كربلاء في ضمير التاريخ

    تمر دردشة الساحة الخاصة بالمتصفح والموبايل بفترة صيانة دورية هذا ونعتذر للجميع على الإنقطاع المؤقت بإمكانكم المشاركة في المنتدى لحين عودتها :)

    • كربلاء في ضمير التاريخ

      بسم الله الرحمن الرحيم

      كربلاء في ضمير التاريخ

      ان لكربلاء وما جرى فيها من أحداث أليمه تَنَافَسَ في كتابتها اهل التأريخ بمختلف اجناسهم، لَعِبرَةً يقتبس منها المسلمين أسمى المعاني في الأخلاص والتفاني في حب الله، وبذل الغالي والنفيس لإعلاء كلمة "لا إله إلا الله محمد رسول الله". نأتي اليوم لكي نجدد الذكرى ولنعيش الفاجعة التي حلت ببيت الرسالة ومهبط الوحي، تلك الظلامة التي تجسدت في قتل أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والتي طالما حدّث عنها الرسول وبكى على رُزئها قبل حدوثها بعشرات السنين. يوم العاشر من محرم الحرام يوم تلتقي فيه الفئة الباغية وتهتك ستر النبوة. فلنعش أحداث هذه الواقعة منذ البدايه ولنتعرف على المجريات والتضحيات التي حدثت بأسلوب بسيط بعيدا عن التفصيل والتهويل. ولنعلم أن تقديسنا لهذه الواقعة وأعتزازنا بها كمسلمين بمختلف مذاهبنا انما اعتزازا بالمبدأ الذي تمسك به بطل هذه الواقعة وأعتزازنا بالشخصيات العظيمة التي ضحت من أجل أعلاء كلمة الحق في زمنٍ شاع فيه الفساد وعم فيه ظلم العباد. فسبب تفرقنا كمسلمين في هذا الزمان انما هو البعد الفكري واللامبالاه بمثل هذه الأحداث التاريخيه التي استقام بها الدين ولولاها لما عرف الحق من الباطل في زماننا هذا.


      --------------------------------------------------------------------------------

      الشخصيات

      الامام الحسين (ع): الحسين بن علي بن أبي طالب (ع)، أمه فاطمة الزهراء (ع)، سيد شباب أهل الجنه.
      أبو الفضل العباس (ع): العباس بن علي بن أبي طالب (ع) وهو أخ الامام الحسين من أبيه، أمه فاطمة بنت حزام أم البنين (ع).
      عبدالله، جعفر، وعثمان أبناء الأمام علي بن أبي طالب (ع) أخوة العباس (ع)، أمهم فاطمة بنت حزام أم البنين (ع).
      مسلم بن عقيل: مبعوث سيّد الشهداء من مكّة إلى الكوفة لاستطلاع أوضاعها وأخذ البيعة له من الناس. وهو ابن عم الحسين وثقته. وكان معروفاً بنبله ومروءته. شهد صفين مع علي عليه السلام. أرسله الإمام الحسين إلى أهل الكوفة بعدما تواترت عليه كتبهم ورسائلهم.
      محمد بن الحنفية: أبوه أمير المؤمنين علي عليه السلام والحنفية لقب أمه، واسمها خولة بنت جعفر ابن قيس بن سلمة بن ثعلبة، كان صاحب راية جيش علي عليه السلام يوم الجمل ، وشهد معه النهروان (سفينة البحار 319:1)
      علي الأكبر: الابن الأكبر لسيد الشهداء الامام الحسين وشبيه رسول الله، بذل مهجته يوم عاشوراء في سبيل الدين. أمه ليلى بنت أبي مرّة، وهو يومئذٍ ابن 25 سنة، كما قيل أن عمره كان 18 أو 20 سنة، وهو أول شهيد من بني هاشم يوم الطف(حياة الإمام الحسين 245:3)، كان كثير الشبه برسول الله خلقاً وخُلقاً ومنطقاً.
      القاسم: شبل الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب (ع) كان غلاماً لم يبلغ الحلم.
      الوليد بن عتبة: كان والياً على المدينة عند موت معاوية.
      يزيد بن معاوية: هو الخليفة الأموي المجرم الفاسق الذي ارتكب مذبحة كربلاء بأمره. ولد عام 25هـ وكان صاحب طرب وجوارح وكلاب وقرود وفهود ومنادمة(الكامل لابن الأثير 569:2)، ولما مات معاوية بويع بالخلافة ، وكان معاوية قبل موته قد اخذ له البيعة كولي للعهد. كان يزيد يضمر الإلحاد ولا يعتقد بالمعاد، وفي أيامه ظهر الغناء بمكّة والمدينة واستعملت الملاهي، وأظهر الناس شرب الشراب(مروج الذهب للمسعودي 67:3).
      عبيدالله بن زياد: والي الكوفة في زمن واقعة عاشوراء، وبأمره قتل الحسين وأصحابه. ويسمى ابن زياد باسم ابن مرجانة أيضاً نسبة إلى أمه مرجانة وكانت جارية بغي من المجوس، لمّا أدخلوا عليه سبايا أهل البيت في دار الإمارة بالكوفة بعد مقتل الحسين، خاطبته زينب عليها السلام بكلمة يا ابن مرجانة إشارة إلى نسبه الوضيع، وفضحاً لهذا الحاكم المغرور.
      عمر بن سعد: هو قائد جيش ابن زياد في كربلاء والذي حارب الإمام الحسين، وبعد استشهاده أمر أن تطأ الخيل صدره وظهره، وسبي أهل بيته وعياله وساقهم إلى الكوفة، وعمر هذا هو ابن سعد بن أبي وقاص كان أبوه من قادة الجيش في صدر الإسلام، ولد في زمن النبي صلّى الله عليه وآله، أو(على عهد عمر حسبما تذكر روايات أخرى).


      --------------------------------------------------------------------------------

      نقاط على الحروف

      شموخ مع التاريخ وصمود مع الاجيال يتجلى بكل وضوح في أفق الحياة الواسع ومع سير الزمن السرمدي لا يطويه دوران الايام ولا تنسيه الدهور والأعوام يجدد الآلام ويثير الاحزان والاشجان بالرغم من مرور المئات من الأعوام ذلك هو يومك الخالد يا ابا عبدالله الذي ضربت فيه أمثالا بلغت اقصى حدود السمو في التضحية والفداء وأوضحت المعالم البارزة للسبل التي يجب ان تكون منهجاً لعبور العقبات الصعاب في هذه الحياة فما اروع هذا الخلود وما اسمى معانيه لو برزت بوضوح حقائقها ورسمت دقائق خطوط اهدافها لترفع المشع الوهاج للاجيال المتعاقبة وتلتهم ثمرات تلك المآثر السامية وتستلهم منها الصبر والعقيدة لتحقيق الاهداف التي دعا اليها الاسلام وكافح من اجلها دعاته الوفياء لتطهير الارض المقدسة من دنس الظالمين والغاصبين.

      ما اروع يومك يا ابا عبدالله ويا ابا الشهداء ذلك اليوم الذي وقفت فيه تخاطب انصارك وأهل بيتك قائلا : اما بعد فقد نزل بنا من الأمر ما قد علمتم وان الدنيا قد تغيرت وتنكرت وأدبر معروفها ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الاناء وخسيس عيش كالمرعي الوبيل ألا ترون إلى الحق لا يعمل به والى الباطل لا تناهى عنه ليرغب المؤمن في لقاء ربه محقا فاني لا ارى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما ..

      فكانت التضحية وكان الداء الذي ادمى القلوب ومزقها وكان النصر حليفه فلقد استقامت بشهادتك يا ابا عبدالله أركان الإسلام وتبين الرشد من الغي وظلت كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله التي حاربها الحزب الأموي مدوية في الفضاء خالدة في أجوائه خلود يومك .
      لقد اراد لها يزيد بن ميسون الفناء بقتلك وأراد الله لك ولها البقاء فبقيت وبقيت مع التاريخ تستنير الاجيال بذكراك ويستلهم منها المخلصون سبل الثورة على الظلم والطغيان وبقي ذكر اولئك الطغاة عارا تتبرأ منه الاحفاد والاجيال وتتبعهم اللعنات ما دام التاريخ .
      فما أصبرك يا ابا عبدالله وما اروع يومك حينما وقفت في ارض المعركة وحيداً لا ناصر لك ولا معين تتلفت يمينا وشمالا فلا ترى سوى اصحابك وبنيك واخوتك صرعى على ثرى الطف المديد والاعداء تحيط بك من كل نواحيك تحدق في خيامك الخالية إلا من النساء والاطفال والصراخ يتعالى من هنا وهناك وأنت تتلوى لهول ذلك المشهد وتلك الحشود الهائلة وقد شهرت أسنة رماحها في وجهك فتغمض عينيك من هول ذلك المنظر ومما حل ببيت الرسالة وأحفاد الرسول فلا تجد من يأويهم ويكفلهم من بعدك .
      ثم تتلفت إلى أنصارك فلا ترى سوى الجثث المبعثرة من حولك فما أهوله من منظر وما ارزأها من مصيبة لم يحدث التاريخ بمثلها ومع كل ذلك فلم تلن لأولئك الطغاة ومضيت في ثورتك على الباطل ثورة الإيمان بكل معانيه وأبعاده على الكفر بكل اباطيله تقول : والله لا اعطيكم بيدي اعطاء الذليل ولا أقر لكم اقرار العبيد وبقيت خالداً خلود الدهر .

