وباعوا أسهمهم من البورصات العالمية قبل وقوع هذا الحادث بمدة قليلة، هذه الإشارات أليست كافية لأن تكون التهمة تلصق بهؤلاء اليهود؟.
      ثم مع هذا كله؛ أيضا هناك فساد داخلي، والفساد الداخلي يؤدي إلى الكثير الكثير، وقبل فترة كان تفجير في المركز الذي في "أكلاهوما"، وقبل كل شيء أدين المسلمون بأنهم هم وراء هذا الأمر، حتى تكشف الأمر، وتبين من كان يحمل هذه الدسيسة، ويسعى إلى تقويض الأمن هنالك.
      والفساد الذي في الولايات المتحدة الأمريكية لست مدعيا له، وإنما الأمريكيون أنفسهم يتحدثون عنه، وقبل بضع سنوات تحدثت هنا في هذا المكان، عن محاضرة ألقاها رجل أمريكي كان اسمه روبر كرين، وتحول بعد ذلك إلى فاروق عبد الحق بعد إسلامه، والرجل ليس هو من الناس السطحيين الساذجين، أو من الناس العادين المغمورين، وإنما هو رجل على قدر من الوعي والفهم والسياسة، والإدراك لأبعاد الأمور، واستنتاج العواقب من مقدماتها، فالرجل تبوأ عدة مناصب، وكان في عهد الرئيس نكسون كبير مستشاريه للسياسة الأمريكية الخارجية، هذه المحاضرة ألقاها في مجمع أبي النور في دمشق في شهر ذي الحجة من عام 1415هـ، أي قبل مضي سبعة أعوام، وكانت المحاضرة بعنوان "القيادة الإسلامية في القرن الحادي والعشرين" والرجل يتطلع بكل أحاسيسه وبكل مشاعره إلى أن يأتي الإسلام ليصلح تلكم الأوضاع الفاسدة، وينص على أن الولايات المتحدة الأمريكية هي أحوج ما تكون إلى قيم الإسلام، هي أحوج ما تكون إلى نظام يجمع ما بين القيم الروحية وما بين العطاء الحيوي في هذه الحياة الذي لا ينقطع، فإذاً لا بد من أن يكون الإسلام هو البديل المنتظر، وقد يقال بأن إسلام هذا الرجل كان سببا لهذا التفاؤل المفرط، والمبالغة في التطلع إلى عزة الإسلام، وكرامة الإسلام، والتشاؤم من الأحوال السائدة في الولايات المتحدة الأمريكية، ولكنه أيد كلامه هذا بنقول من أقوال كبار الساسة الأمريكيين العقلاء الذين لم يعتنقوا الإسلام، هم تألموا لهذا الوضع المدمر داخل الولايات المتحدة الأمريكية، ومن بين أولئك برجنسكي الذي هو يهودي، والذي كان مستشارا للأمن القومي عند الرئيس كارتر، وفي نفس الوقت هو يعد باني السياسة الإمريكية الحديثة، الرجل نشر مقالا في إحدى الصحف نعى فيه الأوضاع القائمة في الولايات المتحدة ووصفها بالفساد، وتطلع إلى مستقبل؛ هذا المستقبل يحول الأحوال من وضع إلى وضع آخر، وكان مما قاله في مقاله هذا: (إن الشعب الذي فقد الأخلاق لا يمكن أن يسن للعالم قانونا أخلاقيا) وأنتم ترون أنه صريح في أن الولايات المتحدة فقدت الأخلاق، وأن شعبها أصبح بدون أخلاق، فأنى لهذا الشعب أن يسن للعالم قانونا أخلاقيا؟
      وقد قدم لمقاله هذا أحد الصحفيين المشهورين وهو ناثال جارولز، ووضع النقاط على حروف، وبين أن الإسلام هو البديل المنتظر، وأنه هو الذي سينتشل هذه الأمة من هذا الضياع، وسينقذها من هذه الهلكة، فإذاً؛ الأوضاع القائمة هي داعية لمثل هذه الأمور، فكيف للإنسان لا يبدأ أولا بإصلاح أوضاعه، وتدارك أخطائه؟ وإنما يحمل الجريمة من هو منها برئ بسبب تهمة في نفسه.
      هذا ؛ وعندما نحاول أن نقارن بين أوضاع المسلمين الذين يصفونهم بالإرهاب، ويصفونهم بما يصفونهم به من الوحشية، كأنما كل مسلم سبع كاسر لا هم لـه إلا الافتراس، وبين أوضاعهم بأنفسهم، نجد الفرق الكبير، هم في هذا الوقت؛ وهم يزعمون أنهم رادت السلام في هذا العالم، وأنهم قادة الحضارة الحديثة وصانعوها وأئمتها وبانوها، هم في هذا الوقت عندما يهددون بأنهم سيطلقون قنابل، هذه القنابل تمتص الأوكسجين، كل قنبلة تمتص الأوكسجين بمقدار كيلو متر من كل الجوانب، فهل هذه الحرب حرب حضارية؟ وأين الإسلام من رحمته ولطفه حتى في الحرب؟ (( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين )) وأمر النبي صلى الله عليه وسلم لقادة جيوشه بأن لا يقتلوا صبيانا ولا نساءا، وأن لا يقتلوا شيخا هرما، وأن لا يقتلوا أحدا من الرهبان، وأن لا يتعرضوا إلا لمن قاتلهم فحسب، لننظر هذا البون الشاسع ما بين الإسلام الحنيف برحمته ولطفه وما بين تصرفاتهم هم بأنفسهم.
      ثم مع هذا كله إنما يريدون أن يفرضوا على الناس جميعا منطق القوة فالناس، عليهم أن يستكينوا لهم، وأن يستجيبوا لأمرهم من غير تردد، وليس لأحد خيار، وهم الذين يرفعون شعار الديمقراطية، العالم عليه أن يستجيب لهم: (إما أن يكون العالم معنا أو ضدنا) ومع هذا كله يفرضون على الجهات الإسلامية التي تعاني من الحرمان والإذلال والاستعباد أن تظل راضية بهذا الحرمان، وبهذا الاستعباد، وبهذا الهوان، حتى وصل بهم الأمر إلى أن يجمدوا الأرصدة التي تخص الجهات التي تريد أن تتخلص من الظلم والاستعباد والإذلال، مع أن الإسلام إنما جاء من أجل تحرير هذه الإنسانية بأسرها، ما جاء ليقر الظلم بل جاء ليقاوم الظلم، ومن الكلمات التي رد بها الزعيم الهندي المسلم أبو الكلام آزاد على المدعي العام، بعدما قرأ المدعي العام السجل، سجل الدعوة في حال محاكمته في عام 1339هـ أيام الاستعمار الإنجليزي في الهند، وكان يحاكم أمام قاضي بريطاني وقضاة آخرين، هم أيضا يدورون في فلك السياسة البريطانية، كان مما أجاب به: (نعم إني قلت: إن الحكومة الحاضرة ظالمة، وإن لم أقول ذلك فماذا أقول يا ترى؟ إني لأعجب كيف يطلب مني أن اسمي شيئا بغير اسمه، وأن أدعو الأسود بالأبيض، إني مسلم؛ ولأني مسلم وجب علي أن أندد بالاستبداد وأقبحه وأشهر مساويه، وإن الإسلام أعلن حقوق الإنسان قبل إنقلاب فرنسا بأحد عشر قرنا، ولم يكتف بمجرد الإعلان بل وضع نظاما لجمهورية الحق بالغا في الكمال منتهاه، ولعمري إن مطالبة المسلم بأن يسكت عن الظلم ولا يسميه ظلما مثل مطالبته أن يتنازل عن حياته الإسلامية، فكما لا ترون لأنفسكم الحق بأن تطالبوا المسلم بأن يرتد عن دينه كذلك فليس لكم الحق في أن تطالبوا بأن يسكت عن الظلم ولا يسميه ظلما، لأن معنى كلتا المطالبتين واحد).
      إذن؛ هذا هو منهج الاسلام.
      الاسلام جاء لرفع الظلم، وكما قلنا أمر بالعدل حتى مع أعدى الأعداء، والقرآن الكريم جاء فيه ما يبرأ خصما من أعظم خصوم الإسلام، من أجل تعويد الناس على اتباع الحق وعدم ميلهم إلى الحيف، فكيف يرضى المسلم بأن يقر الظلم في نفسه، وأن يكون عبدا ذليلا خاضعا للظالمين، هذه أمور هي معاكسة -في الحقيقة- للطبيعة، وهي معاكسة لمنهج يعد من الثوابت التي لا يمكن تغييرها، فلا يمكن بأن تغير ثوابت الاسلام.
      إذن؛ إلصاق التهمة بالمسلمين، وفرض الهيمنة؛ هيمنة الظالمين في هذا العالم عليهم، أمر لا يعد في منطق هؤلاء إرهابا، وإنما يعد هذا هو الحق، وهذا هو الرشد، وهذا هو الذي يجب أن يكون، فأين -إذن- هذه الدعايات الفارغة؟ أين ادعاء الديمقراطية؟ وأين ادعاء حمل راية السلام؟ وأين ادعاء حمل راية الحضارة في هذه الأرض؟ هذه أمور كلها تستوجب الوقوف عندها.
      هذا -ولا ريب- أن ألمسلم -كما قلنا- عندما يبصر شيئا من هذه الأحداث التي تفرزها التطورات في هذا العالم؛ سواء كانت تطورات خير أو كانت تطورات شر، لا يدعها تمر عليه، فإن الله سبحانه وتعالى سنن -كما قلنا- سننا في هذه الحياة، وعلى المسلم أن يكون حريصا على تدبر سنن الله تعالى في خلقه، والله تبارك وتعالى بين عاقبة البطر، وما ينتهي إليه بأهله الذين بطروا معيشتهم في هذه الحياة الدنيا، يقول سبحانه وتعالى: (( وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الين )) ويقول سبحانه وتعالى: (( وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون، لا تركضوا وارجعوا إلى ما اترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون )) ونحن نرى أن الجاني الأول على أولئك الأبرياء الذين أصيبوا في هذه الأحداث إنما هو هذه السياسة المعوجة البعيدة عن الحق، فإن الله تبارك وتعالى بين أن فساد المترفين هو الذي يصيب عموم الناس ويهلك أبرياءهم وغير أبريائهم، هذه سنة الله في هذه الحياة الدنيا، أما في الآخرة فإن كل أحد مجزي بعمله: (( لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت )) ولكن لما في فساد المترفين من انتهاك للحرم وإبادة للأنفس وإزهاق للأرواح وإضاعة للحقوق، جعل الله تعالى هذا الفساد ينتهي بهلاك الجميع، يقول سبحانه: (( وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا )) (( وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا )).
      قد يتسائل متسائل: ما هو الذي يعني غير أولئك المترفين حتى يصيبهم ما يصيب أولئك؟.
      والجواب: أن الله تبارك وتعالى جعل النظام البشري لا يقوم إلا على الصلاح، فلذلك إن لم تأخذ العامة بأيدي المترفين ليقودوهم إلى الحق، وليردوهم إلى سواء الصراط، وليرجعوهم إلى الهدى، كانت العاقبة منعكسة عليهم كما تنعكس على أولئك المجرمين أنفسهم، وهذا ما دل عليه قول الله سبحانه وتعالى عندما ذكر فساد بني إسرائيل: (( واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون، وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا، قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون، فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون )) والذين ظلموا وصف يصدق على مرتكب الجريمة وعلى من أقرها ولم يغيرها، فإن الله تعالى يقول: (( لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون )).
      وعلى أي حال القضية ليست قضية هينة، فإن أولئك القوم أفرزت ألسنتهم ما تغص به صدورهم من حقد على الإسلام والمسلمين، وانساقوا وراء مؤامرات اليهود، ووصل الأمر إلى أن يقولوا: (بأن الحرب التي سيعلنونها حرب صليبية) وهذه ليست كلمة عفوية كما ادعوا، إذ لا يعقل أن يصدر من رئيس دولة كبرى كلام عفوي، لا بد من أن يكون كلامه موزونا مضبوطا يدل على ما في قرارة نفوسهم، فهذه إنما هي بعض ما تطفح به صدورهم. (( قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر )).
