توافق ..

    • الوطن -

      صالح الفهدي:



      إن لم يحسنْ الطبيبُ إلى مظهره ، ويعتنِ بهيئتهِ ، وبطريقةِ تواصلهِ الإنساني مع المرضى فلا يجدرُ به حمل هذا اللّقب ..!! فهو لا يتّسق مع رقيِّ مهنتهِ ، وبياضِ ملابسه ..! إن لم يعِ صاحب الشهادةِ العليا في الحقولِ الإنسانيّةِ قيمة الكلمةَ التي ينطقها ، ولا يُتقننْ الجلوسَ في المجالسِ ، ولا يفقهء بديهيات التخاطبِ مع الآخرين فلا يجدرُ به حمل اللّقب ..! إن لم يدرك المعلم أهميّة الوسيلة التي يجذبُ بها اهتمام طلّابه ، ويعتنِ بفهمهم لشروحه ، ويلقِ بالاً لطريقةِ تعاملهِ معهم فلا يجدرُ به حمل اللّقب..! إن لم يدرك المسلم قيمة التعامل في الإسلامِ وحسب الدّين محصوراً في الفرائض فما فهم دينه ..! إن لم يُدرك المتعلّم قيمة التواضع كأعظم حلَّةٍ يتزيّا بها المتعلم فليس جديراً بلقب متعلّم ، وخيرٌ منه جاهلٌ متواضع ..! إن لم يدرك المسؤول قيمة الترابط بين الكفاءة والأخلاق فلا يستحقُ التكليف.

      ما أرمي إليه بالقول هو أن بعض الأسس هي من البديهيّات بمكان ، لا يمكن التنصُّل عنها وإلاّ صحّ أن يقال عن الإنسانِ بأنّه "منفصمٌ" أو "مزدوج" ..! فأنت ترى صاحب شهادةٍ عليا - ولنحصر ذلك في حقولٍ تتّصل بالعلومِ الإنسانيَّةِ أو ما يشابهها من علومٍ تتّصل بالعلاقةِ مع الإنسان بأيِّ حالٍ من الأحوال - تراهُ وهو يزهو بلقبهِ العلمي ويتباهى ، فإذا تحدَّث سقط من عينيك ، وإذا تصرّف هوى من تقديرك ..! ذلك لأنّه افتقدَ في العلمِ إلى أبجديات الأخلاقِ والأدب ، إذ لا يمكنُ أن يرتفع قدرَ متعلّمٍ لا يقيم للأدب والخلقِ منزلاً في نفسه وسلوكه ..! فأنت تحسبهُ المستمعَ الأريب غير أنّك تجده لا يطيقُ صبراً ، ولا يتّسعُ صدراً ..! وأنت تحسبهُ المتحدّث الأريب فإذا تكلّم سخف من رأي الآخرين، وسفّه بهم ، وساق لهم مما ترتضيهِ نفسه دون أن يكون بالضرورة متّسقاً مع سياق الموضوع المتداولِ طرحه ونقاشه ..! وأنت تحسبُه مقدّراً أثر الكلمة التي يتفوَّه بها ، فإذا بك تجد الكلمات وقد خرجت من جوفه مطلقة العنان ، غير آبهٍ بما تصيبهُ من مشاعر الآخرين ..!

      وترى طبيباً فتحسبهُ راقياً في أسلوبهِ ، رحيماً في تعامله ، صبوراً في التعاطي مع مرضاهُ ، لكنّك تجدُ منه الإعراض والتجاهل ، فلا يحفلُ لك ، ولا يلقي اهتماماً بك .. وأنت تأملُ منه أن يحنو عليك ، وأن تظفرَ بإنسانيته كي يفيضَ عليك بعضاً مما وهبه الله من العطفِ والرأفة. تذكرُ إحداهن إن طبيبةً صدمتها بكلامٍ مفجع عن إصابتها بمرضٍ خبيث ..!! هكذا رمتها الطبيبة ولم تكن كلمةً ما رمت إنّما رصاصةً أصابت القلبَ بهول الصّدمة ..! .. ثم بعد أسبوع جاءتها بالبرودِ ذاته لتقول لها إن الكشف قد أوضح أنّه ورمٌ حميد ..!! وبين المشاعر الباردة أسبوعٌ من الآلام قاسية ، وعذابات مؤلمة ، وصراعات رهيبة ..! طبيبٌ آخر يطلُّ على مرضاه غير معتنٍ بمظهره ولا بجسده فلا مظهره - بدءاً من القدم إلى الرأس - يدلُّ على مهنتهِ النظيفة ، المرتّبة ، ولا جسده غير المعتنى به يدلُّ على فهمه لمهنته ..!! فكيف يشعرُ المريضُ بالاطمئنانِ وهو يرى طبيبه على هذه الحال ..؟!

      وترى المسؤول - في مختلف المراتبِ الوظيفية - فتحسبه ناضج الفكرِ ، رزين الشخصيّةِ ، يحدّثك عقلك بأنّه لم يصل لما وصل إليه من مستوى متقدّم إلاّ لكفاءةٍ فيه ، لكن ما إن يُظهر لك الغرور ، ويبين لك التعالي ، ويكشفْ لك الاستخفاف حتى يهوي من عينيكَ. يذكر أحد الأصدقاء أن مديراً اتصل به وقد ظفر بخطأٍ - كما ظن - كان يتصيّده منه فقال له وهو يضحك ساخراً : لقد وقعت في خطأٍ عظيم ..!! ثم وجد هذا السّاخر نفسه في موقفٍ لا يُحسدُ عليهِ حينما كان هو الواقعَ في (الخطأ العظيم)..! ويحدّثني آخر أن مستشاراً أراد النيلَ منه بتحميله خطأً إدارياً وكأنّما قد ظفر منه بكبوةِ الحصانِ ..! لكن تبيّن أن هذا المستشار هو الذي كان وراءَ الخطأ ..!

      وترى الأستاذ الجامعي الحاملَ للشهادةِ العليا فتظنُّ - متعجّلاً - أن العلمَ عمامةٌ ولقب ، ثم ما إن تكتشفْ أن سلوكه لا يتلاءم مع مرتبتهِ العلميّة ، ولا منزلتهِ الأكاديميّة ، فيفقد تقديرك له ..! يحكي طالبٌ جامعي عن أستاذه قائلاً: أنّه لا يقيمُ وزناً ولا تقديراً للطالبِ ، لكنّه يرخي الصوت ويبسطُ القسمات حينما تخاطبه طالبةٌ من طالباته ..! أبهذا الأستاذ الجامعي ينهضُ جيل ، وتُحفظُ أخلاق ، وتصانُ فضائل..؟! وأستاذٌ جامعيٌّ آخر يبحثُ في الأخلاقيات والقيم لكنّه يثير الفتن والنعرات في عمله ..! وكم على شاكلتهم الكثير ، وهنا يبرزُ الخلل بين المهنةِ وأخلاقياتها ، تلك التي يرى ييمان (Yeaman, 2005)1 أنها تنطلق من المعتقدات الدينية كأصول ثابتة تنطلق منها أخلاقيات المهنة، ويظل لها في ذات الوقت بعد ثقافي اجتماعي يفسح المجال لتنويعات تتجاوز الدساتير واللوائح وتضع فى الاعتبار الآخر الذي يتعامل معه صاحب المهنة. إذاً ما لم يكن الأساسُ قويّاً فلن يقوّم الاعوجاج في الأخلاق..!

      إن التوافق بين الاسم والفعل ، بين المظهرِ والمضمون مسألةٌ جوهريّة ، يقول المتنبي:

      وما الحسنُ في وجهِ الفتى شرف له .. إذا لم يكن في فعلهِ والخلائقِ

      ويقول المهاتما غاندي "لا يستطيع الإنسان أن يقوم بفعل صحيح في جزءٍ من حياتهِ بينما هو مشغولٌ بفعلٍ خاطئٍ في جزءٍ آخر. إن الحياةَ كلُّ واحد لا يمكن تقسيمه" ويقول "ستيفن كوفي" في كتابه"العادة الثامنة من الفعالية إلى العظمة": إن كلاّ من الكفاءة والأخلاق ضروريّتان بالطّبع ولكن إحداهما من دون الأخرى غير كافية ..! وفي إحدى مؤسساتنا رشّح أحد الموظفين لمنصبٍ معيّن لدى أحد المسؤولين وذكر بأخلاقه، فقال المسؤول: لا تهمّني الأخلاق وإنّما الكفاءة .. وقد أخطأ كثيراً في هذا الاعتقاد ..! وقد شهدتُ على أحدهم بالكفاءةِ في إحدى الجهات لكنّه مفتقرٌ إلى الأخلاقيات والمصيبةُ أنّه في وظيفةٍ توجبُ عليه التعامل مع آخرين من خارجِ جهةِ عمله ..! ونعود إلى "ستيفن كوفي" حين دوّن مقولةً للجنرال نورمان شوارزكوف يقول فيها" لقد قابلت في الجيش كثيراً من القادة الأكفّاء الذين تنقصهم الأخلاق.. كانوا لا يقومون بأي عملٍ جيّد في الجيش إلا من أجل ترقيةٍ أو جائزةٍ ما ، من أجل أن يصعدوا على أكتاف الآخرين ، من أجل قطعةٍ أخرى من الورق تمنحهم درجة أخرى تنقلهم خطوةً في الطريق إلى القمة. كما ترى لقد كان هؤلاء الأشخاص أكفاء لكن تنقصهم الأخلاق ، بالمقابل عرفت كثيراً من القادة الذين يتمتعون بأخلاق عالية ولكن تنقصهم الكفاءة ، لم يكونوا مستعدّين لدفع ثمن القيادة ، لقطع ميل إضافي ، لأن هذا ما يتطلبه كونك قائداً عظيماً. لكي تقود في القرن الواحد والعشرين أنت بحاجةٍ إلى الأخلاق والكفاءةِ معاً" ونحن لا نتكلّم عن قدوةٍ وفينا معلّمنا الأوّل وأسوتنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فهو رأسُ المثلِ في الأخلاق" وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ "القلم-68 ، فهو الذي تأسّست شخصيّته على أعظم فضيلتين: الصدق والأمانة، وهو مضربُ المثلِ في الكفاءة إذ هو القائدُ الفذُّ ، والإمامُ العدلُ ، والمرشدُ المبين.

      صحيحٌ أن الكمال لله ولا اعتراض ، لكننا نتحدث عن روابط بديهيّة بين كفاءةٍ وخلق ، مظهر ومخبر ، مرتبةٍ وسلوك ، مهنةٍ وأخلاقيات ، يقول الشيخ محمد الغزالي -رحمه الله- "على المسلم في كل ساعة من عمره أن يسعى نحو الكمال ، وأن يحث المسير إلى الارتقاء المادي والنفسي فإن مستقبله عند الله مرتبط بالمرحلة التي يبلغها في تقدمه" والتوافق في الأسس الجوهريّة أمرٌ مهمٌ يقاسُ به المرء ، ويحكم عليه به لأنّها لوازم متّصلة ، وعناصر مرتبطة.


      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية

      وأدعوكم للإستفادة بمقالات متقدمة في مجال التقنية والأمن الإلكتروني
      رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
      المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
      والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني
      Eagle Eye Digital Solutions