ما أحلى طعـم المـوت ( قصة قصيرة )

    تمر دردشة الساحة الخاصة بالمتصفح والموبايل بفترة صيانة دورية هذا ونعتذر للجميع على الإنقطاع المؤقت بإمكانكم المشاركة في المنتدى لحين عودتها :)

    • ما أحلى طعـم المـوت ( قصة قصيرة )

      عقارب الساعة تكاد تتجاوز الثانية ظهراً ، يلملم ( عبد السلام ) حاجياته مسرعاً ؛ فلم يتبقى على بدء حظر التجوال سوى ساعتين . .
      يجب أن يخرج من المكتب قبل أن تزدحم الشوارع بالعائدين إلى بيوتهم ؛ فمازال أمامه المرور على طفليه لإحضارهما من المدرسة ، ثم شراء مستلزمات البيت حتى الغد ، ثم السير لأكثر من عشرين دقيقة فالباص لا يمر إلا بالشوارع الرئيسية . . إنها معاناة كل يوم .

      يخرج ( عبد السلام ) من المكتب متعجلا ؛ يتجاهل حتى رد السلام ؛ فربما يجره رد السلام إلى ثرثرةٍ لا طائل منها سوى التأخير و إضاعة الوقت .

      - الحمد لله لم يتأخر الباص ؛ سأصل إلى المدرسة قبل خروج الأطفال .
      - ما شاء الله . . مقعدان خاليان بالباص . .
      أعتقد أن الجلوس بجوار هذا الصبي الصغير سيكون أفضل من الجلوس بجوار السيدة .

      تفحص ( عبد السلام ) الصبي سريعاً . . فلم يرى إلا جسده النحيل ؛ إنه لا يتجاوز الخامسة عشرة ؛ ولكن لماذا يدور ببصره من خلال النافذة و كأنه يبحث عن شيء ما ؟ إنه حتى لا يشعر بوجودي . .
      بماذا يتمتم ؟ . . لعله يهمس لنفسه بكلمات إحدى تلك الأغنيات الغريبة التي يسمعها الصبية هذه الأيام . .
      أفضل شيء أن أحاول الاسترخاء قليلاً . . فمازال الطريق طويلاً ، وأنا أشعر اليوم بأنني منهكٌ تماماً .

      التفت الصبي إليه فجأة ، وكأنه يتساءل : منذ متى وأنت هنا . .
      بادله ( عبد السلام ) بنظرة ترحاب ؛ تجاهلها الصبي ؛ ليعود إلى النافذة
      - من الواضح أن هذا الصبي غريب الأطوار . .
      ربما يمر بأزمة عاطفية ؛ أو ربما هي أعراض الحب الأول . .
      و قبل أن يهمّ ( عبد السلام ) بالضحك في أعماقه . . التفت إليه الصبي فجأة . .
      - هل ذقت طعم الموت يا سيدي ؟
      - ماذا ؟ . . طعم ماذا ؟ . .
      قالها ( عبد السلام ) متعجباً فزعاً من هذا السؤال المفاجئ
      - الموت يا سيدي . .
      شعر ( عبد السلام ) بأن كلمة ( غريب الأطوار ) كانت مجحفة لشخصية هذا الصبي . . و لكن لا بأس ؛ فالحوار يقتل دقائق الانتظار للوصول إلى المدرسة . .
      - و ماذا يعرف صبيٌ في مثل عمرك عن الموت ؟
      - ليس أكثر مما تعرفه أنت يا سيدي . . و ليس أقل
      فماذا تعرف أنت عن الموت ؟
      - الموت يا بني . . الموت هو الموت
      - هل رأيت يا سيدي ؟ نحن لا نعرف شيئاً عن الموت ، فمن منا يستطيع أن يصف ملامح الموت ؟
      وكذلك الموت . . لا يعرفنا . . فهو لا يميز صغيرنا من كبيرنا ، ولا ضعيفنا من قويّنا ، ولا فقيرنا من غنيّنا
      يا سيدي نحن و الموت كمسافرين في قطارين متعاكسين . . لا نلتقي إلا للحظاتٍ معدودة ؛ لا تكفي للتعارف
      - صدقت يا بني ، ولكن من في مثل عمرك لا يتحدث عن الموت
      - ولماذا يا سيدي ؟ الموت سلعة بائرة لا يشتريها الكبار عندما يجب عليهم ذلك . . لذا يجدها الصغار في الأسواق بأرخص الأثمان .
      - ربما ! !
      قالها مفضلاً قطع هذا الحوار السخيف ، و متعجباً من هذه الفلسفة الغريبة التي ورطته الصدفة في الإنصات إليها.