      وفاة معاويه وانتقال الخلافة لابنه يزيد

      فلمّا ماتَ معاويةُ - وذلكَ للنِّصفِ من رجب سنة ستِّينَ منَ الهجرةِ - كتبَ يزيدُ إِلى الوليدِ بنِ عُتْبة بن أببي سفيانَ - وكانَ على المدينةِ من قِبَلِ معاويةَ - أن يأْخذَ الحسينَ عليهِ السّلامُ بالبيعةِ له، ولايُرخِّصَ له في التّأخُّرِعن ذلكَ . فأنفذَ الوليدُ إِلى الحسينِ عليهِ السّلامُ في الليلِ فاستدعاه ، فعَرفَ الحسينُ الّذي أرادَ فدعا جماعةً من مواليه وأمرَهم بحملِ السِّلاحِ ، وقالَ لهم : «إِنّ الوليدَ قد استدعاني في هذا الوقتِ ، ولستُ آمَنُ أن يُكلِّفني فيه أمراً لا أُجيبُه !ليه، وهو غيرُ مأْمونٍ ، فكونوا معي ، فإِذا دخلتُ إِليه فاجلِسوا علىالبابِ ، فإِن سمعتم صوتي قد علا فادخُلوا عليه لتمنعوه منِّي .
      فصارَ الحسينُ عليهِ السّلامُ إلى الوليدِ فوجدَ عندَه مروانَ بنَ الحكمِ ، فنعى الوليدُ إِليه معاويةَ فاسترجعَ الحسينُ عليهِ السّلامُ ، ثم قرأ كتابَ يزيدَ وما أمرَه فيه من أخذِ البيعةِ منه له ، فقالَ له الحسينُ : «إِنِّي لا أراكَ تَقنعُ ببيعتي ليزيدَ سرّاً حتّى أُبايعَه جهراً ، فيعرف الناسُ ذلكَ » فقالَ الوليدُ له : أجل ، فقالَ الحسينُ عليهِ السَّلامُ : «فتصبحُ وترى ريكَ في ذلكَ» فقالَ له الوليدُ: انصرفْ على اسمِ اللّهِ حتّى تأْتينا معَ جماعةِ النّاسِ .فقالَ له مروانُ : واللهِ لئن فارقَكَ الحسينُ السّاعةَ ولم يُبايعْ لا قَدرت منه على مثلِها أبداً حتّى يكثرَ القتلى بينَكم وبينَه ، احبسِ الرّجلَ فلا يخرج من عندِكَ حتّى يبايعَ أوتضربَ عنقَه . فوثبَ عندَ ذلكَ الحسينُ عليهِ السّلامُ وقالَ : «أنت تَقتلني أو هو؟! كذبتَ واللّهِ وأثمتَ» وخرجَ (يمشي ومعَه) مواليه حتّى اتى منزلَه .

      فأقامَ الحسينُ عليهِ السّلامُ في منزلهِ تلكَ الليلَة، وهي ليلةُ السبتِ لثلاثٍ بَقِيْنَ من رجبِ سنةَ ستَينَ. فلمّا كانَ آخر السّبتِ بعثَ الرِّجالَ إِلى الحسينِ بنِ عليِّ عليهما السّلامُ ليحضرَ فيبايعِ الوليدَ ليزيد بن معاويةَ، فقالَ لهم الحسَينُ : «أصبِحوا ثمّ تَرَوْن ونرَى» فكفُّوا تلكَ الليلةَ عنه ولم يُلِحُّوا عليه . فخرجَ عليهِ السّلامُ من تحتِ ليلتِه - وهي ليلةُ الأحد ِليومين بَقِيا من رجبٍ - متوجِّهاً نحوَ مكّةَ ومعَه بنوه واخوتُه وبنو أخيه وجُلُّ أهلِ بيتهِ إلأ محمّدَ بنَ الحنفيّةِ - رضوان اللهِ عليه.

      فسارَ الحسينُ عليهِ السّلامُ إلى مكّةَ وهو يقرأ: (فَخَرَجَ مِنْهَاخَائِفَاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّني مِنَ الْقَوْم الظَالِميْنَ) ولزمَ الطّريق َالأعظمَ ، فقالَ له أهلُ بيتِه : لوتنكّبْتَ الطَّريقَ الأَعظمَ كما صنعَ اَبنُ الزُّبيرِلئلاّ يلحقَكَ الطّلبُ ، فقالَ : «لا واللّهِ لا أُفارقُه حتّى يقضي َاللّهُ ما هو قاضٍ » .
      ولمّا دخلَ الحسينُ مكّةَ كانَ دُخُولُه إِليها ليلةَ الجمعةِ لثلاث مَضَيْنَ من شعبانَ ، دخلهَا وهو يقرأُ: (وَلَمِّا تَوَجَّههَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قال َعَسَى رَبِّيْ أنْ يَهْدِيَنيْ سَوَاءَ السَّبِيْل ) ثمّ نزلَها وأقبلَ أهلُها يختلفون َإِليه ، ومن كانَ بها من المعتمرينَ وأَهل الآفَاقِ.
      وبلغَ أهل الكُوفةِ هلاك معاويةَ فأرجفوا بيزيدَ، وعَرفوا خبرَالحسينِ عليهِ السّلامُ وامتناعَه من بيعتهِ ،وخروجه إِلى مكّةَ، فاجتمعتِ الشِّيعةُ بالكوفةِ في منزلِ سُليمان ابن صُرَد، فذكروا هلاكَ معاويةَ فحمدوا اللهَ عليه ، فقالَ سليمانُ : إِن ّمعاويةَ قد هلكَ ، وانّ حُسَيناً قد تَقَبَّضَ على القوم ببيعتِه ، وقد خرجَ إِلى مكّةَ، وأنتم شيعتُه وشيعةُ أبيه ، فإِن كنتم تعَلمونَ أنّكم ناصِروه ومجاهِدو عَدوِّه (فاعلموه ، وان خفتم الفشل والوهن فلا تغروا الرجل في نفسه ، قالوا : لا، بل نقاتل عدوه ، ونقتل انفسنا دونه). فكتبوا اليه يبايعونه بالنصرة.

      فأرسل الإمام الحسين عليه السلام كتابا مع ابن عمه مسلم ابن عقيل الى أهل الكوفه يقول فيه:

      « بسمِ اللّهِ الرّحمنِ الرّحيمِ

      منَ الحسينِ بنِ عليٍّ
      إِلى الملإِ منَ المسلمينَ والمؤمنينَ. أمّا بعد : فإِنّ هانئاً وسعيداً قَدِما عليَّ بكتبكم ، وكانا آخرَ منقدمَ عليَّ من رسلِكم ، وقد فهمت كلَّ الّذي اقتصصتم وذكرتم ، ومقالة جُلِّكم : أنّه ليسَ علينا إِمامٌ فأقبلْ لعلّ اللّهَ أن يجمعَنا بكَ على الهدى والحقِّ . وإِنِّي باعثٌ إِليكم أخي وابنَ عمِّي وثقتي من أهلِ بيتي ، فإِن كتبَ إِليَّ أنّه قدِ اجتمعَ رأيُ مَلَئِكم وذوي الحِجا والفضلِ منكم على مثلِ ما قدمتْ به رُسُلُكم وقرأتُ في كُتُبِكم ، أقدم عليكم وشيكاً إِن شاءَ اللّهُ . فَلعَمري ما الأمامُ إلأ الحاكمُ بالكتاب ، القائمُ بالقسطِ ، الدّائنُ بدينِ الحقِّ ، الحابسُ نفسَه على ذَاتِ اللّهِ ، والسّلامُ »

