الشبيبة -
زاهر بن حارث المحروقي:

" 1 "
لقد أصبح العمل المخابراتي خاصة في الوطن العربي عملا علنيا بعد أن كان سريا ، وتتم تسمية رؤساء أجهزة المخابرات وأصبحوا يقومون بمهمات علنية مما يعني أنهم أصبحوا شركاء في اتخاذ القرارات المصيرية ولم يعد دورهم قاصرا على المحافظة على الأمن الداخلي والقومي للأوطان بإنارتهم الطريق أمام أصحاب القرار ، كما قال الراحل أمين هويدي في كتابه ( 50 عاما من العواصف : ما رأيته قلته ) وهو ما أشرت إليه في المقال الماضي : إن مجال المخابرات العامة من أشرف المجالات التي يمكن للمواطن أن يخدم فيه بلده فهو كالنور الذي ينير الطريق أمام أصحاب القرار وفي الوقت نفسه فهو درع يحمي الأمن القومي للبلاد في زمن السلم والحرب ، فإذا كانت القوات المسلحة تقاتل في زمن الحرب فقط فإن رجال المخابرات ونساءها يقاتلون في زمن الحرب والسلام.
ولكن هل في الواقع أن هذا الكلام يتم تطبيقه الآن وأن المخابرات العربية تقوم بدورها خير قيام ؟ وطالما أن الحديث عن المخابرات أصبح علنيا ألم تقع أخطاء طوال الحقب الماضية ؟
" 2 "
في حديث لم تنقصه الصراحة مع أحمد با ديب نائب رئيس جهاز المخابرات السعودية الأسبق أجرته معه نشوى الحوفي في جريدة المصري اليوم عدد 25/11/2009 - وهي جريدة قيمة - تناول با ديب تقصيير المخابرات العربية تجاه ما عرف بالأفغان العرب وما آل إليه مصيرهم فقال إن مشكلة الأفغان العرب أننا لم نحتضنهم بعد انتهاء الحرب ضد الاتحاد السوفييتي في أفغانستان وفقدنا السيطرة عليهم ، وإن المشكلة الخاصة بين بن لادن ومن هم مثله تكمن فى الازدواجية التي نحيا بها كأمة إسلامية على وجه العموم وفي المملكة السعودية على وجه الخصوص حيث هناك فهم خاطئ للدين الذى ندرّسه لأبنائنا في مناهج التعليم والذي لا يولد لديهم سوى تكفير الآخر ، ويقول إن قضية أحداث 11 سبتمبر وتورط بن لادن وسعوديين فيها تأتي في إطار قضية أكبر وهي قضية العدالة ، فقد تفتحت عيوننا كعرب على قضية فلسطين التي لم تجد لها الأجيال المتعاقبة أي حل ، في ذات الوقت الذي تكونت فيه جماعات هؤلاء المجاهدين العرب في أفغانستان بتشجيع من أجهزة المخابرات في كل من مصر والسعودية والولايات المتحدة للقضاء على الوجود السوفييتي هناك كل حسب مصالحه، فربّينا جماعة خارجة عن نطاق أوطاننا العربية، جماعة لا تخاف، وللأسف فإننا لم نحتضن تلك الجماعة بعد انتهاء الحرب، ولم نحسب عددهم وفقدنا السيطرة عليهم .
ويرى نائب رئيس المخابرات السعودية الأسبق أن التقصير في هذا الصدد جاء من الأنظمة العربية وأجهزة الاستخبارات على حد سواء حيث انشغلت أجهزة الاستخبارات بتغيير صورتها فتركت هامشا من الحرية غير الموجهة ظنا أن هؤلاء الشباب أصحاب قدرات ضعيفة ولن يفعلوا شيئا أكبر مما فعلوه في أفغانستان ، ونسينا هؤلاء الشباب الذين نظمهم الآخرون وبات لديهم أرض خصبة لفعل ما يريدون مع الإيمان الشديد بأنهم سيخلصون العالم العربي من كل ما يعانيه من ظلم سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي .
يحسب لبا ديب صراحته ونقده للذات ولكن الشيء الذي لم يذكره في حديثه الطويل هو أن الشباب العربي يفتقد بالفعل إلى كل مقومات الحياة الكريمة ، ففي الوقت الذي انتشرت فيه وسائل الإعلام بأنواعها كافة وأصبح الإنسان يتابع مجال الحريات وحقوق الإنسان في العالم وما يتمتع به الفرد من حرية فإنه يرى نفسه يعيش في قمع ولا يملك حتى مجرد فرصة للتعبير عن رأيه لأن سيف السلطة مسلط على رقبته ، فالدولة هي التي تختار له ماذا عليه أن يقرأ وماذا عليه أن يشاهد وماذا عليه أن يأكل وماذا عليه أن يكتب وماذا عليه أن يقول بل وماذا عليه أن يلبس وكأنه في مراهقة دائمة ، وهو ينشأ في ازدواجية بين ما يراه في العالم وبين الواقع الذي يعيشه في بلده ، هذا غير الجهل والفقر والجوع والمرض مع غياب الهدف ، كما أن جيلا كاملا يعيش على الهامش لا يجد العمل وإذا وجد العمل فإن الإنتاج يكون ضعيفا ويحتاج الموظف أو العامل سنوات حتى يترقى ، أما على المستوى العام فإن الشباب العربي يعيش أزمة حقيقية فهو يرى كل يوم المجازر التي تقع لإخوانه الفلسطينيين ويرى المذابح التي تجري في العراق وغير ذلك الكثير وبعد هذا وذلك يرى أن الحكومات العربية على علاقة جيدة بمن يقوم بهذه المذابح وبمن يهين العرب والمسلمين سواء كان ذلك أمريكا أو إسرائيل ، وفي حالة كهذه لا يجد الشباب أمامه إلا خيارين إما أن يعيش كالأنعام أو أضل سبيلا أو أن ينشأ ولديه التمرد ، وغالبا أن التمرد هو الطريق الأسهل مع مرور الأيام وكثرة المصائب مع وجود من يستغل الدين لأغراضه لأن الدين الإسلامي في المحصلة النهائية لا يقبل الذل ولا الدنية ولا القهر ، وعبارة الحياة الكريمة دائما يتمناها الإنسان - أي إنسان – وإذا كان با ديب قد أشار إلى أن الدول العربية استغلت المجاهدين العرب كل حسب مصلحته فإن الحقيقة الأخرى الأكيدة هي أن هذه الدول استغلت أيضا الدين لتحقيق مآربها وأغراضها فيما رأت دول عربية أخرى أن التدين هو البيئة الحاضنة للتطرف وادّعت أن التصدي للأصل كفيل بالخلاص من مختلف الشرور التي تفرعت عنه - كما أشار إلى ذلك الأستاذ فهمي هويدي في مقاله الأسبوع الماضي تحت عنوان مكافحة للتعصب أن نبذ للتدين ؟ - حيث يرى أن هذا خلط ساذج أو خبيث بين التدين الصحيح الذي يرسي أساس النهوض بالمجتمع وبين التدين المغلوط والمغشوش الذي يخاصم المجتمع ويعلن الحرب عليه ..! وعلى هذا الأساس رأينا الاعتقالات في صفوف الإسلاميين في الوطن الإسلامي كله وكأن المشكلة هي في التدين ونسينا الأسباب الحقيقية التي تؤدي إلى التطرف والإرهاب.
