المصداقيّة والمصالِح في الصّحافة العُمانيّة المُستقلّة - جديد بدرية العامري

    • المصداقيّة والمصالِح في الصّحافة العُمانيّة المُستقلّة - جديد بدرية العامري

      المصداقيّة والمصالِح في الصّحافة العُمانيّة المُستقلّة
      دراسة استطلاعية على عيّنة من الصُّحف العُمانيّة




      • المُقدِّمة :
      تسعى المؤسّسات الصّحفيّة المُستقلِّة إلى جذبِ انتباهِ وكالاتِ الإعلانِ والشّركاتِ المُعلنةِ من خلالِ تميُّزِها و استقطابِها لأكبرِ شريحةٍ في المُجتمع ، فمتى ما فرضت صحيفةٍ ما حضورها بقوّة ، وحظيت بتوزيعٍ عالٍ ؛ فإنّها ستكون محط انتباه المعلنون ، فكميّة الإعلانات تعكِس أهميّة الصّحيفة وحظوتها لدى المّجتمع الموجّهة إليه.
      و يُعرّفُ الإعلان : في دائِرةِ المعارف الفرنسيّة بـ " مجموعُ الوسائِلِ المُستخدمة لتعريفِ الجمهور بمنشأةٍ تجاريّةٍ وإقناعِهِ بامتيازِ منتجاتِها ، والإيعازِ إليهِ بطريقةٍ ما بحاجتِهِ إليها " ، وهو في أبسطِ تعريفاتِه رِسالة تُنقل عبر وسيط من وسائِط وسائِل الإعلان للفتِ انتباهِ الجُمهور المُستهدف أو التّرويج إلى سِلعة معيّنة أو توجُّه معيّن أو تفكيرٍ معيّن بأسلوبٍ لا يخلو من التّحفيزِ و التّحبيب بغيّة التأثير في المُستهدف بالتّقبُّلِ ، والتّوجُّهِ للرِّسالة ، وتُعرض الرِّسالة مُقابل مبلغ معيّن تتقاضاه الوسيلة من المُعلِن، كما يُعرِّفه البغض بأنّهُ النّشر بالوسائِل المُختلفة لإلفاتِ نظرِ الجمهور إلى سِلعةٍ معيّنةٍ أو إلى عملٍ من الأعمال .
      وتُعدُّ الإعلانات مصدرا رئيسا من مصادرِ إيرادات وسائِل الإعلام إذ يُقدّر حجم ما يُنفق على الإعلان سنويّا حوالي 64 بليون دولار ، وبذلِكَ فإنّ وسائِلَ الإعلام تعتمدُ بشكلٍ كبير على الإعلان ، إذ أنّ المؤسّسات الصّحفيّة المُستقلّة ترى في الإعلان عضد رئيس لاستمراريّةِ وجودِها ، وتغطيّةِ مصاريفِ صدورِها بدءاً من التّحريرِ انتهاء بالتّوزيع ، وتخفيف العبء عن المموّل الرّئيس الّذي يشقُّ عليهِ في كثير من الأحيان تغطيةِ مصاريفِ الصّحيفة دون اللجوء إلى الإعلان.

      وتوجُّهات الصّحافة في سلطنةِ عُمان لا تختلفُ كثيرا عن توجُّهاتِها في دولِ العالمِ الثّالِث ، فهي كمؤسّساتٍ صحفيّةٍ مستقلّة [ الوطن ، الشّبيبة، الزّمن] قد تُعاني من صعوبةِ سدِّ العجز دونما اللجوء إلى الإعلان الّذي قد يُعدُّ قيدا تجاريّا في رسغِ المؤسّسة الصّحفيّة في كثيرٍ من الأحيان .

