هل كانت واشنطن وسيطا نزيها لحل الصراع الف

    • هل كانت واشنطن وسيطا نزيها لحل الصراع الف

      صبري سعيد

      في الحادي والعشرين من يناير العام الجاري استهل الرئيس الأمريكي باراك أوباما عامه الثاني في البيت الأبيض دون أن يتمكن من الوفاء بوعوده التي قطعها إبان حملته الانتخابية وما أكثرها.. ويهمنا أن نتوقف بالرصد والتحليل أمام الصراع العربي – الإسرائيلي الذي أبدى أوباما اهتمامه مبكراً به خلافاً لأقرانه الذين عادة ما كان يأتي اهتمامهم به في " الوقت بدل الضائع " على نحو ما حدث مع الرئيسين بيل كلينتون وجورج بوش حيث أهمله الأخير حتى العام الثامن والأخير في ولايته الثانية.. وعندما تحرك لم يتسع أمامه الوقت لإنجاز أي شيء على الأرض .

      • أوباما الذي عين السيناتور ذا الجذور اللبنانية جورج ميتشيل مبعوثاً خاصاً له إلى الشرق الأوسط في ثالث أيامه بالمكتب البيضاوي وأرسله إلى المنطقة عدة مرات آخرها قبل نهاية يناير العام الجاري لم يتمكن من تحقيق أي اختراق لاستئناف المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية المجمدة منذ نهاية 2008 بسبب تصلب وعناد الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة بزعامة بنيامين نتانياهو ، وإصرارها على فرض شروطها على الجانب الفلسطيني لاسيما فيما يتعلق بـ " يهودية إسرائيل " ورفض تجميد الاستيطان كلياً وهو مارفضه الرئيس الفلسطيني محمود عباس "أبو مازن" مؤكداً أنه لا استئناف للمفاوضات دون الوقف الكامل وليس الجزئي للاستيطان أو وضع الولايات المتحدة " نهاية للعبة " بمعنى طرح رؤيتها لتسوية القضايا العالقة وفي مقدمتها القدس والحدود واللاجؤون .

      • ولم يخف أبو مازن قلقه من الغموض الذي يطبع الموقف الأمريكي لإدارة أوباما والتي لم تثبت على موقفها سواء فيما يتعلق بالتجميد الكامل للمستوطنات - وهو ما رفضه نتانياهو- أو حتى التهديد بتعليق المساعدات لإسرائيل.. وأكثر من هذا فقد عمدت على تخزين معدات أمريكية وأسلحة قيمتها 800 مليون دولار على أراض إسرائيلية تحسباً لمواجهة عسكرية محتملة ضد إيران على خلفية برنامجها النووي المثير للجدل .

      • والمؤسف أن الغموض الذي لفت نظر أبو مازن في الموقف الأمريكي لم يطل، فقد تسرب من مكتب نتانياهو شفرته والتي وقعت مثل الصاعقة فقد تسرب بالحرف الواحد أن جميع مناقصات البناء التي طرحتها الحكومة الإسرائيلية في القدس الشرقية تمت بعد التنسيق المباشر مع الإدارة الأمريكية مما يعني موافقتها عليه خلافاً لموقفها المعلن الرافض لتوسيع المستوطنات في الأراضي التي احتلتها إسرائيل في عدوان 5 يونيو 1967 وأكثر من هذا أن التنديد والإدانة التي يقوم بها مساعد أوباما بهذه المستوطنات هي من قبيل ذر الرماد في العيون لامتصاص غضب الفلسطينيين والعرب وإنه صورة من صور التواطؤ الأمريكي مع الدولة العبرية في أبشع وأوضح صورة بما يسقط عنها قناع الراعي الرسمي للسلام أو المحرك للمفاوضات إذا ما استثنينا أن يكون الهدف من وراء هذه المفاوضات تصفية ماتبقى من القضية الفلسطينية التي سقطت نتيجة لتناحر حماس وفتح على كعكة السلطة المسمومة .