" 3 "
للخروج من هذه الأزمة التي يعيشها الشباب العربي وهي مرشحة لأن تكبر وتخرج من قمقمها ، على جهات الاختصاص أن تقيم ندوات وتدرس بعناية احتياجات الشباب العربي بل المواطنين عامة وعلى أجهزة المخابرات العربية دور كبير في ذلك إذا كان هدفها هو تحقيق الأمن الداخلي على مستوى القطر الواحد أو على المستوى القومي لأن ما يحدث هنا يؤثر هناك أيضا والظروف تكاد تكون متشابهة في الوطن العربي ، وعلى هذه الأجهزة أن تترفع عن القيل والقال لتكون أجهزة حقيقية تنير الطريق لأصحاب القرار لأن كاتبا مثل إبراهيم أبو عواد يرى في مقال كتبه لجريدة القدس العربي تحت عنوان ( بدائية أجهزة المخابرات العربية ) بتاريخ 12/01/2010 أن العمل المخابراتي العربي يعاني من مشاكل كثيرة قادت إلى ضعفه وعدم فاعليته باعتباره وظيفة حكومية روتينية مترهلة محاطة بالغموض العبثي لنشر الحرب النفسية المتهاوية وبث الرعب غير المجدي ، وهذه الأجهزة المخابراتية البدائية لا تعدو عن كونها تياراً محصوراً بين الغيبة والنميمة ضمن مفاهيم بسيطة للهواة وأبعد ما تكون عن العمل الاحترافي الخارق للعادة ، ويرى أن الأسس التي قام عليها العمل المخابراتي في العالم العربي ركيكة للغاية وتعكس غياب العقول المدبرة التي تمتلك موهبة التخطيط ، فالارتجال ما زال ينخر في بنية العمل المخابراتي مع انعدام التخطيط وغيابِ الكفاءات المحورية القادرة على صناعة التاريخ ، وينتقد إبراهيم أبو عواد طريقة عمل المخابرات البدائية وهو نشر المخبرين بين أوساط الشعب لنقل تحركات الأفراد والجماعات وأقوالهم وكتابة التقارير عنهم ، وهذه الطريقة لا تملك فاعليةً كبيرة لأنها تستهدف الناس البسطاء الذين يندفعون باتجاه عواطفهم وينتقدون بدافع فورة الغضب أو الانسياق وراء المشاعر الجياشة وليس بحكم انتمائهم إلى جماعات مسلحة ترمي إلى قلب نظم الحكم أو إسقاط كيان الدولة العربية . إن ما أشار إليه أبو عواد هو عين الحقيقة فالمواطنون العرب - كما أشرت إلى ذلك سابقا - يعانون من الأمراض الاجتماعية الضاغطة على حياتهم اليومية مثل انتشار الفقر ونهب ثروات البلاد من قبل المتنفذين الذين هم فوق القانون وازدياد نسبة الباحثين عن العمل في أوساط الشباب الذين لا يجدون حاضنة اجتماعية تدفعهم إلى العمل الإبداعي واستثمار طاقاتهم في حين يرون أقليةً تعيش في القصور والغالبية تعيش في الوحل .
إن ظروفا كهذه في أي مجتمع من المجتمعات من شأنها أن تؤدي بالبعض أن يستغلها وأن يوظف هؤلاء البسطاء لمصلحة الجماعات المسلحة أو المعارضة ويوجهها نحو سلوك عنيف ضد الدولة وأجهزتها ، وهذا هو ما حصل بالفعل سواء في الانضمام إلى تنظيم القاعدة أو أي تنظيم آخر أو في استغلال إسرائيل لهؤلاء الشباب للعمل كجواسيس لها في الوطن العربي ، فالمسألة الجوهرية في كل ذلك هي ضرورة تأسيس العدالة بين الناس وتوفير الحياة الكريمة لهم ومتى ما تحقق ذلك فإن مصير كل الأفكار تختفي من أذهان الشباب ، أما بغياب العدالة واختفاء الحياة الكريمة للمواطنين فإن كل ما يمكن أن يتصوره عقل إنسان من مآسي سوف يتحقق ابتداء من الرغبة في الانضمام إلى الحركات المسلحة وليس انتهاء بوجود مجتمعات لا رابط لها حيث تظهر الفتن العرقية والمذهبية والدينية وحتى القبلية .
لقد كان تنظيم القاعدة خطأ المخابرات العربية من البداية ، فالحكومات العربية هي التي أدت إلى تأسيس القاعدة بتشجيعها الشباب العربي بالانخراط إلى الجهاد الأفغاني ضد الاتحاد السوفييتي ثم بتضييقها الخناق على من ذهب للجهاد ووضعهم في السجون والمعتقلات ، وإذا لم يكن هناك فكر آخر فإن الأوضاع تشجع على الانخراط في الجماعات المسلحة طالما أن الأوضاع داخل البلدان العربية مأساوية تنذر بالانفجار في أي لحظة ، ومن ذلك أن الشباب يعانون من فراغ حقيقي ومن غياب أي هدف يسعون لتحقيقه وهذا يؤدي بهم إلى البحث عن البديل حتى وإن كان بديلا خاطئا وعنيفا والكل يستغل في ذلك الدين ..!
