في ضرورة دعم المبدعين - جديد سعيد السيابي

    • في ضرورة دعم المبدعين - جديد سعيد السيابي

      مقال
      في ضرورة دعم المبدعين
      يوسف أبولوز

      هل يشبع الكاتب هو وأطفاله خبزاً من وراء الكتابة؟
      هل يتمكن بالكتابة من توفير مسكن ملائم لوضعه الاعتباري الأدبي، وهل يستطيع الكاتب تعليم أبنائه وضمان حياته المتأخرة وحمايتها من مدّ يده إلى الآخرين وإبعاد شبح المرض وتبعاته المادية المرهقة عن كينونته الإبداعية والإنسانية؟
      نعم، يحدث كل ذلك، وعلى نحو حضاري رفيع بالنسبة إلى الكاتب الأجنبي في أوروبا وفي أمريكا، وحتى في بعض البلدان الأجنبية الأقل حظاً من بلدان الغرب، التى يستطيع فيها روائي مبتدئ أن يؤلف رواية هي الأولى له، ومن ورائها يجني ملايين الدولارات، كما حدث قبل سنوات لسائق حافلة بريطاني تقاعد من عمله ودخل نادي الكتابة من بوابة الفضول والحاجة الذاتية فقط للكتابة، غير أن رواية ذلك السائق رفعته إلى الثراء والشهرة في فترة قصيرة .
      وفي الغرب أيضاً، وفي المكتبات العامة، هناك نظام إعارة وقراءة يخضع له مرتادو المكتبات بحيث يتم تسجيل عدد ساعات القراءة وربما عدد الكلمات المقروءة من كتاب ما ليذهب جزء من ريع المكتبة إلى المؤلف وهو جالس في بيته .
      يشبع الروائي والشاعر وكاتب القصة وكاتب السيناريو ومؤلف المسرح في الغرب ليس خبزاً فقط من وراء مؤلفاتهم، وإنما يسافرون ويتمتعون بحياة لا تنقصها الرفاهية، الأمر الذي يوفر لهم بيئة حرة للتفرغ إلى إنتاجهم الأدبي وتجويده وترجمته ووصوله إلى اللغات الحية عبر الترجمة، وهؤلاء لا يفعلون ذلك عشوائياً، وإنما لهم مديرو أعمال ومكاتب قائمة على موظفين وسكرتارية دائبة العمل على ربط الكاتب الغربي بناشره وقارئه ومترجمه، وتحصيل حقوق النشر والتوزيع وتحويلها إلى حسابه في البنك . وملاحقة من يُخلّ بهذه الحقوق قضائياً بتعويضات قد تصل إلى الملايين من النقود .
      على الضفة الأخرى من هذا الكوكب، خذ نموذج الكاتب العربي الذي يموت من الجوع والفاقة والمرض وتتكدس كتبه في المخازن ويأكلها الغبار، وبعض هذه الكتب العربية لا تقل قيمة أدبية وفنية وفكرية وجمالية عن تلك النخب الإبداعية في الغرب، الذي في الأصل تقوم مؤسساته ونظمه بتوفير أسهل وأفضل الفضاءات الإنسانية المناسبة لنمو فعل الإبداع والكتابة، الذي توجهت به بلدان الغرب إلى الاستثمار ودخول هذا الفعل إلى صميم عجلة الاقتصاد، علاوة على اعتبار الكاتب اللامع في هذه البلدان ثروة وطنية لأنه يجلب إلى بلده دعاية حضارية، وعلى ذلك، فهو يستحق الرعاية والدعم والمؤازرة .
      مات المفكر المصري الجذري جمال حمدان وليس في شقته المتواضعة في القاهرة سوى أثاث قليل والكثير من الكتب والأفكار، وأمل دنقل أمضى ثلثي حياته بائساً وفقيراً مع أن أشعاره حية ومضيئة حتى اليوم، والروائي الفلسطيني محمد عيد مات وعينه على زجاجة دواء لم يستطع توفير ثمنها، وحسب الشيخ جعفر ومحمد خضير وغيرهما لولا جائزة سلطان العويس الثقافية لباعوا قمصانهم وهم يقبضون على كرامة النفس، وغيرهم وغيرهم الكثير من الشعراء وكتاب القصة في الوطن العربي لم يربحوا شيئاً من الكتابة إلا الإصرار عليها، مع أن مؤلفاتهم علامات إضافة عالية للثقافة العربية والابداع العربي .
      وفي السنوات الأخيرة أمكن لعدد من الروائيين العرب، وبشكل محدود جداً أن يستفيدوا مادياً من كتبهم وذلك بعد جشع بعض الناشرين الذين لا يطبعون ولا يوزعون إلا بعد جولات من المساومة مع الكاتب الروائي الذي يخرج في النهاية بالقليل الكريم الذي يحفظ ماء وجهه .
      نضيف إلى العدد المحدود من الروائيين العرب الذين نجحوا في عملية “الربح” من الكتابة التي كان يقول عنها الجاحظ إنها مهنة الفقر . . نضيف إليهم اليوم جماعة المترجمين العرب الذين انفتحت لأغلبهم أبواب الرزق، ولكن بعد رحلة مضنية مع الفقر، ففي السنوات الأخيرة فقط أصبح المترجم يأكل وينام جيداً إلى حد ما من وراء عمله في الترجمة من اللغة الانجليزية تحديداً إلى العربية، وذلك بعدما انتبه العرب مؤخراً إلى الجانب الحيوي العالمي في فعل الثقافة بوصفها جسر حضارات وثقافات .
      أما الشعراء، فهؤلاء “يا حسرتي عليهم” . قبل حوالي خمسة أعوام باع شاعر يمني أثاث منزله ليطبع مجموعة شعرية، وهو عمل أخرق، لكن ماذا يفعل الشاعر المسكين إذا كان مريضاً بهذا الفن الذي يعتبره العرب ديوان وجدانهم التاريخي؟
      لا يربح الشعراء العرب من طبع مجموعاتهم الشعرية ولا أي فلس واحد، بل يدفعون من جيوبهم الخاوية أصلاً للناشرين لكي يحفظوا كلماتهم المضيئة من الانطفاء . مثل الشعراء كتاب القصة العرب، وهؤلاء أصلاً لا نراهم ولا نقرأ لهم إلا لماماً، “ألم يقرر النقاد العرب موت فن القصة القصيرة . .” . . فكيف يأكل هؤلاء إلا الورق الذي يكتبون عليه؟
      هل يربح الكاتب العربي من قلمه؟
      في الأغلب نعم، يربح الأسى والخيبة وخبرة الجوع




      المصدر : مدونة سعيد السيابي


      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية

      وأدعوكم للإستفادة بمقالات متقدمة في مجال التقنية والأمن الإلكتروني
      رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
      المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
      والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني
      Eagle Eye Digital Solutions