بين المصالحة والمصلحة أزمة ثقة أم صراح أجيال ؟ - جديد عمار المعمري

    • بين المصالحة والمصلحة أزمة ثقة أم صراح أجيال ؟ - جديد عمار المعمري

      مدخل ... عيوب الناس نحفرها على النحاس وفضائلهم نكتبها على الماء
      (مثل معزبينا مال قبل)



      أُعذر الظلم وحُمّلنا الملاما ... نحن أرضعناه في المهد احتراما
      نحن دلّلناه طفلاً في الصبا ... وحملناه إلى العرش غلاما
      لا تلم قادتنا إن ظلموا ... ولُم الشعب الذي أعطى الزماما
      كيف يرعى الغنم الذئب الذي ... ينهش اللّحم ويمتصّ العظاما
      آه منّا آه ! ما أجهلنا ؟ ! ... بعضنا يعمى وبعض يتعامى
      نأكل الجوع ونستسقي الظما ... وننادي " يحفظ الله الإماما "
      يا زفير الشعب : حرّق دولة ... تحتسي من جرحك القاني مداما
      لا تقل : قد سئمت إجرامها ... من رأى الحيّات قد صارت حماما ؟
      أنت بانيها فجرّب هدمها ... هدم ما شيّدته أدنى مراما
      لا تقل فيها قوى الموت وقل : ... ضعفنا صوّرها موتاً زؤاما
      سوف تدري دولة الظلم غداً ... حين يصحو الشعب من أقوى انتقاما

      عبدالله البردوني






      من المهم - قبل الدخول في وصف الواقع - أن نرجع القارئ الكريم بشكل سريع ومختصر جداً إلى تلك اللحظة التي تولي السلطان قابوس فيها مقاليد الحكم في عُمان عام 1970م.
      كانت هناك ثلاث جبهات مفتوحة وتواجهها تحديات الداخل والخارج وهي متمثلة في العاصمة مسقط ومناطق الساحل والجزء الداخلي في نزوى من عمان والجزء الجنوبي في ظفار جميعها تواجه تحديات الموقع وفرض نفسه على الآخر والاندماج في مشاريعه وثوراته فجاء السلطان قابوس بمفهوم "المصالحة" وظهر هذا جلياً في خطاباته السياسية سواء في الإذاعة والتلفزيون أو المباشرة للناس فظهر في هذا الجانب من المصالحة دعوة كل العمانيين للعودة والبناء وتوجت هذه الدعوة تشكيل حكومة برئيس للوزراء وكان عدد من أعضاء الحكومة من العمانيين النشطين في الخارج فاستوعبت المصالحة جميع فئات الشعب مع تركيزها على الخريطة القبلية العمانية التي تتمرتس في مواقع جغرافية معينة فكانت عجلة النهضة والتغير بفضل هذه المصالحة كبيرة وكان الحب والشعور به عارم لدى جميع فئات الشعب فقد واكب هذه المصالحة تغيير كبير في جميع مناشط الحياة الاجتماعية للإنسان العماني فكل شي مفتوح ومسخر لخدمته والوصول بجميع فئاته الى المصالحة الكبرى .