      أعاد الصبي النظر من النافذة ، ثم ما لبث أن التفت ثانيةً إلى ( عبد السلام ) . .
      - لم تجبني يا سيدي ؟
      - بماذا يا بني ؟
      - هل ذقت طعم الموت ؟
      - يا بني : الموتى فقط هم من يذوقون طعم الموت ، أما الأحياء فلا .
      - يا سيدي : الموتى لا يتذوقون . . إنهم موتى ؛ ألا تفهم ؟ إنهم موتى . .
      - يا بني : إذا كان الموتى لا يذوقوا طعم الموت ، فكيف تدّعي أن الأحياء يذوقونه ؟
      - لأن الأحياء هم من أنعم الله عليهم بالإدراك . . لذلك فهم يتذوقون
      - و لكن . . ألم تقل يا بني أننا لا نعرف شيئاً عن الموت ؟
      - صحيح يا سيدي . . و لكننا نستطيع أن نشم رائحته ؛ أن نذق طعمه
      - كيف ؛ و نحن لا نعرفه ؟
      - يا سيدي :
      عندما تخرج من بيتك كل صباحٍ تتلمّس الموت . . تذق طعمه
      عندما تجوب الشوارع و الطرقات تفتش عن الموت . . تذق طعمه
      عندما تطارده بجسدك الضعيف غير مبالٍ . . تذق طعمه
      عندما تشعر به يفر من أمامك مذعوراً . . تذق طعمه
      عندما تجده أجبن من أن يحصدك . . تذق طعمه
      عندما تعود إلى دارك آخر النهار مهموماً لأنك لم تمسك بالموت . . تذق طعمه

      يا سيدي . . عندما تخرج لسانك للموت . . تذق طعم الموت

      - نظر ( عبد السلام ) إلى الصبي مرتاباًً و قد سرت بأطرافه قشعريرة باردة . . ربما يكون به مساً . .
      نفض الفكرة عن ذهنه سريعاً . . ربما الحديث عن الموت هو ما يفزعه ، ولم لا ؟ فالنفس البشرية تجزع من الموت . .
      و لكن ما بال هذا الصبي يتحدث عن الموت و كأنه صديقٌ حميم يعرفه جيداً ؟ هل يكون روحاً ؟!!
      ما هذا يا عبد السلام ؟ هل تفقدك عباراتٍ بلهاء يهذي بها صبيٌ مخبولٌ صوابك .

      تمنى ( عبد السلام ) لو يعاود الصبي حديثه ، فربما قطعت الكلمات هذا السيل من الأفكار البلهاء التي تحاصره . .
      و كأن الصبي يتعمد أن يدعه لأفكاره تعبث به . . مكتفياً بالنظر من خلال نافذته .
      حاول ( عبد السلام ) مجاذبة الصبي أطراف الحديث مرة أخرى
      - إلى أين أنت ذاهبٌ يا بني ؟
      - إلى داري
      - هل كنت في المدرسة ؟
      - لا
      - هل تعمل ؟
      - نظر إليه الصبي نظرات استهزاء ٍ . .
      أبي لا يجد عملاً . . و كذلك أخي الأكبر
      - إذن من أين قدمت ؟
      - من بيتي
      - ألم تقل منذ لحظات أنك في طريقك إلى بيتك ؟
      - لا يا سيدي . . و إنما قلت أنا في طريقي إلى داري
      - تراقصت الحيرة في عينيّ ( عبد السلام ) مغلفةً كلماته :
      قادمٌ من بيتك . . و في طريقك إلى دارك ؟
      - نعم يا سيدي . . قادمٌ من بيتي و في طريقي إلى داري . . ما الغريب في هذا ؟
      - لا شيء يا بني . . لا شيء

      شعر عبد السلام بالرغبة في النهوض سريعاً . . بالتأكيد هذا الصبي ليس طبيعياً . .
      تمنى لو يسرع هذا الباص قليلاً لينهي هذا العبث . . تمنى لو لم يستقل هذا الباص ؛ لم يره . .
      أحس بالندم لأنه لم يرد السلام على زميله أثناء خروجه . . ربما شغلهما الحديث حينها فيعمى عن رؤية هذا الباص اللعين .

