توم جروس :
من الصعب أن تدير جهاز التلفاز أو الفيديو أو تلتقط صحيفة هذه الأيام دون أن تجد ناقدا أو آخر يستنكر الآفاق القاتمة لعملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية أو أحوال المعيشة الرديئة للفلسطينيين. بل إنه حتى الصحفيين الذين يفترض أنهم محايدون يكررون باستمرار هذه القصة الحزينة. "قليل جدا هو الذي يتغير في حياة الفلسطينيين على الأرض،" كما سمعت مراسلة البي بي سي وورلد سرفيس في القاهرة، كريستيان فراسر، تقول للمستمعين ثلاث مرات في غضون 45 دقيقة. في الحقيقة، ليس هناك شيء بعيد عن الحقيقة. لقد قضيت ذلك اليوم في مدينة نابلس، أكبر مدن الضفة الغربية. وهذه المدينة تتفجر بالطاقة والحياة وعلامات الرخاء، بشكل لم أشهده من قبل خلال سنوات عديدة من تغطيتي لأخبار المنطقة. عندما جلست في مكتبه الفخم، أخبرني أحمد عويضة، المصرفي ذو التعليم البريطاني والذي يرأس سوق الأوراق المالية الفلسطينية، أن سوق نابلس للأوراق المالية هو ثاني أفضل سوق في العالم من حيث الأداء حتى الآن في عام 2009، بعد سوق شنجهاي. (يطل مكتب عويضة مباشرة على المسكن الفخم للملياردير الفلسطيني منيب المصري، أغنى رجل في الضفة الغربية.)
وفي وقت لاحق، التقيت بشير الشكعة، مدير سينما نابلس الجديدة اللامعة، حيث كان يتم عرض أربعة من أفلام هوليوود في ذلك اليوم. لقد تم بيع معظم الأفلام، كما أشار الشكعة الذي أضاف متفاخرا أن دار السينما استضافت سلفا مهرجانا سينمائيا منذ افتتاحها في يونيو الماضي.
وفي تجولي وسط مدينة نابلس، كانت المحلات والمطاعم التي رأيتها مكتملة العدد. وكان هناك الكثير من السيارات غالية الثمن في الشوارع. في الحقيقة أحصيت عددا من سيارات بي إم دبليو ومرسيدس أكثر مما شاهدت، مثلا، في وسط مدينة القدس أو تل أبيب.
وربما الأكثر أهمية هو أننا سافرنا بالسيارة من القدس إلى نابلس دون المرور بأي نقاط تفتيش إسرائيلية. لقد أزالت حكومة بنيامين نتانياهو هذه النقاط منذ أن تم السماح لخدمات الأمن الإسرائيلية (بتشجيع ودعم من الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش)، على مدى السنوات الأخيرة الماضية، بسحق الانتفاضة واستعادة الأمن في الضفة الغربية وتوفير الظروف الملائمة للازدهار الاقتصادي الحادث الآن. (كانت هناك نقطة واحدة على الحدود في رحلة العودة، في ضواحي القدس، ولكن الحارسة الشابة قامت فقط بالإيماء لي أنا والاثنين الفلسطينيين المرافقين لي.)
كانت المحلات والمطاعم ممتلئة أيضا عندما زرت مدينة الخليل مؤخرا، وفوجئت عندما رأيت "فيلات" لا يقل حجمها عن تلك الموجودة في كوت دازور أو بيل إير، وقد ارتفعت على التلال حول المدينة. بل إن الحياة أفضل في رام الله، حيث من الصعوبة أن تجد طاولة في مطعم جيد. فهناك يمكنك أن ترى المجمعات السكنية والبنوك وشركات الوساطة ووكالات السيارات الفخمة والنوادي الصحية. أما في قلقيلية، إحدى مدن الضفة الغربية أيضا والتي كانت في السابق مرتعا للإرهابيين وصانعي القنابل، يتم الآن حصد أول محصول للفراولة في وقته للاستفادة من أسواق عيد الميلاد المربحة في أوروبا. وقد تم تدريب المزارعين الفلسطينيين على أيدي خبراء زراعة إسرائيليين وزودتهم إسرائيل بآلات الري والمبيدات.
ومن المقرر بناء مدينة فلسطينية جديدة تسمى "روابي" في وقت قريب شمال رام الله. وفي الشهر الماضي، ساعد الصندوق الوطني اليهودي، وهو جمعية خيرية إسرائيلية، في زراعة ثلاثة آلاف من شتلات الأشجار لمنطقة جرداء يقول المخططون الفلسطينيون إنهم يودون تنميتها على حدود المدينة الجديدة. كما يقوم الخبراء الإسرائيليون أيضا بمساعدة الفلسطينيين على تخطيط الحدائق العامة والمرافق المدنية الأخرى.
