الحب الخلفاني . - جديد ابن المرار

    • الحب الخلفاني . - جديد ابن المرار

      ـ صورة من الجزيرة زنجبار.

      سافرت "عائشة" إلى زنجبار مع زوجها "خلفان" بحثًا عن لقمة العيش، وألح "خلفان" على زوجته السفر معه لأنه لا يستطيع مفارقتها أو الإستغناء عنها، على الرغم من أن كل الرجال سافروا من دون أن يأخذوا زوجاتهم.

      تكبدت "عائشة" الكثير من المصاعب والمشقة والتعب خلال هذه الرحلة المرهقة من "مسكد" إلى "زنجبار" إلا أنها تحملت من أجل زوجها "خلفان" الذي تحبه ولا تستطيع أن ترفض له طلب مهما كان الأمر .
      عندما وصل الزوجين العاشقين إلى الجزيرة الأفريقية "زنجبار" إستأجراء منزلاً صغيراً وأخذا يعملان في قطاع الزراعة ولا يمكن أن يفارق أحدهما الأخر حتى في الصلاة؛ كان "خلفان" يحمل زوجته معه ولا يمكن أن يفارقها.
      الكل في الجزيرة يشيد بالحُب الجُنوني بين "خلفان وعائشة" حتى أطلقوا على هذه العلاقة "الحُب الخَلافاني" نسبة إلى "خلفان" الذي يهيم في حبيبته "عائشة" وكتب لها الكثير من القصائد الروامنسية باللهجة المحلية، أبرزها قصيدة "محلا عُقوصك يا عواش" والتي يقول فيها :
      محلا عُقوصكْ يا عَواشْ
      كأنها شَعر الفَرسْ
      من أشوفها أستوي رباشْ
      وأقَحمْ قصر السُلطان
      وأقتل كل الحرسْ
      أحبكْ ومَانيِ بحبك غشاشْ
      أنا العاشق أنا الفنان
      دُقْ يا طَبلْ واقرعْ يا جرسْ
      وكانت "عواش" تخجل من هذا الكلام الجميل فتضع "شيلتها" على وجهها وتقول من خَلفْ "الشيلة" :

      ما أرومْ عَنكْ يا خلفانْ
      لو تسافر حُدود الصينْ
      أجي أتبعك وأغطيكْ
      لو كِنت بردانْ
      وأبرد عليك يا الغالي
      لو شفتك حُرانْ
      بس خبرني دوم أنت فِهين

      وبهذه المداعبات الجميلة بين أشجار النارجيل والموز في الجزيرة السمراء الأفريقية يعيش أكبر حُب بشري على الإطلاق، فاق حٌب قيس ورميو وتعدى حُب عنتر لعبلة .

      وفي ذات يوم من الأيام شعرت عائشة الجميلة ذات "العقوس" الطويلة، بدوار وسقطت على الأرض، حملها زوجها خلفان بين يديه وهو يبكي وقلبه يكاد يسقط على الأرض وهو يقول : "مَحروزهَ يالغالية ... فيني ولا فيك يارب".

      لم تكن الجزيرة السمراء الأفريقية مهيئة لمثل هذه الحالات، وكان الطبيب اليتيم في هذه الجزيرة هو البريطاني "بلير" الذي يتخذ من كوخ في ميناء الجزيرة "عيادة متواضعة". بعد أن كشف الطبيب البريطاني على عائشة تبسم وفي عينه دمعة محرقة وقال بالعربية المكسرة : "زوجتك عائشة حامل" . أرتمى خلفان وقبل رأس زوجته الممدة على السرير المصنوع من خشب النارجيل، وأخذ يمسح يديها الباردتان وهو يقول : "ربي يحفظك الغالية ... ويخليلي أياك دنياء وأخرة "
      تبسمت عائشة وكأنها إشراقة شمس الصباح وقالت بصوت مبحوح وهي تتألم : "الغالي أنا بخير ... بس أنت دير بالك على نفسك"، ولكن الطبيب البريطاني كان يحكل بين شفتيه خبر غير سار وقال : ولكن لا أذا أستمر عائشة في الحمل من المتوقع أن تموت.

      شهقت عائشة وحاول زوجها خلفان تهدئتها ولكن دون جدوى وكادت أن تموت لولا أن الطبيب سحب إبرة مهدئة وغرزها على كتف عائشة الممدة على السرير وغصت في نوم عميق .