      ومع ازدياد الخدمات في السّلطنة ، تزدادُ المُنافسة بين المؤسّسات المُعلنة ؛ وتسعى كلّ مؤسّسة لإبرازِ كلّ جديدٍ من شأنِهِ استقطاب أكبر شريحة من الجُمهور المُستهدف ، وجذبِهِ إلى خدماتِها بتبيانِ المزايا و الجودة ؛ فتحجِز مساحاتٍ متفاوِتةٍ في الصُّحف اليوميّة حسبَ إمكانات المؤسّسة المُعلِنة ، وكما هو معلومٌ فإنّ العائِد الماديّ على المؤسّسة الصّحفيّة يتفاوت بتفاوتِ المِساحة الممنوحة للمؤسّسات المُعلِنة و الزّاوية الّتي يختارها المُعلن من الصّحيفة .
      وتنتهج المؤسّسات الصّحفيّة نهج المُسالمة و التّقرُّب للمؤسّسات المُعلنِة عن طريقِ تغطيتها لأخبارِ المؤسّسات المُعلنة ، وتناولِها لمُستجدّاتِها ، فهي بذلِكَ تكسب ثِقة المؤسّسات و ودّها ، وتفضيلها دون بقيّة المؤسّسات الصّحفيّة ، و هذا الاعتماد المادِّي على الإعلانات من قِبلِ المؤسّسات الصّحفيّة يجعل من حرِّيّة التّعبير فيها على المِحك ، فقد تكون الإعلانات قيدا يحول دون تناول المؤسّسات الصّحفيّة للكثير من القضايا الّتي قد تمس الجُمهور المُستهدف ، وما ذلِكَ إلّا حفاظا على مصالِحها الماديّة ، مما يضطرها إلى التّضحية بالمِصداقيّة في بعضِ الأحيان ، وبغضِّ الطّرفِ في أحيان أُخرى ، و بالرّكاكةِ ، والتّضحيةِ بالجودة في أحايين.
      ? نتائِجُ الدِّراسةِ الاستطلاعيّةِ :
      للإعلامِ دورٌ مُهمٌّ وبارِزٌ في تثقيفِ أيِّ مُجتمعٍ وتطوّرهِ ، وللصّحافةِ المقروءةِ دورٌ لا يُمكنُ إغفالهُ ، فالصّحافة في سلطنةِ عُمان كان لها دورٌ فعّالٌ وبارِزٌ تزامُنا مع أولى طلائِع النّهضةِ ، ويُدلِّلُ على ذلِكَ قول باني النّهضةِ العُمانيّة في تأكيدِه على دورِ الإعلام : ( إنّنا نُقدِّرُ أهميّة الإعلامِ والدّورِ الّذي يلعبهُ في حياةِ الأُمم ، ونُدرِك أنّ أجهزة الإعلامِ هي المرآةُ الّتي تعكِسُ ما يدورُ في البِلادِ ، وهذِه المرآة يجب أن تكون صافيةً ونقيّةً صادِقةً مع نفسِها ومع الآخرين).. لكن وعلى الرُّغمِ من مرورِ 3 عقود من مسيرة النّهضة التّنمويّة والتّطوُّراتِ الّتي شهدتها السّلطنة على الصّعيدِ الاقتصاديِّ والاجتماعيِّ إلّا أنّ الدِّراسات الأكاديميّة أثبتت بُعد الصّحافة العُمانيّة عن اهتماماتِ القُرّاءِ وترتيبها لأولويّاتٍ خاصّة بعيدة كلّ البُعد عن الرّأي العامِّ ورأي النُّخبةِ . فالصّحافةُ العُمانيّة لم تخرُج بعد من دائِرةِ الخِطابِ التّنمويِّ الّذي كان ولا زالَ مُسيطرا على مضامينِ الصّحافةِ المحلّيّةِ ، فقد ظلّ الخِطاب التّنمويُّ مُسيطرا على مضامينها مع تجاهُلِها لتطوُّرِ المستوى الثّقافيِّ والتّعليميِّ للرّأي العام ، ورغبتِهِ في تناولِ الخُطط التّنمويّة بشئٍ من التّحليلِ ؛ بغرضِ تبيانِ الجوانبِ الإيجابيّةِ والسّلبيّةِ بدلا من الاحتفاءِ والتّطبيلِ ، فضلا عن رغبتِهِ في تناول القضايا الّتي تهمُّ الأجهزة الخدميّة وكيفيّةِ إنفاقِ المالِ العامِّ بشئٍ من الشّفافيّةِ ، ومُلامسةِ الواقِع المُعاش.
