هجر النوم و الأجفان
كنت أتابع نتائج الخريجين والخريجات لا سيمـــا نتائج الثانوية العـــامة ،وإن كنت قد تخرجت منذ سنين إلا أنني أحببت أن أشــــارك إخوتي الطلبة والطالبات فرحتهم بمشاعري ، فهم أمل الأمة المترقب ، عــاش هؤلاء أيامًا وليال مفعمة بالقلق في انتظارهم للنتائج وترقب ذويهم لهذا اليوم هجر النوم جفونهم ، حتى أشــرقت شمس يوم النتيجة ففرح الناجحون وذويهم وعــم الحزن قلوب الذين لم يحالفهم النجاح ، ولكن لهم فرصة أخرى يتحينوها ليعبروا الطريق إلى النجاح فكيلوا مشوارالحياة
نجاحاً يتبعه نجاح..والذي كان يشغل جــل فكري أن ترقب النتائج يصاحبه هجر النوم ..والقلق..والأهَبة..والاستعداد..والتشمير..
فإذا أجد بنفسي قد خَرَجَت من يوم نتائج الثانوية العــامة أو الجامعات .. وأخذت تسبح في نتائج اليوم الآخر..اليوم الآخـر ، يوم نتائجنا ، ذلك اليوم الذي تدنوا فيه الشمس مـن رؤوس الخلائق فإذا بكل واحد منهم يغرق
في عرقه على قدر عمله.
ذلك اليوم الذي تعلم فيه كل نفس ما عملت من خير و شر ..(( يوم تجد كل نفس ماعملت من خير محضراً وما عملت من شر تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً))
وتعلــم كل نفس ما قدمت وأخـــرت (( علمت نفس ما قدمت وأخرت))
أي أن أعمالنا من خير أو شر ، ومن طاعة أو معصية هي التي تشكل صحائفنا وتُظهر نتائجنا (( فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية *وأمـــا من خفت موازينه فأمه هاوية )) فجدير بمثل هذا الأمر أن يهجر النوم أجفاننا ، ولم نذق طعمه،وجـــدير بنا أن نعيش في قلق ونحن ننتظر ذلك اليوم، فالزاد قليل والطريق طويل،والهم ثقيل
و وننظر إلى حال أسلافنا واستعداد هم لـذلك اليوم المرير الذي هجر النوم من جفونهم.وبقي حـالهم قرآناً يُتلى إلـــى يوم القيامة: (( تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا)) وقال تعالى (( يبيتون لـــربهم سجدا وقياما )).
فحقيقة ذلك اليوم كانت في قلوبهم و عقولهم وأمام نواظرهم مما جعلهم يخافون .. فأثرذلك الخــوف على أعمالهم ، فأثمر ذلك العمل الــرائع فنهوا أنفسهم عن الهوى ، وابتعدوا عن المعاصي ، وبـــادروا في فعل الطاعات وترقبوا رضا الله في كل صغيرة وكبيرة..
وصورة الطلبة والطالبات وهم يخافون من يوم النتيجة ، والخوف الذي أثر على الدراسة فأثمر العمل الجــاد فنهوا أنفسهم عن كل ما يلهيهم عـن الاستذكار الجيد و الاستعداد ليوم الامتحان ، كل ذلك لئلا تضيع الأعمـال فيخسروا فتخيب الآمال.تلك الصورة كفيلة بأن تقرب إلى أذهاننا الـيوم الآخر فنستشعر أهواله ..
تلك الأذهــان التي تعتريها حينا الغفلة ،وحينا آخر التسويف
وحينا ثالث طول الأمل والرجاء فتطغى النوم على الأجفان بدلاً من أن تهجر ،
فترقــدت النفوس دون أن تترقب يوم النتيجة ،
و قد يظهر لنـا ذلك واضحاً عندما ننفتح في الإجــازة الصيفية على مصراعينا ،
وليس لنا فيه إلا سهر الليالي ونوم الأنهر ، وكأن الإجازة تعني الانطلاق من كل شيء .. فتنقلب فيهـا الموازين ....ليس ميزاناً أو ميزانين ، بل كــل الموازين ، قد يظن البعض أن ذلك من الحضارة .. إن الحضـــارة لاتعني الانطلاق من كل شيء ، بل تعني الانضباط في كل شيء..فهلا أفقنا من حالنا في أيامنا و ليالينا وعملنا جــاهدين من أجل ضبط السلوكيات في أنفسنا و أسرنا عندها ننال العز والكرامة في الدارين.
إن الحضارة لاتعني الانطلاق من كل شيء ،بل يعني الانضباط في كل شيء. فلْنحذر من خلْط المعاني حتى لا يختلط السلوك .
القويم يعني خطوة خطوة نحو المثالية