الأزمة الصامتة بين حزب العدالة والمؤسسة العسكرية التركية كيف؟ ولماذا؟

    • الأزمة الصامتة بين حزب العدالة والمؤسسة العسكرية التركية كيف؟ ولماذا؟

      الوطن - عبدالله بن علي العليان:



      شهدت الأشهر الأخيرة أزمة صامتة بين حزب العدالة والتنمية والمؤسسة العسكرية في تركيا ، التي عادة ما تكون توجهاتها علمانية ، بعد اتهام بعض الضباط بالتخطيط لانقلاب لإزاحة حزب العدالة والتنمية عن السلطة لتوجهاته الإسلامية الديمقراطية ، لكن الحزب يرفض هذا الاتهام ويصر على التزامه الدستور التركي الذي أسس على العلمانية ، لكنه أي الحزب يرفض الديكتاتورية القمعية ويشدد على الخيار الشعبي عبر صناديق الاقتراع ، وليس على الانقلابات ، وهو ما أكسبه تأييدا شعبيا كبيرا في الدورات الماضية.

      كانت العلمانية ومنذ عقود تحارب أصحاب التوجهات الإسلامية التركية وسعت عبر وسائل عديدة إلى إلغاء نشاطهم السياسي وحتى الاقتصادي ، وما أن يؤسس الإسلاميون الأتراك حزباً سياسياً جديدا ويلقى قبولاً شعبياً ونجاحاً في المعترك السياسي التركي حتى تصدر المؤسسة العلمانية الحاكمة قراراً بحل هذا الحزب تحت الذرائع نفسها ـ تقويض المبادئ العلمانية ـ وتعريض الأمن القومي التركي للخطر.

      الواقع أن حزب العدالة والتنمية التركي بقيادة أردوغان استطاع بذكاء أن يتجنب التصعيد والتظاهر بالقوة الشعبية للحزب بهدف تفادي المواجهة مع المؤسسة العسكرية حتى تسلم الحزب الحكومة التركية عام 2002 ، اتجه الحزب مباشرة إلى الجانب الاقتصادي وتقوية العلاقة مع الاتحاد الأوروبي بهدف دخول تركيا إلى الاتحاد ، لكن الجانب الاقتصادي يعتبر الورقة الأقوى في سياسة أردوغان إذ حقق تقدماً باهراً للاقتصاد التركي لاقت قبولاً شعبياً داخلياً وتقديراً خارجيا للسياسة المتبعة في تركيا. ومن هنا فان المرحلة الراهنة وما بعدها يعني بلا شك أن حراسة العلمانية بتلك المفاهيم البالية لم تعد لها وجود بعد التأييد الشعبي الكاسح ، من هنا فإن على الجيش التركي أن يحمي اختيار الشعب ، ورغبته واختياره الحر النزيه وليس الفرض عليه بأفكار وأيديولوجيات مستوردة من خارج الهوية الإسلامية التركية. صحيح أن البعض ومنهم أتاتورك اعتقد أن التطور والتقدم يبدأ بإتباع الغرب شبرا شبرا وان الغرب عندما انقلب على الكنيسة وجردها من سلطاتها وأزاحها من مكانتها الكبيرة في المجتمع الغربي ، حقق نهوضا وأصبح ديموقراطيا، وهذا ليس صحيحا ، فلم يتنازل الغرب كلية عن طموحات البابوية وذاكرة المركزية الأوروبية كما يشير د/ محمد عابد الجابري ـ تحت العلمانية ـ وإنها محور الإنسانية وتاريخها وإقصاء الآخر وتهميشه فكرياً وثقافياً وتأسيس ذاكرة ثقافية محور " الأنا " الغربي وتميزه وتفوقه بصفات وخصائص يفتقدها الآخر عقلياً وحضارياً وعرقياً .. وهذه عقلية بقيت راسخة حتى بعد سقوط البابوية وتأسيس " العلمانية " وطرح الأفكار التنويرية في التسامح وحقوق الإنسان وغيرها من الشعارات المصاحبة لها." وإذا كان فلاسفة التاريخ " العلمانيون " سيسلكون في تقرير هذا المشروع مسلكاً فلسفياً عقلياً يجتهد في إخفاء خلفيته البابوية والتنكر لأصوله الدينية فإن المؤسس الفعلي لفلسفة التاريخ في الثقافة الأوروبية لم يتنكر لتلك الأصول ولا لتلك الخلفية ، بل بالعكس اعتمدها اعتماداً صريحاً .. إنه الأسقف الفرنسي بوسيه ( 1627 ـ 1407 ) . وفلسفة بوسيه التاريخية تقوم كما أبرز ذلك مؤرخ مختص على فكرة " أن الإنسانية إنما خلقت من أجل الكنيسة " إنها نفس المسلّمة التي قامت عليها فلسفات التاريخ " العلمانية " مع تعديل بسيط يتمثل في إحلال كلمة أوروبا أو " الغرب " محل " الكنيسة " ، إن فلسفة التاريخ في الثقافة الأوروبية مبنية كلها فعلاً على هذه المسلمة ، مسلمة " أن الإنسانية إنما خلقت من أجل أوروبا".

