من ذاكرة الوحدة العربية

    • من ذاكرة الوحدة العربية

      الوطن -*خميس بن عبيد القطيطي:



      .. عندما تمر الذاكرة العربية بمناسبات هامة لا بد ان تستوقفنا تلك المناسبات لاستقرائها وتقييمها ومقارنتها بالحالة العربية الراهنة واستدعاء ما يهم الأمة العربية منها ، على أمل الوصول الى استنتاجات ودروس قد تساعد على إصلاح الحال ، وفي هذه الايام تمر الذكرى الثانية والخمسين لقيام الجمهورية العربية المتحدة التي تشكلت باتحاد كل من مصر وسوريا بتاريخ 22 فبراير 1958م ، هذه المناسبة التي يحتفل بها الوحدويون العرب ، في وقت يعتبرها البعض أحد الاخطاء العربية التي حدثت في تلك الفترة ولهذا لم تستمر ليعلن الانفصال بعد ذلك في 28 سبتمبر 1961م.

      وبغض النظر عن طبيعة قيام الجمهورية العربية المتحدة ، وظروف تلك المرحلة من التاريخ العربي ومدى توافق واختلاف العرب حولها ، إلا أنه لا يجب أن ينظر للجانب السلبي فقط دون الاشارة الى كونها فكرة رائدة من حيث المضمون والهدف المشروع ، بل إنها انبثقت من أجل إحياء أمل عربي في الاتحاد والترابط من أجل لملمة الانقسام العربي الذي تسبب في انحطاط هذه الأمة ، وبطبيعة الحال لمواجهة اعداء الأمة التي تداعت عليها بمساعدة الظروف والنظام الدولي المعاصر الناجم عن انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية ، والذي ساهم في استعمار الوطن العربي وساهم بالتالي في التخلف واحكام الطوق على الأمة العربية ، وما زال الوضع العربي يسير من نكبة الى انتكاسه الى كوارث تردت بالأمة الى هذا المصير ، فلعب الانقسام والتشرذم والاختلاف دوره في سؤ الحال ، وتسلل الاعداء والعملاء بين الصفوف المتبعثره ، فأصبح هذا هو واقع الحال.

      ويعتبر قيام الجمهورية العربية المتحدة كتجربة هامة في تاريخ حركات الوحدة العربية ، وبطبيعة الحال ما كان لأي وحدة عربية أن تقوم دون دخولها في مخاض عسير ودون مجابهتها من الغرب رافضا قيام دولة عربية قويه أو اتحاد عربي قوي قد يقوض مصالحه في المنطقة لا سيما مع وجود العدو الصهيوني المحاط بسياج تحالف استراتيجي مع الغرب عموما والولايات المتحدة على وجه الخصوص ، ثم أن قيام قوه عربية تعني ظهور منافس إقليمي لمصالح القوى الكبرى في المنطقة، وما يأتي بعدها من تفسيرات متنوعة ومتعددة قد تفسرها القوى الاستعمارية عند ذلك ، ولا ننسى ايضا رغبة الطبقة الارستقراطية العربية في استمرار حالة الانقسام والتجزئة والقطرية لإبقاء الوضع على ما هو عليه خوفا من فقدان امتيازات قد لا تتوفر في قيام دولة الوحدة التي قد تهدد الطبقيات.

      وتجربة الوحدة العربية ليست حديثة العهد فمنذ سقوط الخلافة العثمانية والعرب يحاولون بعث هذه الفكرة من جديد نظير ما يرتكز عليه التاريخ العربي من ملاحم قوية قامت على اساس الدولة الواحدة بل إن التاريخ العربي وكما هو معروف تسيدته دولة الوحده على سواها وظل العرب في أغلب فترات التاريخ في ظلال دولة الوحدة ، فاستمرت دول الخلافة الاسلاميه منذ العهد الاسلامي الاول ثم جاء بعدها دولتي الخلافة الاموية والعباسية حتى سقوط بغداد على يد التتار عام 1258م ، ولا ننسى ظهور دولة الاندلس العربية التي ما زال الغرب والشرق يتذكرها على حد سواء ، وساد التاريخ العربي خلال ذلك ظهور دويلات وقوى عربية اسلامية أخرى كالدولة الفاطمية والايوبية ودولة المماليك وكذلك دولة محمد علي باشا التي أرقت الغرب في ذلك الحين فتحالفوا على اسقاطها واستكمالا لدول الخلافة الاسلاميه برزت الدولة العثمانية في الاناضول منذ مطلع القرن الخامس عشر والتي كان فيها العرب يمثلون أحد أهم أقاليم تلك الدولة وقد حافظت على الوحدة والخلافة حتى بداية القرن العشرين مع سقوط من آخر معاقلها في اسطنبول مع نهاية الحرب العالمية الأولى.