      • هذا التسريب هو طعن واتهام صريح لمصداقية أوباما الذي تعهد في خطابه الشهير للعالم الإسلامي بجامعة القاهرة بأن يتبنى رؤية منصفة لحل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي باعتباره مصلحة عليا تمس الأمن القومي الأمريكي ومصالح بلاده في الشرق الأوسط وحول العالم .

      • وقد أكد الرئيس الأمريكي باراك أوباما مؤخراً أنه هون من تقدير صعوبة حل الصراع في الشرق الأوسط وأنه حدد توقعات أكبر مما ينبغي في بداية العام الأول من ولايته وقال " لم تمض عملية السلام في الشرق الأوسط قدماً وأعتقد أنه من الإنصاف أن أقول إن كل جهودنا للتعامل المبكر لم تكن حيث أردت لها أن تكون وهذا أمر صعب تماماً ... هذه مشكلة كلما سعيت لحلها تزداد صعوبة ولو كنا توقعنا قدراً من هذه المشكلات السياسية لدى الجانبين في وقت سابق ربما كنا لم نثر توقعات كبيرة هكذا" .

      • على صعيد آخر تمتلك إسرائيل أدوات المتابعة الفورية للحالة الأمريكية لما لها من أهمية قصوى لضمان استمرار الدعم والمساندة على كل الجبهات السياسية والعسكرية والاقتصادية والتي تضمن للدولة العبرية مواصلة سياساتها الرافضة للسلام الحقيقي وإعادة الحقوق المغتصبة للشعب الفلسطيني .

      • وفي الفترة الانتقالية بين بوش وأوباما قامت إسرائيل بعدوانها الوحشي على غزة واستنفرت طاقاتها في بناء المستوطنات استشعاراً لما قد يأتي به رئيس البيت الأبيض الجديد الذي أحاطته أحلام وآمال الشعوب بالنظر إلى مواقفه وتصريحاته وسيرته الذاتية التي تؤكد تفهمه لمعاناة تلك الشعوب وتدفعه لترك بصمات واضحة في تاريخ بلاده والعالم أجمع .

      • وسرعان ما وضعت إسرائيل العقبة الأولى حتى لا تتحرك الجهود الأمريكية عندما ماطلت في قضية المستوطنات ورفضت صراحة دعوة أوباما في هذا الشأن إدراكاً بأن تحقيقها سوف يشجع أوباما والعرب على طلب المزيد .

      • لذلك تحولت مسألة المستوطنات وهي تمثل البوابة للدخول إلى الملفات الأكبر والأكثر أهمية والمرتبطة بالقدس وعودة اللاجئين والانسحاب من الأراضي المحتلة عام 1967 .

      • تحولت المستوطنات إلى القضية الوحيدة التي دار حولها النقاش واستوجبت جولات متعددة من المبعوث ميتشيل وانتهى ذلك كله بجملة ناقصة غير مفهومة أعلنها نتانياهو في مؤتمر صحفي باعتبارها حدثاً تاريخياً وهي وقف بناء المستوطنات لمدة ثمانية أشهر فقط ولا يشمل ذلك القدس وهذا يعني أن الحكومة الإسرائيلية بحكم تكوينها ليست مهيأة للدخول في مفاوضات جادة لإحلال السلام الشامل في المنطقة ولم يصدر عن أوباما احتجاج على السلوك الإسرائيلي الذي يتجاهل وعوده وتصريحاته وخطابه التاريخي الذي صدقته الشعوب .

      • فرغم الاعتراف الجريء للرئيس الأمريكي باراك أوباما بعجزه عن حل مشكلة الشرق الأوسط وبأن تقديراته السابقة كانت غير صحيحة إلا أن هذا لا يمنع من أن جانباً كبيراً من هذا الإخفاق يعود إلى الرئيس الأمريكي نفسه .

