
خطت يد الشاعرة نوف في ردها على التدوينة السابقة أن النور يأتي من الداخل وأنا أعقب على ردها بمقولة I can't agree more . النور يا أصحاب هو نور الداخل وأن كنت قد قلت لكم أنه ليس اشد إيلاما من ألا تعرف النور سوى أن تعرف النور ثم تسلب منه في سياق كنت أعني به نور الخارج (النور بمعناه الحقيقي) فهنا أقٌول لكم أن ذلك الذي حُرم من نور الداخل هو أتعس وأكثر تألما . وكيف يُحرم الإنسان من نور الداخل ؟ ما وقف عن إبهاري هي علاقة بني البشر ببعضهم فكل مرة أنصدم فيها بمدى الإبداع الذي يمتلكونه في طرق سلب الآخرين من نورهم تأتي مره ثانية لأُصدم فيها أكثر وأنبهر أكثر . الذي يصدمني ويبهرني في نفس الوقت هو الدافع الذي يدفع الإنسان لكي يسلُب نور أخيه ؟! و كيف يمتلك الجراءة على فعل ذلك ؟ (هنا يجدر بي أن أحدد معنى النور فالنور المسلوب قد يكون لبعضهم هي تلك البسمة المسروقة من الشفاه أو ذاك الشعور بالأمان الذي حرم منه هذا الآخر أو قد يكون الحضن الدافئ الذي حرم منه ثالثهم وفي أبسط الحالات قد يكون الشخص الذي منعت عنه حاجاته الفسيولوجية كالأكل والنوم).
ما الدافع الذي يدفع الإنسان لكي يظلم أخيه ؟! هنا أقف حائرا أمام هذا السؤال ، أرى أن الجواب يحتمل عدة تأويلات الأول هو كما ذهب إليه بعض علماء النفس في نظرية الإبدال فالإنسان يظلم لأنه كان قد ظلم أو أنه يتعرض للظلم حاليا . المقصود بهذه النظرية هو نقل العاطفة من موضعها الأساسي إلى موضع آخر ، مثال عليها هو ذلك المدير الذي يشهد حياة اجتماعية مضطربة فيذهب إلى العمل ويصب جم غضبة على موظفيه بعدها يقوم الموظف بإفراغ الضيق الذي يشعر به في زوجته دون أن تكون قد اقترفت أي ذنب وقد تقوم الزوجة بضرب أبنائها دون أي سبب لتخفف من التوتر الذي عايشته بسبب زوجها . ولكن هذا الجواب لا يزيدني إلا استغراب و هو كيف يرضى من تذوق مرارة الظلم أن يضيق الآخرين منه و بكأسه ؟! يكمل علماء النفس تحليلهم ويقولوا أن عملية الإبدال غالبا ما تكون عملية لا شعورية . التأويل الثاني أيضا تطرق له علماء النفس في نظرية الإسقاط وهي أيضا غالبا ما تكون عملية لا شعورية وتعريف هذه الحالة تختصرها عبارة "كل يرى الناس بعين طبعه". فذلك الشاب الذي يجري خلف الفتيات ويتحمس ليوقع أكثر عدد ممكن منهن في شباكه تجده غالبا متشددا جدا على أخواته وحتى زوجته تشديدا قد يصل إلى مرحلةِ الشك والعقاب من مجرد شك . هذا أيضا ينطبق على متعاطي الكحوليات فتسيطر عليه الأفكار السيئة عن الآخرين وغالبا ما يكون الأهل وخصوصا الزوجة هم الضحية . أما التأويل الأخير قد يكون أن الإنسان يظلم غيره لمجرد أنه يستطيع فعل ذلك و قد يستمتع حين يفعل ذلك "سادية".
عزيزي القارئ إذا كنت قد وصلت معي إلى هذه النقطة في تدوينتي فأنك على الأغلب تذكرت مواقف ظلمت فيها أو انك تذكرت أشخاص ظلموك ، لكن هل حدث يوم وأن كنت أنت هو من سلب أحدهم نور الداخل؟ لا تجب يا عزيزي بهذه السرعة وتمعن في المكتوب فالعلماء أجمعوا بأنها غالبا ما تكون عملية لا شعورية ولكي تكتشف ذلك عليك أن تذهب إلى ما هو أبعد من مراجعة نفسك ، أذهب وسل القريبين منك وتذكر قصة المدير والذي وبسببه سلب نور ثلاثة أشخاص . وأستطيع الجزم أنه لو أن كل شخص بدأ في التغير من نفسه لكنا صرنا أفضل حالاً.
أما عن الإنسان الذي يجرؤا على الظلم فهو على الأغلب إنسان قليل الإحساس لا يقدر قيمة نور الداخل . بطبيعة الحال لا يقدر قيمة الشيء إلا فاقده ، لكم أن تلقوا نضره على ذوي الاحتياجات الخاصة سواء كان أصم ، أبكم وخاصة إذا كان كفيف فغالبية هؤلاء الناس يكفي أن تلقي نظره عليهم (و قبل أن حتى أن ترى منهم فعلا) حتى تجدهم أناس مضيئون ويملئون نفسهم ومن حولهم نورا هذا لأنهم فقدوا جزء من نور الخارج فهم بحق يقدرون قيمة نور الداخل وأثره عليهم وعلى من حولهم .
في نهاية الأمر أقول أن نور الداخل لا ينطفئ ولكنه فقط يخفت وهجه ليعود أكثر وهجا و إشعاعاً من ذي قبل . و يجب علينا أن نتمسك بالأمل ، فالشمس مهما طال غيابها فأنه لابد أن يأتي يوم و تشرق فيه لتزيح الظلام عن المظلوم وتمنح الباحث عن حب حضنا دافئا و تعطي الكفيف ألوانه التي يحلم بها . المهم فقط ألا ينحسر دورنا على الحذر من أن نكون السبب في سلب النور من أحدهم و لكن يجب أن يتعدى ذلك إلى منح النور لكل محتاج وغير محتاج.
كونوا مضيئين ، و إمنحوا النور تمنحوا الحياة.
دمتم بود،،
المصدر : مدونة عيناك