      ونحن واثقون مهما تآمر المتآمرون على الاسلام، وحاولوا أن يشوهوا صورته، وأن يكدروا صفوه، وأن يبرزوه للناس في مظهر الوحش المتربص الذي لا هم له إلا أن يعدو على فريسته، لا بد من أن يسود هذا الدين، هذه الأحداث نفسها جعلت الكثير من الناس يتحدثون بالحقيقة وينشدونها، وأنا اطلعت فيما اطلعت عليه على مقال كتبه صحفي بريطاني بعد الحادث بنحو إسبوعين أو أقل يسمى "روبرت فسك"؛ نشر في بعض الصحف البريطانية السيارة، يقول في هذا المقال ما معناه: (بأن الولايات المتحدة الأمريكية تقودهم إلى نفق مظلم، تقودهم إلى حرب لا يعرفون لها معنى إلا أن الولايات المتحدة الإمريكية تريدها) وتحدث عن المجازر التي ارتكبها شارون في صبرا وشاتلا قبل سنين وقال: (بأن ضحايا هذه المجازر هم أضعاف الضحايا الأبرياء الذين في الولايات المتحدة الأمريكية، فكيف نغمض العين عن هذا كله ونتحدث عن المجازر التي وقعت هنالك) وتحدث عن كثير مما يرتكب في هذا العالم، ومع هذا كله أيضا توجه الكثير الكثير من الناس في القارة الأمريكية إلى دارسة الاسلام، حتى يقال بأن أمريكا اللاتينية أصبح القرآن الكريم فيها يمثل ثلث المبيعات من الكتب، الناس يريدون أن يدرسوا القرآن الكريم ليعرفوا حقيقة هذا الاسلام الذي يصوره هؤلاء في مظهر الوحش، وأنه لا هم له إلا افتراس الأبرياء، والله تعالى غالب على أمره، سبحانه يقول وهو أصدق القائلين: (( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون )) وقد قال سبحانه وتعالى قبل ذلك: (( يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون )).
      اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفر والكافرين، واقطع دابر القوم الظالمين. اللهم من أرادنا أو أراد الإسلام والمسلمين بسوء فاردد كيده في نحره، وأعذنا وأعذ جميع المسلمين من شره. اللهم اقطع دابرهم، واستأصل شأفتهم، وردد كيدهم في نحورهم، وأعذنا وأعذ جميع المسلمين من شرورهم، وامح آثارهم، وأورثنا أرضهم وديارهم. اللهم احصهم عددا، واقتلهم ببدا، ولا تبق منهم أحدا. اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك. اللهم اجعل تدبيرهم تدميرهم؛ اللهم اجعل تدبيرهم تدميرهم؛ اللهم اجعل تدبيرهم تدميرهم. اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، وغرائب بطشك ونقمتك. اللهم أنت القادر لا يعجزك شيء. نسألك ربنا أن تنصر المسلمين في كل مكان، كما نصرت نبيك صلى الله عليه وسلم يوم بدر ويوم الأحزاب، وكما نصرت عبادك المؤمنين. اللهم ربنا استخلفنا في أرضك كما استخلفت من قبلنا من عبادك المؤمنين، ومكن لنا ديننا الذي ارتضيته لنا، وأبدلنا بخوفنا أمنا، وبذلنا عزا، وبفقرنا غنى، وبتشتتنا وحده، واجمعنا على كلمتك، وألف بين قلوبنا بطاعتك، يا رحيم يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام. اللهم اغننا بحلالك عن الحرام، وبطاعتك عن الأثام، وبك عمن سواك، يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام. اللهم احفظ الإسلام والمسلمين، واحفظ راية هذا الدين، واجعلها شامخة رفيعة إلى يوم الدين، إنك ربنا على كل شيء قدير. اللهم ربنا إنا نسألك بأنا نشهد بأنك أنت الله؛ لا إله إلا أنت، الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد. نسألك ربنا أن لا تدع لنا في مقامنا هذا ذنبا إلا غفرته، ولا عيبا إلا أصلحته، ولا غما إلا فرجته، ولا كربا إلا نفسته، ولا دينا إلا قضيته، ولا مريضا إلا عافيته، ولا غائبا إلا حفظته ورددته، ولا ضالا إلا هديته، ولا عدوا إلا كفيته، ولا دعاءا إلا استجبته، ولا رجاءا إلا حققته، ولا بلاءا إلا كشفته، ولا سائلا إلا اعطيته، ولا محروما إلا رزقته، ولا جاهلا إلا علمته، ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة هي لك رضى ولنا صلاح ومنفعة إلا قضيتها ويسرتها في يسر منك وعافية. اللهم اصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، واصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، واصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، والموت راحة لنا من كل شر. اللهم يا الله يا ذا الجلال والإكرام، نسألك أن تبرم في هذه الأمة أمر صلاح ورشد، يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويأمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، ويحكم فيه شرعك، وتقام فيه حدودك، وتنفذ فيه أحكامك، ويتبع فيه كتابك، ويقتدى فيه بنبيك صلى الله عليه وسلم، إنك ربنا على كل شيء قدير، وإنك بالإجابة جدير نعم المولى ونعم النصير.
      وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
      سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

