قولٌ بقولِ ، وكذبٌ بكذِب - جديد بدرية العامري

    • قولٌ بقولِ ، وكذبٌ بكذِب - جديد بدرية العامري

      الحُروف متمنِّعةٌ عليّ مع أنّني اشتاقُ أن اكتب ? ما أن تبدأ الدِّراسة حتّى تسوء عاداتي ? لا اتغذّى جيّدا? أُهمل الأدوية?ولا اكتُب ?اليوم اشتقتُ لـ سيّد الغياب ? و وددتُ لو اكتب له ? بدأتُ بـ3 أسطر وتوقّفت? بعدها ?أخذتُ ابحثُ في جهازي عن بعض الأعمال الّتي أهملتها كثيرا ? وبعض مذكّراتي القديمة? يضجُّ الـ Desktop بالكثير من الملفّات الّتي تحوي الكثير مما في ذهني ملف ( حروفي) بهِ أشياء أُحبُّها جدّا ? وبما أنّني عنونتُ مدوّنتي بـ ( أنا/ زرقاء بكلِّ أبعادي ) فـ سأكونُ أنا بـ بُعدٍ آخر ? أنا المهووسة بالأدب ? والتّحليل ..نصٌّ بعنوان ( قولٌ بقولٍ ، وكذبٌ بكذِبٍ) من كتابِ البُخلاء لـ الجاحِظ .. قمتُ بتحليلِه على أُسسٍ علميّة ذات يوم .. ولم يطّلع عليهِ سوى دكتوري وأستاذي الرّائِع دوما...



      قولٌ بقولِ ، وكذبٌ بكذِب





      ومثل هذا الحديث ما حدثني به محمد بن يسير، عن وال كان بفارس، إما أن يكون خالداً أخا مهرويه أو غيره? قال: بينا هو يوماً في مجلس، وهو مشغول بحسابه وأمره، وقد احتجب جهده، إذ نجم شاعر من بين يديه، فأنشده شعراً مدحه فيه وقرظه ومجده? فلما فرغ قال: قد أحسنت? ثم أقبل على كاتبه فقال: أعطه عشرة آلاف درهم? ففرح الشاعر فرحاً قد يستطار له? فلما رأى حاله قال: وإني لأرى هذا القول قد وقع منك هذا الموقع؟ اجعلها عشرين ألف درهم? وكاد الشاعر يخرج من جلده! فلما رأى فرحه قد تضاعف قال: وإن فرحك ليتضاعف على قدر تضاعف القول! أعطه يا فلان أربعين ألفاً? فكاد الفرح يقتله? فلما رجعت إليه نفسه قال له: أنت - جعلت فداك - رجل كريم? وأنا أعلم أنك كلما رأيتني قد ازددت فرحاً زدتني في الجائزة? وقبول هذا منك لا يكون إلا من قلة الشكر ? ثم دعا له وخرج?
      قال: فأقبل عليه كاتبه فقال: سبحان الله! هذا كان يرضى منك بأربعين درهماً، تأمر له بأربعين ألف درهم! قال: ويلك! وتريد أن تعطيه شيئاً؟ قال: ومن إنفاذ أمرك بد؟ قال: يا أحمق، إنما هذا رجل سرنا بكلام ، وسررناه بكلام. هو حين زعم أني أحسن من القمر، وأشد من الأسد، وأن لساني أقطع من السيف، وأن أمري أنفذ من السنان، جعل في يدي من هذا شيئاً أرجع به إلى بيتي ألسنا نعلم أنه قد كذب؟ ولكنه قد سرنا حين كذب لنا. فنحن أيضاً نسره بالقول، ونأمر له بالجوائز، وإن كان كذباً. فيكون كذب بكذب، وقول بقول. فأما أن يكون كذب بصدق، وقول بفعل، فهذا هو الخسران المبين الذي سمعت به.
      البُخلاء للجاحظ

      المستوى التّركيبي ( دراسةُ الخبرِ ) :

      * منطِقُ الأحداثِ :

      إنّ المتأمّل في النّص ، يرى بأنّ النّص تشكّل من ثلاثةِ أفعالٍ كُبرى ، ساهمت في تشكيلِهِ ، وبناءِ أحداثِهِ ، وهذهِ الأفعال الكُبرى سـ نقسِّمها كما يلي :

      المقطعُ التّامُّ الأوّل : من أوّلِ النّصِّ إلى "وقد احتجب جُهده" ، ويُمكن أن نتّخذ ( العادة) عنوانا لهُ ، وقد تشكّل هذا المقطع بمقطع جُزئيٍّ واحد ، يتحدّثُ عن انشغالِ الوالي بأمورٍ رعيّتهِ ، وحساباتِهِ.
      النّصّ يبدأ بحالة اتّزانٍ ، وهدوء ، حيثُ لم يستجد شئٌ في هذا المقطع ، فالأحداثُ إلى الآن لم يطرأ عليها أيُّ عارِضٍ.