      وحاول الشريف حسين شريف مكة إعادة بناء دولة الوحدة العربية الذي أعلن الثورة العربية الكبرى عام 1915م مطالبا بقيام اتحاد عربي يضم الجزيرة العربية والشام ، ونظرا لأطماع الدول الاستعمارية لاقتسام ممتلكات الدولة العثمانية فقد مارس الغرب خداعهم من أجل كبح جماح الثورة العربية والاستفادة من وقود هذه الثورة لمساعدة بريطانيا وفرنسا في الحرب ضد الالمان والعثمانيين الاتراك ، وفي نفس الوقت كانت هناك اتفاقيات توقع في الخفاء تتجرد من كل الالتزامات التي قطعها السير مكماهون للشريف حسين بمساعدته في قيام دولة الوحدة العربية ، بل كانت بريطانيا وفرنسا تقتسم النفوذ والاستعمار على الوطن العربي من خلال اتفاقية سايكس بيكو التي ستبقى وصمة عار على جبين الغرب وما تبع ذلك من إقامة الانتداب على فلسطين وتسليمها للعدو الصهيوني الذي زرعه الغرب كالسرطان في قلب الأمة العربية ولا زال يهدد الأمن العربي حتى أمد بعيد ، فتبع تلك الفترة حقبة أخرى لمعت فيها فكرة الوحدة وخاصة بعد احتلال فلسطين فحاول القوميون العرب اعادة بعث هذه الفكرة من جديد لمواجهة الاحتلال الصهيوني والقضاء على حالة التجزئة العربية إلا أن تلك المحاولات لم تكتمل نظرا لنفوذ قوى الاستعمار الذي أسس خلال تلك الفترة لتحالفات أخرى مناهضة للقومية العربية ومناوئة لأي حركة وحدة عربية كحلف بغداد الذي كان يسمى حلف السنتو ، ومع احساس بعض قادة الاحزاب وضباط الجيش في سوريا بواقع وجودهم بين حلف بغداد والكيان الصهيوني ، ولا ختلافهم على السلطه ذهب مجموعة منهم الى مصر لمقابلة الزعيم جمال عبدالناصر للمطالبة بالاتحاد والانضواء تحت قيادته في جمهورية واحدة تضم سوريا ومصر ، لم يجد عبد الناصر بدا من الرضوخ لمطالب ذلك التيار السوري الذي ربما قد ينفجر ويفجر الاوضاع في سوريا بشكل قد يؤدي الى ما لا تحمد عقباه ، وبالفعل أعلن قيام الجمهورية العربية المتحدة في 22 فبراير 1958م ، هذه الفكرة التي كانت لا تزال في مهدها للأسف الشديد لم تنجح ايضا حيث لم تتجه في مسارات صحيحة تساعدها على البقاء والاستمرار ، ففي أول زيارة للرئيس جمال عبد الناصر الى سوريا مع بداية عهده حيث كانت الاحتفالات وروح الوحدة يسري في قلوب ابناء الشعب السوري لدرجة أن حملت سيارة عبدالناصر من على الارض ، ولكن تلك الهبة لم تدم طويلا مع حدوث الانقلاب على الوحدة الذي دعى بالرئيس عبدالناصر الى اعلان الانفصال بعد ثلاث سنوات ونصف تقريبا ، ولكننا الآن في هذه الذكرى لسنا بصدد الدخول في التفاصيل التي أدت الى انفراط عقد هذه الوحده فبلاشك كانت هناك أخطاء ولكن مع ذلك لا بد من التطرق الى قيمة هذه التجربة كفكرة سباقة الى تكوين تكتل عربي يقود الى مزيد من التعاون والتضامن والتكامل العربي الذي أصبحنا نبحث عنه في مثل هذه الظروف المحيطة بالأمة العربية وفي مثل هذا الواقع المتردي الذي أصبح جاثما على الصدور ، وساهم في اضعاف العرب كثيرا وساهم في الاختلاف العربي وسيادة فكرة القطرية على ما سواها ، بل إن القومية العربية ضربت في مفاصلها في أكثر من مناسبة في الوقت الراهن ولم يعد هناك من يتولى زمام القيادة التي تحتاج اليها الأمة العربية ولو بصورتها الرمزية ، فأضحت جامعة الدول العربية ككيان عربي لا يلبي طموحات الشارع العربي في مواجهة الاخطار المحدقة ، وأصبحت الدول العربية من الضعف والتفرق بدرجة لا تستطيع التأثير على المواقف الدولية رغم ما تتمتع به المنطقة من ثروات وخيرات متعددة وتضاريس متنوعة تمثل جغرافيا واحدة وتاريخ واحد مشترك تتكئ فيها العروبة بالاسلام لأحداث تغيير مفترض على العالم لكنه غير متوفر وغير مؤثر حتى في منطقتنا العربية فأصبح العالم بشرقة وغربة في حالة تكتلات فاعلة والدول العربية التي ترتكز على قواعد ثابتة وأصيلة لا تجتمع إلا من أجل التفرق والاختلاف ، فلنا بهذه المناسبات العبر التي قد نستفيد ونستفيق معها.


      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية

      وأدعوكم للإستفادة بمقالات متقدمة في مجال التقنية والأمن الإلكتروني
      رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
      المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
      والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني
      Eagle Eye Digital Solutions