وقد بدأ الأجانب يلاحظون التغير أيضا. فقد قالت وكالة أنباء وفا التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية الأسبوع الماضي إن الربع الثالث من عام 2009 شهد نشاطا سياحيا يقترب من القياسي في السلطة الفلسطينية، حيث يقيم 135939 نزيلا في 89 فندقا، التي هي مفتوحة الآن. ويأتي نصف السائحين تقريبا من الولايات المتحدة وأوروبا.
لقد نما الاقتصاد الفلسطيني حتى الآن هذا العام – في عام سيطرت عليه الأزمة الاقتصادية في أماكن أخرى – بنسبة رائعة بلغت 7% حسب صندوق النقد الدولي، رغم أن رئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض، والذي هو نفسه عمل سلفا في البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، يقول إن النمو في الحقيقة بنسبة 11%، وأدى إليه الأداء الاقتصادي القوي في إسرائيل المجاورة.
وفي غزة أيضا، المحلات والأسواق مكتظة بالغذاء والسلع – انظر، مثلا، إلى صور صحيفة "فلسطين اليوم" التي تصدر في غزة، والتي تخص احتفالات العيد الأخيرة في غزة. هذه ليست هي الصور التي كنت تتوقع أن تراها أبدا في البي بي سي ولا صحيفة لوموند ولا النيويورك تايمز. لا، غزة ليست مثل "معسكر تركيز"، كما أن الأزمة الإنسانية في غزة ليست بحجم الأزمة في دارفور، كما تقول الصحفية البريطانية لورين بوث.
في يونيو الماضي، روى الصحفي بصحيفة الواشنطن بوست، جاكسون ديهيل، كيف أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس قد أخبره لماذا رفض عرض إيهود أولمرت العام الماضي بإقامة دولة فلسطينية على 97% من أراضي الضفة الغربية (مع إضافة 3% من الأراضي الإسرائيلية قبل عام 1967 لتعويض النقص). "في الضفة الغربية، لدينا واقع جيد. فالناس يعيشون حياة طبيعية،" كما قال عباس لديهيل، في لحظة صراحة نادرة لصحفي غربي.
وقد ذهب رئيس سوق نابلس للأوراق المالية، أحمد عويضة، إلى أبعد من ذلك عندما وضح لي لماذا ليس هناك استعجال في إعلان الدولة الفلسطينية، قائلا إن الفلسطينيين العاديين يحتاجون إلى قوات الدفاع الإسرائيلية للمساعدة على حمايتهم من حماس، حيث إن قواتهم الأمنية ليست جاهزة بعد للقيام بهذه المهمة بنفسها.
الحقيقة هي أن هناك دولة فلسطينية مستقلة قيد البناء بهدوء الآن، بمساعدة إسرائيل. وطالما أن إدراة أوباما والسياسيين الأوروبيين لا يتدخلون بطريقة خرقاء كما فعلوا في الماضي، ولا يقدمون مطالب غير عملية ولا واقعية من أجل إكمال العملية أسرع مما يمكن أن تتم، فأنا على ثقة أن الناتج سيكون إيجابيا. (كانت آخر مرة حاول فيها رئيس أمريكي – بيل كلينتون عام 2000 – استعجال الأمور بشكل غير واقعي، نتج عن ذلك إعاقة عملية السلام لمزيد من السنوات.)
قد لا يتفق الإسرائيليون والفلسطينيون مطلقا على الحدود التي ترضي الجميع. ولكن ذلك لا يعني أنهم لن يعيشوا في سلام. فليس كل الألمان والفرنسيين يتفقون على من يجب أن يسيطر على الألزاس واللورين. كما أن البولنديين والروس، والسلوفينيين والكروات، والبريطانيين والأيرلنديين، وشعوب كثيرة في كل أنحاء العالم لديها نزاعات حدودية. ولكن ذلك لا يعيقهم عن التعايش مع بعضهم البعض. وكذلك هذا النزاع الحدودي بين الإسرائيليين والفلسطينيين – طالما أن الصحفيين الحزبيين ومجموعات حقوق الإنسان لا يضللون السياسيين الغربيين لدفعهم إلى اتخاذ قرارات سيئة – لن يمنعهم من التعايش أيضا.
