قصص قصيرة

    تمر دردشة الساحة الخاصة بالمتصفح والموبايل بفترة صيانة دورية هذا ونعتذر للجميع على الإنقطاع المؤقت بإمكانكم المشاركة في المنتدى لحين عودتها :)

    • قصص قصيرة

      شفت القمر

      ثلاثة أيام مضت دون أن يأتي "سعود" إلى بيتنا .. هذه أول مرة يتغيب فيها كل هذه المرة .. منذ ولدته جارتنا منيرة و هو لا يعرف مكاناً غير بيتنا .. كأن أمي هي أمه و كأن أمه هي أمي .. تعلق بي منذ الشهور الأولى .. وهو الآن في السابعة من عمره لكنه لا يزال ذلك الطفل الذي لا يحب شيئاً في الدنيا مثلما يحب غرفتي هذه .. يعرف كل تفاصيلها .. و يعبث بكل شيء فيها .. لا أستطيع أن أخفي عنه أسراري .. إنه يفتح حتى رسائلي .. و يقرأ فيها بطريقته المتعثرة ..و أضحك على لثغته الجميلة و هو لا يعبأ من ذلك بل يمضي و يعبث بكل شيء و حين استفزه يبادلني بالانزواء بعيداً و يقرر ألا يتكلم معي و لا ينطق بأي كلمة أمامي .. فلا أصدقه .. ولكن ما إن يمضي شيء من الوقت حتى أشعر بأنه ابتعد عني بالفعل .. و أن شيئاً من الوحشة قد اعتراني بسبب صمته فأذهب إليه و أغني :

      ألا يا سعود ما شفت القمر .

      ..................

      فيبتسم قليلاً وينظر إليّ في حب و كأنه يتوقع مني كل مرة أن أغني له هذه الأغنية حتى يعود و يرضى .. و حين لا يرد عليّاستمر في الغناء .. ثم يقول :

      إيه نعم شفته !!

      وين شفته ؟

      في عيونج

      ثم يختلط ضحكي مع ضحكه .. و أضمه .. فيكاد يطير من الفرحة .. و يقول لي :

      كل يوم ودي أزعل عليج

      كل يوم ؟ ليش يا " سعود" ؟

      حتى تغنين لي ..

      بس !!

      و تضميني ..

      زين يا "سعود" ما دمت تحب أن أغني لك تعال إذن .. و اسمعني .. قل معي :

      آنه اسمي "سعود"

      وانتي إسمج "سعيدة"

      يوم درز العود

      أيامي جديدة

      كان صوته جميلاً و هو يردد الأغنية معي .. خاصة حين يلثغ في نطقالراء فتبدو في فمه الصغير و كأنها بين الراء و الغين .. أحس بأن صوته الجميل يصدر من فرحة غامرة لا أعرف مصدرها ، لكنه يوحي لي أحياناً بمعنى غريب و هو يلعب في غرفني .. كان يقول :

      - " سعيدة " آنه من أشوفج أكبر .

      - تكبر !! يعني كم يصير عمرك ؟

      - كبير مثل أخوي خالد .

      - الله أكبر يا " سعود " يعني أنت الآن أكبر مني ...؟!

      - نعم أكبر

      كأني أرى كل شيء في داخله يركض .. يركض إلى الأمام .. تماماً كما أن كل شيء في داخلي كان يركض .. يركض إلى الوراء .. كنت أرد عليه حين يباهيني بأنه أكبر مني :

      - خلك أكبر يا " سعود " و خلني أصغر .

      - أنت تصيرين أصغر مني ؟؟!

      - نعم أصغر ..

      - يعني تبين أصير ريال ...

      و يمضي خياله .. أحاول ألا أعبأ بما يفكر .. أصمت عنه لحظات بينما يعبر الزمان و المكان .. ينقلني من غرفتي إلى الخارج .. و أنشغل عنه قليلاً بينما ينشغل هو في رسم وجوه جميلة يقول بأنها تشبهني .. أفكر بعيداً عنه .. أفكر في عدد الذين تقدموا مني و لكني كنت أرفض دوماً .. كنت أتطلع إلى الواحد منهم أبحث عن شيء غامض يوجد في زمن بعيد .. ربما في طفولتهم فلا أجد شيئاً و إنما أجدهم يرتدون أقنعة سميكة و مخيفة .. منذ ثلاثة أيام فقط انحسر جانب ما عن ذلك الشيء الغامض .. لقد رأيت " عبدالله " ابن خالتي و طلب الزواج مني و بالفعل وافقت أمي كما وافق جميع أخوتي و انتشر خبر ذلك بين جيراننا و أقاربنا .. و لا أدري ما إذا كان هذا الخبر قد عرف به " سعود " أم لا ..