" 4 "
من الأخطاء الكبيرة التي وقعت فيها المخابرات العربية أنها تركت الاهتمام بعدو العرب الأساسي إسرائيل وركزت جهودها على مراقبة المواطنين والتضييق عليهم في وقت لم تتوقف فيه إسرائيل عن مراقبة كل كبيرة ودقيقة في الوطن العربي وأصبح لها اليد الطولى تصل لمن تشاء متى ما تشاء والأكثر من ذلك أين تشاء ، وليس أدل على ذلك من كشف قائد سلاح الجو الاسرائيلي الجنرال عيدو نحوشتان النقاب يوم 29/1/2010 عن أنّ الدولة العبرية خصصت مئات ملايين الدولارات بهدف تطوير أقمار اصطناعية يمكن إطلاقها من الطائرات مباشرة وذلك في محاولة لمنح سلاح الجو والأجهزة الاستخباراتية الإسرائيلية الإمكانية للتجسس على ( الأعداء ) بطريقة نوعية وسريعة والوصول الى مناطق لم تصلها من قبل.
وبحسب صحيفة هاآرتس الإسرائيلية فقد تمّ الكشف عن هذه الخطة خلال الكلمة التي ألقاها قائد سلاح الجو الإسرائيلي في مؤتمر الفضاء في مدينة هرتسليا ، والذي أضاف أنّ إسرائيل مجبرة أن تغطي مساحات واسعة وشاسعة وأن تقوم بالتجسس على هذه المناطق بصورة دائمة لافتا إلى أنّ الجيش الإسرائيلي يطور أساليب حديثة جدا تؤهله أن يتعقب دائما تحركات العدو لكي يتمكن من الرد السريع على أيّ هجوم محتمل.
وقالت الصحيفة الإسرائيلية إنّ مصادر عالية المستوى في سلاح الجو الإسرائيلي أكدت أقوال القائد نحوشتان ، وزادت أنّ سلاح الجو الإسرائيلي بدأ عمليا بهذا البرنامج قبل حوالي السنة .
وأشارت الصحيفة أيضا إلى أنّ الدولة العبرية تقوم في هذه الفترة بالذات بتشغيل ثلاثة أقمار اصطناعية: اوفيك 5، اوفيك 7 و1SAR، وكلها من إنتاج الصناعات الجوية الاسرائيلية ، بالإضافة إلى ذلك فإنّ سلاح الجو الإسرائيلي يقوم بشراء صور من شركات تجارية إسرائيلية وأجنبية ويهتم بتطوير برامج تجسس أكثر نوعية والتي بإمكانها أن تطلق الأقمار الاصطناعية بعد تلقيها الإشارة خلال ثوان معدودات ، ولفتت المصادر إلى أنّ قرب الأقمار المذكورة من الكرة الأرضية سيحسن إلى حد كبير أعمال التجسس مما يمكن إسرائيل من متابعة ما يجري في الوطن العربي بصورة دقيقة وسريعة أولا بأول وأنّه في حال قررت الدولة العبرية تنفيذ عملية عسكرية خلال وقت قصير في أي مكان من الوطن العربي وإيران فإنّ القمر الاصطناعي الجديد قادر على تنفيذ مهمة التجسس خلال ساعات من تلقيه الأمر مما يسهل جدا على القوات الاسرائيلية تنفيذ المهمة بنجاح كبير.
" 5 "
طبعا من حق إسرائيل أن تفعل ما تشاء ، فبخلاف وجود هذه الأقمار الاصطناعية إلا أن لها رجالها يسرحون ويمرحون في الوطن العربي سواء أكان بصفاتهم الرسمية أو السرية أو من خلال عملائهم الذين قد يرتدون الملابس الوطنية ويظهرون علنا كأنهم وطنيون ولكن في الخفاء يخفون ما لا يُعلم ومن حق إسرائيل أن تفعل ما تشاء طالما أن المخابرات العربية تركت الاهتمام بالقضايا المصيرية وركزت اهتمامها فقط على توافه الأمور كمعرفة فلان ماذا قال وماذا يقرأ ومعرفة من يكتب في الأنترنت دون التركيز على ما يُكتب ، والأمرّ من ذلك أن تركز هذه المخابرات على إيجاد عدو وهمي غالبا يكون في الداخل .. هو الشعب.