More...
من الصعب أن تدير جهاز التلفاز أو الفيديو أو تلتقط صحيفة هذه الأيام دون أن تجد ناقدا أو آخر يستنكر الآفاق القاتمة لعملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية أو أحوال المعيشة الرديئة للفلسطينيين. بل إنه حتى الصحفيين الذين يفترض أنهم محايدون يكررون باستمرار هذه القصة الحزينة. "قليل جدا هو الذي يتغير في حياة الفلسطينيين على الأرض،" كما سمعت مراسلة البي بي سي وورلد سرفيس في القاهرة، كريستيان فراسر، تقول للمستمعين ثلاث مرات في غضون 45 دقيقة. في الحقيقة، ليس هناك شيء بعيد عن الحقيقة. لقد قضيت ذلك اليوم في مدينة نابلس، أكبر مدن الضفة الغربية. وهذه المدينة تتفجر بالطاقة والحياة وعلامات الرخاء، بشكل لم أشهده من قبل خلال سنوات عديدة من تغطيتي لأخبار المنطقة. عندما جلست في مكتبه الفخم، أخبرني أحمد عويضة، المصرفي ذو التعليم البريطاني والذي يرأس سوق الأوراق المالية الفلسطينية، أن سوق نابلس للأوراق المالية هو ثاني أفضل سوق في العالم من حيث الأداء حتى الآن في عام 2009، بعد سوق شنجهاي. (يطل مكتب عويضة مباشرة على المسكن الفخم للملياردير الفلسطيني منيب المصري، أغنى رجل في الضفة الغربية.)
وفي وقت لاحق، التقيت بشير الشكعة، مدير سينما نابلس الجديدة اللامعة، حيث كان يتم عرض أربعة من أفلام هوليوود في ذلك اليوم. لقد تم بيع معظم الأفلام، كما أشار الشكعة الذي أضاف متفاخرا أن دار السينما استضافت سلفا مهرجانا سينمائيا منذ افتتاحها في يونيو الماضي.
وفي تجولي وسط مدينة نابلس، كانت المحلات والمطاعم التي رأيتها مكتملة العدد. وكان هناك الكثير من السيارات غالية الثمن في الشوارع. في الحقيقة أحصيت عددا من سيارات بي إم دبليو ومرسيدس أكثر مما شاهدت، مثلا، في وسط مدينة القدس أو تل أبيب.
وربما الأكثر أهمية هو أننا سافرنا بالسيارة من القدس إلى نابلس دون المرور بأي نقاط تفتيش إسرائيلية. لقد أزالت حكومة بنيامين نتانياهو هذه النقاط منذ أن تم السماح لخدمات الأمن الإسرائيلية (بتشجيع ودعم من الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش)، على مدى السنوات الأخيرة الماضية، بسحق الانتفاضة واستعادة الأمن في الضفة الغربية وتوفير الظروف الملائمة للازدهار الاقتصادي الحادث الآن. (كانت هناك نقطة واحدة على الحدود في رحلة العودة، في ضواحي القدس، ولكن الحارسة الشابة قامت فقط بالإيماء لي أنا والاثنين الفلسطينيين المرافقين لي.)
كانت المحلات والمطاعم ممتلئة أيضا عندما زرت مدينة الخليل مؤخرا، وفوجئت عندما رأيت "فيلات" لا يقل حجمها عن تلك الموجودة في كوت دازور أو بيل إير، وقد ارتفعت على التلال حول المدينة. بل إن الحياة أفضل في رام الله، حيث من الصعوبة أن تجد طاولة في مطعم جيد. فهناك يمكنك أن ترى المجمعات السكنية والبنوك وشركات الوساطة ووكالات السيارات الفخمة والنوادي الصحية. أما في قلقيلية، إحدى مدن الضفة الغربية أيضا والتي كانت في السابق مرتعا للإرهابيين وصانعي القنابل، يتم الآن حصد أول محصول للفراولة في وقته للاستفادة من أسواق عيد الميلاد المربحة في أوروبا. وقد تم تدريب المزارعين الفلسطينيين على أيدي خبراء زراعة إسرائيليين وزودتهم إسرائيل بآلات الري والمبيدات.
ومن المقرر بناء مدينة فلسطينية جديدة تسمى "روابي" في وقت قريب شمال رام الله. وفي الشهر الماضي، ساعد الصندوق الوطني اليهودي، وهو جمعية خيرية إسرائيلية، في زراعة ثلاثة آلاف من شتلات الأشجار لمنطقة جرداء يقول المخططون الفلسطينيون إنهم يودون تنميتها على حدود المدينة الجديدة. كما يقوم الخبراء الإسرائيليون أيضا بمساعدة الفلسطينيين على تخطيط الحدائق العامة والمرافق المدنية الأخرى.