      * * * * * * * * * * * * * * ** * * * * * * * * * * * * * * * * *
      س1: تدور في جميع أرجاء المعمورة كلمة إرهاب، فكيف نفرق بينها وبين قوله تعالى: ((وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم)) ؟.

      الجواب:- هذه أعراف قد تتغير بحسب مصطلحات الناس وبحسب مفاهيمهم، ومما يوسف له أن يكون المسلمون كثيرا ما يبعدون عن مصطلحات القرآن، فإن القرآن الكريم له مصطلحاته التي تعد تشريعا تعبيريا، كما أنه جاء بالتشريعات التعبدية العملية، وليتنا نقف عند مصطلحات القرآن ولا نخلط بينها وبين مصطلحات الآخرين، نعم؛ الإسلام جاء من أجل ردع الظالمين -كما قلنا- ومن أجل إقامة موازين القسط, ومن أجل رفع راية العدل, ومن أجل نصب معالم الحق والحقيقة, ولا بد من أن يكون للإسلام خصوم، وأن يتمالأ عليه المتمالئون، ويكيد له الكائدون، ولذلك كان هؤلاء بحاجة إلى ردع، والإسلام لا يقف مخذولا ممثلا في أنبائه عندما يكيد الكائدون له، بل لا بد من أن يواجه مكايدهم، ويقضي على مؤامراتهم ودسائسهم, ولذلك أمر بإعداد العدة لهم، هذه العدة من أجل إرهاب أي إخافة عدو الله وعدهم: ((واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم)) فلولا ذلك لما كان للإسلام نفوذ مع تربص المتربصين، وتآمر المتآمرين، ومن المعلوم أن القوة تدفع القوة، والخوف يدفع الخوف، وهذه هي سنة الله تعالى في خلقه، فإن الناس لا يستجيبون جميعا لصوت العقل ومنطق الحقيقة، وإنما كثير منهم يكابرون الحقيقة، ويطمسون نور العقل، وقد أجاد الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن قيس الحضرمي رحمه الله عندما وصف حال الرسول صلى الله عليه وسلم مع قومه؛ مع قريش، كيف حاول أن يتلطف بهم، وأن يجرهم إلى الحق بالرفق، وبالمنطق السليم، وبالحجة الدامغة، وبالبرهان الساطع، ولكن مع ذلك كانوا متمادين في غيهم، مصرين على ما هم عليه، مخلدين إليه، يقول:-
      والمصطفى قد كان حلو الكلم***ومـا أجابه أولـو التغشـم
      حتى دهاهم بغتة في الحـرم*** بجحفل كالليل داجي الأسحم
      عليه تسليم السلام الأكرم
      فمع تلطفه بهم، وحلو كلماته التي يلقيها عليهم، ما استجابوا له, إلى أن جاءهم بالجحفل العرمرم، عندئذ ماذا قالوا له، بعدما كانوا يسخرون منه، ويقولون ساحر، ويقولون مجنون، ويقولون كذاب، إلى غير ذلك مما كانوا يقولونه ويلصقون به صلى الله عليه وسلم؟ قالوا بعد ذلك: (أخ كريم، وابن أخ كريم، قدرت فأسجح) لأنهم أبصروا القوة، وهكذا القوة هي ترهب أعداء الله، وتحد من غلوائهم، وتجعلهم يتطأطأون للحق، والله تعالى المستعان.

      = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =
      س2: سائل يقول: إن ما يفعل في بلاد المسلمين من قتل وتشريد، وهدم للمنازل، وإحراق للمساجد من قبل اليهود وغيرهم من أعداء هذا الدين، فإن المسلمين لم يحركوا ساكنا، وأما ما حصل في الولايات المتحدة الإمريكية مؤخرا فإن العالم بأكمله قام ولم يقعد حتى الآن، فما الأسباب في ذلك؟.

      الجواب: هذا إنما يعود إلى تفرق الكلمة؛ كلمة المسلمين, ذلك إنما يعود إلى تفرق الكلمة، المسلمون اليوم لم يأتوا من قلة، ولم يهزموا من ضعف مادي, وإنما القوة المعنوية ضعفت عند المسلمين، فكانت سببا لما حصل من هوانهم على الناس، ولو أن المسلمين استمسكوا بأسباب القوة لكان الأمر مخالفا لهذا تماما، لحسب لهم كل حساب، ولكن اصبحوا شراذم متفرقين، بأسهم بينهم شديد, صدق عليهم وصف النبي صلى الله عليه وسلم: (يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة على خصعتها. قالوا: أمن قلة؟ قال: لا؛ إنكم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله المهابة من قلوب أعدائكم، وليقذفن الوهن في صدوركم. قيل له: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهة الموت) ومن المعلوم أن معظم الناس هم بنو الدنيا, فمن كان ذا شأن في هذه الحياة يتقى بطشه، ويرجى أي شيء؛ ولو كان خيالا من خيره، الناس يتسابقون إلى إرضائه، لأنهم لا يفكرون في المعاد والمنقلب, هذه هي طبيعة البشر, والله تعالى المستعان.

      = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =
      س3: يسال السائل: ما حكم من يؤيد مثل هذه الأحداث ويعتبرها نكسة وردا لجزء مما يفعله أعداء الإسلام بالإسلام والمسلمين في فلسطين وغيرها من بلاد الإسلام؟.

      الجواب: طبيعة البشر على أي حال؛ المظلوم من شأنه أن يفرح بالنكسة التي تصيب ظالمه، وأن يريد لظالمه الكثير -ولا سيما إن كان قويا- الكثير من النكسات التي تؤدي به إلى الهوان والذل, ولا ريب أن هذه عاطفة توجد في طبيعة البشر, ولكن نحن لا نقول عن الظالمين, وإنما نقول: المسلم بسبب إيمانه لا يحب أن يصيب السوء الأبرياء، أما الظالمون فلا ريب أنهم جنوا على أنفسهم بأنفسهم, والآخرون أيضا جنوا هم عليهم.

      = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =
      س4: قل كيف يمكن تفسير قوله تعالى: ((واقتلوهم حيث وجدتهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد))؟

      الجواب: نعم؛ هذا أمر من الله تبارك وتعالى للمؤمنين لمواجهة أعدائهم الذين يقاتلونهم، ويصون الدعوة الإسلامية عن انتشارها، ويترصدون لها، هذه دعوة للمسلمين، فالمسلمون عليهم أن يهيئوا أنفسهم ليكونوا قادرين على أن يحققوا معنى ذلك بحيث يكونوا جندا لله تعالى حقا.
      = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =
      س5: سائل يقول: ما واجبنا كأفراد في محاربة الكفر والطغيان؟ وهل يجب علينا أن نمضي للأمم المستعبدة والمحاربة من قبل الكفار مع أننا لا نملك ما نحاربهم به من العتاد والسلاح؟

      الجواب: المسلمون جميعا أمة واحدة، يتألم المسلم لما يصيب المسلم في أي مكان، (المسلم أخو المسلم لا يقتله ولا يظلمه ولا يحقره, حسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم), والحديث يقول: (ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) وفرض الله تبارك وتعالى مناصرة حتى أولئك الذين لم يهاجروا؛ مع أن حبل الولاء ينقطع بينهم وبين المؤمنين بسبب عدم الهجرة, ولكن عندما يستنصرون المسلمين عليهم أن ينصروهم, عندما قال سبحانه وتعالى: ((وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق)) ترون كيف نظافة الإسلام حتى في هذه المواقف, إذا كان بين المسلمين وبين أحد ميثاق، فإن ذلك الميثاق تجب مراعاته، هذه هي نظافة هذا الدين الحنيف, وعلى أي حال؛ المسلم عليه قبل كل شيء أن يصلح نفسه بينه وبين ربه، وهذا ما مر به المسلمون في المرحلة الأولى عندما قيل لهم: ((كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة)) ثم بعد ذلك عليه أن يهيئ نفسه ويهيئ أصحابه, لابد أن يكون الرأي رأيا جماعيا ولا يمكن أن يتوصل إلى نصر إلا عندما يشمل المسلمين نظام دقيق بحيث لا يكونون عشوائيين في تصرفاتهم وفي أعمالهم.

      …………………………………………………..
      نسأل الله تعالى التوفيق للجميع وأن يعز الإسلام والمسلمين، إنه على كل شيء قدير, وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
      كـــــــــــــــــــــــــــــــن مــ الله ــع ولا تبــــــــالي
      :):)
    • دعاء عند قراءة القرآن1

      روي عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) أنه كان من دعائه إذا قرأ القرآن: "بسم الله، اللهم إني أشهد أن هذا كتابك المنزل من عندك على رسولك محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكتابك الناطق على لسان رسولك، فيه حكمك وشرائع دينك، أنزلته على نبيك، وجعلته عهداً منك إلى خلقك وحبلا متصلا فيما بينك وبين عبادك.
      اللهم إني نشرت عهدك وكتابك، اللهم فاجعل نظري فيه عبادة وقراءتي تفكراً وفكري اعتباراً، واجعلني ممن اتعظ ببيان مواعظك فيه واجتنب معاصيك، ولا تطبع عند قراءتي كتابك على قلبي ولا على سمعي، ولا تجعل على بصري غشاوة، ولا تجعل قراءتي قراءة لا تدبر فيها، بل اجعلني أتدبر آياته وأحكامه آخذاً بشرائع دينك، ولا تجعل نظري فيه غفلة ولا قراءتي هذرمة، إنك أنت الرؤف الرحيم."