      - و كأنما أدرك الصبي أنه قد نال من ( عبد السلام ) . . فتحركت ملامحه الجامدة ليمتلأ وجهه لأول مرة بابتسامة مودة :
      هل لديك أطفال يا سيدي ؟
      - نعم ؛ لدي ( نضال ) عمره ثماني سنوات ، و ( جهاد ) عمرها ست سنوات ، و ( صلاح الدين ) عمره ثلاث سنوات .
      - قَرَّ الله بهم عينك
      - و أدامك الله لأهلك سالماً يا بني
      - عندما يكبر أطفالك يا سيدي ؛ عندما ينضجون ؛ عندما يفهمون ؛ عندما يسألونك عن الموت . .
      قل لهم يا سيدي . .
      ما أحلى طعم الموت

      - لم يمهلني الوقت للتفكير في معنى كلماته ، فقد صرخ فجأة مستوقفاً السائق ، ونهض مهرولاً إلى الباب الأمامي حتى كاد أن يزيحني من مقعدي . .

      وقبل أن يهبط من الباص . . توقف فجأة وكأنه نسي شيئاً هاماً ، نظر إلى السيدة التي بجواري ؛ عانقها بعينيه ؛ قبّل يديها و سألها الدعاء . . أطالت النظر إليه و كأنها تحفر ملامحه في ذاكرتها ؛ احتضنته بعينيها ؛ خبأته في صدرها ؛ طبعت على خديه قبلة عميقة . .
      رسم على شفتيه ابتسامة راضية و هبط من الباص مسرعاً . .
      أخذ يعدو في الطريق كالصاروخ المنطلق يخترق الزحام . . لا أدري لماذا أو إلى أين ؟

      إنه فعلاً صبيٌ غريب . . حتى أفكاره و كلماته غريبة مثله .
      انطلق الباص . . نظرت إلى السيدة أفتش في ملامحها عن سر هذا الصبي . . لقد تصلبت ملامحها حتى بدت كالموتى . .

      لم تمر سوى لحظات . . حتى دوى صوت انفجارٍ هائل . . توقف الباص فجأة ، نهض كل من بداخله يتطلعون إلى الخلف . .
      لقد كانت سيارة عسكرية تحترق ككومة من القش . .
      قطع صمت الجميع بالباص زغرودة طويلة أطلقتها تلك السيدة . .

      لقد كانت أم الصبي . . أبت إلا أن تصحبه إلى حفل عرسه .


      م ن ق و ل#e
    • اخي العزيز ..No_One
      اشكرك على هذه القصه ..
      واهلا بك بعد انقطاع طويل ..
      اكرر شكري اليك ..متمنى لك التوفيق ..
      والتواصل عبر هذه الساحه . .
      لك خالص شكري ..
    • No_One
      قصة مؤثرة حقا بكل ماتحمله من هواجس ...
      التضحية والجهاد أيضا مفروض لكل مؤمن مجاهد في سبيل الله تعالى ...
      أتعتقد مثل هذه التضحيات هي جهاد ... لا أدري أنه مجرد رأي ...
      رمي النفس لتهلكه هي الجهاد المفروض علينا
      المعارك والجهاد الاسلامي الذي قاده قوادنا العظماء هو هذا ...
      بأطفال يرمون نفسهم محملين بلقنابل أهذا هو الجهاد الذي نبحث عنه ...
      لا أعتقد أخي الكريم ....
      نشكرك أخي الكريم لنقلك هذه القصة المؤثرة وأعتذر للاسطر أحببت أن أنشرها ليس لك بطبع أنما هي تساؤلات مبهمه تجول بخاطر متكسر ....
      تحية طيبة ...