      فأَقبلَ مسلم حتّى دخل َالكوفةَ، فنزلَ في دار المختارِ بنِ أَبي عُبَيْدٍ ، وهي الّتي تدعى اليومَ دارَسَلْمِ بنِ المسيَّب . وَأَقبلتِ الشيعةُ تختلفُ إِليه ، فكلما اجتمعَ إِليه منهم جماعةٌ قرأَ عليهَم كتابَ الحسينِ بنِ عليٍّ عليهما السّلامُ وهم يبكونَ ، وبايعَه النّاسُ حتّى بايَعَه منهم ثمانيةَ عشرَ أَلفاً، فكتب َمسلمٌ رحمه اللّه إِلى الحسينِ عليهِ السّلامُ يُخبرهُ ببيعةِ ثمانيةَ عشرَأَلفا ًويأْمرُه بالقدوم . وجعلت الشِّيعةُ تختلفُ إِلى مسلمِ بنِ عقيلٍ رضي َاللهَّ عنه حتّى عُلِمَ مكانُه، فبلغَ النُّعمانَ بنَ بشيرٍ ذلكَ - وكانَ والياً على الكوفةِ من قِبَلِ معاويةَ فأقرَّه يزيدُ عليها - فصعدَ المنبرَ فحمدَ اللّه َوأثنى عليه ثمّ قالَ :
      أمّا بعدُ: فاتّقوا اللّهَ - عبادَ اللّه - ولا تُسارعوا إِلى الفتنةِ والفُرقةِ، فإِنّ فيها يَهْلِك الرِّجالُ ، وتُسْفَكُ الدِّماءُ ، وتُغْتَصَبُ الأَموالُ ، إِنّي لا أُقاتلُ من لا يُقاتلني ، ولا آتي على من لم يأْتِ عليَّ ، ولا أُنبِّهُ نائمَكم ، ولاأتحرّشُ بكم ، ولا آخُذُ بالقَرْفِ ولا الظِّنّةِ ولا التُّهمةِ، ولكنَّكم إِن أبديتم صفحتَكم لي ونكثتم بيعتَكم وخالفتم إِمامَكم ، فوَاللّهِ الّذي لا إِلهَ غيرُه ، لأضربَنَّكم بسيفي ما ثبتَ قائمهُ في يدي ، ولو لم يكنْ ليمنكم ناصرٌ . أما إِنِّي أرجو أن يكونَ من يعرفً الحقَّ منكم أَكثرَ ممّن يُرديه الباطلُ .

      فوصل الخبر ليزيد بن معاويه فكتب كتابا لعبيدالله بن زياد والي البصرة بالتوجه الى الكوفه وأخذ مكان النُّعمانَ بنَ بشيرٍ. فلما وصل العهد والكتاب الى عبيدالله أمَرَ ِبالجهازِ من وقتهِ ، والمسيرِ والتّهيًّؤ إِلى الكوفةِ منَ الغدِ، ثمّ خرجَ من َالبصرةِ واستخلفَ أَخاه عًثمانَ ، وأَقبلَ إلى الكوفةِ ومعَه مسلمُ بنُ عمرو الباهليّ وشريكُ بنُ أَعْوَرَ الحارثيّ وحَشَمُه وأَهلُ بيتهِ. فأخذ الولايه من النعمان وخطب في أهل الكوفه وتوعد للذين يخرجون عن طوع يزيد وبيعته.

      خروج الأمام الحسين عليه السلام من مكه

      خرج الأمام الحسين من مكه ولم يمكث فيها ، فقد علم أن الطاغية يزيد قد دسّ عصابة من الاِرهابيين لاغتياله وان كان متعلّقاً بأستار الكعبة ، فخاف أن يراق دمه في البيت الحرام ، وفي الشهر الحرام. وأستقبل في طريقه الى العراق نبأ مقتل ابن عمه مسلم بن عقيل بأمر من عبيدالله بن زياد بعد أن تخلى عنه كل اللذين بايعوا الأمام الحسين قبيل مجئ عبيدالله الى الكوفه. فأكمل الامام عليه السلام مسيره بعد أن رأى رسالة الإسلام تتعرض للانهيار ومصير الإنسان يوم ذاك اسوأ من مصير انسان الجاهلية نافضاً يديه من الحياة لا يملك في مقابل عدوه سوى سلاح الشهادة وفي كل مرحلة كان يقطعها وهو يحث السير إليها كان يشير إلى أنصاره الذين رافقوه في تلك الرحلة ليموتوا معه وإلى أهل بيته الذين هم كل ما يملكه من الحياة إلى هؤلاء جميعاً كان يشير ويكشف لهم عن معاني الشهادة وأهدافها ومعطياتها ويشهد العالم بأسره بأنه قد أدى للإنسانية كل ما يقدر عليه .
      لقد كان سيد الشهداء يدرك ويعي اهمية الرسالة الملقاة على عاتقه ويعلم بأن التاريخ ينتظر شهادته وانها ستكون ضمانا لحياة أمة واساسا لبناء عقيدة وهتكا لاقنعة الخداع والظلم والقسوة وأداته لسحق القيم ومحوها من الاذهان وانقاذا لرسالة الله من أيدي الشياطين والجلادين ، وهذا هو الذي كان يعنيه بقوله لأخيه محمد بن الحنفية وهو يلح عليه ويتململ بين يديه باكيا حزينا ليرجع إلى حرم جده : لقد شاء الله ان يراني قتيلا وشاء ان يرى حرمي وعيالي سبايا.

      في كربلاء

      لما وصل ركب الاِمام الى كربلاء التفت إلى أصحابه قائلاً:

      « ما اسم هذا المكان ؟. . ».
      قالوا: « كربلاء.. ».
      ففاضت عيناه بالدموع ، وراح يقول:
      « اللهمّ إنّي أعوذ بك من الكرب والبلاء.. ».
      وأيقن الاِمام بنزول الرزء القاصم ، فالتفت إلى أصحابه ينعي إليهم نفسه ونفوسهم قائلاً:
      « هذا موضع كرب وبلاء ، ها هنا مناخ ركابنا ، ومحطّ رحالنا ، وسفك دمائنا.. ».
      وسارع أبوالفضل العباس مع الفتية من أهل البيت عليهم السلام ، وسائر الاَصحاب الممجدين إلى نصب الخيام لعقائل الوحي ، ومخدرات النبوة ، وقد خيّم عليهنّ الرعب ، وأيقن بمواجهة الاَحداث الرهيبة على صعيد هذه الاَرض.
      ورفع الاِمام الممتحن يديه بالدعاء إلى الله شاكياً إليه ما ألمّ به من عظيم المحن والخطوب قائلاً:
      « اللهمّ.. انّا عترة نبيّك محمد ( صلى الله عليه وآله ) قد أُخرجنا ، وطُردنا ، وأُزعجنا عن حرم جدّنا وتعدّت بنو أميّة علينا ، اللهمّ فخذ لنا بحقّنا ، وانصرنا على القوم الظالمين.. ».

      وأقبل الاِمام على أهل بيته وأصحابه ، فقال لهم:
      « الناس عبيد الدنيا ، والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درت معائشهم فإذا مُحصوا بالبلاء قلَّ الديّانون.. ».
      يا لها من كلمات ذهبية حكت واقع الناس واتجاهاتهم في جميع مراحل التأريخ فهم عبيد الدنيا ، وعبيد السلطة ، وأما الدين والمثل العليا فلا ظلّ لها في أعماق نفوسهم ، فإذا دهمتهم عاصفة أو بلاء هربوا من الدين ، ولم يثبت عليه إلاّ من امتحن الله قلبه للاِيمان أمثال الصفوة العظيمة من أهل بيت الحسين وأصحابه.
      ثم حمد الامام ( عليه السلام ) الله وأثنى عليه ، والتفت إلى أصحابه قائلاً:
      « أمّا بعد: فقد نزل بنا ما قد ترون. وان الدنيا قد تغيّرت ، وتنكّرت ، وأدبر معروفها ولم يبق منها إلاّ صبابة كصبابة الاِناء ، وخسيس عيش كالمرعى الوبيل. ألا ترون إلى الحقّ لا يعمل به ، وإلى الباطل لا يتناهى عنه ليرغب المؤمن في لقاء الله ، فاني لا أرى الموت إلاّ سعادة ، والحياة مع الظالمين إلاّ برما.. »(2).
      لقد أعلن أبو الاَحرار بهذا الخطاب عمّا حلّ به من المحن والبلوى ، وأعلم أهل بيته وأصحابه عن عزمه الجبّار وأرادته الصلبة في مقارعة الباطل ، واقامة الحق الذي آمن به في جميع أدوار حياته... وقد وجه إليهم هذا الخطاب ليكونوا على بيّنة من أمرهم ، ويشاركوه في تحمّل المسؤولية ، وقد هبّوا جميعاً وهم يسجّلون في تأريخ البشرية أروع الاَمثلة للتضحية والفداء من أجل إقامة دولة الاِسلام، وكان أول من تكلّم منهم زهير بن القين وهو من أفذاذ الاَحرار فقال له:
      « سمعنا يا بن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) مقالتك ، ولو كانت الدنيا لنا باقية وكنّا فيها مخلّدين لآثرنا النهوض معك على الاِقامة فيها.. ».
      ومثلت هذه الكلمات شرف الاِنسان الذي لا يضاهيه شرف ، وقد حكى ما في نفوس أصحابه الاَحرار من الولاء لريحانة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) والتفاني في سبيله ، وانبرى بطل آخر من أصحاب الاِمام وهو برير الذي وهب حياته لله ، فقال له:
      يا بن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لقد منّ الله بك علينا أن نقاتل بين يديك ، وتقطع فيك أعضاؤنا ، ثم يكون جدّك شفيعنا يوم القيامة.. ».
      ولا يوجد في البشرية مثل هذا الاِيمان الخالص ، لقد أيقن أن نصرته لابن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فضل ومنّة من الله عليه ليفوز بشفاعة جدّه الاَعظم يوم يلقى الله.