      - 2 -
      لم ندرك في البيت كيف وصل الخبر إلى " سعود " و من هو الذي نقله إليه .. و كيف .. لكننا فوجئنا بغيابه منذ ثلاثة أيام عن الجلوس معنا على الغداء .. حين ذهبت إليه في الغرفة الصغيرة وجدته حينئذ قد غطى وجهه بلحاف متحاشياً النظر إلى أحد .. ناديته فلم يرد .. قلت له :

      - سعود حطينا الغدا

      - ..............

      ظل على الفراش دون حركة .. لم أتمكن من رؤية وجهه .. لو رأيته لكنت أدركت شيئاً على الأقل .. جاءته أمي مرة ثانية و نادته فلم يرد عليها .. ظنت أنه نائم و تركته ,, و مضى ظهر ذلك اليوم عادياً .. كنا نغمض أعيننا عن " سعود " ، لقد ظل على الفراش فترة طويلة .. لم يأكل و لم يشرب شيئاً حتى المساء .. و لم يتحرك من فراشه .. و لم يتكلم .. و لم ينظر إلى أحد ، حتى أمي لم تستطع معرفة ما به .. بعد أذان المغرب جئت إليه فحدثته .. كان صامتاً .. وضعت يدي على جسمه فوجدته يرتعد من البرد .. و يردد :

      - سعيدة .. سعيدة

      أخبرت أمي بأنه يردد اسمك .. و طلبت منها أن تذهب و تناديك كي تقنعيه بالطعام على الأقل ..

      و حين جاءت إليك هنا لم تجدك .. كنت في بيت خالك .. جلست بالقرب منك أتحين أي حركة .. سمعته يردد بلا وعي أغنية مبهمة لم أعرف من كلماتها شيئاً .. قلت له :

      - هل ستأكل شيئاً يا " سعود " ؟ رد علي .. أنا أختك .. هل يؤلمك شيء ؟ هل نحضر لك طبيباً .. ؟ ..

      لم يرد علي .. و لم يكشف لي عن وجهه . لم يكن يريد أن يرى أحداً .. مددت يدي تحت اللحاف ووضعتها على خده كي أجس حرارته .. كانت الحرارة عادية .. تركته و قلت لأمي دعيه الآن .. و استمر في الفراش .. أهملناه طوال الليل .. لم نعرف فيم كان يفكر .. توقعنا أنه سينهض مبكراً للمدرسة كعادته .. لكنه لم يتحرك من الفراش .. و جلست بجانبه .. و حين وجدته يهذي باسمك عرفت أن ما يعاني منه " سعود " أمر يتصل بك أنت .. قلت في نفسي :

      ما الذي حدث بينك و بين " سعود " ، إنه يعود من المدرسة و ليس على لسانه سوى اسمك أنت .. و لا يكاد يصدق بأنه سيراك بعد قليل .. أحياناً يترك الغداء و يقول : سأتغدى في بيت " سعيدة " .. و لا ندري هل يأكل شيئاً معك أم يندفع بدون وعي منه .. يلملم دفاتره و يقول : " بأنك تعلمينه أحسن مما يتعلم في المدرسة " .. لم يحدث أن قلقت عليه أمي بسبب تأخره .. بمجرد أن تعرف بأنه كان معك يسكن في داخلها شيء كالمارد .. و حين يعود من عندك لا أحد يصدق ما هو عليه من فرح .. نكاد نرى صورتك في عيونه و في لونه و في حركاته و في صوته .. يغني بوله لا يمكن أن يصدر من طفل في مثل عمره .. رأيته بعيني هاتين يردد :

      - ألا يا سعود ما شفت القمر

      بينما تنحدر من عينيه دمعة .. صرخت عليه :

      - سعود إشفيك .. ؟

      - لا شيء ..

