قيمة الدعاء

    • قيمة الدعاء

      الوطن -

      صالح الفهدي:



      مما يستدعي النّظر، ويحتّم العنايةَ في حياتنا هو الدُّعاء، فهو علاجٌ نفسيٌّ عظيم، تحتاجهُ النفس للصفاء والاطمئنان، ويحتاجهُ العقلُ للثبات والاتّزان.. بينما يغيبُ الدعاءُ كثيراً في حياتنا..!! وأكونُ صادقاً في القولِ بأن هذا الموضوع قد طرأ عليَّ بعد أن حضرتُ عدّة لقاءاتٍ تكريميَّة في مدرسةٍ إنجليزيَّة وفي ختام المناسبة التكريمية للطلاّب يقرأؤن جميعاً دعاءً بصوتٍ واحد..! ثم حضرتُ نشاطاً رياضيّاً وبعد انتهائه قرأ المشاركون في الحلقة التدريبيّة دعاءً ردّدوه وراءَ أحد الأطفال المشاركين..!! شهدتُ ذلك وقلتُ ما قاله الشيخ محمد الغزالي: "والمؤسفُ أنّ النصارى يتّجهون إلى الله تعالى ولكنهم يجعلون معه إلهاً آخر أو إلهين آخرين..!!" شهدتُ هذا وقلت: أوَليس الأحرى بنا ـ نحن المسلمين ـ أن يعمرَ الدعاءُ سائر شؤون حياتنا، والأدعيةُ عندنا لا يتّسعُ لها بابٌ من كثرتها، تغطي اللّيلَ والنهار برداء الطمأنينة، وتحفظهما بحصنٍ حصين..! ، شهدتُ هذا وقلت كم نحنُ مقصّرون في الدعاءِ، والله يبسطُ يديه ليلاً ونهاراً للمسيئين الطالبين العفو..! يقول عزّ وجل (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) البقرة-186..

      وفي حين فإن للدعاءِ أهميّةً نفسيّةً كبرى في حياةِ الإنسانِ إذ تنشرُ في نفسه السعادة، وفي هذا يروي ديل كارنيجي عن الدكتور كاريل مؤلف كتاب (الإنسان ذلك المجهول) وأحد الفائزين بجائزة نوبل قوله "لعل الصلاة ـ وهو يقصدُ الدعاء ـ هي أعظم طاقةٍ مولّدةٍ للنشاطِ عرفت إلى يومنا هذا..!! لكن الدعاءَ في حياتنا قليل، بالرّغم أنّه كثير حيث يتناقله الناسُ في رسائلهم الهاتفيّة، كما يتناقلونه في بُرُدهم الإلكترونية، إلاّ أنّه يمرُّ مروراً عابراً عليهم دون أن يستوقفوه ليحلَّ ضيفاً على قلوبهم..! ودون أن يثبتوهُ في مدوّناتهم ومذكِّراتهم إلاّ القليل.. ! فكم هم الذين يتلوون أدعيةَ الصباحِ والمساء يطلبون التوفيق؟! وكم هم الذين يستفتحون أعمالهم ويختمونها بالدعاء يطلبون التيسير؟! وكم هم الذين يستفتحون مأكلهم ومشربهم بالدعاء يطلبون دوام النّعم؟ وكم هم الذين يختمون مجالسهم بالدعاء يطلبون الغفران؟ وكم هم الذين يدعون لأنفسهم وأبنائهم وآبائهم الرضا والرحمة؟! سمعتُ أحد الدعاةِ يقول أن رجلاً شكى إليهِ عصيان ابنه فقال له: هل خصصت عشر دقائق لتدعو له بالهداية؟! قال: لا..! وهذه هي المشكلة إنّما فاقدُ الشيءِ لا يعطيه.. فكيف بمربٍ يريدُ الخير والصلاح له وذريّته وهو لا يدعو؟! وفي المقابل، هل يخصص الابن عشر دقائق ليدعو لوالديه..؟!

      يخبرني أحد الأصدقاء المقرّبين أنّه اتخذ عادةً حسنةً في تسجيلِ أبيات شعرٍ يستطيبُ لها، أو أدعية يستحسنها في مذكرة عنده.. هذا الصّديق شرّفني منذ سنواتٍ قليلةٍ بمراجعةٍ كتاب جمّع فيه أدعيّةً منظومة أراد طباعته طلباً للثواب من الله، باسم "الأدعية السنية". الغريبُ في الإنسانِ أنّه معدمُ الدعاءِ في السَّراءِ، مكثرٌ وملحٌّ له في الضرّاء، وهذا ديدنه..! بينما الدعاءُ في الرّخاء باب للإجابةِ في الشدائد، يقول النبي صلى الله عليه وسلم "من سره أن يُستجاب له عند الكرب والشدائد فليكثر الدعاء في الرخاء". "أخرجه الحاكم وقال: صحيح الإسناد". لكن طبع الإنسانِ أنّه غافل عن ربّه، مطمئنٌ إلى ماله وحاله اطمئنان صاحب الجنّة الذي قال حين دخل (مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً) الكهف ـ35، وكان أحرى عليه أن يقول (مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ) الكهف ـ39، طبعُ الإنسانِ الاغترار بما عنده من نعم، حتى إذا تكالبت عليه المصائب، وتزاحمت عليه المحن تذكّر أن له خالقاً يبرئُ علّته، ويدفع بلاءه، ويزيح كربه..! يقول تعالى (وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ) فصلت ـ51، يروي أحدهم قائلاً: قمتُ بتجربة بسيطة وهي أنني سألتُ مئات الناس ممن تعرضوا لمشاكل وأخطار وحوادث، وقلتُ لهم: هل قال أحدكم هذا دعاء أي (بسم الله الذي لا يضرّ مع اسمه شيءٌ في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم) يقول: صدِّقوني لم أجد واحداً قالها من بين هؤلاء جميعاً..!

      إن هذا العصرَ الذي تكثرُ فيه الأمراض النفسيّة الناتجة عن حالات الاحباطات والكآبات سخطاً من الواقع، وتذمُّراً من الأحوال، وخوفاً من عواقبِ التقلبات المختلفةِ لتحتاجُ النفسُ فيهِ إلى علاجٍ روحي، ويحتاجُ الفكرُ إلى رشيدٍ هادئ وهذا لا يتمُّ إلاّ بالدعاء، والنفسُ في هذا ـ وفي غيره ـ كالفطيمِ إن تعوّد علي شيء سلك عليه ودرج..! وفي هذا أضربُ مثلاً شخصيّاً: فقد كنتُ حينما أقطعُ طريقاً إلى الجامعةِ في إحدى البلدان الغربيّة أقضي وقتي هامساً بالتسبيح والحمد والتكبير، فلّما عدتُ إلى الدربِ ذاته بعد غيابٍ لأشهر ثلاثةٍ إذا بي أرى أصبعي الخنصر يتحرّك تلقائياً بين مفاصلِ الأصابع وشفتاي تلهجان بالتسبيح والحمدِ والتكبير..! هذا يعني أن النفسَ يمكنُ ربطها بالصلاحِ كما يمكن ربطها بالطلاحِ عند أولئك الذين تعوّدت ألسنتهم أن تقذف بسفاسف الكلام..!

      ما أجمل الإنسان أن يستفتح يومه داعياً: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ المُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ المَسَاكِيِنِ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي وَتَرْحَمَنِي، وَإِذَا أَرَدْتَ فِتْنَةَ قَوْمٍ فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ، وَأَسْأَلُكَ حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُنِي إِلى حُبِّكَ. اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ وَرَحْمَتِكَ، فَإِنَّهُ لاَ يَمْلِكُهَا إِلاَّ أَنْتَ. اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ يَا الله الوَاحِدُ الأَحَدُ الصَّمَدُ الّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُوْلَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوَاً أَحُدٌ، أَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيِمُ. اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِرَحْمَتِكَ الّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ أَنْ تَغْفِرَ لِي. اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمَاً نَافِعَاً، وَرِزْقَاً طَيِّبَاً، وَعَمَلاً مُتَقَبَّلاً" وأن يردّد قبل النوم (اللهم إني أسلمتُ وجهي إليك وفوضّتّ أمري إليك وألجأتُ ظهري إليك رغبة ورهبة إليك لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك آمنتُ بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت) وهو بهذا يفرّغ شحنات، ويُخلي هموماً، ويطرد وسوسات، ويزيح كربات، فيهجع وقلبه مليء بالطمأنينة والاستقرار. وكذلك عند لبسه ثوب ونعله، واستفتاحه عمله، واستقبالهِ دربه وفي سائر حياة الإنسان.. حتى حين يتكلّم مستهلاً أو خاتماً حديثه، وفي هذا المقام فإن خطب جلالة السلطان المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ تختتم بالدعاء كمثل دعائه في خطابه الأخير بمجلس عمان عام 2009" ربنا عليك توكلنا، فاكتب لنا التوفيق والنجاح في أعمالنا وهيئ لنا من أمرنا رشدا، فأنت نعم المولى ونعم النصير، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين".