      خروج الجيوش لقتال الأمام الحسين عليه السلام

      وتمّت أحلام ابن مرجانة (عبيدالله بن زياد)، وتحققت آماله حينما استولت طليعة جيوشه على ريحانة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وأخذ يطيل النظر فيمن ينتدبه لحربه ، ويرشّحه لقيادة قوّاته المسلّحة ، وتصفح الاَرجاس من أذنابه وعملائه ، فلم ير رجساً مثل عمر بن سعد يقدم على اقتراف هذه الجريمة فقد درس نفسيته ، ووقف على ميوله واتجاهاته التي منها الخنوع والمروق من الدين ، وعدم المبالاة بارتكاب الآثام والجرائم ، والتهالك على المادة وغير ذلك من نزعاته الشريرة.
      وعرض ابن مرجانة سليل الاَدعياء على ابن سعد القيام بحرب سبط رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فامتنع عن إجابته فهدده بعزله عن ولاية الريّ فلم يطق صبراً عنها ، فقد سال لها لعابه فأجابه إلى ذلك ، وزحف إلى كربلاء ، ومعه أربعة آلاف فارس ، وهو يعلم أنّه خرج لقتال ذريّة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) الذين هم خيرة من في الاَرض ، وانتهى الجيش إلى كربلاء فانظم إلى الجيش الرابض هناك بقيادة الحرّ بن يزيد الرياحي.

      وقامت العصابة المجرمة التي تحمل شرور أهل الاَرض وخبثهم باحتلال الفرات ، ولم تبق شريعة أو منفذ إلاّ وقد وضع عليها الحرس ، وقد صدرت إليهم الاَوامر المشدّدة من قبل القيادة العامة بالحذر واليقظة كي لا تصل قطرة من الماء إلى عترة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) الذين هم من خيرة ما خلق الله.
      ويقول المؤرّخون: حيل بين الحسين والماء قبل قتله بثلاثة أيّام وكان ذلك من أعظم ما عاناه الاِمام من المحن والخطوب ، فكان يسمع صراخ أطفاله ، وهم ينادون: العطش ، العطش ، وذاب قلب الاِمام حناناً ورحمة لذلك المشهد الرهيب ، فقد ذبلت شفاه أطفاله ، وذوي عودهم ، وجفّ لبن المراضع. لقد نزع الله الرحمة من قلوبهم ، فتنكّروا لاِنسانيتهم ، وتنكّروا لجميع القيم والاَعراف ، فان جميع الشرائع والمذاهب لا تبيح منع الماء عن النساء والاَطفال فالناس فيه جميعاً شركاء ، وقد أكّدت ذلك الشريعة الاِسلامية ، واعتبرته حقاً طبيعياً لكل إنسان ، ولكن الجيش الاَموي لم يحفل بذلك ، فحرم الماء على آل النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) وكان بعض الممسوخين يتباهى ويفخر لحرمانهم الحسين من الماء ، فقد انبرى الوغد اللئيم المهاجر بن أوس صوب الامام رافعاً صوته قائلاً:
      « يا حسين ألا ترى الماء يلوح كأنّه بطون الحيات ، والله لا تذوقه أو تموت دونه.. ».
      واشتدّ عمرو بن الحجاج نحو الحسين ، وهو فرح كأنّما ظفر بمكسب أو مغنم قائلاً:
      « يا حسين هذا الفرات تلغ فيه الكلاب ، وتشرب فيه الحمير والخنازير ، والله لا تذوق منه جرعة حتى تذوق الحميم في نار جهنّم.. ».
      وكان هذا الوغد الاَثيم ممن كاتب الاِمام الحسين ( عليه السلام ) بالقدوم إلى الكوفة.
      وانبرى جلف آخر من أوغاد أهل الكوفة وهو عبدالله بن الحصين الاَزدي فنادى بأعلى صوته لتسمعه مخابرات ابن مرجانة فينال منه جوائزه وهباته ، قائلاً:
      « يا حسين ألا تنظر إلى الماء كأنّه كبد السماء ، والله لا تذوق منه قطرة حتى تموت عطشاً.. ».
      فرفع الاِمام يديه بالدعاء عليه قائلاً:
      « اللهمّ اقتله عطشاً ، ولا تغفر له أبداً.. ».
      لقد تمادى هؤلاء الممسوخون بالشرّ ، وسقطوا في هوّة سحيقة من الجرائم والآثام ما لها من قرار.

      والتاع أبو الفضل العبّاس كأشدّ ما تكون اللوعة ألماً ومحنة حينما رأى أطفال أخيه وأهل بيته وهم يستغيثون من الظمأ القاتل ، فانبرى الشهم النبيل لتحصيل الماء ، وأخذه بالقوة ، وقد صحب معه ثلاثين فارساً ، وعشرين راجلاً ، وحملوا معهم عشرين قربة ، وهجموا بأجمعهم على نهر الفرات وقد تقدّمهم نافع بن هلال المرادي وهو من أفذاذ أصحاب الامام الحسين فاستقبله عمرو بن الحجاج الزبيدي وهو من مجرمي حرب كربلاء وقد اعهد إليه حراسة الفرات فقال لنافع:
      « ما جاء بك؟.. ».
      « جئنا لنشرب الماء الذي حلاَتمونا عنه.. »
      « اشرب هنيئاً.. ».
      « أفأشرب والحسين عطشان ، ومن ترى من أصحابه؟. ».
      « لا سبيل إلى سقي هؤلاء ، انّما وضعنا بهذا المكان لمنعهم عن الماء.. ».

      ولم يعن به الاَبطال من أصحاب الاِمام ، وسخروا من كلامه ، فاقتحموا الفرات ليملاَوا قربهم منه ، فثار في وجوههم عمرو بن الحجاج ومعه مفرزة من جنوده ، والتحم معهم بطل كربلاء أبو الفضل ، ونافع بن هلال ، ودارت بينهم معركة إلاّ انّه لم يقتل فيها أحد من الجانبين ، وعاد أصحاب الامام بقيادة أبي الفضل ، وقد ملأوا قربهم من الماء.
      لقد أروى أبو الفضل عطاشى أهل البيت ، وانقذهم من الظمأ ، وقد منح منذ ذلك اليوم لقب (السقاء) وهو من أشهر ألقابه ، وأكثرها ذيوعاً بين الناس كما أنّه من أحبّ الاَلقاب وأعزّها عنده.

      يوم العاشر من محرم الحرام (عاشوراء)

      وليس مثل يوم العاشر من المحرّم في مآسيه وكآبته وكه ، فلم تبق محنة من محن الدنيا ، ولا فاجعة من فواجع الدهر إلاّ جرت على ريحانة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فلا يوم مثل ذلك اليوم الخالد في دنيا الاَحزان. وخرج أبو الاَحرار من خبائه فرأى البيداء قد ملئت خيلاً ورجالاً وقد شهر أولئك البغاة اللئام سيوفهم لاِراقة دمه ، ودماء الصفوة البررة من أهل بيته وأصحابه لينالوا الاَجر الزهيد من الاِرهابي المجرم ابن مرجانة ، ودعا الاِمام بمصحف فنشره على رأسه ، ورفع يديه بالدعاء إلى الله قائلاً:
      « اللهمّ أنت ثقتي في كل كرب ، ورجائي في كل شدة ، وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعدة ، كم من همّ يضعف فيه الفؤاد ، وتقلّ فيه الحيلة ، ويخذل فيه الصديق ، ويشمت فيه العدوّ أنزلته بك ، وشكوته إليك رغبة منّي إليك عمّن سواك ، ففرّجته وكشفته ، وكفيته ، فأنت وليّ كل نعمة ، وصاحب كل حسنة ، ومنتهى كل رغبة.. ».
      لقد أناب الاِمام إلى الله ، وأخلص له ، فهو وليّه ، والملجأ الذي يلجأ إليه في كل نائبة نزلت به.