      تلى هذه الفترة من المصالحة استقالة أول رئيس للوزراء السيد طارق بن تيمور –قيل بسبب ضغوطات الإنجليز- ورجوع رئاسة الوزراء الى السلطان قابوس ليموت مع استقالة السيد طارق مشروع المملكة العربية العمانية وليظهر ما يسمى بـ"الحرس القديم" –بمفهوم تلك الحقبة- فكانت الفترة الأولى مقبولة بشكل كبير لأن الوجوه والخدمات المتوفرة هي أفضل الموجود يومها ولكن مع دخول عُمان العقد الرابع من بداية هذه النهضة واستمرار نفس الوجوه في إدارة مواقع كبيرة ومهمة من مصالح الشعب تحول المفهوم "المصالحة" الى مفهوم جديد ومرحلة جديدة وهي "المصلحة" وعنوان هذه المرحلة نتج بتحول أغلب المسؤليات في الدولة للذين عقدوا مصلحة مع السلطان كإقامة صداقة لتقاربهم في السن والأفكار ومشاركته المباشرة بعلاقاتهم ونفوذهم القبلي الداخلي في توجيه السلطان نحو ما يدور في المجتمع فتوجت مرحلة المصلحة هذه باستمرارهم في إدارة مقدرات البلاد على الرغم من عدم امتلاك عدد كبير منهم لسلاح العلم المعرفي المطلوب .
      لكل عقد من إدارة البلاد نعم كان هناك بعض التغيرات الشكلية والتنقلات في المسميات الحكومية لكن ظل التأثير هو سيد الواقع ولنمنح نماذج للتدليل على ذلك فمثلاً المستشار الثقافي للسلطان معالي عبدالعزيز الرواس فقد كان قبل ذلك وزيراً للإعلام لعقدين من الزمن ولم يخرج من الوظيفه الا ليتربع على جهاز جديد مستحدث باسمه وبمبنى جديد جوار مكتبه القديم وعلى الرغم من الدور الجديد الذي انيط له كمستشار -والمعروف سياسياً عمانياً بان المستشار وظيفة تكريمية للتقاعد وهذا ما حصل لعدد كبير ممن تولوا درجة المستشارية ولم يعد لهم ظهور سياسياً - إلا أن تحركات هذا الرجل في مرحلة المصلحة هذه تجعله مازال يمسك بخيوط الإعلام والثقافة في عمان لدرجة انه السلطان يصحبة عندما يقوم بزيارات دولية ومحلية أكثر مما يصطحب وزير الإعلام الحالي كما كان سابقاً مع سلفه الرواس الذي كان متحدث المحافل بل على العكس إستطاع من خلال منصبه الحالي كمستشار أن يستولي على وظائف مؤسسات أخرى كبناء "متحف اللبان" في صلالة وينشأ مركز للموسيقى التقليدية يتبع وزارة الإعلام ويقوم بزيارت خارجية وهي ليست ذات أبعاد ثقافية إنما محملة برسائل سياسية كما كان دوره كوزير للإعلام سابقاً .

      وهناك مستشار التخطيط الاقتصادي للسلطان محمد الزبير والذي إنتقل كوزير لأكثر من منصب حكومي إلى أن استقر في مرحلة المصلحة كمستشار ولكنه أيضاً ظهر بعد هذا المنصب في قضايا ليست لها بالاقتصاد كحصوله على رئاسة جامعة السلطان قابوس بعد المظاهرات التي شهدتها الجامعة وإطاحة يحيى محفوظ المنذري -من الحرس القديم- كوزيرة للتربية والشباب ثم وزير التعليم العالي ورئيس جامعة السلطان قابوس وأخير الى رئاسة مجلس الدولة فالزبير أيضاً له مساهمة مثل الوزير الرواس في بناء المتاحف ولكن هذه المرة إختلف المتحف عن المستشار الرواس رغم تشابه المعروض والمصلحة حيث كان تحت مسمى متحف العائلة "بيت الزبير" ودخل الزبير في الكثير من القضايا التي ليس لها دخل بدور مستشار التخطيط بل تحول الى التنفيذ في عدد من القضايا التي يطول الكتابه عنها في مرحلة المصلحة.

      وهناك علي موسى وزير الصحة السابق نائب رئيس البنك المركز العماني فهو آن ذاك يجمع بين قيادة أهم الوزارات والإشراف على أكبر بنك عماني فيه قضايا مالية محلية وعالمية فالجمع بين هذين المنصبين المتناقضين لفترة طويلة ونقله الآن ليكون رئيس مجلس الناقصات لهو قمة مرحلة "المصلحة" ودليل على بقائها.

      وهناك القابض على رقاب المواطنين الوزير الذي يدير وزارتين في وقت واحد ويدير شركة الطيران العماني ويدير مجالس حكومية أخرى فهوالمتفرد في مناصبه مسير اللوبي الاقتصادي في البلاد معالي أحمد عبد النبي مكي الذي تجده من كثرة المناصب وفي هذا العمر وبعد هذا العمر من الرسوخ في كراسي الوزارة يعد أحد أهم المنظرين للفكر المصلحي السياسي العماني بدون منازع فهو وبإجماع المطلعين على التركيبة السياسة العماني الأخطبوط الكبير الذي يدير مرحلة المصلحة.

