الوظيفة.. بين الضرورة والرضا

    • الوظيفة.. بين الضرورة والرضا

      عُمان -

      أحمد الفلاحي:



      لن نزيد الوظيفة تعريفا، إن قلنا أنها مشتقة من مفهوم العمل، وهي الممارسة الفعلية لهذا المفهوم، إلا أن المصطلحات الحديثة تعطيها هذا النعت لإعطائها نوعا من الوجاهة، فكلمة "عامل" على سبيل المثال يتأفف منها الكثيرون، ويرون فيها انتقاصا في حقهم، فهم موظفون – بالمعنى الحديث للعمل – وليس عاملون، أو عمالا؛ لأن العامل في تحجيم مفهوم العمل، أو الممارسة المهنية يعني أن الشخص يعمل في المهن البسيطة، أما الوظيفة فهو يعمل في مرتبة متقدمة من هذا العمل، وهو مفهوم، على ما يبدو، ضعيف، ومقزُم، لحقيقة العمل الفعلية، فكلنا عاملون مع اختلاف المهن، فالطبيب عامل في مجال الطب، والمهندس عامل في مجال الهندسة، والإعلامي عامل في مجال الإعلام، والصحفي عامل في مجال الصحافة، وقس على ذلك مجموعة كبيرة من المهن التي يزاولها الناس اليوم، ويتأففون فقط من التسمية، وكأن لفظة "عامل" وصمة عار على جبين صاحبها، وليست ممارسة عملية في مهنة ما، يجب أن يضعها تاجا على الجبين لأنها تدر عليه أجرا شريفا حلالا طيبا.

      ونظرا لهذه الإشكالية في الانتصار إلى المسمى أكثر من المعنى يتقزم المعنى الحقيقي لأي وظيفة، حتى الوظائف المتقدمة في السلم الوظيفي، ويظل المسمى هو الصورة المدغدغة لصاحبها وليس الممارسة الفعلية لهذه الوظيفة أو تلك، ومن هنا يأتي الطرح المستمر حول الرضا الوظيفي، أو عدم الرضا، ومن هنا يأتي الإخلال بواجبات هذه الوظيفة، أو الإخلاص فيها، ومن هنا يأتي الإيمان بضرورة الأداء الوظيفي، أو التهاون عن الأداء، ومن هنا يأتي تسخير الوظيفة للأغراض الشخصية، وترك الواجب العام جانبا، ومن هنا يأتي الأداء ضعيفا واهنا لا يعبر عن حقيقة النفوس الشابة التي تتوزع على الخارطة الوظيفية في كثير من المجالات، نعم قد لا تكون هذه الحالة ظاهرة عامة حتى يجوز تعميمها، ولكن وجود حالات تتوغل بين السلسلة الوظيفية لدى عدد من الموظفين، أو العاملين، من شأنه أن يشوه الصورة الرائعة لمعنى الوظيفة، أو لمعنى العمل الصادق.

      هناك من يحاول أن يقحم بيئة العمل في هذا الجانب، ويبرز معوقات الأداء من خلال بيئة العمل، وهذا "عذر أقبح من ذنب" كما يقال، نعم لن تخلو أية بيئة عمل من معوقات يساهم فيها كل أطراف العملية الوظيفية في أي مؤسسة كانت على وجه الأرض، ولكن واقعا تقليديا كهذا لا يجب أن يعيق الأداء، وأن يوجد مبرر لمن يريد أن يخل بواجباته الوظيفية، أو العملية، فالمسألة عند هذه الصورة المتكررة تتجاوز معوقات بيئة العمل إلى البيئة النفسية لدى العامل، أو الموظف، فالخلل، في تقديري البسيط، يكمن هنا في هذه النفس، وليس في بيئة العمل، كما يدعي من لا يريد أن يعلم أساسا.

      هناك جانب آخر أيضا في هذه الصورة المترهلة لمفهوم أداء العمل أو الوظيفة، وهو القناعة التي يتحرك من خلالها أحدنا عند أداء الوظيفة، هل هو يمارس عمله عن قناعة مفادها ضرورة أداء هذا العمل بهذه الصورة، أم لأن المسألة خاضعة للحصول على راتب، أو لمراقبة المسؤول، أو للوجاهة الاجتماعية، هذا عندما لا يعيرون مسألة الأمانة الوظيفية، ومراقبة الله عز وجل أثناء أداء هذه الوظيفة؟

      سؤال يجب أن يطرح بقوة عند كل من يمارسون عملا ما، ويعانون من صورة مهتزة في هذه المسألة، ولو أنها المسألة واضحة وضوح الشمس، ونتيجة لهذه الصورة المهشمة في مفهوم الأداء على وجه الخصوص تأتي مجموعة الممارسات المهينة في حق الوظيفة من الخيانة، والسرقة، والتهاون، وترجيح المصلحة الخاصة، وتسخير الوظيفة للأغراض الشخصية، الامتطاء على أكتاف الآخرين، وغيرها من الصورة المعيبة في حق كل من يمارس وظيفة، أو عمل ولا يخلص فيه الإخلاص المطلق.

      الوظيفة أو الممارسة العملية مساحة خضراء رائعة التكوين، تتسامى من خلالها الذات وتنتشي كلما أخلص أحدنا فيها، وأعطاها حقها الذي تستحق، ومن يرى فيها غير هذه الصورة الحالمة فليعيد ترتيب أوراقه من جديد، فلا تزال هناك شعلة من أمل.


      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية

      وأدعوكم للإستفادة بمقالات متقدمة في مجال التقنية والأمن الإلكتروني
      رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
      المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
      والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني
      Eagle Eye Digital Solutions