      وفي هذِه الدِّراسة يتطرّق الباحِث إلى العلاقة بين الإعلان وسياسةِ المؤسّسات الصّحفيّة تجاه الجِهات المُعلِنة ، لما للإعلانِ من تأثيرٍ واضِحٍ على سياساتِ الصُّحف ، فالإعلانُ المصدرُ الرّئيس من مصادرِ إيراداتِ وسائِلِ الإعلامِ ، وكميّةُ الإعلاناتِ المنشورةِ في صحيفةٍ ما تعكِسُ أهميّة الصّحيفة ، وتميُّزِها ، إذ لا يلجاُ المعلنونَ إلى الإعلانِ عن سِلعهم وخدماتِهم في صحيفةٍ لا تُحقِّقُ معدّلاتِ توزيعٍ عالية.
      إنّ أعنف ما وجِّه إلى الإعلانِ هو أنّهُ يُمكِّن الاحتكارات السِّياسيّة والتِّجاريّة من السّيطرةِ على الصُّحفِ ، وجعلِها أبواقا لها ، لأنّ الإعلانُ في كثيرٍ من الأحيان قد يشكِّل خُطورة على سياسةِ الصّحيفةِ و مصداقيّتِها ، فسيطرةُ المادّةِ الإعلانيّة على المادّةِ الإعلاميّةِ في الصُّحفِ ووسائِلِ الإعلامِ ، والإخلاُل بحقِّ القارئِ في الحُصولِ على خدمةٍ إعلاميّةٍ مُتكامِلةٍ ، وسيطرةُ الشّرِكات الإعلانيّة الكُبرى على الصُّحفِ ، ووسائِلِ الإعلامِ وتوجيهِ سياساتِها التّحريريّةِ لخدمةِ مصالِح المُعلنين بدلا من خدمةِ القارِئِ الفرد والمجتمع ككل ، كما أنّ التّأثيرَ الخفيُّ للشّرِكاتِ المُعلنةِ على الرّأيِ العامِّ نتيجةِ حرص الصُّحفِ على نشرِ الأخبارِ الإيجابيّةِ فقط عنها ومنعِ نشرِ الأخبارِ السّلبيّةِ ، كلّ هذِه العوامل تُشكِّل خُطورة سيطرة الإعلانِ على المادّةِ الإعلاميّة .
      ومن خلالِ اختبارِ فروضِ هذِه الدِّراسةِ واستقراءِ العيّنات يتبيّن أنّ ثمّة سيطرة للإعلاناتِ على الصُّحفِ المُستقلّةِ وذلِكَ يتّضح من خلالِ الجدولِ رقم (7 ) ، الّذي بيِن أنّ الإعلان قد سيطر على أكثرِ من رُبعِ صحيفةِ الشّبيبة ، و أكثرِ من ثُلثِ صحيفةِ الوطن ، وهذا من شأنِهِ _كما أسلفنا _ التّأثير على جودةِ الموادِّ المعروضةِ ، ومصداقيّتِها وقد أثبتت الفروض شيئا من ذلِكَ.
      كما أنّ البديل الّذي اقترحتهُ الدِّراسة لفكِّ القيدِ الاقتصاديِّ على المؤسّساتِ الصُّحفيّةِ قد لا يكون ذا أثرٍ كبيرٍ خاصّةً أنّ المؤسّسات المُعلِنة لا تلجأ كثيرا لمثلِ هذِهِ المؤسّسات_ وكالات الإعلان_ كما أنّ شيوعِ ، وانتشارِ مثل هذِه المؤسّسات قليل جدّا في بلدٍ كعُمان حتّى الآن ، لذا لا يُمكن التّنبُّؤ بإمكانيّتها في فكِّ القيدِ الاقتصاديِّ ، ومنحِ المؤسّساتِ الصُّحفيّة كامِل حرِّيتها ، غير ذلِكَ فإنّ المؤسّسات الصُّحفيّة نفسها لا يُمكن أن تتطرّق بشكلٍ كبير للجوانب السّلبيّة الّتي تصدُر من المؤسّسات المُعلِنة وذلِكَ حفاظا على استمراريّةِ الإعلانِ لديها ، و مُحاولةِ كسبِ ودِّ المؤسّسات الخاصّة.


      المصدر : مدونة بدرية العامري


      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية

      وأدعوكم للإستفادة بمقالات متقدمة في مجال التقنية والأمن الإلكتروني
      رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
      المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
      والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني
      Eagle Eye Digital Solutions