      ورأى الاِمام ( عليه السلام ) أن يقيم الحجّة البالغة على أُولئك الوحوش قبل أن يقدموا على اقتراف الجريمة ، فدعا براحلته فركبها ، واتجه نحوهم ، فخطب فيهم خطابه التأريخي الحافل بالمواعظ والحجج، لقد وعظ الاِمام ( عليه السلام ) أعداءه بكلمات تمثّل هدي الاَنبياء ومحنتهم في أممهم ، لقد حذّرهم من فتنة الدنيا وغرورها ، وأهاب بهم من التورّط في قتل عترة نبيّهم وذريّته ، وانّهم بذلك يستوجبون العذاب الاَليم ، والسخط الدائم. وكان خليقاً بهذا الخطاب المشرق أن يرجع لهم حوازب عقولهم ، ويردّهم عن طغيانهم ، فقد وضع الاِمام النقاط على الحروف ، ودعاهم إلى التأمل ولو قليلاً ليمعنوا في شأنه أليس هو حفيد نبيّهم وابن وصيه ، وهو سيّد شباب أهل الجنة كما أعلن ذلك جدّه الرسول ( صلى الله عليه وآله ) وفي ذلك حصانة له من سفك دمه وانتهاك حرمته ، ولكن الجيش الاَموي لم يع هذا المنطق ، فقد خلد إلى الجريمة ، واسودّت ضمائرهم ، وحيل بينهم وبين ذكر الله.

      وقد أخبرهم الاِمام عن مصيرهم بعد قتلهم له أنّهم لا ينعمون بالحياة ، وان الله يسلّط عليهم من يسقيهم كأساً مصبرة ، ويجرعهم الغصص وينزل بهم العذاب الاَليم ، وقد تحقّق ذلك فلم يمض قليل من الوقت بعد اقترافهم لقتل الاِمام حتى ثار عليهم البطل العظيم ، والثائر المجاهد المختار بن يوسف الثقفي فقد ملاَ قلوبهم رعباً وفزعاً ، ونكّل بهم تنكيلاً فظيعاً ، وأخذت شرطته تلاحقهم في كل مكان فمن ظفرت به قتلته أشرّ قتلة ، ولم يفلت منهم إلاّ القليل.
      وقد وجم جيش ابن سعد بعد هذا الخطاب التأريخي الخالد ، وودّ الكثيرون منهم أن تسيخ بهم الاَرض.

      في تلك اللحظات الحاسمة، استيقظ ضمير الحرّ بن يزيد الرياحي، وثابت نفسه إلى الحقّ بعدما سمع خطاب الاِمام ، وجعل يتأمّل ، ويفكّر في تلك اللحظات الحاسمة من حياته فهل يلتحق بالحسين ، ويحفظ بذلك آخرته ، وينقذ نفسه من عذاب الله وسخطه ، أو أنّه يبقى على منصبه كقائد فرقة في الجيش الاَموي ، وينعم بصلات ابن مرجانة ، واختار الحرّ نداء ضميره الحيّ ، وتغلّب على هواه ، والتحق بمعسكر الأمام الحسين (عليه السلام).

      الحرب

      وارتبك ابن سعد حينما علم أن الحرّ قد التحق بمعسكر الاِمام ، وهو من كبار قادة الفرق في جيشه ، وخاف أن يلحتق غيره بالاِمام ، فزحف الباغي الاَثيم نحو معسكر الاِمام ، وأخذ سهماً كأنّه كان نابتاً في قلبه ، فأطلقه صوب الاِمام ، وهو يصيح:
      « اشهدوا لي عند الاَمير أنّي أوّل من رمى الحسين.. ».
      واتخذ بذلك وسيلة لفتح باب الحرب ، وطلب من الجيش أن يشهدوا له عند سيّده ابن مرجانة انه أول من رمى ريحانة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ليكون أميره على ثقة من إخلاصه ، ووفائه للاَمويين ، وأن ينفي عنه كل شبهة من أنّه غير جادّ في حربه للحسين.
      وتتابعت السهام كأنّها المطر على أصحاب الاِمام ، والتفت الاِمام إلى أصحابه ، فأذن لهم في الحرب قائلاً:
      « قوموا يا كرام فهذه رسل القوم إليكم.. ».
      وتقدّمت طلائع الشرف والمجد من اصحاب الاِمام إلى ساحة الحرب لتحامي عن دين الله ، وتذبّ عن ريحانة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وهم على يقين لا يخامرهم أدنى شكّ أنّهم على الحق ، وأن الجيش الاَموي على ضلال ، قد سخط الله عليه وأحلّ به نقمته.
      لقد تقابل اثنان وثلاثون فارساً ، وأربعون راجلاً من أصحاب الاِمام ( عليه السلام ) مع عشرات الآلاف من الجيش الاَموي ، وكانت تلك القلّة المؤمنة كفوءاً لتلك الكثرة التي تملك أضخم العتاد والسلاح ، فقد أبدت تلك القلّة من صنوف البسالة والشجاعة ما يبهر العقول ويحير الاَلباب. فكانت الحملة الأولى التي استشهد فيها نصف أصحاب الحسين (عليه السلام). فهب من بقي منهم إلى المبارزة ، وقد ذعر المعسكر بأسره من بطولاتهم النادرة ، فكانوا يستقبلون الموت بسرور بالغ ، وقد ضجّ الجيش من الخسائر الفادحة التي مُني بها ، وقد بادر عمرو بن الحجاج الزبيدي وهو من الاَعضاء البارزين في قيادة جيش ابن سعد فهتف في الجيش ينهاهم عن المبارزة قائلاً:
      « يا حمقى أتدرون من تقاتلون ، تقاتلون نقاوة فرسان أهل المصر وقوماً مستميتين ، فلا يبرز لهم منكم أحد إلاّ قتلوه ، والله لو لم ترموهم إلاّ بالحجارة لقتلتموهم.. ». فأستصوب ابن سعد رأي ابن الحجاج فأوعز إلى قوّاته بترك المبارزة معهم وشنّ عمرو بن الحجاج هجوماً عاماً على من تبقّى من أصحاب الاِمام ، والتحموا معهم التحاماً رهيباً ، واشتدّ القتال كأشدّ ما يكون القتال عنفاً وضراوة ، وقد وصفه المؤرّخون بأنّه أشدّ قتال حدث في التأريخ ، وقد استمرّ حتى انتصف النهار. فوقف المؤمن المجاهد أبو ثمامة الصائدي فجعل يقلب وجهه في السماء كأنّه ينتظر أعزّ شيء عنده وهي أداء صلاة الظهر ، فلما رأى الشمس قد زالت التفت إلى الاِمام قائلاً:
      « نفسي لنفسك الفداء ، أرى هؤلاء قد اقتربوا منك ، والله لا تقتل حتى أقتل دونك ، واحبّ أن ألقى ربّي ، وقد صلّيت هذه الصلاة التي قد دنا وقتها.. ».
      لقد كان الموت منه كقاب قوسين أو أدنى ، وهو لم يغفل عن ذكر ربّه ، ولا عن أداء فرائضه ، وجميع أصحاب الاِمام ( عليه السلام ) كانوا على هذا السمت إيماناً بالله ، وإخلاصاً في أداء فرائضه.
      ورفع الاِمام رأسه فجعل يتأمّل في الوقت فراى أن قد حلّ وقت أداء الفريضة فقال له: « ذكرت الصلاة ، جعلك الله من المصلّين الذاكرين ، نعم هذا أول وقتها.. »
      وأمر الاِمام ( عليه السلام ) أصحابه أن يطلبوا من معسكر ابن زياد أن يكفّوا عنهم القتال ليصلّوا لربّهم فاستجاب أعداء الله ـ مكيدة ـ لطلب الاِمام فسمحوا له أن يؤدّي فريضة الصلاة ، وانبرى الاِمام للصلاة ، وتقدّم أمامه سعيد بن عبدالله الحنفي يقيه بنفسه السهام والرماح واغتنم أعداء الله انشغال الاِمام وأصحابه بالصلاة فراحوا يرشقونهم بسهامهم وكان سعيد الحنفي يبادر نحو السهام فيتقيها بصدره ونحره ، ووقف ثابتاً كالجبل لم تزحزحه السهام ، ولا الرماح والحجارة التي اتخدته هدفاً لها ولم يكن يفرغ الاِمام من صلاته حتى أثخن سعيد بالجراح فهوى إلى الاَرض يتخبّط بدمه وهو يقول:
      « اللهمّ العنهم لعن عاد وثمود ، وأبلغ نبيّك منّي السلام ، وابلغه ما لقيت من ألم الجراح ، فإنّي أردت بذلك ثوابك ونصرة ذريّة نبيّك.. »
      والتفت إلى الاِمام قائلاً له بصدق وإخلاص:
      « أوفيت يا بن رسول الله؟. ».