      (1) في رحاب القرآن الكريم - نبيل خلف - نقلاً عن مستدرك الوسائل -ج 4 - ص 372
      دعاء عند قراءة القرآن1

      كان أبو عبد الله (ع) يدعو عند قراءة كتاب الله عز وجل: "اللهم ربنا لك الحمد أنت المتوحد بالقدرة والسلطان المتين، ولك الحمد أنت المتعالي بالعز والكبرياء وفوق السماوات والعرش العظيم، ربنا ولك الحمد أنت المكتفي بعلمك، والمحتاج إليك كل ذي علم، ربنا ولك الحمد يا منزل الآيات والذكر العظيم، ربنا فلك الحمد بما علمتنا من الحكمة والقرآن العظيم المبين.
      اللهم أنت علمتناه قبل رغبتنا في تعليمه، واختصصتنا به قبل رغبتنا بنفعه، اللهم فإذا كان ذلك منّاًَ منك وفضلاً وجوداً ولطفاً بنا ورحمة لنا وامتناناً علينا من غير حولنا ولا حيلتنا ولا قوتنا، اللهم فحبب إلينا حسن تلاوته وحفظ آياته وإيماناً بمتشابهه وعملاً بمحكمه وسبباً في تأويله وهدىً في تدبيره وبصيرة في بنوره، اللهم وكما أنزلته شفاءاً لأوليائك وشقاءاً على أعدائك وعمى على أهل معصيتك ونوراً لأهل طاعتك اللهم فاجعله لنا حصنا من عذابك وحرزاً من غضبك وحاجزاً عن معصيتك وعصمتاً من سخطك ودليلاً على على طاعتك نوراً يوم نلقاك، نستضيء به في خلقك ونجوز به على سراطك ونهتدي به إلى جنتك.

      اللهم إنا نعوذ بك من الشقوة في حمله والعمى عن عمله والحور عن حكمه والعلو عن قصده والتقصير دون حقه.

      اللهم احمل عنا ثقله، وأوجب لنا أجره، وأوزعنا شكره، واجعلنا نراعيه ونحفظه، اللهم اجعلنا اجعلنا نتبع حلاله ونجتنب حرامه ونقيم حدوده ونؤدي فرائضه. اللهم ارزفنا حلاوة في تلاوته ونشاطاً في قيامه ووجلاً في ترتيله وقوة في استعماله في آناء الليل وأطراف النهار، اللهم واشفنا من النوم باليسير، وأيقضنا في ساعة الليل من رقاد الراقدين، ونبهنا عند الاحايين التي يستجاب فيها الدعاء من سنة الوسنانين، اللهم اجعل لقلوبنا ذكاء عند عجائبه التي لا تنقضي ولذاذةً عند ترديده وعبرةً عند ترجيعه ونفعاً بيناً عند استفهامه.

      اللهم إنا نعوذ بك من تخلفه في قلوبنا وتوسده عند رقادنا ونبذه وراء ظهورنا، ونعوذ بك من قساوة قلوبنا لما به وعظتنا.

      اللهم انفعنا فيما صرفت فيه من الآيات، وذكرنا بما ضربت فيه من المثلات، وكفر عنا بتأويله السيئات، وضاعف لنا به جزاءاً في الحسنات، وارفعنا به ثواباً في الدرجات، ولقنِّا به البشرى بعد الممات، اللهم اجعلنا لنا زادا تقوينا به في الموقف بين يديك وطريقاً واضحاً نسلك به إليك وعلماً نافعاً نشكر به نعمائك وتخشعاً صادقاً نسبح به أسمائك ، فإنك اتخذت به علينا حجة قطعت به عذرنا، واصطنعت به عندنا نعمة قصر عنها شكرنا.

      اللهم اجعله لنا ولياً يثبتنا من الزلل ودليلاً يهدينا إلى صالح العمل وعوناً هادياً يقومنا من الميل وعونا يقوينا من الملل، حتى يبلغ فينا أفضل الأمل.

      اللهم اجعله لنا شافعاً يوم اللقاء وسلاحاً يوم الارتقاء وحجيجاً يوم القضاء ونوراً يوم الظلماء يوم لا أرض ولا سماء، يوم يجزى كل ساعٍ بما سعى، اللهم اجعله لنا رياً يوم الظما وفوزاً يوم الجزاء من نار حامية قليلة البُقْيا على من بها اصطلى، وبحرها تلظى، اللهم اجعله لنا برهاناً على رؤوس الملاء يوم يجمع فيه اهل الأرض وأهل السماء، اللهم ارزقنا منازل الشهداء وعيش السعداء ومرافقة الأنبياء.

      إنك سميع الدعاء."