      المقطعُ التّامُّ الثّاني : من " إذ نجمَ شاعِرٌ من بينِ يديهِ..." ، إلى " ثمّ دعا لهُ ، وخرجَ" ، وسنتّخِذُ ( فعلٌ ، وردُّ فعل) عنوانا لهذا المقطع ، ويحوي هذا النّصُّ ثلاثةُ مقاطِع جزئيّة ، أوّلها دخول الشّاعر وإنشادهِ الشّعر في حضرةِ الوالي ، وثانيها مكافأةِ الوالي للشّاعِر ، ومضاعفتهِ للمكافأةِ بتضاعُفِ فرحِ الشّاعِرِ ، وثالثها هو خروجُ الشّاعِرِ.

      في هذا المقطع يطرأُ ما يُربِكُ الأحداث ، ويخلُّ من سيرِها الطّبيعي ، فدخول الشّاعِر ، وإنشادِهِ للشِّعرِ ، و تضاعُفِ فرحهِ ، بتضاعُفِ الجاِئزةِ هو موضِع التّوتُّرِ في النّصِّ .
      إنّ الأحداث كان تجري مجرىً طبيعيّا إلى أن صرّح الوالي بأمرِ الجائِزةِ الوهميّةِ ، و كانت الأحداثُ في حدّتِها مع تضاعُفِ فرحِ الشّاعِرِ ، ومضاعفةِ الوالي للجائِزةِ .

      المقطعُ التّامُّ الثّالِث : من "قال: فأقبلَ عليهِ كاتبهُ..." إلى آخرِ النّصِّ .
      يتألّفُ هذا المقطع ، من مقطعينِ جزئيينِ أوّلهما ، هو حوارُ الوالي مع كاتِبهِ ، وثانيهُما هو بيانُ نيّةِ الوالي في أمر صرفِ الجائِزةِ للشّاعِرِ . فالوالي ما كان يرغبُ في صرفِ الجائِزةِ ، وإنّما أراد أن يُرضي الشّاعِر بالكلامِ ، مثلما أرضاهُ بالكلامِ ، و لا يجوزُ أن يُكافئهُ بالمالِ ، مُقابِل كلامِهِ ، فلا عدل في ذلِك فالأمرُ يكون قولٌ بقولٍ ، وكذبٌ بكذبٍ ، ولا يصحُّ أن يكون قولٌ بفعلٍ.
      في هذا المقطع ، تبدأُ حالةِ استعادةِ التّوازنِ للأحداثِ ، فحديثُ الوالي مع الكاتِبِ ، بيّنت لنا نيّةُ الوالي في أمرِ صرفِ الجائِزةِ ، وعلاقةُ الظاّهِرِ بالباطِنِ .


      العلاقاتُ بينَ الشّخصيّاتِ :

      شخصياتُ النّصِّ تشي بعلاقاتِها ، فهي جليّةٌ لمتتبِّع النّصِّ إلى آخرِهِ ، إذا أنّها تتبيّنُ ، وتتحدّدُ عند نهايةِ النّصِّ بوضوحٍ ، فالوالي يُبهِج ، بقدرِ ما يُبهَجُ ، فبكلامِهِ ضاعف فرح الشّاعر ، مثلما فعل الشّاعِرُ تماما ، فالكذِبُ كان متبادلا بين الطّرفينِ .


      الوالي _______ الشّاعِرُ

      _في هذا المقطع تتضحُ العلاقةُ الرّئيسة الّتي تشكّلت عليها الأحداث ، وهي علاقةُ الرّغبةُ المتبادلةُ بين الطّرفينِ ، ذلِك أنّ الوالي يرغبُ في سماعِ ما يُبهِجهُ ، ويسرّهُ وإن كانَ كذِبا ، والشّاعِرُ يؤمِّلُ نفسهُ بالعطايا ، والهدايا .
      _التّواصُل حدث بين الطّرفين ، لتحقيقِ علاقةُ الرّغبةِ القائِمة على الاتّصال.
      _ كما أنّ علاقةُ المُشاركةِ كانت قائِمةً بينهُما من خلالِ إنشادِ الشّاعِرِ لشعرِهِ ، واستماعُ الوالي لهُ.