وقد بدأ الأجانب يلاحظون التغير أيضا. فقد قالت وكالة أنباء وفا التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية الأسبوع الماضي إن الربع الثالث من عام 2009 شهد نشاطا سياحيا يقترب من القياسي في السلطة الفلسطينية، حيث يقيم 135939 نزيلا في 89 فندقا، التي هي مفتوحة الآن. ويأتي نصف السائحين تقريبا من الولايات المتحدة وأوروبا.
لقد نما الاقتصاد الفلسطيني حتى الآن هذا العام – في عام سيطرت عليه الأزمة الاقتصادية في أماكن أخرى – بنسبة رائعة بلغت 7% حسب صندوق النقد الدولي، رغم أن رئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض، والذي هو نفسه عمل سلفا في البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، يقول إن النمو في الحقيقة بنسبة 11%، وأدى إليه الأداء الاقتصادي القوي في إسرائيل المجاورة.
وفي غزة أيضا، المحلات والأسواق مكتظة بالغذاء والسلع – انظر، مثلا، إلى صور صحيفة "فلسطين اليوم" التي تصدر في غزة، والتي تخص احتفالات العيد الأخيرة في غزة. هذه ليست هي الصور التي كنت تتوقع أن تراها أبدا في البي بي سي ولا صحيفة لوموند ولا النيويورك تايمز. لا، غزة ليست مثل "معسكر تركيز"، كما أن الأزمة الإنسانية في غزة ليست بحجم الأزمة في دارفور، كما تقول الصحفية البريطانية لورين بوث.
في يونيو الماضي، روى الصحفي بصحيفة الواشنطن بوست، جاكسون ديهيل، كيف أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس قد أخبره لماذا رفض عرض إيهود أولمرت العام الماضي بإقامة دولة فلسطينية على 97% من أراضي الضفة الغربية (مع إضافة 3% من الأراضي الإسرائيلية قبل عام 1967 لتعويض النقص). "في الضفة الغربية، لدينا واقع جيد. فالناس يعيشون حياة طبيعية،" كما قال عباس لديهيل، في لحظة صراحة نادرة لصحفي غربي.
وقد ذهب رئيس سوق نابلس للأوراق المالية، أحمد عويضة، إلى أبعد من ذلك عندما وضح لي لماذا ليس هناك استعجال في إعلان الدولة الفلسطينية، قائلا إن الفلسطينيين العاديين يحتاجون إلى قوات الدفاع الإسرائيلية للمساعدة على حمايتهم من حماس، حيث إن قواتهم الأمنية ليست جاهزة بعد للقيام بهذه المهمة بنفسها.
الحقيقة هي أن هناك دولة فلسطينية مستقلة قيد البناء بهدوء الآن، بمساعدة إسرائيل. وطالما أن إدراة أوباما والسياسيين الأوروبيين لا يتدخلون بطريقة خرقاء كما فعلوا في الماضي، ولا يقدمون مطالب غير عملية ولا واقعية من أجل إكمال العملية أسرع مما يمكن أن تتم، فأنا على ثقة أن الناتج سيكون إيجابيا. (كانت آخر مرة حاول فيها رئيس أمريكي – بيل كلينتون عام 2000 – استعجال الأمور بشكل غير واقعي، نتج عن ذلك إعاقة عملية السلام لمزيد من السنوات.)
قد لا يتفق الإسرائيليون والفلسطينيون مطلقا على الحدود التي ترضي الجميع. ولكن ذلك لا يعني أنهم لن يعيشوا في سلام. فليس كل الألمان والفرنسيين يتفقون على من يجب أن يسيطر على الألزاس واللورين. كما أن البولنديين والروس، والسلوفينيين والكروات، والبريطانيين والأيرلنديين، وشعوب كثيرة في كل أنحاء العالم لديها نزاعات حدودية. ولكن ذلك لا يعيقهم عن التعايش مع بعضهم البعض. وكذلك هذا النزاع الحدودي بين الإسرائيليين والفلسطينيين – طالما أن الصحفيين الحزبيين ومجموعات حقوق الإنسان لا يضللون السياسيين الغربيين لدفعهم إلى اتخاذ قرارات سيئة – لن يمنعهم من التعايش أيضا.
More...