      (1) الكافي - محمد بن يعقوب الكليني - ج 2 - ص 573، رواية 1 (أخذ من برنامج المعجم لألفاظ الكتب الأربعة - مركز البحوث الكمبيوترية للعلوم الإسلامية)
      دعاء لحفظ القرآن1

      قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لأمير المؤمنين (عليه السلام) : "أعلمك دعاء لا تنسى القرآن: ’اللهم ارحمني بترك معاصيك أبداً ما أبقيتني، وارحمني من تكلف ما لا يعنني، وارزقني حسن المنظر فيما يرضيك عني، وألزم قلبي حفظ كتابك كما علمتني، وارزقني أن أن أتلوه على النحو الذي يرضيك عني.
      اللهم نور بكتابك بصري، واشرح به صدري، وفرح به فلبي، وأطلق به لساني، واستعمل به بدني، وقوني على ذلك، وأعني عليه إنه لا معين عليه إلا أنت، لا إله إلا أنت‘"

      (1) الكافي - محمد بن يعقوب الكليني - ج 2 - ص 577، رواية 2 (أخذ من برنامج المعجم لألفاظ الكتب الأربعة - مركز البحوث الكمبيوترية للعلوم الإسلامية)
      كـــــــــــــــــــــــــــــــن مــ الله ــع ولا تبــــــــالي
      :):)
    • الرجل الذي قتل 99 نفسا

      عنْ أبي سعِيدٍ سَعْد بْنِ مالك بْنِ سِنانٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه أَن نَبِيَّ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَال : « كان فِيمنْ كَانَ قَبْلكُمْ رَجُلٌ قتل تِسْعةً وتِسْعين نفْساً ، فسأَل عن أَعلَم أَهْلِ الأَرْضِ فدُلَّ على راهِبٍ ، فَأَتَاهُ فقال : إِنَّهُ قَتَل تِسعةً وتسعِينَ

      نَفْساً ، فَهلْ لَهُ مِنْ توْبَةٍ ؟ فقال : لا فقتلَهُ فكمَّلَ بِهِ مِائةً ثمَّ سألَ عن أعلم أهلِ الأرضِ ، فدُلَّ على رجلٍ عالمٍ فقال: إنهَ قَتل مائةَ نفسٍ فهلْ لَهُ مِنْ تَوْبةٍ ؟ فقالَ: نَعَمْ ومنْ يحُولُ بيْنَهُ وبيْنَ التوْبة ؟ انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كذا وكذا ، فإِنَّ بها أُنَاساً يعْبُدُونَ الله تعالى فاعْبُدِ الله مَعْهُمْ ، ولا تَرْجعْ إِلى أَرْضِكَ فإِنَّهَا أَرْضُ سُوءٍ ، فانطَلَق حتَّى إِذا نَصَف الطَّريقُ أَتَاهُ الْموْتُ فاختَصمتْ فيهِ مَلائكَةُ الرَّحْمَةِ وملائكةُ الْعَذابِ . فقالتْ ملائكةُ الرَّحْمَةَ : جاءَ تائِباً مُقْبلا بِقلْبِهِ إِلى اللَّهِ تعالى ، وقالَتْ ملائكَةُ الْعذابِ : إِنَّهُ لمْ يَعْمَلْ خيْراً قطُّ ، فأَتَاهُمْ مَلكٌ في صُورَةِ آدمي فجعلوهُ بيْنهُمْ أَي حكماً فقال قيسوا ما بَيْن الأَرْضَين فإِلَى أَيَّتهما كَان أَدْنى فهْو لَهُ، فقاسُوا فوَجَدُوه أَدْنى إِلَى الأَرْضِ التي أَرَادَ فَقبَضْتهُ مَلائكَةُ الرَّحمةِ » متفقٌ عليه. وفي روايةٍ في الصحيح : « فكَان إِلَى الْقرْيَةِ الصَّالحَةِ أَقْربَ بِشِبْرٍ ، فجُعِل مِنْ أَهْلِها » وفي رِواية في الصحيح : « فأَوْحَى اللَّهُ تعالَى إِلَى هَذِهِ أَن تَبَاعَدِى، وإِلى هَذِهِ أَن تَقرَّبِي وقَال : قِيسُوا مَا بيْنهمَا ، فَوَجدُوه إِلَى هَذِهِ أَقَرَبَ بِشِبْرٍ فَغُفَرَ لَهُ » . وفي روايةٍ : « فنأَى بِصَدْرِهِ نَحْوهَا » .
      كـــــــــــــــــــــــــــــــن مــ الله ــع ولا تبــــــــالي
      :):)
    • من قصص القرآن الكريم..

      (نبأ ابني آدم)

      وراح الشيطان يبذر بذور الحقد والحسد في نفس (قابيل) ... فكما اتعس (آدم) وأشقاه بالخروج من الجنة، واغواه بعصيان امر الله من قبل، كذلك يفعل اليوم، لانه لا يريد لـ(آدم) وذريته ان ينعموا بالرضى والرضوان.

      وهل ينسى (إبليس) ـ الشيطان ـ عداوته الازليه لـ(آدم) !!! يوم أمره الله بالسجود، فأبى واستكبر وتوعد وانذر، فلما سنحت له فرصة الانتقام لم يتأخر.. ثم وسوس لـ (آدم) فأغواه، وأوقعه في جب العصيان، وكان الطرد من جنة الرحمن...!!!