زاهر بن حارث المحروقي:

" 1 "
لقد أصبح العمل المخابراتي خاصة في الوطن العربي عملا علنيا بعد أن كان سريا ، وتتم تسمية رؤساء أجهزة المخابرات وأصبحوا يقومون بمهمات علنية مما يعني أنهم أصبحوا شركاء في اتخاذ القرارات المصيرية ولم يعد دورهم قاصرا على المحافظة على الأمن الداخلي والقومي للأوطان بإنارتهم الطريق أمام أصحاب القرار ، كما قال الراحل أمين هويدي في كتابه ( 50 عاما من العواصف : ما رأيته قلته ) وهو ما أشرت إليه في المقال الماضي : إن مجال المخابرات العامة من أشرف المجالات التي يمكن للمواطن أن يخدم فيه بلده فهو كالنور الذي ينير الطريق أمام أصحاب القرار وفي الوقت نفسه فهو درع يحمي الأمن القومي للبلاد في زمن السلم والحرب ، فإذا كانت القوات المسلحة تقاتل في زمن الحرب فقط فإن رجال المخابرات ونساءها يقاتلون في زمن الحرب والسلام.
ولكن هل في الواقع أن هذا الكلام يتم تطبيقه الآن وأن المخابرات العربية تقوم بدورها خير قيام ؟ وطالما أن الحديث عن المخابرات أصبح علنيا ألم تقع أخطاء طوال الحقب الماضية ؟
" 2 "
في حديث لم تنقصه الصراحة مع أحمد با ديب نائب رئيس جهاز المخابرات السعودية الأسبق أجرته معه نشوى الحوفي في جريدة المصري اليوم عدد 25/11/2009 - وهي جريدة قيمة - تناول با ديب تقصيير المخابرات العربية تجاه ما عرف بالأفغان العرب وما آل إليه مصيرهم فقال إن مشكلة الأفغان العرب أننا لم نحتضنهم بعد انتهاء الحرب ضد الاتحاد السوفييتي في أفغانستان وفقدنا السيطرة عليهم ، وإن المشكلة الخاصة بين بن لادن ومن هم مثله تكمن فى الازدواجية التي نحيا بها كأمة إسلامية على وجه العموم وفي المملكة السعودية على وجه الخصوص حيث هناك فهم خاطئ للدين الذى ندرّسه لأبنائنا في مناهج التعليم والذي لا يولد لديهم سوى تكفير الآخر ، ويقول إن قضية أحداث 11 سبتمبر وتورط بن لادن وسعوديين فيها تأتي في إطار قضية أكبر وهي قضية العدالة ، فقد تفتحت عيوننا كعرب على قضية فلسطين التي لم تجد لها الأجيال المتعاقبة أي حل ، في ذات الوقت الذي تكونت فيه جماعات هؤلاء المجاهدين العرب في أفغانستان بتشجيع من أجهزة المخابرات في كل من مصر والسعودية والولايات المتحدة للقضاء على الوجود السوفييتي هناك كل حسب مصالحه، فربّينا جماعة خارجة عن نطاق أوطاننا العربية، جماعة لا تخاف، وللأسف فإننا لم نحتضن تلك الجماعة بعد انتهاء الحرب، ولم نحسب عددهم وفقدنا السيطرة عليهم .
ويرى نائب رئيس المخابرات السعودية الأسبق أن التقصير في هذا الصدد جاء من الأنظمة العربية وأجهزة الاستخبارات على حد سواء حيث انشغلت أجهزة الاستخبارات بتغيير صورتها فتركت هامشا من الحرية غير الموجهة ظنا أن هؤلاء الشباب أصحاب قدرات ضعيفة ولن يفعلوا شيئا أكبر مما فعلوه في أفغانستان ، ونسينا هؤلاء الشباب الذين نظمهم الآخرون وبات لديهم أرض خصبة لفعل ما يريدون مع الإيمان الشديد بأنهم سيخلصون العالم العربي من كل ما يعانيه من ظلم سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي .
يحسب لبا ديب صراحته ونقده للذات ولكن الشيء الذي لم يذكره في حديثه الطويل هو أن الشباب العربي يفتقد بالفعل إلى كل مقومات الحياة الكريمة ، ففي الوقت الذي انتشرت فيه وسائل الإعلام بأنواعها كافة وأصبح الإنسان يتابع مجال الحريات وحقوق الإنسان في العالم وما يتمتع به الفرد من حرية فإنه يرى نفسه يعيش في قمع ولا يملك حتى مجرد فرصة للتعبير عن رأيه لأن سيف السلطة مسلط على رقبته ، فالدولة هي التي تختار له ماذا عليه أن يقرأ وماذا عليه أن يشاهد وماذا عليه أن يأكل وماذا عليه أن يكتب وماذا عليه أن يقول بل وماذا عليه أن يلبس وكأنه في مراهقة دائمة ، وهو ينشأ في ازدواجية بين ما يراه في العالم وبين الواقع الذي يعيشه في بلده ، هذا غير الجهل والفقر والجوع والمرض مع غياب الهدف ، كما أن جيلا كاملا يعيش على الهامش لا يجد العمل وإذا وجد العمل فإن الإنتاج يكون ضعيفا ويحتاج الموظف أو العامل سنوات حتى يترقى ، أما على المستوى العام فإن الشباب العربي يعيش أزمة حقيقية فهو يرى كل يوم المجازر التي تقع لإخوانه الفلسطينيين ويرى المذابح التي تجري في العراق وغير ذلك الكثير وبعد هذا وذلك يرى أن الحكومات العربية على علاقة جيدة بمن يقوم بهذه المذابح وبمن يهين العرب والمسلمين سواء كان ذلك أمريكا أو إسرائيل ، وفي حالة كهذه لا يجد الشباب أمامه إلا خيارين إما أن يعيش كالأنعام أو أضل سبيلا أو أن ينشأ ولديه التمرد ، وغالبا أن التمرد هو الطريق الأسهل مع مرور الأيام وكثرة المصائب مع وجود من يستغل الدين لأغراضه لأن الدين الإسلامي في المحصلة النهائية لا يقبل الذل ولا الدنية ولا القهر ، وعبارة الحياة الكريمة دائما يتمناها الإنسان - أي إنسان – وإذا كان با ديب قد أشار إلى أن الدول العربية استغلت المجاهدين العرب كل حسب مصلحته فإن الحقيقة الأخرى الأكيدة هي أن هذه الدول استغلت أيضا الدين لتحقيق مآربها وأغراضها فيما رأت دول عربية أخرى أن التدين هو البيئة الحاضنة للتطرف وادّعت أن التصدي للأصل كفيل بالخلاص من مختلف الشرور التي تفرعت عنه - كما أشار إلى ذلك الأستاذ فهمي هويدي في مقاله الأسبوع الماضي تحت عنوان مكافحة للتعصب أن نبذ للتدين ؟ - حيث يرى أن هذا خلط ساذج أو خبيث بين التدين الصحيح الذي يرسي أساس النهوض بالمجتمع وبين التدين المغلوط والمغشوش الذي يخاصم المجتمع ويعلن الحرب عليه ..! وعلى هذا الأساس رأينا الاعتقالات في صفوف الإسلاميين في الوطن الإسلامي كله وكأن المشكلة هي في التدين ونسينا الأسباب الحقيقية التي تؤدي إلى التطرف والإرهاب.