      الوالي________ الكاتِبُ

      _الرّغبة ، تبدو على مستوى الظّاهِر رغبةُ الوالي في صرفِ الجائِزةِ للشّاعِر ، بأمرِه للكاتِب ، غير أنّ الباطِن يشي بشئٍ آخر ، فالرّغبةُ هُنا تتحدّدِ بنقيضِها ، فالوالي لا يرغبُ في صرفِ الجائِزةِ للشّاعِر ، وإن أمرهُ ظاهِريّا بذلِكَ.
      _التّواصل حاصِل بين الوالي ،و الكاتِب على مستوى القولِ ، فالواليِ أمر الكاتِبَ بصرفِ جائِزة للشّاعِرِ.
      _المُشاركةُ ،اتّضحت هذه العلاقة من خلالِ إيضاح الوالي رغبتِهِ في أمرِ صرفِ الجائزةِ ، بمشاركتهِ للكاتِب ، نواياه.

      المستوى اللّفظيُّ ( دراسةُ الخِطابِ) :


      *التّرتيبُ:
      ندرُسُ في هذا الجزء ترتيبُ الأحداثِ في الخِطابِ مقارنةً بترتيبِها في الخبرِ .
      إنّ الأحداث في الخطابِ هي بنفسِ ترتيبها في الخبرِ ، فقد رُويت الأحداث متتاليةً تتأسّسُ وفق ترتيبٍ واقِعي ، فيأتي الحدثُ الثّاني متأسٍّسا على الحدثِ الأوّلِ ، ومكمِّلا لهُ ،

      * المدّة :
      تواترت في هذا النَّصُّ ثلاثُ ظواهِر سرديّة ( المُجملُ ، والمفصّلُ ، والمشهديُّ) ، أمّا المجملُ فقد غلب على المقطعِ الأوّلِ ، الّذي جاء مختزِلا انهماكِ الوالي في شؤونِ ولايتِهِ ، وبذلِك اختصر الرّاوي زمن الخبرِ ، وعبّر عنهُ بجملٍ عدّة ، لا تتوازي وزمن حدوثِ الفعلِ .
      تناوب السّردُ المشهديُّ ، والمفصّلُ على أحداثِ المقطعِ الثّاني ، فبين حوارِ الشّاعِر ، والوالي ، يتخلّلُ وصفٌ لحالِ كلٍّ منهُما ، وهنا برز السّردُ المفصّلُ ، أمّا بقيّةُ المقطعِ فغلبت عليهِ روايةُ القولِ ، وهو ما يُحقِّقُ توازِيا بين زمنِ الخبرِ ، وزمنِ الخِطابِ .

      سيطر السّردُ المشهدي على المقطعِ الثّالث ، فنُلاحِظ أنّ هذا المقطع عبارة عن حكايةِ أقوالِ ، وحكايةُ الأقوالِ تتّسمُ بتوازنِ الزّمن المرويِّ ، مع زمنِ حدوثِ الخبرِ في الواقِعِ.

      * التّواتُر :
      غلب على النّصِّ السّردُ المُفردُ ، وهو وقوع الحدث مرّةً واحِدةً في الخبرِ ، و يُروى في الخِطابِ مرّةً واحِدةً ، والنّص يوضِّح من بدايتِه هذه السّمة ، فكلُّ الأحداثِ لم تتكرّر أبدا لا في زمن الخِطابِ ، ولا في زمنِ الخبرِ .

      مظاهِرُ القصّةِ :

      يتّضحُ لنا في هذا النّصّ أنّ الرّاوي مُلازِما للشّخصيّةِ ، فهو يروي ما يراهُ بحياديّةٍ تامّة ، ولا يفشي الخبايا ، ولا يسرّد ما تكنّهُ الأنفُس ، فهو يتحدّثُ وفق ما تعلمهُ الشّخصيّةُ الّتي يُسلِّط عليها الضّوء ، فالرّاوي في هذا النّص اعتمدَ على نمطِ الرّؤيةِ المُصاحبةِ .

      صِيغُ القصّةِ :
      سيطرت على النّصِّ بشكلٍ مُجمل حكايةُ الأقوالِ ، وإن كانت هُناك صِيغٌ أُخرى كحكايةُ الفعلِ ، والحالِ ، إلّا أنّها جاءت مدعِّمةٌ لحكايةِ الأقوالِ.




      المصدر : مدونة بدرية العامري


      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية

      وأدعوكم للإستفادة بمقالات متقدمة في مجال التقنية والأمن الإلكتروني
      رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
      المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
      والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني
      Eagle Eye Digital Solutions