
قد لا يكون لافتا أن تجد إنسانا يقتطع من ماله للآخرين أو حتى يتبرع بدمه، لكن ما يثير التعجب والاستغراب، هو أن تجد إنسانا يقتطع من جلده لآخر مهما كانت درجة قرابته.
هذا الأمر، لم يعد افتراضيا الآن، بعد أن تبرعت أم مصرية لابنتها التي كانت في حاجة إلى عملية ترقيع وجه مصاب بورم جلدي بشريحة من جلدها.
والدة الطفلة هدى التي أجرى لها فريق طبي مصري عملية زراعة وجه هي الأولى من نوعها في العالم تسرد
تقول السيدة المقيمة بإحدى قرى محافظة الجيزة -جنوب القاهرة- "فقدت ابنتي الكبري بسبب ورم في وجهها، وأصيبت الصغرى بنفس المرض فكنت مستعدة للتضحية بنفسي في سبيل شفائها لكي أراها تلعب مع الأطفال كما كانت تفعل".
وفي رحلة البحث عن علاج للورم الناتج عن تعرض وجه الفتاة لأشعة الشمس بدأت الأم في التردد على الأطباء بالقاهرة قاطعة ساعات في الذهاب والإياب يوميا لعلها تظفر بمن يصف لها الدواء بعد أن حار الأطباء في ذلك.
حتى أنها لم تجد صعوبة في أن تتحمل الذهاب إلى مكان يسمى "الحوض المرصود" بمنطقة حلوان جنوب القاهرة؛ قيل إن به مياها كبريتية تعالج الأمراض الجلدية، وبها البلسم الذي يساعد في علاج ذلك الداء، إلا أن كل المحاولات لم تأت بنتيجة.. الأمر الذي زاد آلام وهموم الأم.
الطريق الوحيد
لكن طريق البحث عن العلاج لم يطل كثيرا، بعد أن شاهدت والدة هدى إعلانات تفيد بإمكانية علاج مرض سرطان الجلد في المعهد القومي للأورام بالقاهرة؛ خاصة عند اكتشافه مبكرا؛ مما أعاد إليها الأمل مرة أخرى.
وهنا تقول الأم "دفعني حبي لابنتي وآلامها المتواصلة إلى التعلق بهذا الأمل، وذهبت بها للمعهد القومي، فأكدوا لي أنها لم تصل لدرجة السرطان بعد، لكنها على وشك؛ فورم الوجه الذي أصابها سريع التحول إلى ذلك الداء الخطير.. وبالفعل ذلك ما حدث لأختها التي توفيت جراءه منذ سنوات".
وعندها نصحها الأطباء بأن الجراحة هي الطريق الوحيد للعلاج؛ من خلال عدة عمليات في الوجه يزال فيها الجلد المصاب ويرقع مكانه بجلد آخر الطفلة، على أن يتم ذلك بشكل متكرر.
وبعد إجراء الفحوصات الطبية للطفلة توصل الدكتور أيمن عبد الوهاب أستاذ الجراحة بالمعهد ورئيس الفريق الذي أجرى العملية فيما بعد، إلى ضرورة أن يكون المتبرع في عملية الترقيع أحد أقاربها حتى تتوافق الأنسجة معا؛ فسارعت الأم بالرد "أنا تحت أمرك يا دكتور.. المهم بنتي تبقى زي باقي الأطفال؛ تلعب وتجري، وتكبر قدام عيني".
وبعد فترة من الكشوفات والفحوصات توصل عبد الوهاب إلى أن الأم متوافقة مع ابنتها بنسبة 50%، بينما كان توافق شقيقها بنسبة 90%، لكن تم استبعاده لصغر سنه ورغبة الأم الجامحة في أن تكون هي المتبرعة.
الأولى من نوعها
وبالفعل أجرى الدكتور عبد الوهاب العملية الأسبوع الماضي بأخذ شريحة من جلد ذراع الأم؛ لتصبح أول هذه العملية الأولى من نوعها التي يجرى فيها زرع وجه مصاب بورم سرطاني، ومن متبرع حي أيضا.
وعن كيفية الجراحة يقول عبد الوهاب لقد تمت في غرفتين في نفس الوقت؛ الأولى ترقد فيها هدى حيث تم استئصال نصف وجهها، وفي الغرفة الأخرى كان هناك فريق طبي يقوم بأخذ جزء الترقيع من ذراع الأم.
وبعد انتهاء الجراحة تم نقل الطفلة إلى العناية المركزة لمتابعة حالة الشريحة المنقولة والتأكد من سريان الدم في الشريان بصورة طبيعية.
أمل في علاج الحروق
وفيما يتعلق بالصعوبات التي واجهت الفريق الطبي في العملية يقول عبد الوهاب "الجراحة لم تكن سهلة بالمرة، فالطفلة مصابة بمرض يطلق عليه "zero Derma"، ويأتي نتيجة زواج الأقارب، ويصبح الطفل معه حبيس البيت مدى الحياة؛ لأن أشعة الشمس تتسبب في تحول سرطاني للجلد المتورم".
ويؤكد رئيس الفريق الطبي أنهم واجهوا مشاكل عديدة؛ أهمها عنصر الوقت؛ حيث كانت العملية تتطلب موافقة لجنة القيم والبحوث في المعهد؛ واستغرق ذلك شهورا لأنها الحالة الأولى في زراعة وجه ويؤخذ الجلد من متبرع حي.
لكنه أكد أن هذه العملية تعطي الأمل في علاج الحروق الخطرة التي كان يصعب في الماضي التعامل معها، مما يمثل قفزة في علاج مثل هذه الأمراض، التي ظلت منذ ستينيات القرن الماضي تتم بعمليات ترقيعية مؤقتة تنتهي عادة بالوفاة.