      • فقد أوجد أوباما منذ اللحظة الأولى لترشحه للانتخابات الرئاسية الأمريكية آمالاً كبيرة لدى العرب والمسلمين بسبب لغته الهادئة ورفعه شعار التغيير علاوة على أنه تربى تربية إسلامية لأن والده كان مسلماً ، وبعد انتخابه أظهر اهتماماً مبكراً ونشطاً بالشرق الأوسط عندما هاتف القادة الإقليميين خاصة الرئيسين محمد حسني مبارك والرئيس الفلسطيني محمود عباس ( أبو مازن ) في اليوم الأول له في الحكم . وفي اليوم التالي عين السيناتور جورج ميتشل كمبعوث خاص له إلى الشرق الأوسط , والذي قام بعدها بأسبوع بأول زيارة له إلى القدس ورام الله .

      • وبعد مرور أكثر من عام على توقف مفاوضات السلام بين إسرائيل والفلسطينيين بسبب العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في 27 ديسمبر 2008 فإن الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي لم يعودا إلى مائدة التفاوض رغم أن المبعوث الأمريكي جورج ميتشل جاء لمنطقة الشرق الأوسط في عشر جولات وجرى عقد لقاء ثلاثي يتم بين الرئيس الأمريكي باراك أوباما ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو في سبتمبر 2009 على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة وكانت حصيلة العام الأول للجهود المبكرة لإدارة أوباما من أجل الدفع بعملية السلام صفرا.

      • والواقع أن أوباما لم يكتف بعدم تقديم شيء للعرب ولكنه أيضا دخل في مواجهة لم يكن مستعداً لها مع اليمين الإسرائيلي متمثلا في شخص رئيس الوزراء الإسرائيلي نتانياهو عندما طالبه بوقف الاستيطان في الضفة الغربية وهو غير مستعد للهجوم المضاد من جانب اليهود الأمريكيين وإسرائيل فاضطر وتحت نصيحة الوزيرة كلينتون للتراجع بشكل دمر مصداقيته سريعاً في العالم العربي .

      • وعلى الرغم من أن أوباما لم يحقق أي إنجاز للفلسطينيين إلا أنه لم يكسب ود الإسرائيليين كذلك حيث يقول البروفيسور موشيه تسيمرمان أستاذ التاريخ المعاصر في الجامعة العبرية بالقدس المحتلة إن الإدارة الإسرائيلية مستاءة من سياسية أوباما المبنية على مطالبته لإسرائيل بالقبول بحل الدولتين والانسحاب من الإراضي المحتلة.

      • "لكن كلمة "خيبة الأمل" هي الكلمة الأولى التي ينطق بها أغلب الدبلوماسيين والمحللين العرب إذا ما سألوا عن تقييمهم للعام الأول من حكم الرئيس الأمريكي باراك أوباما.

      • فالعرب بنوا آمالا عريضة على الرئيس الديمقراطي الذي غذى هذه الآمال منذ أول إطلالة له على العالم العربي بعد فوزه بانتخابات الرئاسة الأمريكية عبر القناة العربية الفضائية.

      • ويزيد مع حدة خيبة الأمل العربية حقيقة الوجود "الأمريكي" "الثقيل" في كل الأزمات العربية من العراق حتى الصومال وفلسطين حتى الصحراء المغربية يجعل أنظار الكثيرين من العرب تنتظر دائما المقبل من واشنطن.

      • ويعتقد المحللون أن السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط اعتراها الكثير من المشاكل وتميزت بسياسة الكيل بمكيالين تجاه القضايا العربية وعلى رأسها القضية الفلسطينية ولم نر أي موقف إيجابي تجاه القضية. وسمعنا أن إدارة أوباما تعمل على وقف الاستيطان ثم حدثت تراجعات كثيرة في هذا الموقف ولا نعرف حتى الآن ماذا يدور ومبعوث أوباما يأتي إلى المنطقة ويرحل دون حسم الأمر وعدم وجود شيء ملموس على الأرض من قبل إسرائيل ورفض مطلق لإقامة الدولة الفلسطينية. ويريدون دولة على مقاس ما تريده إسرائيل لتكون دولة غير قابلة للحياة، وهو أمر مرفوض ومطلوب من الإدارة الأمريكية إذا كانت تريد فعلا إيجاد حل لهذه المشكلة أن يضغط على الحكومة الإسرائيلية لتجميد الاستيطان وعلى أوباما أن يطرح مبادرة تتوافر فيها عناصر إقناع يقبل بها الجانب الفلسطيني.