      فأجابه الاِمام شاكراً له:
      « نعم أنت أمامي في الجنّة.. ».
      وملئت نفسه فرحاً حينما سمع قول الاِمام ، ثم فاضت نفسه العظيمة إلى بارئها فقد أصيب بثلاثة عشر سهماً عدا الضرب والطعن وكان هذا منتهى ما وصل إليه الوفاء ، والاِيمان ، والولاء للحقّ.

      وتسابقت البقيّة الباقية من أصحاب الاِمام من شيوخ وشباب ، وأطفال إلى ساحات المعركة ، وقد أبلوا بلاءً حسناً يقصر عنه كل وصف واطراء ، وقد جاهدوا جهاداً لم يعرف التأريخ له نظيراً في جميع عمليات الحروب التي جرت في الاَرض. لقد سمت أرواحهم الطاهرة إلى الرفيق الاَعلى ، وقد حازوا الفخر الذي لا فخر مثله ، فقد سجلوا شرفاً لهذه الاَمة لا يساويه شرف ، وأعطوا للاِنسانية أفضل ما قُدّم لها من عطاء على امتداد التأريخ.

      وبعدما سقطت الصفوة الطيّبة من أصحاب الاِمام ( عليه السلام ) صرعى وهي معطرة بدم الشهادة والكرامة ، هبّت أبناء الاَسرة النبوية كالاَسود الضارية للدفاع عن ريحانة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) والذبّ عن عقائل النبوة ومخدّرات الرسالة ، وأول من تقدّم إلى البراز منهم شبيه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) خلقاً وخُلقاً عليّ الاَكبر ابن الامام الحسين ( عليهما السلام ) فقد آثر الموت وسخر من الحياة في سبيل كرامته ، ولا يخضع لحكم الدعيّ ابن الدعيّ ، ولما رآه الاِمام أخذ يطيل النظر إليه ، وقد ذابت نفسه أسىً وحسرات ، وأشرف على الاحتضار ، فرفع شيبته الكريمة نحو السماء وراح يقول بحرارة وألم ممض:
      « اللهمّ اشهد على هؤلاء القوم فقد برز إليهم غلام أشبه الناس برسولك محمّد ( صلى الله عليه وآله ) خلقاً وخُلُقاً ومنطقاً ، وكنّا اذا اشتقنا إلى رؤية نبيّك نظرنا إليه... اللهمّ امنعهم بركات الاَرض وفرقهم تفريقاً ، ومزّقهم تمزيقاً ، واجعلهم طرائق قددا ولا ترضي الولاة عنهم أبداً ، فانّهم دعونا لينصرونا ، ثم عدّوا علينا يقاتلوننا... ».

      فبرز الفتى مزهواً إلى حومة الحرب ، لم يختلج في قلبه خوف ولا رعب ، وهو يحمل هيبة جدّه الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، وشجاعة جدّه الاِمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وبأس حمزة عمّ أبيه ، واباء الحسين ، وتوسّط حراب الاَعداء ، وهو يرتجز بفخر وعزّة قائلاً:

      أنا عليّ بن الحسين بن علي
      *
      نحن وربّ البيت أولى بالنبيّ


      تالله لا يحكم فينا ابن الدعي

      فالتحم فخر هاشم مع أعداء الله ، وقد ملاَ قلوبهم رعباً وفزعاً ، وقد أبدى من الشجاعة والبسالة ما يقصر عنه الوصف وألحّ عليه العطش ، واُضر به الظمأ فقفل راجعاً إلى أبيه يطلب منه جرعة من الماء ، ويودعه الوداع الاَخير واستقبله أبوه بأسى ، فبادر عليّ قائلاً:
      « يا أبة العطش قد قتلني ، وثقل الحديد قد أجهدني ، فهل الى شربة ماء من سبيل أتقوّى بها على الاَعداء ، .. ».
      والتاع الاِمام كأشدّ ما تكون اللوعة ألماً ومحنة ، فقال له بصوت خافت ، وعيناه تفيضان دموعاً:
      « واغوثاه ، ما أسرع الملتقى بجدّك ، فيسقيك بكأسه شربة لا تظمأ بعدها أبداً.. ».

      لقد كان هذا المنظر الرهيب من أقسى ما فجع به ريحانة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لقد رأى فلذة كبده وهو في ريعان الشباب وغضارة العمر كالبدر في بهائه قد استوعبت الجراحات جسمه الشريف ، وقد اشرف على الموت من شدّة العطش ، وهو لم يستطع أن يسعفه بجرعة ماء.

      وقفل فخر هاشم إلى ساحة الحرب ، قد فتكت الجروح بجسمه الشريف وفتت العطش قلبه ، وهو لم يحفل بما هو فيه من آلام لا تطاق ، وانما استوعبت مشاعره وعواطفه وحدة أبيه يراه وقد أحيط به من كل جانب ومكان ، وجميع قطعات الجيش متعطشة إلى سفك دمه لتتقرب به إلى ابن مرجانة. وجعل نجل الحسين يقاتل أشد القتال وأعنفه حتى ضج العسكر من شدة الخسائر الفادحة التي مُني بها ، فقال الرجس الخبيث مرة بن منقذ العبدي عليّ آثام العرب إن لم أثكل أباه وأسرع الخبيث الدنس إلى شبيه رسول الله صلى الله عليه وآله فطعنه بالرمح في ظهره وضربة ضربة غادرة بالسيف على رأسه ، ففلق هامته فاعتنق الفتى فرسه ظنا منه أنه سيرجعه إلى أبيه ليودعه الوداع الأخير إلا أن الفرس حمله إلى معسكر الأعداء ، فأحاطوا به من كل جانب ، فقطعوه بسيوفهم إربا إربا تشفيا منه لما ألحقه بهم من الخسائر الفادحة ، ورفع الفتى صوته :
      « عليك مني السلام أبا عبدالله ، هذا جدي رسول الله صلى الله عليه وآله قد سقاني بكأسه شربة لا أظمأ بعدها ، وهو يقول : ان لك كأسا مذخورة ... ».
      وحمل الأثير هذه الكلمات إلى ابيه فقطعت قلبه ، ومزقت أحشاءه ففزع إليه وهو خائر القوى مهندّ الركن ، قد أشرف على الموت ، فوضع خدّه على خد ولده ، وهو جثة هامدة ، قد قطعت شلوه السيوف فأخذ يذرف أحرّ الدموع ، وهو يقول بصوت خافت قد حمل شظايا قلبه الممزق :
      « قتل الله قوما قتلوك ، يا بني ما أجرأهم على الله ، وعلى انتهاك حرمة الرسول على الدنيا بعدك العفا ... ».
      وكان العباس عليه السلام إلى جانب أخيه ، وقد ذاب قلبه وذهبت نفسه حزنا وأسى على ما حل بهم من عظيم الكارثة وأليم المصاب ، لقد قُتل ابن أخيه الذي كان ملء فم الدنيا في فضائله ومآثره ، فما أعظم رزيته ، وما أجلّ مصابه !!

      وهبت الفتية الأماجد من آل عقيل إلى الجهاد لتفدي إمام المسلمين وريحانة رسول الله صلى الله عليه وآله وهي ساخرة من الحياة ومستهينة بالموت وقد نظر الإمام عليه السلام إلى بسالتهم واندفاعهم بشوق إلى الذب عنه، وقد ألحقوا بالعدو خسائر فادحة ، فقد قاتلوا كالأسود الضارية وعلوا بإرادتهم ، وعزمهم الجبار على جميع فصائل ذلك الجيش وقد استشهد منهم تسعة من أطائب الشباب ، ومن مفاخر أبناء الأسرة النبوية.