" 3 "
للخروج من هذه الأزمة التي يعيشها الشباب العربي وهي مرشحة لأن تكبر وتخرج من قمقمها ، على جهات الاختصاص أن تقيم ندوات وتدرس بعناية احتياجات الشباب العربي بل المواطنين عامة وعلى أجهزة المخابرات العربية دور كبير في ذلك إذا كان هدفها هو تحقيق الأمن الداخلي على مستوى القطر الواحد أو على المستوى القومي لأن ما يحدث هنا يؤثر هناك أيضا والظروف تكاد تكون متشابهة في الوطن العربي ، وعلى هذه الأجهزة أن تترفع عن القيل والقال لتكون أجهزة حقيقية تنير الطريق لأصحاب القرار لأن كاتبا مثل إبراهيم أبو عواد يرى في مقال كتبه لجريدة القدس العربي تحت عنوان ( بدائية أجهزة المخابرات العربية ) بتاريخ 12/01/2010 أن العمل المخابراتي العربي يعاني من مشاكل كثيرة قادت إلى ضعفه وعدم فاعليته باعتباره وظيفة حكومية روتينية مترهلة محاطة بالغموض العبثي لنشر الحرب النفسية المتهاوية وبث الرعب غير المجدي ، وهذه الأجهزة المخابراتية البدائية لا تعدو عن كونها تياراً محصوراً بين الغيبة والنميمة ضمن مفاهيم بسيطة للهواة وأبعد ما تكون عن العمل الاحترافي الخارق للعادة ، ويرى أن الأسس التي قام عليها العمل المخابراتي في العالم العربي ركيكة للغاية وتعكس غياب العقول المدبرة التي تمتلك موهبة التخطيط ، فالارتجال ما زال ينخر في بنية العمل المخابراتي مع انعدام التخطيط وغيابِ الكفاءات المحورية القادرة على صناعة التاريخ ، وينتقد إبراهيم أبو عواد طريقة عمل المخابرات البدائية وهو نشر المخبرين بين أوساط الشعب لنقل تحركات الأفراد والجماعات وأقوالهم وكتابة التقارير عنهم ، وهذه الطريقة لا تملك فاعليةً كبيرة لأنها تستهدف الناس البسطاء الذين يندفعون باتجاه عواطفهم وينتقدون بدافع فورة الغضب أو الانسياق وراء المشاعر الجياشة وليس بحكم انتمائهم إلى جماعات مسلحة ترمي إلى قلب نظم الحكم أو إسقاط كيان الدولة العربية . إن ما أشار إليه أبو عواد هو عين الحقيقة فالمواطنون العرب - كما أشرت إلى ذلك سابقا - يعانون من الأمراض الاجتماعية الضاغطة على حياتهم اليومية مثل انتشار الفقر ونهب ثروات البلاد من قبل المتنفذين الذين هم فوق القانون وازدياد نسبة الباحثين عن العمل في أوساط الشباب الذين لا يجدون حاضنة اجتماعية تدفعهم إلى العمل الإبداعي واستثمار طاقاتهم في حين يرون أقليةً تعيش في القصور والغالبية تعيش في الوحل .
إن ظروفا كهذه في أي مجتمع من المجتمعات من شأنها أن تؤدي بالبعض أن يستغلها وأن يوظف هؤلاء البسطاء لمصلحة الجماعات المسلحة أو المعارضة ويوجهها نحو سلوك عنيف ضد الدولة وأجهزتها ، وهذا هو ما حصل بالفعل سواء في الانضمام إلى تنظيم القاعدة أو أي تنظيم آخر أو في استغلال إسرائيل لهؤلاء الشباب للعمل كجواسيس لها في الوطن العربي ، فالمسألة الجوهرية في كل ذلك هي ضرورة تأسيس العدالة بين الناس وتوفير الحياة الكريمة لهم ومتى ما تحقق ذلك فإن مصير كل الأفكار تختفي من أذهان الشباب ، أما بغياب العدالة واختفاء الحياة الكريمة للمواطنين فإن كل ما يمكن أن يتصوره عقل إنسان من مآسي سوف يتحقق ابتداء من الرغبة في الانضمام إلى الحركات المسلحة وليس انتهاء بوجود مجتمعات لا رابط لها حيث تظهر الفتن العرقية والمذهبية والدينية وحتى القبلية .
لقد كان تنظيم القاعدة خطأ المخابرات العربية من البداية ، فالحكومات العربية هي التي أدت إلى تأسيس القاعدة بتشجيعها الشباب العربي بالانخراط إلى الجهاد الأفغاني ضد الاتحاد السوفييتي ثم بتضييقها الخناق على من ذهب للجهاد ووضعهم في السجون والمعتقلات ، وإذا لم يكن هناك فكر آخر فإن الأوضاع تشجع على الانخراط في الجماعات المسلحة طالما أن الأوضاع داخل البلدان العربية مأساوية تنذر بالانفجار في أي لحظة ، ومن ذلك أن الشباب يعانون من فراغ حقيقي ومن غياب أي هدف يسعون لتحقيقه وهذا يؤدي بهم إلى البحث عن البديل حتى وإن كان بديلا خاطئا وعنيفا والكل يستغل في ذلك الدين ..!