      • ويرى الخبراء أنه على مستوى القضية الفلسطينية لم تبد إدارة أوباما إلى الآن سوى مقاربة متحيزة استمرت من خلالها في تقديم الدعم العسكري والأمني والسياسي لإسرائيل، وعلى الرغم من تعهداتها بدفع عملية التسوية قدما والتزام الرئيس أوباما بدعم إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة، فإن الإدارة الأمريكية لم تحقق نجاحا يذكر على هذا الصعيد. وأخفقت في التقريب بين وجهات نظر الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي.

      • إزاء تمسك إسرائيل بموقفها وتراجع الرئيس أوباما عن موقفه الداعي لتجميد الاستيطان بصورة كاملة في الضفة الغربية والقدس الشرقية خلال لقائه مع الرئيس أبو مازن ونتانياهو في البيت الأبيض في سبتمبر الماضي، إذ حث أوباما إسرائيل على ممارسة ضبط النفس فيما يخص التوسع الاستيطاني أن تراجع أوباما عن موقفه السابق الذي كان يعتبر وقف الاستيطان بشكل كامل شرطا لاستئناف العملية السلمية وأكدت عليه وزارة الخارجية الأمريكية عن إمكانية التخلي عن تجميد الاستيطان كشرط لاستئناف المفاوضات.

      • وأخيرا يبدو أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما على حافة اليأس من إقناع الجانبين الفلسطيني أو الإسرائيلي باستئناف المفاوضات فيما بينهما، فبدأ التفكير في أسلوب آخر، بعد زيارة أحمد أبو الغيط، ووزير الخارجية المصري، إلى واشنطن، وإحاطة الأمريكيين بنتائج ما وصلت إليه جهود الوساطة المصرية.

      • كما يفكرون في واشنطن في خيار آخر يعتمد على إرسال الرئيس الأمريكي باراك أوباما خطابات موقعة منه إلى الفلسطينيين وإسرائيل، تحدد فيها الشروط التي سيتم على أساسها استئناف المفاوضات المباشرة بين الجانبين، في ضوء عدم اتفاق الطرفين فيما بينهما على هذه الشروط فالفلسطينيون يريدون مفاوضات تستغرق سنتين فقط، بينما يريد الإسرائيليون أن تشتمل الشروط خطاب الضمانات الذي وعده الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن لرئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أريل شارون، والذي يضمن لإسرائيل ضم الكتل الاستيطانية إلى أراضيها ويعترف بمتطلباتها الأمنية! والمعنى أن كل مكان يعيش فيه مستوطن يهودي على الأراضي الفلسطينية، يحق لإسرائيل أن تطالب بضم المستوطنات والأرض التي يقوم عليها إلى حدودها! كما يحق لإسرائيل بموجب هذا الخطاب أيضا أن تشير إلى أي موقع، وأية أرض، وتقول أنا أريد هذه الأرض لدواعي أمنية، فتحصل عليها أيضا.

      • ويعتقد مسؤولو الإدارة الأمريكية أن الشهر القادم سيشهد الحد الأقصى من الجهد الدولي لاستئناف المفاوضات. • ولكن في المقابل يعتقد الكثير من المحللين أن باراك أوباما – خلال عامه الأول في البيت الأبيض – كان مثله مثل الطبيب الذي يغسل يديه من مريضه لأنه طبيب فاشل، أو لأنه لا يجرؤ على وصف العلاج اللازم.. فغسل باراك أوباما يديه من حل الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين – لكن أوباما فعل أسوأ من ذلك الطبيب، فلقد ألقى مسؤولية فشل العلاج على المريض لأنه أعجز من أن يقف أمام مريضه ويقوله له بصراحة أنا طبيب فاشل.

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية