قانون يحمي اللغة .. مطلب حيوي ! "2-2"

    • قانون يحمي اللغة .. مطلب حيوي ! "2-2"

      الشبيبة -

      سعيد بن سالم النعماني:



      وفي النقطة الثانية فإن وسائل الإعلام أحدثت تأثيرا بالغا أضر باللغة العربية ضررا جسيما، ويبدأ ضررها بداية من المذيع (الإذاعي والتلفزيوني) والمحرر الصحفي، فهؤلاء لا يشترط في تعيينهم أن يكونوا متأهلين في نحو اللغة العربية وآدابها بل يمكن لخريج فنون مسرحية، أو فني ديكور، أو مدرب رياضة، أو أي تخصص آخر أن يعمل في المجال الإعلامي، ولهذا فنحن نصاب بالغثيان عندما نتابع وسائل الإعلام الإذاعية بشتى تفرعاتها، لأننا في أحيان كثيرة لا نرى أمامنا مذيعا بل مهرجا حيث لا لغة ولا فكر ولا ثقافة ولا سمت ولا لباس.

      كما أن كتّاب القصص والروايات والتمثيليات والممثلين والمخرجين يقومون بدور بالغ الخطورة في نشر الـعُـجْـمَـة بين ناشئة العرب وذلك من خلال تداولهم لألفاظ سوقية، وألفاظ أعجمية غير عربية الأمر الذي أدى إلى انتشارها في أوساط المشاهدين والمستمعين والقارئين، فهناك الكثير من الألفاظ السيئة المعنى وتلك غير ذات الأصل العربي يتداولها الناس في أحاديثهم اليومية بل حتى في مكاتباتهم وذلك من جراء ما يكتبه وينطقه وينفذه بعض الكتاب والممثلين والمخرجين والمذيعين والمحررين، هذا فضلا عما ينتجه بعض الكـُـتـَّاب مما يسمى الأدب المكشوف، ويوجد بين المخرجين والممثلين من يهوى هتك الأسرار فيتلقفونه ويقدمونه عملا فنيا يدخلون به المسابقات، وهناك يوجد أقرانهم في لجان التحكيم والتحليل الفني من الحداثيين وغيرهم فيقررون إجازة تلك الأعمال المنتهكة لخصوصيات الناس، وما يدور بين البعض منهم من أسرار في الحجرات المغلقة، وهم الذين يضجون على الحكومات بالنقد زاعمين انتهاكها لخصوصياتهم في الاتصال والكتابة وغيرها، ويشنون الهجوم على ما يسمونه بمقص الرقيب الذي أصبح للأسف مقصا كالا. وهكذا ينتشر الغثاء، وهكذا تـُهَاجَـمُ اللغة ويُحَط من قدرها بقصد الوصول إلى لغة خالية من التعبير عن أي أدب إلا عن أن تكون معبرة عن الغرائز الشهوانية. في التحدي الثاني الذي تواجهه اللغة العربية جراء وجود أعداد هائلة من الوافدين غير العرب إلى بلدان العرب والتي تصل أعدادهم إلى الملايين فإن هؤلاء أوجدوا اليوم في بلداننا لغة هجينا لا منهج لها ولا هوية. فالمذكر مؤنث والمؤنث مذكر، ونتيجة لذلك ضعفت القدرة التعبيرية والإنشائية لدى فئات كثيرة من العرب. يضاف إلى هذا وجود جماعات في بعض البلدان العربية وفدت إليها من بعض بلدان حوض المحيط الهندي وظلوا محتفظين بلغة المنطقة التي وفدوا منها رغم توطنهم في البلد العربي، ولذا ترى الواحد منهم باللباس الوطني للبلد العربي الذي أصبح وطنه ولكن لسانه أعجمي وهو إن تكلم بالعربية فعلى قاعدة لغة القوى العاملة الوافدة.

      أما التحدي الثالث فإن التطورات السياسية والاقتصادية العالمية، وكذلك المبتكرات العلمية ووسائل الاتصال والتقنية الحديثة قد أدت إلى دخول كم هائل من المسميات والألفاظ والتراكيب غير العربية إلى لغتنا. يضاف إلى هذا أيضا أن الحركة التعليمية تلحق ضررا بلغتنا من خلال اعتماد اللغة الانجليزية كلغة تدريس في بعض مؤسسات التعليم العالي، ولهذا أصبح النشء الجديد يتداولون في منازلهم بين أهلهم وذويهم ألفاظا مثل: (كلاس) أي الفصل، و(اللاب) أي المختبر ويجمعونها أحيانا فيقولون (لابات) أي مختبرات، هذا فضلا عن الكلمات التي أنتجها مجتمع التقنية، مثل: (بي سي)، و(لابتوب)، و(جي أس أم)، و(موبايل)، و(شات)، و(ماسنجر)، و(بروجرام)، و(ست أب)، و(يو أس بي)، و(ماوس)، و(سي دي)، و(دي في دي)، و(فلوبي)، و(ديسك)، و(فلاش مِـمُـوري)، و(دسك توب)، هذا فضلا عما بات مستقرا في الذاكرة الشعبية العامة من ألفاظ سابقة، مثل: (دريول: سائق)، و(جير: أداة تغيير سرعة السيارة)، و(ريوس: الرجوع للخلف)، و(ليسن: رخصة)، و (بند: إغلق)، و(ليت: سراج، مصباح)، و(بمفر: واقي)، و(سايد، وهاند بريك: كابح السيارة الجانبي المقبض)، وغيرها كثير.

      يقابل ذلك تدني المستوى البياني لمنهج اللغة العربية في التعليم العام، وتحديدا في مجال النصوص التي يفترض أن تكون في المستوى القياسي من جميع الوجوه، ولأسماء أدبية قد اتفق النقاد على رمزيتها تبعا لاتفاقهم على قياسية نصوصها المستقرة في خارطة الأدب العربي. لكن الملاحظ أن هناك من الأسماء المحلية والنصوص الموجودة في المقرر الدراسي ما لا تفسير علميا لوجوده إلا أن تكون الحماسة الولائية وراءه اعتزازا وتلميعا، بما يشير إلى أن عملية إعداد المنهج قد تـُسْـتـَمَـال في بعض الحالات إلى رؤية تتعارض مع المنهج العلمي الذي يخدم اللغة، مثل إقرار تدريس بعض النصوص الحداثية المحلية، مع أن فكرة الحداثة نفسها لا يوجد لها قبول بين الغالبية من أدباء العربية، كما أن طائفة من النقاد لا تزال ترفض تسمية نتاج الحداثيين: شعرًا، لعدم توفر شروط الشعر فيه بناء على منهج أدب اللغة العربية في التمييز بين ما هو شعر وما هو نثر.

      إن ما يُـقـَـدّم للطلاب في مرحلة التعليم العام من معارف ينبغي أن يتماثل مع المستوى العلمي للمعرفة الموسوعية، التي يقوم منهجها على تقديم المعلومات المستقرة، والمتوافق عليها، لذا فهي لا تقدم -في الغالب- معرفة مختلفا عليها. هكذا ينبغي أن يُـصَار في مناهج التعليم العام فيما نحسب.

      وأشير هنا إلى نص يُـدَرّسُ لطلاب الصف الحادي عشر لأحد الكتاب الحداثيين يقول في مستهله: تكور الزمن كما بطن حامل.

      نفهم أنه أراد أن يمثل للزمن في توالي أحداثه المفجع منها والسار بالأنثى الولود، ولكن هذه العبارة من الركاكة وعدم البيان بمكان لا تصلح معه ولا يصلح قائلها لأن يُـتـّخذ نموذجا لنشء نريد للغته أن تكون مُـفـْصِحَة مُبـِـيْـنـَة، تستطيع أن تحافظ على هويتها وبلاغتها في ظل عالم كل مجرياته ضد ثقافات ولغات الأمم غير الصناعية. فإذا كانت هذه هي لغة الـْمِـثـَـال، وذلك هو بيانه فكيف ستكون لغة الـْـمـَـتـَـمَـثـِّـل، وكيف سيكون بيانه؟

      إنه لا اعتراض على تدريس الطلاب أي نتاج تتوافر فيه الصفة الأدبية، لكن الشرط في ذلك أن يكون ذلك النتاج معززا لمنهج اللغة لا هابطا به، ثم إن تجاوز النصوص الأدبية العربية القياسية في بلاغتها وفصاحتها إلى ما هو هجين وأعجمي لا يكاد يُفـْـصِـحُ عن معنى كالنتاج الحداثي، أو إيراده بمعيتها، لا يحمل أي خدمة للغة العربية ولا يعزز فهمها ولا التعبير بها لدى الناشئة، بل يُوَسّـع من دائرة الركاكة والـْـعُـجْـمَـة، ويغرس في نفوس الناشئة روح التمرد على هُـوَيَّـة الأمة وقيمها وآدابها، وهو ما نرى أن الناشئة مُسْـتـَـكـْـفـُـونَ فيه بما يتلقونه من المصادر المتعددة: ألعاب (الأتاري والبلاي استيشن)، والأفلام السينمائية، ونتاج الكـُـتـَّاب المتمردين على الدين وعلى الأخلاق (أدونيس على سبيل المثال في كتابيه: "في قضايا الشعر المعاصر، ومقدمة للشعر العربي") الذين أصبحت كتبهم في متناول الأغـْـرَار دون أي رقيب ولا حسيب، وهو ما نعايش آثاره السلبية بكل حسرة وألم منذ مراحل التعليم العام فضلا عن العالي، والدليل على ذلك: التمرد الملموس على الوالدين، والتمرد على المعلمين، والتمرد على الوطن وعطائه ومكتسباته، والجنوح الملح إلى كل ما هو شاذ وغير مألوف من قيم أمتنا.

      مما تقدم أقول أن المعضلات التي تواجه لغتنا من قبل أبنائها أعظم مما يدهمها من أخطار خارجية، وما لم تقم الحكومات بمواجهة هذا الخطر فإن اللغة في مهب الريح، وأهم إجراء على الحكومات العربية أن تتخذه هو أن تصدر قانونا لحماية اللغة العربية. وإنني أقترح في هذا السياق على الأمانة العامة لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربي أن تتبنى استصدار هذا القانون على مستوى الدول الأعضاء، وأن يصحب صدور هذا القانون إنشاء مجمع لغوي في كل بلد يراقب وضع اللغة، ويرصد التجاوزات، ويقدم البدائل المعجمية والاصطلاحية والمفردات، ويساهم في المناهج، ويقترح الخطط اللازمة لحماية اللغة، وأن تكون له في ممارسة عمله قوة القانون.


      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية

      وأدعوكم للإستفادة بمقالات متقدمة في مجال التقنية والأمن الإلكتروني
      رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
      المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
      والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني
      Eagle Eye Digital Solutions