" 4 "
من الأخطاء الكبيرة التي وقعت فيها المخابرات العربية أنها تركت الاهتمام بعدو العرب الأساسي إسرائيل وركزت جهودها على مراقبة المواطنين والتضييق عليهم في وقت لم تتوقف فيه إسرائيل عن مراقبة كل كبيرة ودقيقة في الوطن العربي وأصبح لها اليد الطولى تصل لمن تشاء متى ما تشاء والأكثر من ذلك أين تشاء ، وليس أدل على ذلك من كشف قائد سلاح الجو الاسرائيلي الجنرال عيدو نحوشتان النقاب يوم 29/1/2010 عن أنّ الدولة العبرية خصصت مئات ملايين الدولارات بهدف تطوير أقمار اصطناعية يمكن إطلاقها من الطائرات مباشرة وذلك في محاولة لمنح سلاح الجو والأجهزة الاستخباراتية الإسرائيلية الإمكانية للتجسس على ( الأعداء ) بطريقة نوعية وسريعة والوصول الى مناطق لم تصلها من قبل.
وبحسب صحيفة هاآرتس الإسرائيلية فقد تمّ الكشف عن هذه الخطة خلال الكلمة التي ألقاها قائد سلاح الجو الإسرائيلي في مؤتمر الفضاء في مدينة هرتسليا ، والذي أضاف أنّ إسرائيل مجبرة أن تغطي مساحات واسعة وشاسعة وأن تقوم بالتجسس على هذه المناطق بصورة دائمة لافتا إلى أنّ الجيش الإسرائيلي يطور أساليب حديثة جدا تؤهله أن يتعقب دائما تحركات العدو لكي يتمكن من الرد السريع على أيّ هجوم محتمل.
وقالت الصحيفة الإسرائيلية إنّ مصادر عالية المستوى في سلاح الجو الإسرائيلي أكدت أقوال القائد نحوشتان ، وزادت أنّ سلاح الجو الإسرائيلي بدأ عمليا بهذا البرنامج قبل حوالي السنة .
وأشارت الصحيفة أيضا إلى أنّ الدولة العبرية تقوم في هذه الفترة بالذات بتشغيل ثلاثة أقمار اصطناعية: اوفيك 5، اوفيك 7 و1SAR، وكلها من إنتاج الصناعات الجوية الاسرائيلية ، بالإضافة إلى ذلك فإنّ سلاح الجو الإسرائيلي يقوم بشراء صور من شركات تجارية إسرائيلية وأجنبية ويهتم بتطوير برامج تجسس أكثر نوعية والتي بإمكانها أن تطلق الأقمار الاصطناعية بعد تلقيها الإشارة خلال ثوان معدودات ، ولفتت المصادر إلى أنّ قرب الأقمار المذكورة من الكرة الأرضية سيحسن إلى حد كبير أعمال التجسس مما يمكن إسرائيل من متابعة ما يجري في الوطن العربي بصورة دقيقة وسريعة أولا بأول وأنّه في حال قررت الدولة العبرية تنفيذ عملية عسكرية خلال وقت قصير في أي مكان من الوطن العربي وإيران فإنّ القمر الاصطناعي الجديد قادر على تنفيذ مهمة التجسس خلال ساعات من تلقيه الأمر مما يسهل جدا على القوات الاسرائيلية تنفيذ المهمة بنجاح كبير.
" 5 "
طبعا من حق إسرائيل أن تفعل ما تشاء ، فبخلاف وجود هذه الأقمار الاصطناعية إلا أن لها رجالها يسرحون ويمرحون في الوطن العربي سواء أكان بصفاتهم الرسمية أو السرية أو من خلال عملائهم الذين قد يرتدون الملابس الوطنية ويظهرون علنا كأنهم وطنيون ولكن في الخفاء يخفون ما لا يُعلم ومن حق إسرائيل أن تفعل ما تشاء طالما أن المخابرات العربية تركت الاهتمام بالقضايا المصيرية وركزت اهتمامها فقط على توافه الأمور كمعرفة فلان ماذا قال وماذا يقرأ ومعرفة من يكتب في الأنترنت دون التركيز على ما يُكتب ، والأمرّ من ذلك أن تركز هذه المخابرات على إيجاد عدو وهمي غالبا يكون في الداخل .. هو الشعب.
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
وأدعوكم للإستفادة بمقالات متقدمة في مجال التقنية والأمن الإلكتروني
رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني Eagle Eye Digital Solutions
رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني Eagle Eye Digital Solutions