      و يمسح دمعته بسرعة .. و في خجل .. ثم يطلعني على دفاتره و امتحاناته .. إنها مرتبة و نظيفة .. و درجاتها ممتازة .. متفوق في كل شيء .. لكني لم أفهم الشيء الغامض الذي جعله يتعلق بك على هذا النحو .. كنت أنظر إلى الأمر طوال الفترة الماضية على أنه تعلق عادي .. قد يرى فيك جمالاً لا يراه أحد .. رقة و حناناً لا يراهما في أحد .. حباً و عطفاً و أشياء أخرى كثيرة لا يراها في أحد غيرك .. ربما لا يراها في أنا ، أو حتى في أمي .. في البداية فهمت الأمر كذلك لكن حين وصل إليه خبر الخطوبة و الزواج بدا الأمر أبعد مما فهمت .. لقد بدأ يدخل في حالة غريبة .. بالأمس و عندما بدأ الليل انتابته حمى شديدة لم تخففها الكمادات و لا الأدوية .. اليوم ثالث أيام الحادثة التي يعاني منها " سعود " ، لم نعد نستطيع النظر إليه .. تغير شكله .. يا الله .. في ثلاثة أيام .. أصبح جسمه هزيلاً .. عيونه زائغة .. وجهه أصفر .. لا نكاد نسمع صوته و لا شيء

      على لسانه سوى " يمه .. سعيدة "

      و الآن فقدنا القدرة على أن نفهم ما يحدث لسعود .. لا أخفي عليك ، جميعنا في البيت يشعر بأنه يموت موتاً بطيئاً .. و اليوم سننقله إلى المستشفى ..


      - 3 -

      لم أقدر شيئاً مما يحدث لسعود .. و لم أتوقعه .. كنت أدرك بوضوح أنه كلما كبر ازداد تعلقه بي .. لكني كنت أندهش من بعض ما يقوله لي في عفوية لا حدود لها .. في أحد الأيام من العام الماضي أحس بحركة غريبة في منزلنا ، و أدرك بأن هذه الحركة لضيوف تقدموا لخطبتي و لم أوافق .. حين دخلت غرفتي وجدته ينتظر .. و يتصفح كتاب القراءة .. سألني :

      - ماذا حدث ؟

      - جماعة يخطبون .. و أنا لم أفكر في الزواج بعد .. أنا ما زلت أصغر منك يا : "سعود " أليس كذلك .. ؟

      نظر إلي مبتسماً و كأن شيئاً غمر وجهه بدفء خاص ثم قال :

      - أختي سعيدة .. حين أكبر لا أحد يتزوجك غيري أنا ..

      ضحكت حينها ملأ قلبي .. أخذته إلى جانبي و ضممته إلى صدري .. و قبلته بحنان .. و أنهيت له دروسه .. ثم خرج لكن ظلت كلماته تثير ذاكرتي .. أضحك لها تارة ، و استغرب تارة ، و أفكر في عفويتها و براءتها تارة أخرى ..

      لست مضطرة لإعادة النظر في حدود المشاعر التي تشدني " إلى سعود " بل أنا مرغمة الآن على التفكير بعمق فيما كنت ألاحظه على نفسي أولاً حين يكون معي في هذه الغرفة

      شيء ما أبحث عنه في رجل لعله كان موجوداً في " سعود " .. ليس من الضرورة أن يكون هذا الشيء هو ذاته الذي تبحث عنه كل امرأة في الرجل الذي تحب و إنما قد يكون شيئاً خاصاً بي أنا .. لم يكن " سعود " يستفز غريزتي .. كان يستفز روحي .. و لم تكن تصرفاته معي تنطوي على رغبات مبكرة .. على العكس من ذلك .. كانت براءته معي لا حدود لها .. في أحد المرات دخل علي الغرفة و أنا نائمة .. و اقترب مني دون أن أشعر به و قبلني على خدي برفق شديد فاستيقظت ووجدته مرتبكاً .. ناديته و قبلته فانطلقت روحه في المكان و راح يشاغبني بأسئلته الكثيرة .

      لم أضع حدوداً بيني و بين " سعود " ، كنت أعتبره أصغر أخوتي .. و قد أرتدي أمامه الملابس الخفيفة دون حرج .. أو يدخل علي و أنا أجفف شعري .. لم أكن أضع أي اعتبار لكونه صبياً .. كنت أشعر بأنه ينتمي لروحي .. ابتهج لطفولته و لعله في المقابل يشعر بذلك فيبتهج لأسباب أخرى لم أكن أقدرها ..

