فن الإصغاءْ

    • فن الإصغاءْ

      الوطن - صالح الفهدي:



      كثيرةٌ هي الخصومات التي تنشبُ بين الناسِ بسبب عدم الإصغاءِ أو ضعفه ، وما يحملهم إلى ذلك إلاّ لعجلةٍ جُبلت فيهم "وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولا " الإسراء-11 ، ولحمقٍ استبدَّ بهم ، ولكبرياءَ غرّرهم ..! وهم ما لم يكنُ الإصغاءُ لهم طبعاً ، وجبَ تطبيعهم عليه ..! يسردُ ستيفن كوفي في كتابه"العادة الثامنة من الفعالية إلى العظمة" قصّة "عصا الكلام الهنديّة" قائلاً: بعد أن دربت زعماء هنود يقودون قبائل هندية في الولايات المتحدة وكندا قدَّم لي هؤلاءِ الزعماء هديّة جميلة هي عبارة عن عصا كلام منحوتة بدقّة .. إن عصا الكلام هذه تمثل الطريقة التي يمكن من خلالها للأشخاص المختلفين أن يفهموا بعضهم البعض من خلال الاحترام المتبادل.. عندما يجتمع الناس بعضهم مع بعض تكون عصا الكلام موجودة. وحده الشخص الذي يمسك بالعصا يسمح له بالكلام. ما دمت تمسك بعصا الكلام تستطيع أن تتكلم وحدك حتى تشعر أنك قد فُهمت تماماً. لا يسمح للآخرين في أثناء ذلك أن يعبّروا عن وجهة نظرهم أو يجادلوه أو يعلنوا موافقتهم أو عدم موافقتهم. كل ما يمكن فعله هو أن يحاولوا فهمك وأن يعبّروا عن فهمهم لك .. ولا يعني فهمهم موافقتهم لك إنّه يعني فقط أن تكون قادراً على الرؤية بعينه وقلبه وعقله وروحه".

      إنّ أدبنا في الإصغاءِ لا يحتاجُ منّا إلى شيءٍ ملموسٍ كالعصا ، وإنّما مستمدٌ من قيمة عليا تبدأ من أدب الإصغاءِ إلى قراءةِ القرآن في قوله تعالى"وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ " الأعراف- 204 ، ولو تعلّمنا أدب الإصغاءِ إلى القرآن لسرى هذا الخلقُ الرفيعُ , والأدبُ العالي في سائر أمور حياتنا وعلاقتنا مع الآخرين ، ولوجدتَ الرئيس يصغي لمرؤوسه ، والمعلّمُ لتلميذهِ ، والطبيبُ لمريضهِ. إن كثيراً من المشاكل النفسيّة والإجتماعية سببها عدم الإصغاء حيث لا تجدُ الزوجة زوجاً مصغياً أو على العكس ، ولا تجد الفتاةُ أو الفتى من يصغى لهما في البيت فيتجهون إلى الخارجِ بحثاً عمّن يصغي لهما وهنا ينصبُ بعضُ المحتالين شباكهم الآثمة.. وهنا تقعُ المصائب ، حينها يقول من وقع عليه هولُ الأمر ليتني أصغيت ..! يقول الشاعر محمود سامي البارودي:

      أتاني أنَّ " عبدَ اللهِ " أصغى.. إِلَى وَاشٍ؛ فَغَيَّرَهُ عَلَيَّا

      فقلتُ لهُ : تثبتْ تلقَ رشداً.. فَكَمْ مِنْ سُرْعَة ٍ وَهَبَتْكَ غَيَّا

      فَإِنَّكَ لَوْ عَرْفتَ وِدَادَ قَلْبِي.. إليكَ ، لجئتَ معتذراً إليَّا

      حدّثني صديق بأن مستأجراً في بنايته قد ثارت ثائرته محتجاً على أمورٍ عدّها من النَّواقصِ ولم يجد أُذناً صاغيةً من الرجلِ المسؤول عن البناية فأصرّ على مقابلةِ صاحبها .. يقول الصديق فذهبت عنده وكان ثائراً وتركته يسرد شكواه وأنا أوافقه بإشارةٍ أو بكلمةٍ وتعاطفتُ معه فلاحظتُ أن ثائرته قد بدأت تهدأ ، وحينما انتهى قلت له: إنني لن أنظر إلى الإيجار الذي أستلمه منك حلالاً إن لم تكن سعيداً مطمئناً في مسكنك ، فأصلح ما تشاء وأضف ما تريد واخصمه من الإيجارِ .. فتغيّر وجهُ المستأجرِ وسُرَّ بقول المؤجّر ولم يكن مصدرُ شكواه شيءٌ في الحقيقةِ إلاّ بسبب بسيط ، إنما كان الإصغاءُ هو الماءُ الباردُ الذي أطفأ غلواءَ نفسه ، وهدّأ من ثائرتها ..! وحين حدث خلافٌ بسيط بيني وبين إحدى المؤسسات الخاصة في إنجلترا لم أشأ أن أنصرف إلى المحاكم للمطالبةِ بحقٍّ كنت أطلبه من تلك المؤسسة ذلك لأنني وجدتُ إصغاءً من مدير المبيعات وتعاطفاً للشكوى التي كنتُ أبثّها ، وبالرّغم من مكوث القضيّة لأشهرٍ دون حلَّ ، وعدم تمكن المؤسسة من التعويض النقدي قبلتُ بتعويضها العيني بما يساوي المبالغ التي أستحقّها ، ذلك لأن أسلوب الإصغاء الذي أبداه مدير المبيعات وتفهّمه وتعاطفه كان سبباً رئيسيّاً في عدم تجاوز القضية نطاق التّفاهم الشخصي.