      وسارعت الفتية من أبناء الامام الزكي أبي محمد الحسن بن علي عليهما السلام إلى نصرة عمهم والذب عنه ، وقلوبهم تنزف دماً على ما حل به من عظيم الك والخطوب وكان من بينهم القاسم ، وقد وصفه المؤرخون بأنه كالقمر في جمال طلعته وبهائه وقد غذاه عمه بمواهبه ، وأفرغ عليه أشعة من روحه حتى صار من أمثلة الكمال والآداب .
      وكان القاسم وبقية اخوانه يتطلعون إلى محنة عمهم ، ويودون أن يردوا عنه عوادي الأعداء بدمائهم وأرواحهم ، وكان القاسم يقول : « لا يقتل عمي وأنا حي ».
      وانبرى القاسم يطلب الإذن من عمه ليجاهد بين يديه ، فاعتنقه الإمام ، وعيناه تفيضان دموعا ، وأبى أن يأذن له إلا أن الفتى ألح عليه ، وأخذ يقبل يديه ورجليه ليسمح له بالجهاد ، فأذن له ، وانطلق رائد الفتوة الإسلامية إلى ساحة الحرب ، ولم يضف على جسده الشريف لامة حرب ، محتقراً لأولئك الوحوش ، وقد التحم معهم يحصد رؤوسهم ، ويجندل أبطالهم كأن المنايا كانت طوع إرادته ، وبينما هو يقاتل إذ انقطع شسع نعله الذي هو أشرف من ذلك الجيش ، وأنف سليل النبوة والإمامة أن تكون إحدى رجليه بلا نعل فوقف يشده متحديا لهم ، واغتنم هذه الفرصة كلب من كلاب ذلك الجيش وهو عمرو بن سعد الأزدي فقال : والله لأشدن عليه ، فأنكر عليه ذلك حميد بن مسلم ، وقال له :
      « سبحان الله !! وما تريد بذلك ، يكفيك هؤلاء القوم الذين ما يبقون على أحد منهم ... » .
      فلم يعن الخبيث به ، وشد عليه فضربه بالسيف على راسه الشريف فهوى إلى الأرض كما تهوي النجوم صريعا يتخبط بدمه القاني ، ونادى بأعلى صوته :
      « يا عماه أدركني .. ».
      وكان الموت أهون على الإمام من هذا النداء ، فقد تقطع قلبه وفاضت نفسه أسى وحسرات ، وسارع نحو ابن أخيه فعمد إلى قاتله فضربه بالسيف ، فاتقاها بساعده فقطعها من المرفق ، وطرحه أرضا ، وحملت خيل أهل الكوفة لاستنقاذه إلا أن الأثيم هلك تحت حوافر الخيل ، وانعطف الإمام نحو ابن أخيه فجعل يوسعه تقبيلا والفتى يفحص بيديه ورجليه كالطير المذبوح ، وجعل الإمام يخاطبه بذوب روحه :
      « بعدا لقوم قتلوك ، ومن خصمهم يوم القيامة فيك جدك ، عز والله على عمك أن تدعوه فلا يجيبك ، أو يجيبك فلا ينفعك صوت ، والله هذا يوم كثر واتره ، وقل ناصره ... » .
      وحمل الإمام ابن أخيه بين ذراعيه ، وهو يفحص بيديه ورجليه حتى فاضت نفسه الزكية بين يديه ، وجاء به فألقاه بجوار ولده عليّ الأكبر وسائر القتلى الممجدين من أهل بيته ، وأخذ يطيل النظر إليهم وقد تصدع قلبه ، وأخذ يدعو على السفكة المجرمين من أعدائه الذين استباحوا قتل ذرية نبيهم ، قائلا :
      « اللهم احصهم عددا ، ولا تغادر منهم أحداً ، ولا تغفر لهم أبدا صبراً يا بني عمومتي ، صبراً يا أهل بيتي ، لا رأيتم هواناً بعد هذا اليوم أبداً ... ».
      وبرز من بعده عون بن عبدالله بن جعفر ، ومحمد بن عبدالله بن جعفر وأمهما العقيلة الطاهرة حفيدة الرسول صلى الله عليه وآله زينب الكبرى عليها السلام وقد نالا شرف الشهادة مع حفيد النبي وريحانته ، ولم يبق بعد هؤلاء الصفوة من أهل البيت عليهم السلام إلا أخوة الإمام الحسين عليه السلام وفي طليعتهم أخوه أبو الفضل العباس عليه السلام وكان إلى جانب أخيه كقوة ضاربة يحميه من أي اعتداء عليه ، وقد شاركه في جميع آلامه وأحزانه. فانبرى العباس بطل كربلاء إلى أشقّائه بعد شهادة الفتية من أهل البيت عليهم السلام فقال لهم :
      «تقدّموا يا بني أمّي حتى أراكم نصحتم لله ولرسوله ، فانه لا ولد لكم...». فاستجابت الفتية وهم عبدالله وجعفر وعثمان ابناء الأمام علي عليه السلام إلى نداء الحق وقاتلوا حتى قتلوا دفاعا عن سيّد العترة وإمام الهدى الحسين عليه السلام. لقد سمت أرواحهم الطاهرة إلى الرفيق الاَعلى ، وهي أنضر ما تكون تفانياً في مرضاة الله ، وأشدّ ما تكون إيماناً بعدالة تضحيتهم التي هي من أنبل التضحيات في العالم.
      ووقف أبو الفضل على اشقّائه الذين مزّقت أشلاءهم سيوف الاَعداء فجعل يتأمّل في وجوههم المشرقة بنور الاِيمان ، وأخذ يتذكّر وفاءهم ، وسموّ آدابهم ، وأخذ يذرف عليهم أحرّ الدموع ، وتمنّى أن تكون المنيّة قد وافته قبلهم ، واستعدّ بعد ذلك إلى الشهادة ، والفوز برضوان الله. فلما رأى أبو الفضل عليه السلام وحدة أخيه ، وقتل أصحابه ، وأهل بيته الذين باعوا نفوسهم لله انبرى إليه يطلب الرخصة منه ليلاقي مصيره المشرق فلم يسمح له الاِمام ، وقال له بصوت حزين النبرات:
      «أنت صاحب لوائي..».
      لقد كان الاِمام يشعر بالقوّة والحماية ما دام أبو الفضل فهو كقوة ضاربة إلى جانبه يذبّ عنه ، ويردّ عنه كيد المعتدين ، وألحّ عليه أبو الفضل قائلاً:
      « لقد ضاق صدري من هؤلاء المنافقين ، وأريد أن آخذ ثأري منهم..».
      لقد ضاق صدره ، وسئم من الحياة حينما رأى النجوم المشرقة من أخوته ، وأبناء عمومته صرعى مجزرين على رمضاء كربلاء فتحرّق شوقاً للاَخذ بثأرهم والالتحاق بهم.
      وطلب الاِمام منه أن يسعى لتحصيل الماء إلى الاَطفال الذين صرعهم العطش فركب فرسه ، وأخذ معه القربة ، فاقتحم الفرات ، فانهزم الجيش من بين يديه ، واستطاع أن يفكّ الحصار الذي فرض على الماء ، فاحتلّه ، وكان قلبه الشريف كصالية الغضا من شدّة العطش ، فاغترف من الماء غرفة ليشرب منه ، إلاّ أنه تذكّر عطش أخيه ، ومن معه من النساء والاَطفال ، فرمى الماء من يده ، وامتنع أن يروي غليله ، وقال:

      يا نفس من بعد الحسين هوني
      *
      وبعده لا كنت أن تكوني

      هذا الحسيـن وارد المنـون
      *
      وتشربيـن بارد المعين


      تالله ما هذا فعال ديني


      ان الاِنسانية بكل إجلال واحترام لتحيّي هذه الروح العظيمة التي تألّقت في دنيا الفضيلة والاِسلام وهي تلقي على الاَجيال أروع الدروس عن الكرامة الاِنسانية.
      ان هذا الاِيثار الذي تجاوز حدود الزمان والمكان كان من أبرز الذاتيات في خلق سيّدنا أبي الفضل ، فلم تمكّنه عواطفه المترعة بالولاء والحنان أن يشرب من الماء قبله ، فأي إيثار أنبل أو أصدق من هذا الاِيثار ، ... واتجه فخر هاشم مزهواً نحو المخيم بعدما ملاَ القربة ، وهي عنده أثمن من حياته ، والتحم مع أعداء الله وأنذال البشرية التحاماً رهيباً فقد أحاطوا به من كلّ جانب ليمنعوه من إيصال الماء إلى عطاشى آل النبيّ صلى الله عليه وآله. وانهزمت الجيوش من بين يديه يطاردها الفزع والرعب ، فقد ذكرهم ببطولات أبيه فاتح خيبر ، ومحطّم فلول الشرك ، إلاّ ان وضراً خبيثاً من جبناء أهل الكوفة كمن له من وراء نخلة ، ولم يستقبله بوجهه ، فضربه على يمينه ضربة غادرة فبراها ، لقد قطع تلك اليد الكريمة التي كانت تفيض برّاً وكرماً على المحرومين والفقراء ، والتي طالما دافع بها عن حقوق المظلومين والمضطهدين. ولم يبعد العباس قليلاً حتى كمن له من وراء نخلة رجس من أرجاس البشرية وهو الحكيم بن الطفيل الطائي فضربه على يساره فبراها واصيبت القربه بسهم فأريق ماؤها. ووقف البطل حزيناً ، فقد كان إراقة الماء عنده أشدّ عليه من قطع يديه ، وشدّ عليه رجس فعلاه بعمود من حديد على رأسه الشريف ففلق هامته ، وهوى إلى الاَرض ، وهو يؤدّي تحيّته ، ووداعه الاَخير إلى أخيه قائلاً:
      «عليك منّي السلام أبا عبدالله...».
      وحمل الاَثير محنته إلى أخيه فمزّقت قلبه ، ومزّقت أحشاءه ، وانطلق نحو نهر العلقمي حيث هوى إلى جنبه أبو الفضل ، واقتحم جيوش الاَعداء ، فوقف على جثمان أخيه فألقى بنفسه عليه ، وجعل يضمخه بدموع عينيه ، وهو يلفظ شظايا قلبه الذي مزّقته الك قائلاً:
      «الآن انكسر ظهري ، وقلّت حيلتي ، وشمت بي عدويّ...»