      ولا أنسى ذكر معالي محمد علي العلوي وزير الشؤون القانوية فهو الوزير الظل والناظم القانوني الذي لا يعرفه 98% من الشعب العماني على الرغم من إدارته لسنوات طويلة قوانيين مرحلة المصلحة حيث ما زال يتربع على كرسيه منذ عقود من الزمن دون ان يلتفت أحد إلى دوره في رسم قوانيين المصلحة التي لم تظهر في زمن المصالحة والعقد الاول من حكم السلطان فكل شيء كان للجميع.

      وأخيراً وليس آخراً الحارس على أمن الدولة والمتربع على عرش اللوبي الأمني في البلاد علي بن ماجد المعمري وزير المكتب السلطاني والذي بلا شك له الأثر الكبير في مرحلة المصلحة في إعادة ترتيب القوى الداخلية في البلاد فإلى جانب وزير الداخلية الحالي ووزير الديوان استطاع المعمري إعادة رسم الخارطة القبلية في السلطنة وترسيخ مفهوم المصلحة عبرها والذي استطاع أيضاً من خلالها تفريخ اسماء عديدة أظهرتهم تلك المرحلة يضرب بهم المثل كحمد بن هلال المعمري والذي كان ديبلوماسياً في فترة من الفترات والآن أصبح وكيلاً للوزارة وأيضاً يحيى بن حمود المعمري محافظ البريمي وأسماء عديدة أخرى لا يتسع الوقت لذكرها تجسد مرحلة المصلحة.

      فالتساؤلات التي تطرح نفسه كثيرة فهل المصالحة كانت لوجود الثقة الشعبية وعدم ظهور المصلحة آن ذاك والتي خلقت الآن صراع أجيال وأزمة ثقة من نوع خفي في العقد الرابع من النهضة العمانية؟

      الإجابة بكل تأكيد نعم وهذا ما تعطيه المؤشرات الكبيرة من الإنزعاج الشعبي المكتوم داخليا والمفضوح أحياناً بشكل خجول .

      وللخروج من فوهة مرحلة المصلحة والصداقة وصراع الأجيال يكون بقراءة المستقبل والرجوع الى مرحلة المصالحة والمواطنة الحقيقية فليس هناك مبرر لوجود مجموعة بسيطة تعد بالايدي تفكر وتنفذ وتقرر كل حقوق الشعب والمطلوب من الشعب انتظار هؤلاء المجموعة المتحكمة بمصالحها أن تنفذ مصالحهم والدخول في إنتخاب من لا يملكون نفعاً ولا ضراً الا ما شاء الله .
      فبعد هذه القراءة ننوه بان مستقبل عُمان الحقيقي مع المصالحة الحقيقية ومع منح كل صاحب معرفة وإبداع حقه من المسئولية ليأتي من بعده من يكمل المسيرة بدون خلود ولا تخليد فهي دورة إنتاج محكومة بالقدرة وعدم تكليس الفضاء العماني بفعل هؤلاء المتمصلحين بزج اسم السلطان في واجباتهم الوظيفيه وخطط مؤسساتهم المرسومة فليس هناك أوامر تمنح ثلاث ريالات لفقير ولا رصف كيلو من الشارع جميع هذه التفاصيل أصبحت مفهومة لدى جميع الشعب وفي المقابل مشاركة الشعب في جميع مناشطهم وقربهم كما كانت مرحلة المصالحة مطلب ملح وضروري لننعم بالعقد الخامس.

      إلا إذا كانت فترة المصالحة هي حركة من حركات الذكاء أو الخبث السياسي فهنا تسكت شهرزاد عن الكلام المباح ليتحدث بدلاً عنها التاريخ في يوم من الأيام.



      المصدر : مدونة عمار المعمري


      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية

      وأدعوكم للإستفادة بمقالات متقدمة في مجال التقنية والأمن الإلكتروني
      رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
      المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
      والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني
      Eagle Eye Digital Solutions