ثقافة الإصغاء

    • ثقافة الإصغاء

      الوطن -*صالح الفهدي:



      من القيمِ الجليلةِ قيمةُ الإصغاء.. فأدبها عالٍ، وخُلقها رفيع..! في الوقتِ الذي يجهلُ ذلك أو يتجاهل أغلبُ النّاس..! لأن ظنّهم ينحو إلى أنّ الكلامَ هو مَعْقدُ الفضيلةِ، وموصلُ الشُّعورِ، وكاسبُ الاهتمام..! وهو كذلك إنّما ليس في كلِّ شاردةٍ وواردة..! ففي بعض الكلامِ هرّجٌ ومرج، وخفّة عقلٍ، وخسّةُ نفس..! لذا يقال "من كثُرَ هَرْجُهُ كثر لغطه"..! نعم إن الكلامَ لرسولٌ إلى العقلِ والنفس لكنه إمّا أن يكون رسولَ شؤمٍ أو رسولَ خير..! إمّا أن يكون موصلَ فكرةٍ تستدعي النّظر، أو علمٍ يُلفتُ الانتباهَ، أو خبرٍ يثيرُ الحسّ، أو يكون مثيرَ لغوٍ يستدعي الاستخفاف، أو لغطٍ يستوجبُ الإنكارَ، أو سَفَهٍ يفرضُ الإعراض..!

      في ثقافتنا حاجةٌ ملحَّةٌ إلى إبرازِ جماليات الإصغاءِ وقيمته الأدبيّة والنفسيّة والفكريّة، ففي غالبِ الأحيانِ لا يصغي الكبيرُ للطفلِ بحجّةِ أنّه يثرثرُ غير واعٍ بما يقول..!! بينما نستغربُ من تمكِّن الصغيرِ من الكلامِ في بعض المجتمعاتِ ومنها الغربيّة، وحينما نسبرُ السبب نرى أن للإصغاءِ دورا مهما في حيازةِ الطِّفلِ على أدواتِ الكلامِ وتمكّنهِ منه..! أمّا الكثيرُ لدينا فإن تكلّم الطّفل عدّوا كلامه من اللّغو والهذر الذي لا ينتجُ عن رشدٍ ولا يخرجُ عن فكر..! فإمّا أسكتوه وإمّا انشغلوا عنه وخدعوه بالاستماعِ إليه فإذا فاجأهم بالسّؤال اكتشف خداعهم، وعرف أنّهم كانوا منشغلين عنه، وهذا يؤثِّر فيه نفسيّاً على عكس ما يظنّه البعض..! ويبقى في سريرةِ نفسه..! ولعلَّ ثقافة "اُسكت" سائدةٌ في مجتمعاتنا، وما هي إلاّ ناتجةٌ من نواتجِ العصبيَّةِ، والحماقة، وضيقِ الصدر، وقصر الأُفق الذي أصابَ الكثير من عقولنا ونفوسنا على السّواء..! أغلبنا يمارسُ الإقصاء عبر إلغاء الإصغاء من قاموسهِ الأدبي، وكأنّ الأمر موروثٌ فينا.. فإن كان الواحدُ منّا مقصيّاً في صغره بفضلِ ثقافةِ "أُسكت" حملها كـ "فضيلةٍ" إلى أبناءه، وحرص عليها كأداةٍ يريد بها استعادةَ اعتبارهِ، والثأر بها لعقدةٍ كبرت معه..! فتجده كلّما أرادَ أن يتحدّث معه إبنٌ له أو إبنة أخرج بطاقته الحمراء "أسكت" ليخرسهما..! وكلّّما جادلهُ أحدٌ قاطعهُ بكلمةِ "اُسكت".. إنّها ورثٌ ثمينٌ ورثهُ عن أبيهِ فكيف لا يحافظُ عليه، ويصونه بالديمومةِ والاستعمال اليوميِّ..!!

      وفي المجالسِ من لا يحكمُ السيطرةَ على لسانهِ، ولا يجيدُ قيادها..! فإذا تطرَّق المجتمعونَ في أمرٍ أقحمَ نفسهَ فيما لا يعنيهِ فأطنبَ في اللّغو وأسهب في اللّغط فلا ينالُ به إلاّ استنكار النّاس في دواخلهم حتى وإن أبدوا اهتماماً ظاهريّاً بما يقول..! وما قولهُ إلاّ كما قال الشاعر:

      ودع كل صوتٍ غير صوتي فإنني.. أنا الطائرُ الصدّاحُ والآخرُ الصَّدى..!