      لا أعرف كيف تغاضيت عن خبر الزواج من ابن خالتي .. إنني لم أمهد له مع سعود .. كنت أدرك حساسيته الشديدة و كان علي الاحتياط على الأقل .. لكن المشكلة أن المسألة تمت بسرعة لم أتوقعها .. حتى أمي لم تخطط لذلك .. هل يستحق " سعود " ما يحدث له الآن مقابل خبر الزواج ؟ .. آه كم هو مؤلم أن أتخيل فقط كونه يعاني المرض من أجلي .. فكيف به الآن و هو في المستشفى غير قادر على الحركة .. على النطق .. و من يدري ربما يصبح غير قادر على أن يستمر حياً .. ثلاثة أيام فقط بعد خبر الزواج و فعلت به ما فعلت .. فكيف إذا انتظرت أياماً أخرى ؟ .. إني لا أطيق غيابه في هذه الأيام القليلة فهل سأطيق وداعه أو فقدانه ؟ .. من أين لي بصوته الذي يخرج من قلبي قبل أن يخرج من فمه ؟ .. و من أين لي ببراءته و نزقه ؟ .. و من أين لي بأغانيه ؟ .. و من أين لي بمخلوق أياً كان يستطيع أن يقترب من روحي كما اقترب " سعود " ؟ .. و من أين لي بإنسان تقدر له الحياة و البهجة و الهافية و دهشة البراءة و الطفولة ؟ .. يقدر لي كل ذلك تبعاً لما يقدر لي أنا .. هل هو مني و أنا منه إلى هذا الحد دون أن أدري ؟! .. كان يردد بأنه يري صعود القمر في عيوني .. و قد غبت عنه الآن أكثر من ثلاثة أيام .. آه ما أفظعني .. ما أفظعني ..


      - 4 -

      دخلت " سعيدة " المستشفى كالمجنونة .. كل شيء أمامها يبدو مفزعا ً .. الأبواب .. الكراسي .. البشر .. الممرات .. العربات .. خطى سريعة ، و أنفاس تترقب النظر لشيء عزيز .. اقتربت من الغرفة رقم ( 13 ) دفعت الباب فوجدت السرير خالياً و لا أحد في الغرفة سوى صوت الماء في الحمام الداخلي .. خرجت منه الممرضة .. سألتها بسرعة :

      - هذه غرفة " سعود " ؟

      - سعود نقل إلى العناية المركزة ..

      خفق قلبها و لم تستطع احتمال حالة الخوف .. فألقت بجسمها على الكرسي ، و التقطت أنفاسها .. و بعد لحظات قاومت خوفها و انطلقت بسرعة إلىموقع العناية المركزة .. عندما وصلت إلى البوابة و تطلعت إلى الإضاء الحمراء و توقف بداخلها كل شيء إلا التفكير في " صعود " .. لم تعد تفكر حتى في الزواج من ابن خالتها .. إنها الآن مستعدة لأن تفعل كل شيء ، و أن تتخلى عن كل شيئ من أجله هو .. لم تعد تفكر بأنها أكبر منه و أنه مجرد طفل صغير .. أدركت بقوة أنه وحده ينتمي إلى مخيلتها و حلمها و روحها و قالت في نفسها : " ذلك فقط هو ما يبقينا أحياء أمام بعضنا البعض " ..

      تطلعت إلى الحاجز الزجاجي .. كان " سعود " غافياً و ثلاث ممرضات ينشغلن بترقب حالته ..

      تطلعت إلى أخته الواقفة عند الباب و طفرت من عينها دمعة .. فتحت الباب دون أن تكترث بالممرضة التي حاولت منعها ..

      اقتربت منه .. و انكبت عليه تقبله على وجهه و رأسه .. استيقظ " سعود " نظر إليها و صعدت أنفاسه .. رددت له بحنان شديد و دموعها في عينيها :

      - ألا يا سعود ما شفت القمر ..

      فجاوبها صوت بعيد و متعب :

      - شفت القمر .....
      end


      خلف الستار
      لم أعرف أن هذا الفندق يطل على مقبر المدينة .. كنت مرهقاَ بعد رحلة طويلة شاقة ، و ليس لي إلا أن أنام . فتحت الستائر و انكشفت لي قبور متجاورة . قبور تتجمع و تتلقي ، تخرج من مكانها و تتزحزح و ترتج كالماء ، و تطفو للأعلى ، جامحة تضرب بعضها بعضاً ، و الشواهد تنهار بلونها الرمادي و الأبيض أما القبب الصغيرة فكانت ملفوفة بخرق خضراء . لم أخبر زوجتي بالأمر ، كانت مشغولة بالاستحمام بعد السفر الطويل . أسمع رشرشات الماء على البلاط و أرى الأبجورات الموضوعة بعناية .
      لم أغلق الستارة . و لفت انتباهي دخول جماعات من الرجال بجنازة من الباب الشرقي للمقبرة : كان الرجال يرتدون ملابس بيضاء ناصعة ، و كان النساء من خلفهم يمشين كالغربان بعباءات سوداء . لا إرادياً فتحت النافذة .. جاءني هواء هذه المدينة الساخن الذي يبرد في الليل . كنت أريد أن أتبع صوت هذه الجنازة .سمعت صوت الولولة أولاً .. جاءتني مع هبوب الريح من الشرق . كانت البوابة التي دخلوا منها منهكة لها حديد صدئ ، النصف الآخر من البوابة كان ساقطاً على الأرض . وضعوا الجنازة على الأرض و ارتفعت زغاريد . التقى النساء بالرجال و اختفت الجنازة . ماذا لو شاهدت زوجتي هذا المنظر ؟! و كيف اخترنا هذا الفندق لشهر العسل ؟ اتخذت قراري بالفرار من هذا الفندق إلى أقرب فندق . لن أخبر زوجتي .. لكنها ستفتح الستارة بالحتم . نمت على المقعد الذي بجوار السرير و أنا انتظر دوري لدخول الحمام . كانت الرحلة طويلة بالطائرة ، طويلة استغرقت عشر ساعات . رحلات الترانزيت متعبة ، لم أفق إلا في الليل . عندما فتحت عيني كانت زوجتي جالسة أمامي عند ميز التواليت تصلح زينتها . قالت لي دون أن تلتفت :
      - نمت خمس ساعات .. و تركتك ترتاح .. فالليلة سنسهر حتى الصباح ..
      لم أجبها ، كنت لا أزال في حوزة النوم . نمت بثياب السفر . حلمت أحلاماً مفزعة . كانت رأسي ثقيلة . قلت لزوجتي :
      - كيف نمت ؟
      - على المقعد .. و بعد ذلك حملتك بصعوبة على السرير .
      - أنا نهضت بنفسي ؟
      - بمساعدتي ...
      أخفيت على زوجتي صور الحلم الذي رأيته .
      كان الضوء في الغرفة خافتاً ، ينبعث من الأباجورات في جوانب السرير . انتبهت إلى التسارة عن يميني ، و حمدت الله أنها لا زالت مغلقة . كانت زوجتي نائمة طوال الوقت أيضاً . قالت لي :
      - قرأت برنامج السهرة في هذا الفندق و حجزت طاولة لشخصين ..
      هل أخبر زوجتي عن المقبرة ؟ قلت لها :
      - سننتقل من هذا الفندق غداً .
      قالت :
      - أنا مرتاحة هنا لا داعي للتغيير ..
      - أظننا أخطأنا في ذلك ..
      - هو فندق خمس نجوم ؟
      - نعم .. لكن موقعه غير مناسب ..
      - من أي جانب .. هو في وسط المدينة ؟
      - نعم ..
      ترددت ، لكنها ستعرف ، لا بد و أن تفتح الستارة بعد قليل ، هذا هو طبعها ، و طبع كل مسافر ، يريد أن يعرف ما حوله ، و ما بجواره ، المنظر الخلفي للغرفة ..
      لم بنوا هذا الفندق هنا ؟ كيف ارتكبوا هذه الحماقة ؟
      قلت :
      على كل حال .. أنا موافق على المكان الذي يعجبك .
      - خلاص .. يعجبني هذا الفندق .. ادخل الحمام و اطرد عنك كسل النوم .
      قلت لها :
      - لا أريد الخروج من الغرفة الليلة .. الظاهر أنني مصاب ببرد ، و علي أن أستريح في الغرفة ..
      كانت في كامل زينتها ففوجئت بقراري .
      - هل جئنا إلى هذه المدينة الجميلة للنوم ؟
      - الأيام القادمة ..
      - و هل ينامون في شهر العسل ؟
      كنت مكتئباً . أصبت بالاكتئاب منذ خمس سنوات . و كان الموت يزورني كل مساء في هيئة صامتة : جسدي ممدد فوق نعش خشبي طويل ، و عيني مغمضة ، جسدي مغطى بزيت ، و هو غامق و عميق ، و مجموعة الرجال يحملوني إلى المقبرة . يغشاني العرق ، و يضيق صدري ، و يركض الخوف . أصاب بهلع شامل . لا أتحدث . أفحص حبات العرق فوق جبهتي في الشتاء . لم أخبر زوجتي عن الاكتئاب .. ستكتئب هي الأخرى . ضغطت الجرس و أنا أقول لزوجتي :
      - سنحتفل هذه الليلة في هذه الغرفة الأنيقة الممتلئة بالسجاد و صور النساء الجميلات .
      فتحت زوجتي الراديو . و زارتنا الموسيقى هادئة ، ناعمة .. و تدفق شعور من الفرح في عينيها . رأيتها تستدير إلي ، بفستانها الأسود مكشوف الكتفين ، و في شعرها الفاحم وردة صفراء .
      كانت في غاية الجمال . و قالت و هي تزيح شعرها فتظهر عياناها النجلاوان بكل طلاوتهما الشهية .
      - كما تشاء .. كل مكان أنت فيه جنة .
      و جاءت و طوقتني . أنعشتني العطور الباذخة . قالت :
      - لن أخلع فستان السهرة ..
      - ليكن .. سأرتدي أنا البدلة .. بدلة الزواج .. و من يدري .. قد نخرج فجأة آخر الليل و نتجول في المدينة ، و لا نعود إلا في الصباح . هذه المدينة لا تنام . تسهر و تزدان بالأضواء و تعمها الحركة . و يرتاد العشاق حدائقها ، ومقاهيها .. مدينة صاخبة للمتزوجين و العشاق .. و العابثين في الحياة ..
      و سمعت طرقاً بالباب فقلت :
      - النادل ؟
      فتحت الباب ، ودخل النادل و أخرج دفتراً من جيبه :
      - ماذا تطلبين يا بشرى ؟
      - كأساً من الحليب ..
      - و أنا أريد بيرة مثلجة ..
      بشرى إبراهيم :
      دخل زوجي صلاح الحمام . كنت أسمع صوت الماء و الموسيقى الهادئة . دفعني اللاشعور إلى الستارة . عجبت كيف غفلت عنها كل هذا الوقت . فتحت الستارة و رأيت المقبرة . شواهد قبور صامتة و ناتئة ، قبباً كثيرة داكنة . و كلاباً تجوس بين الضوء الذي يكشف عن جوانب من شواهد القبور . وقفت صامتة . لم أتوقع ذلك .. مقبرة بجوار الفندق ؟! ما السر ؟ شعرت بانقباض ، يجب أن نرحل غداً من هذا المكان .. الآن ؟ لا .. دفعنا للفندق أجرة اليوم . غداً في الصباح ، صلاح مريض و لا يستطيع الانتقال كما يبدو ، و سينزعج من هذا الانتقال السريع .. غداً في الصباح أخبره بالأمر . سأغلق الستارة .. يجب أن تبقى هذه الستارة مغلقة الليلة ، الليلة على الأقل ، حتى لا تفسد هذه الليلة ، حتى صلاح يبقى في حالة متوازنة .. لو أخبرته بالأمر فقد يكتئب .. بالحتم سينزعج كثيراً .. هو الحساس المرهف يكتشف مقبرة في مكانه ، في غرفته ؟ كنت أشعر أن المقبرة تزحف إلينا ، هنا في جانب الفندق ، تدخل الدهليز ، و تتخلل الجدران .. و تستقر على السرير .. المقبرة تتحول إلى أثير .. تزحف و تدخل في مكان الفندق ، كأنها جزء منه ، و كأنها بنيت مع الفندق ، و ستزال معه .. أحسست بحميمية إلى المقبرة ، كدت أذهب إليها الآن بنفسي ، أقترب من الشواهد و القبور و أنام على الأسمنت السميك تحت الضوء و الظلمة المختلطة ، أشعر بالندى المحمول على نبات ظاهر بين القبور . الشواهد تتحرك ، تقفز ، و جدران المقبرة تنتكس و تميل .. أسمع صفير زوجي داخل الحمام و إيقاع الموسيقى الذي يتحول . الستارة المفتوحة ليس كلها .. سأخفي الأمر على صلاح .. ليعلم غداً في الصباح .. نكون قد استرحنا ، و بعد نوم عميق نرحل .. هل تبقى الستارة مغلقة إلى الغد ؟ و ماذا لو أراد أن يفتح الستارة ؟ كيف أمنعه ؟ .. لم أخش الموت كثيراً في حياتي . هو أمر عادي ، أتوقعه كما أتوقع خروج زوجي من الحمام ، كان أهلي يعجبون من ذلك . و فسروا هذا بغلاظة القلب . أنا مؤمنة بالله .. و هذا سر الفتي مع الموت .. لكن زوجي .. آه ! أعرف أنه مكتئب .. و يتعاطى دواء الاكتئاب .. و يخفى علي ذلك . الله يرحمنا .. لن أدعه يفتح الستارة .
      لم يضيئون هذه المقبرة ؟ .. و لم هذه الأضواء الضاجة على امتداد هذه المقبرة ؟ و لم في وسط المدينة ؟ و هذه نافورة ماء منطلق ، و سيارات جرارة جميلة تصعد الطريق الجنوبي ، و مقاه كثيرة هرجة تقابل المقبرة و الفندق ، و خمارات ، و مراقص .. فتحت النوافذ ذات الزجاج السميك ، و انحدرت إلي موسيقى من أسفل قاعات الفندق ، أنا في الدور الخامس ، و جاءتني الموسيقى من الدور الثاني . في هذا المطعم الفخم ذو الثريات الكبيرة و الموحية و الرخام . الفرقة ستغني هنا في الطابق الثاني . و المرقص في الطابق الأول . سأشتري ورداً من سوق الفندق العام .. ليت صلاح يوافق على الذهاب إلى الحفل ؟ هل ينعشه الدوش الساخن ؟ أراه يصفر ؟ من يدري ؟ سنذهب إلى الحفلى الصاخبة . الموسيقى التي أحبها . أريد أن أخرج من هذه الغرفة .. أن أطير .. أطير .. لن أدع صلاح و نفسي في حجرة مغلقة .. أنا و هو و في شهر العسل ؟ لن أدع حبيبي ينام عابساً حزيناً .. سنخرج .. سنخرج .. أعرف كيف أقنعه .. و التذاكر في يدي .. و إذا لم يوافق سأزعل ، و إذا زعلت فهو لا يقدر على زعلي .. سيوافق . كان صلاح خارجاً من الحمام . منتعشاً ، و جاءتني سخونة بخار الحمام . كانت الستارة مقفلة ، و لا أدري لم نظر إلى الستارة أول ما خرج من الحمام . قلت :
      - صلاح .. أنا أريد أن أسهر .. يبدو لي أن الحفلة في الطابق الثاني جميلة .. إعلاناتها باهرة ..
      - تظنين ذلك ؟
      - نعم لم يخب ظني قط .. و هذه مدينة الطرب و الحياة .. و الفندق خمس نجوم !
      - ما يعجبني فيك يا بشرى هذا التفاؤل المفرط .. لا أدري بسببك أو بسبب الدوش الساخن ، أشعر بتغير و الظاهر أننا سنغير رأينا ..
      صلاح هشام :
      كيف فاتتني هذه الفكرة ، كان علي أن أدعوها أنا للخروج ، لأهرب بها من هذه الغرفة .. لن تفكر في فتح الستارة إذا كانت خارج الغرفة . نذهب إلى السهرة . و لا أعتقد أن مطعم الفندق - حيث تقام السهرة - مفتوح على المقبرة .. هذا مستحيل .. المطعم سيكون بالحتم في واجهة المدينة .. الواجهة الضاجة بالنوافير و الأشجار .. لأوافق على أفتراحها دون تردد ..
      بشرى إبراهيم :
      كم كنت سعيدة عندما سمعت زوجي صلاح يقول لي بسرور و ترحيب :
      - لنسهر في المطعم السفلي في الدور الثاني .. نفسي مفتوحة للحياة .. ارفعي صوت الموسيقى ..
      - التذاكر جاهزة يا صلاح .. حجزنا منذ أول دخولنا ..
      - هذا شأن النساء دائماً ، تواقات للحياة .. و هذا أجمل مزاياهن العريقة ..
      - كنت مصممة رغم تعب السفر أن نسهر هذه الليلة .. ألم يذهب التعب مع النهار ؟
      - أين البيرة ؟ البيرة المثلجة ؟