      لقد شعر أبو عبدالله عليه السلام بالضيعة والغربة بعد فقده لاَخيه الذي ليس مثله أخ في برّه ووفائه ومواساته ، فكانت فاجعته به من أقسى ما مُني به من المصائب والك.

      بقي الحسين وحيدا لا ناصرا ولا معينا. فأخذ يحمل على ميمنة الجيش تارة وعلى الميسرة تارة أخرى. وجعل يقاتل حتى قال عمر بن سعد لقومه : الويل لكم ، اتدرون من تبارزون ؟ هذا ابن الانزع البطين ، هذا ابن قتال العرب فاحملوا عليه من كل جانب ، فافترق الجيش على الحسين عدة فرق ففرقة تضربه بالحجارة وفرقة بالنبال والسهام وفرقة بالرماح وفرقة بالسيوف حتى أكثرت جراحه وأصابه سهم في قلبه، فسقط الحسين عليه السلام من على ظهر جواده. وهنا جاءه اللعين شمر بن ذي الجوشن وجلس على صدره متربعا رافعا سيفه ليقطع رأس الحسين (ع) لكن سماحة وجه الحسين وابتساماته كانت أقوى من سيف الظالم شمر فلم يقدر على فعل ذلك. فقلب الامام المظلوم على وجهه كي لا يرى ذلك النور وقطع رأس مولانا الحسين من قفاه ورفعه على رأس رمحه وهو يضحك ويكبر.


      --------------------------------------------------------------------------------

      السلام عليك يا سيدي ومولاي يا أبا عبدالله، السلام عليك يابن رسول الله، السلام عليك يابن أمير المؤمنين وابن سيد الوصيين. السلام عليك يابن فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين. السلام عليك وعلى الأرواح التي حلت بفِنائك عليكم مني جميعا سلام الله ابدا ما بقي الليل والنهار.

      نسألكم الدعاء
    • السلام عليك يا سيدي ومولاي يا أبا عبدالله، السلام عليك يابن رسول الله، السلام عليك يابن أمير المؤمنين وابن سيد الوصيين. السلام عليك يابن فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين. السلام عليك وعلى الأرواح التي حلت بفِنائك عليكم مني جميعا سلام الله ابدا ما بقي الليل والنهار.


      تسلمي على المووضووع :)
    • صقر الزدجال كتب:

      هكذا تعيشون وهكذا تموتون وعلي كرم الله وجهه ببريء منكم الى يوم الدين .. بس ما سلمت على أبا محمد الحسن ابن علي عليه وعلى آل البيت السلام أجمعين ...


      الأموات في قبورهم احياء ...

      سلام عليكم

      شكرا عالموضوع

      وبالنسبه لك كلامك غير مفهوم

      ممكن تبين من هم اللي يعيشون دائما هكذا

      وكيف يعيشون

      والسلام
    • السلام عليك يا سيدي ومولاي يا أبا عبدالله، السلام عليك يابن رسول الله، السلام عليك يابن أمير المؤمنين وابن سيد الوصيين. السلام عليك يابن فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين. السلام عليك وعلى الأرواح التي حلت بفِنائك عليكم مني جميعا سلام الله ابدا ما بقي الليل والنهار.



      يسلمووووو ع الموضوع
      ** كُل آضوآء هذه المديِنةُ لآ تَجعلني آبصرُّ ! ..
    • الحمد لله على كل حال ،يقول الله تعالى (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم).خلقنا في هذه الحياة الدنيا لعبادة الواحد الأحد , على أن نعيش أخوة متحابين ومتسامحين مهما تباينت
      وتغايرت علينا الأحوال , فالكل له رب واحد . والأيمان برسل الله ومنهم خاتم الأنبياء والمرسلين عليه أفضل الصلاة وأزكى تسليم..وعلى آل بيته الطاهرين ، فحبآل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم هوجزء من الإيمان فلا يحبهم إلا مؤمن ولا يكرههم إلا منافق... ومعلوم أن الحبل الأول من آل بيت رسول الله كعلي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم مبشرون بالجنة فهم جزء من أهل السنة والجماعة [B]إن العلاقة بين الصحابة بعضهم البعض وآل البيت، هي خير علاقة وأفضل صلة، فالخير كل الخير فيما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والدين كل الدين ما اتبعهم عليه صالحوا التابعين، ثم مشى على آثارهم فيه التابعون لهم بإحسان، وإن أخطر الآفات التي تتهدد المسلمين هي التي تنبع من داخلهم وتُصنَع بأيديهم، كتشرذمهم وتفرقهم وتنازعهم فيما بينهم، فحينما يصل إليهم تنازع المسلمين فيما بينهم، فإن هذا يؤدي إلى اهتزاز صورة الإسلام والمسلمين في أعينهم، ويثير الشماتة في نفوسهم,أن من علامات غضب الله عز وجل علينا وعدم رضاه، أن يشغلنا بأنفسنا عن دعوة الناس إلى الحق الذي نحمله، وأن يجعل بأسنا بيننا شديدا. فالاسلام يجمعنا ,وأختلاف المذاهب مساحة حرة , ولكل معتقده ,فيجب أن توافق ردودنا الأخوة الاسلامية دونما تجريح أو تحقير ...بارك الله فيكم أخواني ((ورود))[/B]
      اللهم إني أستغفرك لكل ذنب خطوت إليه برجلي ، أو مددت إليه يدي ، أو تأملته ببصري ، أو أصغيت إليه بأذني ، أو نطق به لساني ، أو أتلفت فيه ما رزقتني .. ثم استرزقتك على عصياني فرزقتني ثم استعنت برزقك على عصيانك فسترته علي وسألتك الزيادة فلم تحرمني ولا تزال عائدا عليّ بحلمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين .. (كم من مستدرج بالإحسان إليه ، وكم من مفتون بالثناء عليه ، وكم من مغرور بالستر عليه)
    • ورود المحبة كتب:

      الحمد لله على كل حال ،يقول الله تعالى (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم).خلقنا في هذه الحياة الدنيا لعبادة الواحد الأحد , على أن نعيش أخوة متحابين ومتسامحين مهما تباينت


      وتغايرت علينا الأحوال , فالكل له رب واحد . والأيمان برسل الله ومنهم خاتم الأنبياء والمرسلين عليه أفضل الصلاة وأزكى تسليم..وعلى آل بيته الطاهرين ، فحبآل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم هوجزء من الإيمان فلا يحبهم إلا مؤمن ولا يكرههم إلا منافق... ومعلوم أن الحبل الأول من آل بيت رسول الله كعلي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم مبشرون بالجنة فهم جزء من أهل السنة والجماعة [B]إن العلاقة بين الصحابة بعضهم البعض وآل البيت، هي خير علاقة وأفضل صلة، فالخير كل الخير فيما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والدين كل الدين ما اتبعهم عليه صالحوا التابعين، ثم مشى على آثارهم فيه التابعون لهم بإحسان، وإن أخطر الآفات التي تتهدد المسلمين هي التي تنبع من داخلهم وتُصنَع بأيديهم، كتشرذمهم وتفرقهم وتنازعهم فيما بينهم، فحينما يصل إليهم تنازع المسلمين فيما بينهم، فإن هذا يؤدي إلى اهتزاز صورة الإسلام والمسلمين في أعينهم، ويثير الشماتة في نفوسهم,أن من علامات غضب الله عز وجل علينا وعدم رضاه، أن يشغلنا بأنفسنا عن دعوة الناس إلى الحق الذي نحمله، وأن يجعل بأسنا بيننا شديدا. فالاسلام يجمعنا ,وأختلاف المذاهب مساحة حرة , ولكل معتقده ,فيجب أن توافق ردودنا الأخوة الاسلامية دونما تجريح أو تحقير ...بارك الله فيكم أخواني ((ورود))[/B]



      والله لقد احسنت الرد اخي ورود المحبة وكلماتك انشاء الله تنشر المحبة والسلام. بارك الله فيك وزادك من علمه....