      يقول الدكتور علي الوردي في كتابه "مهزلةِ العقلِ البشري"في هذا الصّنف" فهو إذا ألقى خطبةً ورأى الأفواه مفتوحةً نحوه ظن أنّه يأتي بالوحي المنـزّل، أما إذا ألقى زميلٌ له خطبة مطَّ شفتيهِ وقال عنها: إنّها تافهة، إنّه لا يدري ماذا يقول الناس عنه وعن زميله في مجالسهم الخاصّة". صنفٌ هؤلاءِ لا ينتجون إلاّ غباراً من جرّاءِ الثرثرةِ التي يثيرونها، والضجيج الذي يُحدثونه، وما ذلك إلاّ لرغبةٍ منهم في تصدِّر المجالسِ دون أن يلقوا بالاً لمن في المجلسِ.. قال لي رجلٌ رشيد: دُعيتُ لإلقاءِ محاضرةٍ في مجالٍ من المجالات، فعمدتُ في البدءِ إلى معرفة المستوى الفكري للحضور فطرحتُ عليهم موضوعاً للنقاش كي أعرفَ أين أضعَ نفسي بينهم حينما أبدأُ محاضرتي..!! وقالَ آخر: ألقيتُ محاضرةً فدخل في نصف وقتها أحدهم وما كاد يجلسُ حتى لاحظتُ أنّه انشغلَ على الفورِ، ووجدته متحفِّزاً، فألقيت عليه سؤالاً مباغتاً إن كان يودُّ أن يقول شيئاً، قال: لا ولكنني أريدُ أن أعقِّب على كلامك.. وحين منحته الفرصة مضى يغرّد في وادٍ عمّا كنتُ أنشده في محاضرتي فكان سخريةً للآخرين، وجاءني في آخرها يتعذر أنّه لم ما فهم مقصدي..! ولو أصغى لفهم ولما وضع نفسه موضع استخفافٍ من قبلِ الآخرين..!!

      ونرى أن بعضَ من لا يجيدون وضع الكلامِ في غير مواضعه، فإذا طُرِحتْ مسألةٌ للنقاشِ، أو عُرضَ خبر للمعرفةِ، وجدتَ حين التّحدثِ من يعنيهِ الأمرُ لكنّه لا يضع الكلامَ في مواضعهِ الصحيحةِ فهو كما يقولُ المتنبي..

      ووضعِ النّدى في موضع السيف بالعلا.. مضرُّ كوضع السيف في موضع الندى

      أمّا المرءُ الرّشيد فهو الذي يعرفُ متى يتكلّمُ ومتى يُصغي، ليس هذا فحسب بل ويفكرُ مسبقاً في جدوى ما يقولُ، فبعضُ الناسِ لا تتكلّمُ إلاّ بالمكرورِ من الكلامِ وانظر في هذا جملةَ المعلّقين في الندوات والمحاضرات والأمسيات فقلّةٌ هم الذين يضيفون فوق ما قيل أما الكثرة فيعيدون إنتاجَ ما قيل دون إضافةٍ.. ويُهدرُ الوقتُ من قبلِ محبّي الظهور الذين لا يدركون قيمة الوقتِ، وثمنَ الإصغاءِ..! والاجتماعات هي مثلٌ آخر تسودها كثرة الكلامِ الذي يمتدّ لساعات يكثرُ فيها الهذرْ، والحصيلةُ النافعةُ محضرٌ من صفحةٍ أو صفحتين..!!

      إن للإصغاءِ قيمة عالية عند النّاس، وأثرا مبينا في قلوبهم وفي هذا يحكي ديل كارينجي قصّةً عن رجلٍ اشترى بدلةً ثم جاءَ محتجّاً لرداءتها، فلم يستمع له البائع بل قال له إننا بعنا آلاف البدلات دون أن نتلقى شكوى من أحد..! فشعر المشتري بأن البائع يتّهمه بالكذب فتعالت أصواتهما فتدخّل بائعٌ آخر وقال هذا النوع من البدلات رديء ولذلك فهو رخيصُ السّعر وزاد بكلامه هذا الاحتدام.. حتى تدخّل صاحب المحلِّ وكان هادئاً فاستمع لما يقوله المشتري المحتج دون أن يقاطعه بكلمة، ثم استمع إلى البائعين وكان يقنعهما بوجهة نظر المشتري، وأخيراً توجّه صاحب المحلِّ إلى المشترى قائلاً له قل لي ماذا تريد وسأنّفذه على الفور.. ثم قال له أقترح أن تقتني البدلة لأسبوع فإذا غيّرت رأيك أعدها ثانية وسأبدلها لك بأخرى جديدة.. يقول المشترى: فأخجلني أسلوب صاحب المحل لأنّه أصغى لي، ثم اكتشفتُ صدق رأيه واستعدتُ ثقتي بالمحل..!

      لو أصغى النّاسُ لفهموا، ولو فهموا لتبيّنوا الموقف، ولو تبيّنوه لحدّدوا - حينها - مواقفهم، وردود أفعالهم، ولاجتنبوا سوء الفهم الناتج عن عدم كبحِ جماحِ النفسِ.. إن للمصغي أدباً حسناً، وجمالاً برّاقاً، فهو لا يهرفُ بما لا يعرف، وهو لا يخاصمُ فيما لا يتثبَّت، وهو لا يشكُّ فيما لا يتيقَّن.. وهو أزكى نفساً من ثرثارٍ يحسبُ نفسه قمر السُّراة، وصدّاح الخرَّس، ومزمار الصمّ..!


      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية

      وأدعوكم للإستفادة بمقالات متقدمة في مجال التقنية والأمن الإلكتروني
      رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
      المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
      والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني
      Eagle Eye Digital Solutions