      والدعاء عاصمٌ من الحسد..! وما عينُ الحسدِ التي تنتشرُ في مجتمعاتنا فتصيبُ هذا بالمرض الجسدي، وتلقي في جوف ذاك بالضِّيق النفسي، إلا نتيجةً لعدم الدعاء، يقول النبي صلى الله عليه وسلم" "عَلامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ؛ إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مِنْ أَخِيهِ مَا يُعْجِبُهُ فَلْيَدْعُ لَهُ بِالْبَرَكَةِ" (حديث صحيح). وضررُ هذه العين خطيرٌ على البشر لأن صاحبها لا يستفتحُ بدعاءِ، ولا يستهلُّ بخير..!! يقول الله تعالى لنبيّه "وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون وما هو إلا ذكر للعالمين) القلم ـ51.. ويزلقونك في تفسير ابن كثير أي يحسدونك لبغضهم إيّاك..! يقول الشاعر:

      ترميك مزلقة العيون بطرفها *** وتكلُّ عنك نِصالُ نبل الرامي

      أصحابُ هذه العيون الحاسدة هم أناسٌ مرضى، لا يفرحون لسعادة الآخرين، ولا يستريحون لراحتهم، إنّما تغلي أفئدتهم بالحقد، وتفورُ بالكراهية لهم لأن الله أنعم عليهم..! أعينُ هؤلاءِ الحاسدة تعبّر عن أنفسهم الضيقة، وعقولهم القاصرة التي تستقرُّ عند مرآى الآخرين سعداء، ولو أنّهم وطّنوها بالدعاءِ، وبلّلوا غلواءها بمائه الرقراق لما نفذت أعينهم كالجمر إلى نفوس الآخرين فعانتهم ..!

      والدعاءُ حصنٌ منيعٌ ضدُّ البشرِ الحاقدين ـ قبل غيرهم من المخلوقات ـ أولئك الذين يرى المرءُ الشرورَ، والكراهيةَ نافرةً من أعينهم، ومتجسّدةً في قسماتِ وجوههم، وبيّنةً في سطورِ كلماتهم..! أولئك البشرُ الذين يتعاملُ الإنسانُ معهم في عمله فيحسدونه على ما أنعم الله عليه من وظيفةٍ أو مرتّبٍ أو ميزة لم ينالوا مثلها ..! وأولئك الذين يتعاملُ معهم في سائر الشؤون الحياتية الأخرى والذين لا تراهم إلاّ ممتعضين، متذمرين، لا يقر لهم قرار، ولا يهدأ لهم خاطر إلا أن يستولوا بما عند الآخرين من نعم، أو أن يستريحوا حين تزول النعمة ممن أمضّوا فؤادهم همّاً وكرباً ..!! هؤلاءِ لا يصدّهم غير دعاء الإنسانِ مردّداً في صبحه ومسائه "بسم الله الذي لا يضرّ مع اسمه شيءٌ في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم" "رواه ابن ماجة". والدعاءُ دفعُ البلاءِ من الشرور التي تسبّبها كائناتٌ أخرى غير الإنس، وهي بلاءاتٌ أُخرى لا يصدّها إلاّ حمايةُ النفس بالدعاء ليلاً ونهاراً ..فللدعاءِ قوّةٌ عاصمة، وأثرٌ مكين، يقول الشافعي:

      أتهزأ بالدعاء وتزدريه .. وما تدري بما صنع الدعاء

      هذه بعضُ نوافع الدعاءِ النفسيّة، فـ "الدعاءُ سلاحُ المؤمن، وعماد الدين، نور السماوات والأرض" حديث شريف. وللمرءِ كي يسعد نفسياً، ويطمئن عقليّاً، وتصلح أحواله، وتهنأ معايشه، عليه بالدعاء.. فليتنا نعمرُ حياتنا بالدعاءِ الجميل، في الطابور المدرسي حيث يردد الطلاب بصوت موحّد دعاءً يحفظونه، وفي المكاتب حيث يردد كل موظّف ما يراه حسناً من الدعاءِ وفي كلِّ مناحي الحياةِ وشؤونها.. وما كتبتُ هذا إلاّ من الشعور بتقصيرنا في الدعاءِ ـ كما أظنّ ـ كتقصيرنا في إبداءِ تحيّة السلام التي قلّت كثيراً في أسواقنا وطرقاتنا.. بل وبيوتنا..! فهل لنا إلاّ جفاف القلوب، وغلظة النفوس، وصلافة التعامل إن تركنا الدعاء والتحيّة..؟!


      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية

      وأدعوكم للإستفادة بمقالات متقدمة في مجال التقنية والأمن الإلكتروني
      رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
      المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
      والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني
      Eagle Eye Digital Solutions