      كان الطبيب البريطاني صريح لأبعد الحدود عندما قال أن الحمل سيؤثر على عائشة ولكن الأخطر من ذلك أن عائشة أمامها أحد الأمرين إما أن تستمر في الحمل وتنجب طفل لزوجها خلفان وتموت، وإما أن يتم معالجتها وإستخراج الجنين من بطنها كما يتم "قلب الرحم" من أجل منع الحمل مدى الحياة حفاظا على صحتها.

      بديهيًا وافق خلفان على الحل الثاني من أجل المحافظة على صحة حبيبته وزوجته الغالية، ولم يفكر في الأولاد ولم يخطر له أبداً في يوم من ألأيام أن يضع شيئًا مقابل روح زوجته، كما أنه على إستعداد أن يدفع بروحه وبكل ما يمكلك من أجل عائشة الغالية .

      استيقظت عائشة بعد إجراء العملية وقد عرفت كل شيء وضلت لأكثر من شهر وهي حزينة لا تتكلم لأنها فقدت "خاصية الإنجاب" أو بالأحرى فقدت الأمومة، كما أنها ستحرم زوجها من الإولاد وهذا ما زادها حزنًا وكائبةً . ولكن محاولات خلفان في تضميد جراحها خفف الكثير من هذا التوتر والحزن واستطاع خلفان أن يؤكد لها أنه لا يحب شيء في الدنيا أكثر من زوجته الغالية "عواش" ولا يرغب في أن يكون شيئًا بجانبه في حياته إلا هي.

      بعد مرور أكثر من سنتين وبعد سلسلة من التضحيات عادت الأجواء الروامنسية إلى حياة العاشقين "خلفان وعائشة" إلا أن السعادة هذه لم تدوم طويلاً، فقد نشبت الحرب "الزنجبارية" والتي قُتل فيها المئات من البشر، وأنتشر الرعب والخوف في الجزيرة وأحرقت البيوت ودمرت المزارع وما كان من خلفان إلا أن يحمل زوجته على ظهره ويهرب بها إلى أقرب سفينة تمخر البحر ليعود بها إلى بلده "مسكد" .

      وبينما هو يحمل زوجته على ظهره، أصابته رصاصة طائشة في صدره إلا نها لم تثنيه عن مواصلة الركض بقوة نحو الميناء، ولم تعرف زوجته أن زوجها "خلفان مصاب" وبعد أن أنزلها على ظهر السفينة كانت المفاجأة، فقد أمتلائت السفينة عن بكرة أبيها ولا يوجد متسع لأي أحد، حاول خلفان مدافعة الناس إلا أنه أحس بالوقوع في أعماق البحر مع زوجته لهذا رمى بحبيبته عائشة على ظهر السفينة مع الناس، وسقط هو في أعماق البحر من أعلى السفينة .

      صرخت عائشة وحاولت النزول من أعلى السفينة إلا أنها لم تفلح فقد تحركت السفينة وابحرت، وغابت السفينة في ظهر البحر وعائشة تكاد تلفظ أنفاسها الأخيرة من "هول" الموقف.

      إصيبت عائشة بالبكم ولم تستطيع الكلام، كما أصيبت بالأعمى فقد قضت أكثر من ستة أشهر في البحر وهي تبكي وتنوح على حبيبها وعندما وصلت السفينة إلى "مسكد" وعانق القادمون من زنجبار الجزيرة التي أشتعلت بالنار المستقبلون لهم في ميناء مسكد وقفت عائشة على رأس السفينة وهي تشم رائحة البحر الذي أبتلع زوجها وحبيبها، وتسمرت ولم تستطع النزول من السفينة فلم تَعد تستطيع النظر ولم تعد تسمع ولا تتكلم .

      فجأة يحملها رجل على كتفيه وينزل بها أخذت تتلمس ملامح وجهه فاعنقته بشدة وهي تبكي وتضحك في الوقت نفسه، كان خلفان الذي ركب سفينة أخرى وأبحر من خلالها إلى "مسكد" فليس من المنصف أن يترك حبيبته التي لا يستطيع فراقها الذهاب بدونه، وبدأت قصة عشق أخرى في العاصمة "مسكد" وعانقت السماء وطوقت الكون ونشرت المحبة وأكدت على أن الحُب لا يمكن أن ينتهي .
      ابن المرار
      الجمعة، 19 شباط، 2010
      مسقط، الخوير، دوحة الأدب.



      المصدر : مدونة ابن المرار


      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية

      وأدعوكم للإستفادة بمقالات متقدمة في مجال التقنية والأمن الإلكتروني
      رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
      المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
      والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني
      Eagle Eye Digital Solutions