      وها هو ذا اليوم يتحفز من جديد، كي لا يترك (ابن آدم) ينعم بالطاعة والاستقامة.

      وبدت الغضاء على لسان (قابيل) وتصرفاته، واخذ يمعن في العداوة لأخيه وأراد (آدم) ـ عليه السلام ـ ان يقطع دابر الفتنة بين ولديه، ويحكم الله تعالى في شأنهما، فطلب اليهما ان يقرب كل منهما قربانا الى الخالق سبحانه، فمن قبل قربانه فاز بمطلوبه وتحققت رغبته.

      وكان (قابيل) ـ كما سبق وعرفنا ـ مزارعا، فجمع بعض النباتات ووضعها على باب مأواه.. ، أما (هابيل) فقد ذبح واحدة من مواشيه، وجعل لحمها عرضة للكواسر من الطير، والسباع من الحيوان.

      ومع اطلالة الصباح، وبزوغ الشمس، كان قربان (هابيل) قد وقع موقع الرضى والقبول، ونفد.. فلم يبق منه شئ، اما حشائش (قابيل) ونباتاته فقد ذبلت وذوت، وردت عليه فلم تقبل منه.

      (انما يتقبل الله من المتقين)

      صمم (ابليس) على متابعة الشوط.. ، شوط النزاع والخصام بين الاخوين، ليرسخ العداوة والبغضاء بين (بني آدم).

      وان له لاساليب ووسائل..

      فأجج نار الحقد في قلب (قابيل) فأطلق (قابيل) تهديداته لأخيه (هابيل) فكان الشيطان هو الذي كان يتكلم.

      قال (قابيل) لأقتلك..، واقضي عليك..، فأنت الذي تنغص علي هنائي، وتنكد علي عيشي..، ولسوف اعيش العمر تعيسا طالما اراك تتمتع بتوأمي.

      لقد قبل قربانك ورفض قرباني
      فقال (هابيل) برفق، وهدوء، ويقين : (انما يتقبل الله من المتقين) فاشتدت ثورة (قابيل) وهياجه، واحمرت عيناه من الغضب والغيظ وقال : لأفعلن فرد (هابيل) : لئن بسطت الى يدك لتقلني ما انا بباسط يدي اليك لاقتلك انى اخاف الله رب العالمين.

      واضاف:

      انى اريد ان تبؤ باثمي واثمك فتكون من اصحاب النار وذلك جزاء الظالمين.

      لكن الشيطان كان قد عشش في نفس (قابيل) واستحكم منها، وقعد مقعده، فأصم اذنيه عن السمع، وغشى عينيه عن الرؤية.

      ثم حركه في جوارحه واطرافه، فقام الى اخيه في ساعة خلوة،، فأطبق عليه غدرا، ولم يفلته من بين يديه الا جثة هامدة، قد غاصت في دمائها ووقف غير بعيد ينظر الى ما قدمت يداه وفعلت.. فاضطربت نفسه، وهاج فؤاده، واحس بوطأة الجناية على ذاته ووجدانه.

      وشعر بفقدان الاخ والعضد : فأصبح من الخاسرين.

      وبدأت نفسه اللوامة تعمل عملها، ووقع في شباك الاسى والحزن.. والحيرة والتردد، وفقد كل ذرة من اتزان التفكير.

      ثم قعد (قابيل) على صخرة وقد اثقلته الهموم، ولم تقدر قدماه على حمله وعلي قيد خطوات منه حط غراب..

      فراح ينكش الارض بمنقاره ومخالبه، حتى حفر حفرة اودعها بعض ما كان يحمل، ثم اهال التراب ثانية في الحفرة، وطار في الجو محلقا.

      وكان هذا الغراب بعثا من عند الله تعالى، ارسله ليعلم (قابيل) كيف يواري جثة اخيه القتيل (هابيل) صورا شتى..، كلها مبعثها الكراهيه، فأضمر الشر ونوى الغدر.

      طير يعلم الانسان !!!؟؟

      تلك ولا شك حكمة بالغة، لها اكثر من مدلول ومفهوم، ويكفي فيها ان الله تعالى بيده وحده امور الخلق، بشرا كانوا أم حيوانا.. أم طيرا أم جمادا... أم نباتا..

      لقد شدت عيون (قابيل) الى الغراب وعمله، وكذلك شد تفكيره واهتمامه فلما رأى، قال متحسرا نادما:

      يا ويلتي اعجزت ان أكون مثل هذا الغراب فأوراي سوءة، اخي فأصبح من النادمين.

      ثم قام الى عمله، الى دفن الجثة الممددة.. يجر ساقية، تأكل قلبه الحسرة، ويذرف دموع الندم.

      ولكن انى له ان يتطهر او يستغفره فقد نهر الدم الانساني الاول على مذبح الشهوة والهوى، وعصى ربه واطاع الشيطان فغوى ..!!
      كـــــــــــــــــــــــــــــــن مــ الله ــع ولا تبــــــــالي
      :):)
    • بارك الله فيكِ أختي الكريمة ورد المنى على هذه المحاضرات والمنوعات الإسلامية الرائعة التي قمتِ بجمعها لنا

      وأتمنى أن يستفيد الجميع من هذه المكتبة العامرة التي تنشأينها لنا ...

      جزاكِ الله خيرا وعوض لكِ أجرا

      واستمري على بركة الله