أطفال يلعبون الواقع

    • أطفال يلعبون الواقع

      الوطن - خولة بنت سلطان الحوسني:



      بينما كنت في زيارة اعتيادية لإحدى المستشفيات الحكومية وفي انتظار كالمعتاد لكن هذه المرة من دون ملل بل أمنيات رددها عقلي الباطن بان يطول الوقت فالمشهد الذي كان أمامي استمر لما لا يزيد على النصف ساعة جعلني أكمله في مخيلتي حتى جاء دوري وانتهت الحادثة فلم أحس بأن نصف يوم قضيته في المستشفى .. كاد الضجر يقترب مني وأنا أشاهد الكبيرات في السن غزاهن النعاس واستسلمن له بالتمدد على الأرض أو على كراسي الانتظار، وإلا بمجموعة من الأطفال يبدو عليهم أنهم من أسرة متواضعة متفاوتين في الأعمار يدخلون والمرح يملأهم متجهين مباشرة إلى وسط صالة الانتظار حيث مجموعة من الألعاب المنتهية الصلاحية وضعت للأطفال، هؤلاء كانوا يرتادون نفس المكان منذ أن كانت أعمارهم أيام ، أكبرهم في العاشرة وقد فقد إحدى عينيه وهو ابن السبعة أيام وأخواته اللواتي يصغرنه الأولى بأربع سنوات والثانية بست سنوات أيضًا يعانين من مشاكل في البصر.

      في الطاولة التي توسطت الصالة أخذوا يفتشون في الألعاب لكن لا جدوى فما كان في حالة شبه جيدة فهي في أيدي أطفال آخرين ، لكنهم يعلمون أن الانتظار سيطول فكان لابد من البحث عن حل ، لفت انتباه أحدهم مجموعة من مطويات التوعية توزعت على الأرض هنا وهناك فأنقذت الموقف عندما خطر ببال أحدهم لعبة البائع والمشتري ، فتوزعت الأدوار تلقائيًا وكأنها لعبة تعودوا عليها ، البنت الصغرى ذات الأربع سنوات هي البائع التي ستبيع الألعاب الموجودة على الطاولة ، المطويات هي الأوراق النقدية التي سيتم التعامل بها والأخ والأخت الأخرى هم الزبائن الذي سيتجهون للمحل للتبضع ، وقبل بدء اللعبة وفي حوار جانبي حدد الأخ الأكبر سعر المطوية مع أخته التي تصغره سنًا بأن المطوية ستعادل ريال فردت عليه (لا أحسن مائة بيسة) ، فرد عليها (لو المائة بيسة تجيب شيء بتحصليني كل يوم في الدكان ، الريال إذا جاب شيء بعده زين) ، لم تجب عليه وأومأت برأسها بالموافقة ، اتجهوا إلى دكان الأخت التي تصغرهم والذي هو الطاولة في وسط الصالة وقد بدأت البائعة بترتيب الألعاب على الطاولة متقمصة الدور بإتقان، دخل الأخ بكم هذا الدبدوب الأبيض فأجابت بريال واقتربت الأخت الأخرى وأشارت إلى أحد الألعاب هذا بكم؟ فأجابت هذا بنص ريال ردت عليها بكل عفوية (الناس بيضحكوا عليش إذا بعتي شيء بنص ريال أقل شيء في السوق بريال) فأخذت اللعبة واتجهت لأمها التي كانت مندمجة في سرد رواية أبنائها للنساء المتعاطفات معها ، وبعد نداء طويل للأم أجابت الأم فقالت البنت (شوفي أختي هبله تريد تبيع بضاعتها بنص ريال) فأجابت الأم (أختكم صغيره وما تعرف شيء).

      وفي مشهد آخر من اللعبة خصصوا إحدى الطاولات الجانبية ماكينة سحب الآلي وكانوا يتجهون إليها لأخذ النقود التي هي المطويات ولكنها "الماكينة" تخيب ظنهم لأن لم يتبق فيها غير خمسة ريالات ولا يمكن سحبها ، فتجمعوا في نقاش حول الموضوع والاستغراب يملأ وجوههم (لم نذهب للتبضع إلا مرتين هذا الشهر ولم يتبق إلا خمس ريالات) قال الأخ الأكبر ... فأشارت عليه الأخت الأصغر منه أحسن نغير اللعبة هذه اللعبة مملة ... انتهت اللعبة.

      أطفال في عمر الزهور انقلبت ألعابهم إلى تجسيد لمعاناتهم كغيرهم وغيرهم من المواطنين الذي وصلوا لهكذا حالة من خلال جشع التجارة وسيطرة فئات على السوق ، حتى الأطفال هم مهمومون من ذلك ، والمعاناة تقع عليهم بالدرجة الأولى فليس من مال لشراء لعبو تزين مرحلة الطفولة وليس من مال لشراء ما يلزمهم، المتنفس الوحيد الأماكن العامة وأي مكان وجدت به ألعاب كما هو حال هؤلاء الأطفال.

      فالسوق ليس للجميع بل أصبح مخصصًا لفئات معينة وأما غير ذلك فهم من حقهم التسوق من خلال النوافذ دون الاقتراب من طاولة المحاسب.

      دمتم أيها الأطفال أعزاء النفس.

      هذه قصة واقعية وليست من نسج خيالي.


      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية

      وأدعوكم للإستفادة بمقالات متقدمة في مجال التقنية والأمن الإلكتروني
      رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
      المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
      والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني
      Eagle Eye Digital Solutions