العراق: مريت على بيت الحبايب

    تمر دردشة الساحة الخاصة بالمتصفح والموبايل بفترة صيانة دورية هذا ونعتذر للجميع على الإنقطاع المؤقت بإمكانكم المشاركة في المنتدى لحين عودتها :)

    • العراق: مريت على بيت الحبايب

      هل كان امرؤ القيس يقصد العراق عندما أنشد:

      أمر على الديار ديار ليلى *** أقبل ذا الجدار و ذا الجدار

      وليس حب الجدار ملكن قلبي*** و لكن حب من سكن الديار


      لعل بلاد الرافدين هزمت في عصره فأنشدها قصيدته الحزينة الملتاعة، يبكي شعباً كان هنا، و حياةً كانت تضطرم بالحيوية و الخصوبة و مجتمعاً كان فتياً و عفياً قبل أن يحاصره الأعداء و يوقعون به.

      وعندما أشتط القوم على عنترة العبسي, و طلب منه أبو عبلة النياق الحمر مهر لعبلة، عله يتخلص منه و يردي ابن أخيه برماح حراس الملك النعمان بن المنذر, و لكن عنترة خيب رجائهم و عاد بالنياق الحمر , ولكن عبلة كانت قد ذهبت إلى زوج آخر.هل كانت أرض العراق, وخير العراق مقصد المأزومين و زاد المعسرين ؟!

      ومن كان يعني الدكتور زكي مبارك عندما كتب (ليلى المريضة في العراق) أكانت ليلى حبيبته البعيدة ؟ أم كان يتغزل في الأرض و الشعب و الخير, فكان يبكيها في أزمتها و عسرتها ؟ أعاش زكي مبارك في الأربعينيات من القرن الماضي أم يعيش بيننا الآن يصف حال حبيبته العراق المهزومة الثكلى, التي تلعق جراحها بعد أن اغتصبت و تاجروا بشرفها و تاريخها و سيرتها ؟

      استعيذ ليلاي و أغنيتي الجريحة. استعيذ بغداد الصابرة المنطوية على ذلها و عارها و هي مرتهنة بأمر اليانكي الأميركي.

      أغني أغنيتي الخاصة التي أراها تعبر عن حبيبتي المباعة في سوق العبيد. أردد في أسى و حنين (مريت على بيت الحبايب) مع لوعة فناننا الراحل محمد عبد الوهاب.

      اليوم بغداد (المنصور و الرشيد ) وغداً دمشق (صلاح الدين ) و بعد غد القاهرة العجوز ثم طرابلس الغرب ثم وثم .. تطول القائمة.

      كل يوافي موعده , وينتظم في دوره حسب مشيئة اليانكي الأميركي.لم يعد في بغداد نياق حمر و لا برج بابل و لا آشور و حمورابي , و جفت مياه دجلة و نضب الفرات , و لم تعد هناك مكتبة و جامعة و حوانيت و قباب الكاظم.

      الخليفة هارون الرشيد اعتزل الحكم و افتتح متجراً للصرافة يتاجر في الدولار واليورو , أما المتنبي فقدم تأشيرة للقنصلية الأميركية ليحصل على البطاقة الخضراء Green Cardتوطئة للهجرة الدائمة إلى نيويورك أو بوسطن . ولم يعد السياب يمتهن الشعر. افتتح متجراً لبيع العاديات ليعرض فيها الآثار العراقية المنهوبة , أما عبد الوهاب البياثي فأحرق دواوينه , افتتح في الناصرية أو تكريت متجراً لبيع شرائط الفيديو والـ cd ومقهى للإنترنت.

      أمر على بيت الحبايب فلا بيت ولا أحباء . ينعق الغراب على الأطلال الباردة. يستوقفني قرصان أميركي يتخفى وراء خوذته و نظارته الشمسية ويشهر بندقيته في وجهي :

      _ اسمك؟

      _عربي.

      _ وطنك؟

      _ عروبي.

      _ عمرك؟

      _ عمر الخيبات.

      _ووجهتك.

      _ قصر النهاية لأكتب كلمة النهاية.

      يغني عبد الوهاب في الوصلة الأولى من حفلة الأخير قبل الاعتزال (أيها الراقدون تحت التراب) فأبكي على من دفنتهم الدبابات و الجرافات تحت الأرض. يغني في الوصلة الثانية (فين طريقك فين ؟) فأفتقد الاتجاه و التوقيت و الإشارة . يختم حفله بأغنية (مريت على بيت الحبايب).

      قطع..إظلام.

      يا بيت الحبايب الذي غادره الأحباب وولوا و تحول البيت و الرسم و الباب و الجدار إلى بقايا . يا عراق الجريحة الصابرة النازفة .

      هل أقرأ لكم من قصيدة الشاعر اللاتيني خورخي يورخيش:

      أن تحملق في النهر الذي يصنعه الزمن و الماء

      وأن تتذكر أن الزمن ذاته نهر آخر

      أن تعرف أننا نكف عن الوجود ,

      تماماً مثل النهر

      وأن وجوهنا تموت و ترحل,

      تماماً مثل الماء ؟

      هل كان يورخيش يغني لبلاده أم للعراق.????????