اللباس بين الذوق والهويَّة ..! ( 2 ـ 2)

    • اللباس بين الذوق والهويَّة ..! ( 2 ـ 2)

      الوطن -*صالح الفهدي:



      إن الرّجلَ إن لم يكن اللّباس له تعبيرا عن الرجولةِ، وجديّتها في مواضع تتطلّب ذلك أنقص من قيمتهِ، وأبخس من قدره عند الناس .. فالوعي بقيمةِ اللّبس ومدى توافقه مع العمر وتواؤمه مع مختلفِ المناسبات هو أمرٌ له أهميته، يقول أحدهم: ذهبتُ ذات مرّة إلى مناسبةِ عقدِ قران في إحدى القرى دون أن ألبس العمامة (المصر) وقد حسبتُ أنني سأنتبذُ ركنًا في المسجدِ أو المجلسِ دون أن ألفت نظر الكثيرين كما يحدث في مثل هذه المناسبات فإذ بي أتفاجأ بأن عليَّ أن أصافح جميع من في المجلسِ كما يحدثُ في مناسبات العزاءِ وكان من بين هؤلاء الكثيرين ممن يعرفونني فعاهدتُ نفسي بعدها أن لا أذهب لمناسبةٍ فيها حشدٌ من الخلقِ دون عمامة ..! ويقولُ آخر: إنني أفكّر كثيرًا في فيما ألبس ليس فقط حينما أزور بعض الناس إنما حين أستقبلهم في بيتي ..!! فكيف هو حال بعض الناس الذين لا يقيمون وزنًا للباسهم حينما يزورهم زائر في بيوتهم ..؟! يحدثنا أحدهم أنّه منذ سنوات زار أجنبيًّا قبل الموعد بدقائق فدق عليه الباب فخرج المضيفُ الأجنبي بملابس الاستحمام وقال لهم بلهجةٍ صارمة: موعدكم الساعة الخامسة وأغلق الباب في وجوههم، يقول وظللنا ننتظره حتى حانت الخامسة ففتح الباب لنا وهو متهيئ لاستقبالنا ببدلتهِ الرّسمية..!

      إنني أستغربُ من بعض الرّجالِ في المقابلِ لا يقبلون التغيير في لباسهم شكلاً ولونًا في محافل مختلفة، ومناسبات متنوعة فتراهم متمسّكين بما ورثوه، وإن كان بعض ما ورثوه عائدًا لضرورات أملاه الزمن الفائتِ وظروفه فإن هذا الزّمن والتقدم فيه أتاحا التغيير لما هو أفضل وأسترُ للجسد.! كذلك لا يريدون التغيير حتى وهم يمارسون مهنهم التي يكون لباسها المعروفة عليه أدعى وأجدى من اللباس التقليدي، وقد ورد في موقع الإسلام سؤال وجواب قول مجموعة من الفقهاء "فلا نرى أن لباس الرياضيين ـ إذا كان ساترا للعورة ـ أو لباس "البدلة الإفرنجية"، أو خروج الرجل حاسر الرأس أو اللباس الخاص بأصحاب المهن والحرف المعينة، كلباس الأطباء ولباس القضاة ولباس العمال ونحو ذلك: مِن الشهرة المذمومة، فهي لا تحمل معنى الشهرة أصلا، لا من حيث الإسراف والخيلاء، ولا من حيث مخالفة المجتمع". ومن الناس من ترى أنّه لا يُحسنُ إلى اسمه وشخصيته، ومنهم من لا يُحسن إلى الجهةَ التي يعملُ بها في طريقةِ لباسه يقول" Richard Templar" في كتابه" قوانين العمل The Rules of Work : لقد شهدت مقابلات لوظائف في الإدارة العليا يحن يأتي بعض المتقدمين ببدل مهترئة وقمصانٍ أو بلوزات غير مكويّة، وحذاءٍ غير ملمّع وشعر غير ممشَّط. لا يمكن لي أن أوظِّف هؤلاء..!!"

      أمّا لبسُ النساءِ فهو بابٌ له أوّلٌ وليس له آخر ..! إنّما الحديثُ هنا عن المبتدعات غير الحسنةِ في اللّباس، هذا الذي يعني للمرأةِ حُسنًا، وتجمُّلاً، وفتنة .. أو تبذُّلاً وانحلالاً وسفورا ..! اللِّباسُ للمرأةِ ـ كما يفترضُ ـ ساترٌ لعفّتها، صائنٌ لأنوثتها، متمّمٌ لخَلْقها وخُلُقها .. مع أن اللّباس الساترَ يستعملُ في بعض الأحيان لإخفاء نوايا سيئّة، وسترِ نزواتٍ غير عفيفة ..! ونرى ذلك في مناسباتٍ مختلفة ..! وهؤلاء لسن إلاّ من قبيل النساءِ اللّواتي أقبلن على شراء الخمار حين استنجد تاجر بصديقه الشاعر ربيعة بن عامر الدارمي التميمي المشهور بلقب مسكين الدارمي، كي ينظم له أبياتًا تسهّل عليه تجارة ما كسد من سلعة الخُمر فقال:

      قل للمليحة في الخمار الأسود

      ماذا فعلتِ بزاهد متعبد

      قد كان شمَّر للصلاة ثيابه

      حتى خطرت له بباب المسجد

      وكما كان الترويج للخمار بقصدٍ تجاري كان كذلك القصد للقميص الأحمر في قصيدة إلياس بن عبدالله الذي اشتهر باسم أبي الفضل الوليد، الذي عاش بين 1886- 1941م:

      قل للمليحة في الحرير الأحمر

      ماذا فعلت بشاعر متكبر

      إنّما يبقى الحكم العام على أن اللّباس المحتشمِ هو ما يسترُ الجسدَ، ولا يظهرُ التقاسيم، ولا يشفُّ عن ما تحته .. في حين فإن زينته غير المسرفةِ لا تخلُّ به .. إلاّ أننا نشاهدُ أن من الفتيات أو النساء من جعل اللّباس خادشًا للحياءِ، ومهينًا للحشمة، فإن لبست العباءة فإنّها إمّا أن تفصّل أجزاء جسدها، أو تشفُّ عما تحتها .. فما غرضُ لبسها إذن إن لم تستر؟! وإن لبست ملبوسًا آخر علق بجسدها حتى كاد أن يلتصق به ..!! هذا قد يعني اختراق حدود الأدب والعفّة مع الاحتفاظ بـ"الأيقونة" التي فرضها المجتمع وهي "العباءة السوداء" ..! فمن قصدت إلى إبراز جسدها فتنةً وجاذبيّةً وإثارةً فهي ممن شملهن الحديث الشريف - إلاّ من هدى الله ورحم - في قول النبي صلى الله عليه وسلم (صنفان من أهل النار من أمتي لم أرهما بعد : نساء كاسيات عاريات، مائلات مميلات، على رءوسهن مثل أسنمة البخت، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، ورجال معهم سياط مثل أذناب البقر يضربون بها عباد الله ) رواه مسلم.

      الغريبُ أن بعض الرّجالِ أو النساء يلبسونُ أفضل ما عندهم من ثيابٍ إذا خرجوا من بيوتهم فإن عادوا إليها لبسوا أوضع وأقدمَ ما عندهم اللّباس..! وكأنّهم يقصدون إلى القول بأن المظهرَ الأجمل والأفضل هو ما يجب أن يرانا عليه الآخرون، ولذلك فكم اغترَّ رجلٌ بامرأةٍ تتأنّقُ في لبسها فأعجب بها حتى إذا اقترنا وجدها لا تلقي بالاً للباسها داخل المنزل ..! وكم أعجبت امرأةٌ بمظهرِ رجلٍ وحسن توفيقه في لباسه حتى إذا اقترنت به وجدته أضعفُ الخلق ترتيبًا وتنظيمًا واهتمامًا بمظهره داخل بيته ..!! وهنا مردُّ الكثير من المشاكل الأسريّة، وسببٌ من أسبابِ خرابها ..!! وهذا لا يتعارض مع تخّفف المرء في بيته إنّما لا يكون التّخفّف على حساب حسن المظهرِ عند الزّوجِ أو الزوجة بل يكون البيتُ أوجبُ للتجمُّل والتحسُّن حتى تستقرَّ القلوب وتأتلف، وتهدأ النوازع وتطمئن..!

      للمرء أن يلبس ما شاء بشرطِ أن يتّزن في لباسه ويعتدل فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( كُلُوا وَتَصَدَّقُوا وَالْبَسُوا فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا مَخِيلَةٍ ) رواه النسائي.. اللباس هو زينةُ الرجل والمرأة وسترهما ودليلُ ذوقهما، وعلامةُ شخصيتهما فإن خرق اللباسُ آدابَ العفّةِ أخلَّ بمقصدِ السِّتر، وانحرف نحو الإثارة المأثومة، وإن بالغَ وأفرط أخلّ بالاعتدالِ والاتّزان الذي يرتضيه الدّين، وهذا يُقارنُ بما يلبسهُ عموم المجتمع، مع أن التجديد والتغيير فيما لا يُدني فضيلة، ولا يُخدشُ خُلقًا هو أمرٌ حسنٌ دون إفراط وإسراف.


      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية

      وأدعوكم للإستفادة بمقالات متقدمة في مجال التقنية والأمن الإلكتروني
      رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
      المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
      والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني
      Eagle Eye Digital Solutions