      وقد عبر عن هذه الأيديولوجية الغربية في نظرتها للآخر المخالف أصدق تعبير ما قاله البروفيسور " روبرت سولمون " في كتابه ( ثقافة الهيمنة) عندما تناول أيديولوجيا الهيمنة والثقافة المهيمنة ويدين افراطاتها وادعاءاتها. ويركز على فترة ساحرة من التاريخ والثقافة الأوروبيين الحديثين ( 1750 ـ 1850 ) عندما بدأ المثقفون الغربيون ينظرون إلى التقاليد والقيم الثقافية الغربية على أنها المنقذ والمرشد للحضارة الإنسانية بأكملها ، ومن خلال دراسته لأهم الفلاسفة والمفكرين والفنانين الغربيين البرجوازية المتعالية باسم " الإنسانية " يخلص سولومون إلى أن الوقت قد حان لكي يدرك الغرب كم كانت حضارته متجذرة ليس في كونيتها وإنما في ادعاءاتها بهذه الكونية ، وإن على الثقافة الأوروبية والغربية بشكل عام أن تدرك أنها مجرد واحدة من الثقافات المتعددة ، وأن مفهومها للطبيعة الإنسانية ليس إلا أسطورة من أساطير متعددة. ويختتم سولومون كتابه بالقول: إن هذه الأساطير الهوميرية التي يحبها فلاسفة من أمثال روسو وكانط وهيجل وماركس قد انتهت أو يجب أن تنتهي ، وأن الوقت قد حان لكي تبدأ الحضارة الغربية بالاستماع إلى الشعوب والحضارات والثقافات الأخرى بشكل جدي".

      ووضعوا لهذه الهجمة الاستعمارية المبررات والمسوغات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية " ولم يكن الاستعمار يبرر ويسوغ بمساهمة الأناجيل بل بمساهمة الحضارة العلمية والعلمانية ونقلها إلى الشعوب البدائية " الراسبة في المرحلة " اللاهوتية " فليس من قبيل المصادفة البتة ، بل على العكس ومن باب الانسجام الفكري أن يكون أعظم حامل لهذه الأيدولوجيا مؤسس المدرسة العلمانية " جول فري " هو في الوقت نفسه المحرض على الغزو الاستعماري في مدغشقر في تونس والفيتنام .. هذا المفكر الواضح كان في فرنسا المنظر الأعنف للاستعمار، مثلما كان في إنجلترا ستيوارت ميل وهو تلميذ آخر من تلامذة وضعية " أوغوست كونت " ففي خطابه يوم 28 يوليو 1885م أمام مجلس النواب أعلن:" أجل نحن نتبنى سياسة توسع استعماري قائمة على نظام وهذه السياسة الاستعمارية تقوم على ثلاث قواعد: اقتصادية .. إنسانية وسياسية ". وفي فقرة أخرى قال " لا أتردد في القول أن هذا ليس من السياسة ولا هو من التاريخ أنه من الميتافيزيقيا السياسية. أيها السادة لا بد من القول بصوت أرفع وبحقيقة أكثر. يجب القول بصراحة أن للأعراق العليا حقاً عملياً على الأعراق السفلى".

      وقد لاقت الكثير من النظريات والفلسفات النقد والاتهام من فلاسفة أوروبيين ناقشوا الكثير من الآراء والمنطلقات البعيدة عن مفاهيم القيم الروحية ومنهم الفيلسوف الألماني " شبنلجر " في كتابه:" انهيار الحضارات " و د/ الكيس كاريل في كتابه (الإنسان ذلك المجهول) و" جوليان هكسلي " بدراسته الفلسفية المعارضة " للداروينية " وقد طرح هؤلاء وغيرهم أن المقياس الحقيقي لعظمة الإنسان هو مقدار تأثير إبداعاته المادية في مشاعره وعواطفه وكيانه النفسي ، فإذا استعملها للسمو بالإنسانية فهي مظهر عظمة صادقة. وإن استغلها في سبيل الفتك والقهر والأثرة والأنانية والاستغراق في الملذات فهي مظهر انحطاط وانهيار، من هنا فان العلمانية الغربية تلاقي نقدا شديدا ولكنها، في تركيا الكمالية تطرفت كثيرا حتى جعلها البعض وكأنها عقيدة لا تمس!.

      ولكن هذه المؤسسة بدأت تدرك أنه لا يمكن تجاهل القبول الشعبي الكبير للإسلاميين الأتراك خاصة أنهم أصحاب رؤية متوازنة ومعتدلة وحققوا نجاحاً سياسياً واقتصادياً داخلياً وخارجياً ، من هنا نعتقد أن العلمانية التركية ستتراجع عن مقولة ( تقويض الأسس العلمانية ) وستكون أكثر حياداً في المستقبل قبل أن تتوارى عن المشهد السياسي التركي .. والعاقبة لله عز وجل.


      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية

      وأدعوكم للإستفادة بمقالات متقدمة في مجال التقنية والأمن الإلكتروني
      رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
      المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
      والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني
      Eagle Eye Digital Solutions