      حمل زوجي البيرة و صبها في كأس طويلة و ارتفع الزبد إلى أعلى الكأس . بعد دقائق ارتفعت قهقهاته عالياً في الغرفة . كان يرتدي بدلته الزرقاء ، و يكمل زينته ، و يجرع البيرة في آن و آخر ، و يمازحني كعادته .. كنت أجلس بجانب الستارة .. و يبدو أنني نسيت . غمرني صلاح ببهجة مفاجئة و سريعة .. نسيت ، يبدو نسيت .. قال لي :
      - تعالي أريد أن أهمس في إذنك .. و قبلني قبلة حارة ..
      - إلى السهرة !
      قال و هو يمسك يدي و نفتح الباب و نخرج .
      صلاح هشام :
      في الطريق إلى السهرة ، إلى الطابق الثاني ، سبقنا الهرج في الفندق ، الندل الحاملون الزجاجات و الفواكه . الخدم بملابسم الزرقاء السماوية و هم يحملون الحقائب . الأزهار و النباتات الخضراء في الممرات .. النساء الجميلات طبعاً ، بالملابس الجديدة للسهرة .. كلهم يتدفقون في المصعد الكبير في اتساع غرفة .. إلى الطابق الثاني .. ضغطنا زر الطابق الثاني فقط .. و أعلن الضوء الأصفر بداية وقوف المصعد .. زرافات كنا .. الموسيقى ، و الجو الحالم ، الأضواء الخافتة و الديكور الكلاسيكي القديم ، و الطاولات تتوسطها سلة الفاكهة و النادلات الجميلات .. كان المطعم يغص بالحضور من جنسيات مختلفة ، رنين الضحكات و هي تتشظى . أعطيت النادل البطاقة فقادني إلى طاولة صغيرة بجانب لوح زجاجي كبير عريض .. خلف اللوح الزجاجي كانت المقبرة أيضاً في مكانها .. و كأنها تنتظرنا هنا أيضاً .. دهشاً جلست . الم تلحظ زوجتي شيئاً حتى الآن .. قلت للنادل :
      - هل يمكن تغيير هذا المكان ؟
      أشار إلى الناس المتزاحمين على المقاعد و قال :
      - هذا هو المكان الوحيد الموجود .. طلب هذا المكان كثيرون من قبل أن تجيء .. أنت محسود يا سيدي .. هذا المكان يطل على المدينة .. و تستطيع من هنا أن تكشف كل القاعة !
      قلت :
      - إذن .. شكراً لا بأس !
      بشرى إبراهيم :
      كنت أعرف أن صلاح سينزعج لو عرف الأمر . كنت في غاية الدهشة ، إذ لم أتوقع أن تكون المقبرة هنا أيضاً في السهرة ، بين الناس .. و أن أحسها تندقم في الظلام المحيط بالأسوار و المدينة و الفندق و الطاولات .. كنت خائفة أن يكتشف صلاح ذلك فجأة .. و قلت للنادل :
      - أرجو أن تجد لنا مكاناً آخر فيما بعد ..
      قال النادل :
      - سأحاول .
      صلاح هشام :
      قررت ألا ألتفت إلى الوراء . أعطيت المدينة و المقبرة ظهري ، و أعطت بشرى المقبرة و المدينة ظهرها . كنا بهذه الهيئة نقابل "البند" و صالة الرقص تماماً. وجدت في هذه الهيئة مالا يخالف التآلف و النتاسق مع " البند " و صالة الرقص التي توجهت الأجساد و الأنظار إليها .. كنت مأخوذا بالحفل . و الرقص و الموسيقى نسيت .. لكنني بين آن و آخر أفكر في بشرى .. لا أريدها أن تعرف .. أنا نسيت و هي قد لا تنسى لو علمت بالأمر . قضينا سهرة ممتعة و رقصنا في حلبة الرقص .. و في إحدى الصولات و كنا عائدين إلى مقاعدنا من الحلبة الصاخبة وجدنا نفسينا نقابل المقبرة و نحن نمسح عرق الرقص .. و لم نعط المقبرة ظهرنا بعد ذلك .. راينا كل شيء معاً ، و عرفنا كل شيء معاً ، و عرفنا أننا كنا نعرف الحقيقة و نخفيها عن بعض .. فضحكنا للنكتة . في غرفتنا ، في الدور الخامس كانت الستارة مفتوحة .. حين غبنا في عناق طويل .. لم نكن نرى أو نعرف شيئاً .. أو لا نحس بوجودنا .. أنا و بشى في المكان