      إن كثيراً من الفتيانِ والفتيات عندنا بحاجةٍ إلى الإصغاءْ ..! تراهم يسعون وراءَ الإصغاءِ كوسيلةٍ لتخفيف ما يعتملُ في صدورهم ، فدائماً ما نسمعُ فتىً يقول "أريد أحداً يسمعني" أو فتاةً تقول "أحتاجُ لمن يفهمني" .. هذه هي مطالبهم قبل المالِ والماديّات ..! وكم في البيوت من يحتاجُ إلى الإصغاءِ حاجته إلى الهواءْ .. فكثيراً لا يشعرُ المرءُ بالاختناقِ لانقطاعٍ في الهواءِ فيخرجُ إلى الشارعِ ليتنفّس ، إنّما لأنّ به غصَّةٌ في القلبِ لم يكن ليزيحها عنه ويسرّيها سوى الإصغاءْ ..! وأعجبُ من البعضِ أنّه يُرهفُ السّمع لغريبٍ ولا يُرهفهُ لقريب ..! كأنَّ الغريبَ أقربُ إلى القلبِ والقريبُ أبعدُ عنه ..! ياللعجب..!

      إن ترهفَ السمعَ لإنسانَ يعني أن توهبهُ اهتمامك ، وهذا يعني أنّك تشعرهُ بقيمته ..! في الوقتِ الذي لا يستشعرُ كثيرٌ من الناسِ هذا الأثر العميق للإصغاءْ ..! وإذا هم تجاهلوه نفذت من بيوتهم ثقوبٌ كي يخرج منها صوتٌ يسمعهُ الآخرون..! أي أنّ الصّوت يرفرف كالطائر بحثاً عن مُصغٍ إلى قلوبهم، يبثُّوه نجواه فيواسيه ، ويتحدّث إليه فيرقُّ السمع له ..يقول روبين شارما في كتابه"دليل العظمة": إن الإصغاء باهتمام إلى شخصٍ ما هو أحد أفضل الطرق التي أعرفها لإظهار الاحترام لهذا الشخص وتكوين صلةٍ إنسانية عميقة معه. فعندما تصغي لشخص ما - ليس بعقلك فقط ولكن بكل كيانك - فإن هذا يبعث برسالة تقول:" إنني اقدّر ما لديك لتقوله ، كما أنني متواضع بما يكفي لكي أصغي إلى كلماتك".

      التواضعُ إذن هو باعثٌ من بواعثِ الإصغاء ..! لقد حدث مرّة أن أحدى المسؤولين انفعلَ في وجهِ أحدهم حينما لم يرق له العمل الذي قدّمه وقد كان عملاً فنيّاً مسجّلاً لم يستحسنه لأنّه كان وسط اجتماعٍ فيه صخب ، فخرجَ صاحبُ العملِ مستاء ، ثم جاءه المسؤول في اليومِ التالي وهو يعتذرُ قائلاً: لقد استمعتُ إلى العملِ مرّةً أخرى ، في مكانٍ آخر هاديء فراقني جداً ..!! فكم هم المتواضعونَ في المجالسِ ، والندوات ، والأمسياتِ ، والاجتماعات الذين يصغون بودٍّ ، ويحسنون الاستماعَ بحق لمن يتحدّث؟! إن الحقيقة المرّة - كما يقول شارما - هي أن"معظم الناس يقضون الوقت الذي يتكلّم فيه الطرف الآخر في تحضير إجاباتهم عليه والتدرُّب عليها"..! وقد لاحظتُ هذا حينما كنتُ أحضرُ إحدى المحاضرات التي دُعي لإلقائها علاّمةً حيث كان وراءه اثنانِ ممن يحضِّران الردَّ عليه ولم يصغيا لكثيرٍ مما قال ، فما إن انتهى حتى تولّيا قذفه بالتّهم ، ورميه بالجهل ..!!

      الإصغاءُ فنْ. والغريبُ أن الناسَ يحسبون أنّ مقاصدهم لا تصل إلى الآخرين إلاّ عبر الكلمات ..!! إذن لهؤلاء أقدّم ما توصّل إليه أحد الباحثين الأوائل في علوم اللغة والتخاطب هو Mehrabian (1972)1, والذي توصّل إلى أن الكلمات لوحدها توصل فقط 7% من المعاني ، في حين توصل نبرة الصوت وطريقة الإلقاء 39% أمّا لغة الجسدِ فتساهم بـ 55% من المعاني..!! أفلا تريحُ هذه الأرقامُ ألسنتهم، وتُثري عقولهم ، وتعيدُ الاعتبار إلى قيمة الإصغاء..؟


      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية

      وأدعوكم للإستفادة بمقالات متقدمة في مجال التقنية والأمن الإلكتروني
      رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
      المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
      والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني
      Eagle Eye Digital Solutions